قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ﴾. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «قد فعلتُ».
البيانيا بني، أعرني قلبك لحظة، ولنبدأ من نبع النور؛ فهذا هو الأصل الذي تتكسر أمامه كل شبهة.
رفع المؤمنون أيديهم بالضراعة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فهل ترك الله هذه القلوب ترتجف بين الخوف والرجاء؟ لا، بل جاء الخبر اليقين من الصادق المصدوق ﷺ، أن رب السماوات والأرض قال من فوق عرشه: «قد فعلتُ».
قف هنا. إذا رفع الخالق العظيم المؤاخذة عن المخطئ والناسي، فهل هذا رأيٌ لعالمٍ يَقبَلُ النقاش؟ أم استنباطٌ فقهي يحتمل النزاع؟ هذا خبر السماء! ووعد الديان الذي لا يُخلف!
تأمل في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ نحن نَحصرُ «الوُسْعَ» غالباً في طاقة الأبدان واحتمال المشاق، ونَغْفُلُ عن وُسعِ العقول والمدارك! فكما لم يُكَلِّف الله الجسد أن يَحمِلَ جبلًا، لم يُكَلِّف العقل البشري أن يبلغ كمال العصمة أو يحيط بالغيب. عقول الناس منازل، وخَطَأُ العالم المجتهد ليس جنايةً يُشهَّر بها، بل هو أثرُ «الطين» في جِبِلّتنا البشرية؛ فطوبى لمن اتّسع قلبُه لعُذر الخَلق، كما اتّسعتْ حكمةُ الله لضعفهم وعجزهم.
ومن فقه هذا الركن العظيم، يكسر شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو الخبير بأدواء الغلو ومزالق الأفهام- شوكة التسرع في التبديع والتجريح بقاعدةٍ ساطعة يقول فيها: «وليس كلُّ من يُتْرَكُ بعضُ كلامه لخطأ أخطأه يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ، بل ولا يأثم؛ فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلتُ».. فتأمل كيف وسِع عفوُ الله ورحمته خطأ المجتهد حتى رفع عنه الإثم بالكلية، بينما تأبى قلوبُ الغلاة إلا إهدار إمامته، وإسقاط فضله، وتجريده من سوابق خدمته لدين الله؛ فأيُّ ميزانٍ هذا الذي يضيق فيه حِلمُ العبد عمّن وسِعه حِلمُ رب العالمين وحكمُ شريعته!
والآن.. انظر بعين البصيرة إلى هذا الغالي الذي نصب نفسه حكماً وجلاداً لأعراض أئمة الإسلام؛ قل له: يا هذا، إذا كان شيخ الإسلام وأئمة التحقيق يستدلون بتقرير النص القرآني والحديث الصحيح في قوله تعالى: «قد فعلتُ» على أن العالم المجتهد، المشهود له بالفضل وحسن القصد في نصرة الشريعة، معذورٌ في زلته ومرفوعٌ عنه الإثم -وليس الحديث هنا عن معاندٍ مفسد ولا محاربٍ لدين الله يتربص لنشر الشبهات- فمن أنت حتى تنتفخ كِبراً بلسان حالك وتجريحك لتقول: «أما أنا فلن أعذر ولن أغفر»؟! أتظن صنيعك هذا غيرةً على الشريعة وحراسةً لجناب السنة؟ كلا والله، بل هو استعلاءُ نفسٍ مريضة تستر كِبرها برداء الدين، وضيقُ أفقٍ يرفض فقه الأئمة، ونصبٌ لميزانٍ جائرٍ تسوّي فيه بين حَمَلة الملة والمحاربين لها، وتخالف به مسلك أهل السنة والجماعة في العدل والرحمة والإنصاف!
وانظر إلى تناقض هذا المغرور العجيب؛ مشهدٌ يجمع بين المرارة والأسى: يقف في صلاته خاشعاً يرجو النجاة، يناجي ربه متوسلاً: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فيستمطر الرحمة الواسعة لذنوبه وتقصيره، فما هو إلا أن يُسلّم من صلاته حتى يستلّ خنجر التبديع والإسقاط، ويُحاسب أئمة الإسلام وجبال العلم بميزانٍ حديدي صارم لا يثبت هو عليه طرفة عين! يُنَقِّبُ في بطون الأسفار تنقيبَ الباحث عن سقطةٍ عارضة أو وهمٍ يسير، ليَهدم بها إمامة عالمٍ أفنى عمره وصحته في حراسة الشريعة ونصرة السنة؛ فيطلب لنفسه من الله عفوَ الكريم، ويعامل أولياء الله وحَمَلة دينه بقسوة الغريم، وما درى المسكين أن من تتبّع عثرات أهل الفضل أوشك أن يفضحه الله في عقر داره!
تأمل في وعيد الله القاطع لمن يبخس الناس في مكاييل الدنيا الفانية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾؛ فإذا كان هذا الهلاك متوجهاً لمن نقص درهماً أو بخس حبةً من حطام الأرض، فكيف بربّك بمن يُطفّف في موازين العدل وخزائن رحمة الله وحرمات أوليائه؟! يستوفي لنفسه ولشيخه الجاهل حظوظ العفو وحسن الظن والمعذرة وافيةً تامة، فإذا جاء إلى ورثة الأنبياء وحَمَلة الشريعة طفّف الميزان، وبخسهم سوابق جهادهم وفضلهم، وشحّ عليهم بأدنى عذرٍ أو تأويل!
فبئس الميزان ميزانٌ جائر يستحل إسقاط الكبار، وبئست التجارة الخاسرة تجارةُ امرئٍ جعل رأس ماله تتبّع عثرات الأخيار والولوغ في لحوم العلماء!

