أردتُ أن أجمع أقوال العلماء في النووي، فوجدتُني أمام سيل
كنتُ أنوي أن أجمع أقوال العلماء في الإمام أبي زكريا النووي رحمه الله، وجلستُ أبحث في كلام الأئمة وتراجمهم؛ فإذا بي أمام سيلٍ من الثناء العاطر، والألقاب الفخمة، والشهادات التي لا تكاد تجتمع لرجل.
فجمعتُ بعض ما وصفه به هؤلاء الأئمة، فإذا هو:
شيخي وقدوتي... العالم الرباني المتفق على علمه وإمامته وجلالته.
الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام عَلَم الأولياء. وقال أيضًا: مفتي الأمة، شيخ الإسلام. وجعله سيد أهل هذه الطبقة.
قطب الزمان، وعين الوقت.
فقيه الأمة، وعَلَم الأئمة، وأوحد زمانه.
العلامة شيخ المذهب وكبير الفقهاء في زمانه... محرر المذهب ومهذبه وضابطه ومرتبه.
الفقيه الإمام الزاهد القدوة.
فقلت في نفسي: ماذا تصنع أنت؟ أتجمع ترجمةً للنووي وتدافع عن إمامته، وقد ترجم له هؤلاء الجبال قبلك، وعرفوا كتبه، ووقفوا على كلامه، وكان بعضهم أقرب إليه عصرًا، وبعضهم من تلامذته أو تلامذة تلامذته، ثم شهدوا له بهذه الشهادات؟!
وتخيلوا فقط: مَن الذين قالوا هذه الأوصاف؟
والملفت أن هؤلاء ليسوا رجال مذهب واحد، ولا مدرسة واحدة، ولا عصر واحد؛ فيهم الحنبلي والشافعي، وفيهم المحدث والفقيه والمؤرخ، وفيهم من عُرف بشدة العناية بعقيدة السلف ونقد المخالفين.
ومع ذلك تتكرر في كلامهم كلمات: الإمام، والقدوة، وشيخ الإسلام، والحافظ، والفقيه، والزاهد، والعالم الرباني.
لسنا نقول إن النووي معصوم، ولا إن كل ما قاله صواب؛ فالخطأ يُرد، والحق أحب إلينا من كل أحد. ولكن هناك فرق شاسع بين أن تقول: أخطأ الإمام النووي في كذا، وبين أن تجعل مهمتك إسقاط الرجل والطعن في دينه وإمامته، وكأن هذه القرون من علماء المسلمين لم تفهم ما فهمتَه أنت اليوم!
والأعجب من ذلك كله أن ترى بعض من يضرب بهذه التزكيات عرض الحائط، ولا يقيم لكلام الذهبي وابن تيمية وابن رجب وابن كثير وابن عبد الهادي وغيرهم وزنًا إذا أثنوا على النووي، ثم لو أثنى على شخصه ملحدٌ أو رافضيٌّ أو خصمٌ من خصوم الإسلام طار بكلامه فرحًا، وقصَّ منه المقاطع، وصنع المنشورات!
سبحان الله!
تزكية هؤلاء الجبال للإمام النووي لا تساوي عنده شيئًا، أما كلمة توافق هواه من ملحدٍ أو رافضيٍّ فتصبح شهادةً تاريخيةً تُنشر ويُحتفى بها!
أيُّ ميزانٍ هذا؟!
فليتق الله امرؤٌ في لسانه؛ فإن أعراض العلماء ليست ميدانًا للعبث، ولحومهم مسمومة، ومن كان بينه وبين هؤلاء الأئمة في العلم ما بين الثرى والثريا، فالأليق به أن يتهم فهمه قبل أن يتهم فهم أجيالٍ من جهابذة الإسلام.
