بصائر

الْوَحْيُ يَحْكُم، وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُون

يَا مَنْ يَعُدُّ نَفْسَهُ عَلَى السُّنَّة: لَا نَبْدَأُ مَعَكَ بِخُصُومَةٍ، وَلَا نَسْأَلُكَ أَنْ تُحْسِنَ الظَّنَّ بِنَا. نَبْدَأُ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ رَدَّه: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّه، ثُمَّ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثُمَّ شَهَادَةُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن. فَإِنْ سَلَّمْتَ لَهَا أَغْنَتْكَ عَمَّا بَعْدَهَا، وَإِنْ رَدَدْتَهَا لَمْ يَنْفَعْكَ مَا بَعْدَهَا.

89 نقلًا43 مصدرًا

هَذَا الْبَابُ دَرَجَتَان: كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَهُوَ النُّورُ الْحَاكِمُ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ؛ ثُمَّ أَقْوَالُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تُسَاقُ شَاهِدَةً لَه، كَاشِفَةً عَنْ فِقْهِه، وَمُبَيِّنَةً أَنَّ هَذَا الْمِيزَانَ لَمْ يَكُنْ رَأْيًا طَارِئًا، بَلْ هُوَ مَا تَوَارَثَتْهُ الْأُمَّةُ جِيلًا بَعْدَ جِيل.

وَتَحْتَ كُلِّ نَقْلٍ «بَيَان»؛ لَا يُزَاحِمُ النَّصَّ وَلَا يَسْتَطِيلُ عَلَيْه، وَإِنَّمَا يَفْتَحُ مَوْضِعَ الدَّلَالَة، وَيَجْمَعُ أَطْرَافَ الْحُجَّة، وَيَرُدُّ الْقَارِئَ مِنْ ضَجِيجِ الْخُصُومَةِ إِلَى نُورِ الْوَحْيِ وَفِقْهِ الْأَئِمَّة. فَالنَّقْلُ هُوَ الْأَصْل، وَالْبَيَانُ مِصْبَاحٌ يَكْشِفُ مَا فِيه؛ لَا يَزِيدُ فِي سُلْطَانِه، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُ أَنْ تَمُرَّ دَلَالَتُهُ عَلَى الْعَيْنِ وَقَلْبُهَا غَافِل.

لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ هُنَا عَلَى تَقْدِيسِ الْأَشْخَاص؛ فَصَاحِبُ الْهَوَى يُعَظِّمُ الرِّجَالَ مَا وَافَقُوهُ وَيَطْرَحُهُمْ إِذَا خَالَفُوه! إِنَّمَا عُمْدَتُنَا الْوَحْيُ الْمَعْصُومُ (الْكِتَابُ وَالسُّنَّة) مَشْفُوعًا بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن، حَتَّى لَا تُرْمَى الْحَقَائِقُ بِـ «التَّمْيِيع»؛ فَإِنْ سَلَّمَ الْخَصْمُ لَزِمَهُ الْحَقّ، وَإِنْ زَعَمَ ضَلَالَ الْأَئِمَّةِ وَانْفِرَادَهُ بِالصَّوَابِ فَقَدْ حَارَبَ مِيرَاثَ الْإِسْلَامِ كُلَّه!

وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ «طَالِبَ الْحَقِّ يَكْفِيهِ دَلِيلٌ وَاحِد، وَصَاحِبَ الْهَوَى لَا يَكْفِيهِ أَلْفُ دَلِيل».

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ﴾. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «قَدْ فَعَلْتُ».

البيانيَا بُنَيَّ، أَعِرْنِي قَلْبَكَ لَحْظَةً، وَلْنَبْدَأْ مِنْ نَبْعِ النُّورِ؛ فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تَتَكَسَّرُ أَمَامَهُ كُلُّ شُبْهَة.

رَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ أَيْدِيَهُمْ بِالضَّرَاعَة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فَهَلْ تَرَكَ اللَّهُ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَرْتَجِفُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاء؟ لَا، بَلْ جَاءَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ مِنَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ﷺ، أَنَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَالَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ: «قَدْ فَعَلْتُ».

قِفْ هُنَا. إِذَا رَفَعَ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي، فَهَلْ هَذَا رَأْيٌ لِعَالِمٍ يَقْبَلُ النِّقَاش؟ أَمِ اسْتِنْبَاطٌ فِقْهِيٌّ يَحْتَمِلُ النِّزَاع؟ هَذَا خَبَرُ السَّمَاء! وَوَعْدُ الدَّيَّانِ الَّذِي لَا يُخْلَف!

تَأَمَّلْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ نَحْنُ نَحْصُرُ «الْوُسْعَ» غَالِبًا فِي طَاقَةِ الْأَبْدَانِ وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ، وَنَغْفُلُ عَنْ وُسْعِ الْعُقُولِ وَالْمَدَارِك! فَكَمَا لَمْ يُكَلِّفِ اللَّهُ الْجَسَدَ أَنْ يَحْمِلَ جَبَلًا، لَمْ يُكَلِّفِ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ أَنْ يَبْلُغَ كَمَالَ الْعِصْمَةِ أَوْ يُحِيطَ بِالْغَيْب. عُقُولُ النَّاسِ مَنَازِلُ، وَخَطَأُ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ لَيْسَ جِنَايَةً يُشَهَّرُ بِهَا، بَلْ هُوَ أَثَرُ «الطِّينِ» فِي جِبِلَّتِنَا الْبَشَرِيَّةِ؛ فَطُوبَى لِمَنِ اتَّسَعَ قَلْبُهُ لِعُذْرِ الْخَلْقِ، كَمَا اتَّسَعَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ لِضَعْفِهِمْ وَعَجْزِهِمْ.

وَمِنْ فِقْهِ هَذَا الرُّكْنِ الْعَظِيمِ، يَكْسِرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -وَهُوَ الْخَبِيرُ بِأَدْوَاءِ الْغُلُوِّ وَمَزَالِقِ الْأَفْهَامِ- شَوْكَةَ التَّسَرُّعِ فِي التَّبْدِيعِ وَالتَّجْرِيحِ بِقَاعِدَةٍ سَاطِعَةٍ يَقُولُ فِيهَا: «وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأٍ أَخْطَأَهُ يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ، بَلْ وَلَا يَأْثَمُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي دُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ».. فَتَأَمَّلْ كَيْفَ وَسِعَ عَفْوُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ خَطَأَ الْمُجْتَهِدِ حَتَّى رَفَعَ عَنْهُ الْإِثْمَ بِالْكُلِّيَّةِ، بَيْنَمَا تَأْبَى قُلُوبُ الْغُلَاةِ إِلَّا إِهْدَارَ إِمَامَتِهِ، وَإِسْقَاطَ فَضْلِهِ، وَتَجْرِيدَهُ مِنْ سَوَابِقِ خِدْمَتِهِ لِدِينِ اللَّهِ؛ فَأَيُّ مِيزَانٍ هَذَا الَّذِي يَضِيقُ فِيهِ حِلْمُ الْعَبْدِ عَمَّنْ وَسِعَهُ حِلْمُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَحُكْمُ شَرِيعَتِهِ!

وَالْآنَ.. انْظُرْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ إِلَى هَذَا الْغَالِي الَّذِي نَصَبَ نَفْسَهُ حَكَمًا وَجَلَّادًا لِأَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ؛ قُلْ لَهُ: يَا هَذَا، إِذَا كَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَأَئِمَّةُ التَّحْقِيقِ يَسْتَدِلُّونَ بِتَقْرِيرِ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «قَدْ فَعَلْتُ» عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ الْمُجْتَهِدَ، الْمَشْهُودَ لَهُ بِالْفَضْلِ وَحُسْنِ الْقَصْدِ فِي نُصْرَةِ الشَّرِيعَةِ، مَعْذُورٌ فِي زَلَّتِهِ وَمَرْفُوعٌ عَنْهُ الْإِثْمُ -وَلَيْسَ الْحَدِيثُ هُنَا عَنْ مُعَانِدٍ مُفْسِدٍ وَلَا مُحَارِبٍ لِدِينِ اللَّهِ يَتَرَبَّصُ لِنَشْرِ الشُّبُهَاتِ- فَمَنْ أَنْتَ حَتَّى تَنْتَفِخَ كِبْرًا بِلِسَانِ حَالِكَ وَتَجْرِيحِكَ لِتَقُولَ: «أَمَّا أَنَا فَلَنْ أَعْذِرَ وَلَنْ أَغْفِر»؟! أَتَظُنُّ صَنِيعَكَ هَذَا غَيْرَةً عَلَى الشَّرِيعَةِ وَحِرَاسَةً لِجَنَابِ السُّنَّة؟ كَلَّا وَاللَّهِ، بَلْ هُوَ اسْتِعْلَاءُ نَفْسٍ مَرِيضَةٍ تَسْتُرُ كِبْرَهَا بِرِدَاءِ الدِّينِ، وَضِيقُ أُفُقٍ يَرْفُضُ فِقْهَ الْأَئِمَّةِ، وَنَصْبٌ لِمِيزَانٍ جَائِرٍ تُسَوِّي فِيهِ بَيْنَ حَمَلَةِ الْمِلَّةِ وَالْمُحَارِبِينَ لَهَا، وَتُخَالِفُ بِهِ مَسْلَكَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِنْصَافِ!

وَانْظُرْ إِلَى تَنَاقُضِ هَذَا الْمَغْرُورِ الْعَجِيبِ؛ مَشْهَدٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرَارَةِ وَالْأَسَى: يَقِفُ فِي صَلَاتِهِ خَاشِعًا يَرْجُو النَّجَاةَ، يُنَاجِي رَبَّهُ مُتَوَسِّلًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فَيَسْتَمْطِرُ الرَّحْمَةَ الْوَاسِعَةَ لِذُنُوبِهِ وَتَقْصِيرِهِ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ صَلَاتِهِ حَتَّى يَسْتَلَّ خَنْجَرَ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ، وَيُحَاسِبَ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ وَجِبَالَ الْعِلْمِ بِمِيزَانٍ حَدِيدِيٍّ صَارِمٍ لَا يَثْبُتُ هُوَ عَلَيْهِ طَرْفَةَ عَيْن! يُنَقِّبُ فِي بُطُونِ الْأَسْفَارِ تَنْقِيبَ الْبَاحِثِ عَنْ سَقْطَةٍ عَارِضَةٍ أَوْ وَهْمٍ يَسِيرٍ، لِيَهْدِمَ بِهَا إِمَامَةَ عَالِمٍ أَفْنَى عُمُرَهُ وَصِحَّتَهُ فِي حِرَاسَةِ الشَّرِيعَةِ وَنُصْرَةِ السُّنَّةِ؛ فَيَطْلُبُ لِنَفْسِهِ مِنَ اللَّهِ عَفْوَ الْكَرِيمِ، وَيُعَامِلُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَحَمَلَةَ دِينِهِ بِقَسْوَةِ الْغَرِيمِ، وَمَا دَرَى الْمِسْكِينُ أَنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَثَرَاتِ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْشَكَ أَنْ يَفْضَحَهُ اللَّهُ فِي عُقْرِ دَارِهِ!

تَأَمَّلْ فِي وَعِيدِ اللَّهِ الْقَاطِعِ لِمَنْ يَبْخَسُ النَّاسَ فِي مَكَايِيلِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾؛ فَإِذَا كَانَ هَذَا الْهَلَاكُ مُتَوَجِّهًا لِمَنْ نَقَصَ دِرْهَمًا أَوْ بَخَسَ حَبَّةً مِنْ حُطَامِ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ بِرَبِّكَ بِمَنْ يُطَفِّفُ فِي مَوَازِينِ الْعَدْلِ وَخَزَائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَحُرُمَاتِ أَوْلِيَائِه؟! يَسْتَوْفِي لِنَفْسِهِ وَلِشَيْخِهِ الْجَاهِلِ حُظُوظَ الْعَفْوِ وَحُسْنِ الظَّنِّ وَالْمَعْذِرَةِ وَافِيَةً تَامَّةً، فَإِذَا جَاءَ إِلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ طَفَّفَ الْمِيزَانَ، وَبَخَسَهُمْ سَوَابِقَ جِهَادِهِمْ وَفَضْلِهِمْ، وَشَحَّ عَلَيْهِمْ بِأَدْنَى عُذْرٍ أَوْ تَأْوِيل!

فَبِئْسَ الْمِيزَانُ مِيزَانٌ جَائِرٌ يَسْتَحِلُّ إِسْقَاطَ الْكِبَارِ، وَبِئْسَتِ التِّجَارَةُ الْخَاسِرَةُ تِجَارَةُ امْرِئٍ جَعَلَ رَأْسَ مَالِهِ تَتَبُّعَ عَثَرَاتِ الْأَخْيَارِ وَالْوُلُوغَ فِي لُحُومِ الْعُلَمَاء!

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

البيانقِفْ عِنْدَ هَذَا الْبَيَانِ الرَّبَّانِيّ؛ فَقَدْ ضَمَّ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ ﷺ جَرِيمَةً أُخْرَى، أَلَا وَهِيَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وَمِنْ هَذِهِ الْمِشْكَاةِ اسْتَنْبَطَ الْأَئِمَّةُ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاع؛ فَمَتَى اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَمْرٍ صَارَ إِجْمَاعُهَا هُوَ «السَّبِيل»، فَمَنْ تَنَكَّبَهُ فَقَدْ حَادَ عَنِ الْجَادَّةِ، وَاصْطَفَّ فِي خَنْدَقِ الْمُشَاقِقِينَ لِلدِّين.

ثُمَّ أَمْعِنِ النَّظَرَ فِي وَعِيدِ الْخِتَام: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾؛ أَيْ نَكِلُهُ إِلَى مَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِه.

وَلَعَمْرِي، إِنَّ هَذَا لَأَشَدُّ خِذْلَانٍ يُبْتَلَى بِهِ عَبْدٌ؛ أَنْ يَتْرُكَهُ اللَّهُ لِرَأْيِه.

فَمَنْ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَبِدًّا بِفَهْمِهِ، تَخَلَّى اللَّهُ عَنْهُ وَتَرَكَهُ مَعَ غُرُورِهِ الَّذِي فَارَقَ بِهِ سَوَادَ الْأُمَّةِ، لِيَكُونَ الْمَآلُ الْمُفْجِع: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾.

فَزِنْ -رَعَاكَ اللَّهُ- حَالَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ بِهَذَا الْمِيزَانِ الْقُرْآنِيِّ، وَاعْرِضْهُمْ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةٍ أَحْدَثُوا بِهَا جَلَبَةً وَضَجِيجًا؛ أَلَا وَهِيَ الطَّعْنُ فِي الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَتَبْدِيعُهُ وَتَضْلِيلُهُ وَتَسْوِيغُ تَكْفِيرِه.

وَيْحَكَ يَا مُسْلِم! أُمَّةٌ بِأَكْمَلِهَا، بِعُلَمَائِهَا الْأَثْبَاتِ، تُقِرُّ بِفَضْلِهِ وَإِمَامَتِهِ، لَمْ يَشِذَّ عَنْ ذَلِكَ عَالِمٌ مُعْتَبَرٌ طِيلَةَ سَبْعَةِ قُرُونٍ، ثُمَّ يَنْبُتُ نَابِتٌ يَشُنُّ الْغَارَةَ عَلَيْهِ، وَيُضَلِّلُهُ، وَيُسَوِّغُ تَكْفِيرَه!

سَلْهُ: بِأَيِّ سَبِيلٍ مَشَيْت؟ إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ «سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ»، فَاقْمَعْهُ بِقَوْلِكَ: سَمِّ لَنَا إِمَامًا وَاحِدًا سَبَقَكَ إِلَى هَذَا السَّبِيلِ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ السَّبْعَة!

فَإِنْ أُبْلِسَ وَعَجَزَ، فَقَدْ دَانَ نَفْسَهُ بِلِسَانِه.

فَإِنْ تَتَرَّسَ بِشُبْهَتِهِ قَائِلًا: «الْعِبْرَةُ بِالدَّلِيلِ لَا بِكَثْرَةِ الْمُوَافِقِينَ!»، فَادْفَعْ فِي صَدْرِهِ وَقُلْ: كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِل؛ نَعَمْ، الْعِبْرَةُ بِالدَّلِيلِ، وَلَكِنْ مَنْ ذَا الَّذِي يَفْهَمُ الدَّلِيل؟ أَأَنْتَ وَحْدَكَ الَّذِي هُدِيتَ إِلَيْهِ وَعَمِيَ عَنْهُ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا؟!

إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَالسَّبِيلُ إِنَّمَا هُوَ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ مَطْرُوق. لَقَدْ سَلَكَ الْمُسْلِمُونَ سَبِيلًا بَيِّنًا، وَشَقَّ غُلَاةُ «الْحَدَّادِيَّةِ» لِأَنْفُسِهِمْ طَرِيقًا مُعْوَجًّا، ثُمَّ عَجَزُوا أَنْ يُسَمُّوا سَلَفًا لَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْهَجِ الْخَبِيث.

وَدَعْنِي أَكْشِفْ لَكَ الْبَاعِثَ الدَّفِينَ وَرَاءَ هَذَا الشُّذُوذِ لِتَعْرِفَ حَقِيقَةَ الدَّاء.

وَايْمُ اللَّهِ، مَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ كَمَا يَزْعُمُون؛ فَلَوْ صَدَقُوا لَبَدَأُوا بِأَنْفُسِهِم.

إِنَّمَا هِيَ آفَةٌ نَفْسِيَّة؛ فَالنُّفُوسُ الصِّغَارُ إِذَا قَصُرَتْ هِمَمُهَا عَنْ بُلُوغِ مَنَازِلِ الْأَكَابِرِ، تَعَزَّتْ عَنْ نَقْصِهَا بِتَحْطِيمِ أَهْلِ الْفَضْل. فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الِارْتِقَاءِ إِلَيْهِمْ، اشْتَفَى بِإِنْزَالِهِمْ إِلَيْه!

وَهُوَ دَاءٌ قَدِيمٌ، يَتَلَوَّنُ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِثَوْبٍ، وَثَوْبُهُ الْيَوْمَ: ادِّعَاءُ الدِّفَاعِ عَنِ الْعَقِيدَة؛ تَمَامًا كَمَا فَعَلَ سَلَفُهُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ حِينَ رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَفَّرُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ بِاسْمِ الدِّين.

فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ، اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلِ النَّجَاةَ فِي ذَلَاقَةِ اللِّسَانِ، وَلَا فِي كَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ، وَلَا فِي بَرَاعَةِ الْجَدَلِ وَتَزْوِيقِ الْمَرْئِيَّاتِ (فَلَاتِرِ الْفِيدْيُو). إِنَّمَا جَعَلَ النَّجَاةَ فِي أَنْ تَضَعَ قَدَمَكَ حَيْثُ وَضَعَ الْمُؤْمِنُونَ أَقْدَامَهُم. فَتَبَصَّرْ فِي أَيِّ الصَّفَّيْنِ تَقِف: أَفِي صَفٍّ يَزْخَرُ بِأَمْثَالِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَابْنِ رَجَبٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْهَادِي، وَابْنِ بَازٍ، وَابْنِ عُثَيْمِينَ، وَالْأَلْبَانِيِّ، وَسَائِرِ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْم؟

أَمْ فِي صَفِّ غُلَاةٍ حَيَارَى، لَا شَيْخَ يُرَبِّيهِمْ، وَلَا عَالِمَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، بَلْ مَقَالِيدُهُمْ بِيَدِ صُنَّاعِ الْمُحْتَوَى وَثُلَّةٍ مِنَ الْأَغْمَارِ غِلَاظِ الْأَكْبَادِ قُسَاةِ الْقُلُوب؟!

إِنَّ الْخَطْبَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نِزَاعٍ فِي مَسْأَلَةٍ تُطْوَى وَتُنْسَى، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ جَلَلٌ سَتُسْأَلُ عَنْهُ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

فَتَخَيَّلْ وُقُوفَكَ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَقَدْ سَأَلَكَ: بِأَيِّ سَبِيلٍ مَشَيْت؟ فَإِنْ تَذَرَّعْتَ بِأَنَّكَ عَلَى «سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ»، قِيلَ لَكَ: فَأَيْنَ هُم؟ فَإِنِ الْتَفَتَّ فَلَمْ تَجِدْ إِمَامًا وَاحِدًا يَقِفُ فِي صَفِّكَ، فَقَدْ تَجَلَّى لَكَ الْيَوْمَ مِنَ الْخِذْلَانِ مَا سَتَلْقَاهُ غَدًا.

غَيْرَ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ وَالْأَوْبَةِ مُشْرَعٌ مَا دَامَ فِي الْعُمُرِ مُتَّسَع. فَلَيْسَ الْمُرَادُ إِحْرَاجَكَ بِالْإِقْرَارِ بِالْخَطَأِ أَمَامَ الْخَلْقِ، بَلْ غَايَةُ الْمُرَادِ أَنْ تَفِيءَ إِلَى الصَّفِّ الْمُبَارَكِ الَّذِي فَارَقْتَه.

فَمَنْ آبَ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ أَدْرَكَ النَّجَاةَ وَلَوْ فِي الرَّمَقِ الْأَخِير. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَن.

محمد بن شمس الدين يقرّر حجّية الإجماع بلسانه، والمقطع قبل نحو خمس سنين

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنِ اتَّبَعَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ فَوُلِّيَ مَعَهُمْ، وَلَا يَجْعَلَنَا مِمَّنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ فَهَلَك.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.

البيانتَدَبَّرْ -أَرْشَدَكَ اللَّهُ- كَيْفَ فَرَّقَ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ طَمَسَ الْغُلَاةُ الْفُرُوقَ بَيْنَهُمَا: الْخَطَأُ، وَالتَّعَمُّد.

فَرَفَعَ سُبْحَانَهُ الْجُنَاحَ عَنِ الْمُخْطِئِ رَفْعًا تَامًّا، وَنَاطَ الْمُؤَاخَذَةَ بِالتَّعَمُّدِ وَحْدَه. ثُمَّ أَمْعِنِ النَّظَرَ أَيْنَ جَعَلَ مُسْتَقَرَّ التَّعَمُّد؛ فَقَال: ﴿مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فَرَدَّهُ إِلَى الْمُضْغَةِ الْمَخْفِيَّةِ (الْقَلْبِ)، لَا إِلَى زَلَّةِ اللِّسَانِ، وَلَا إِلَى سَقْطَةِ الْقَلَمِ، وَلَا إِلَى تَسْطِيرِ الْوَرَق.

وَهَذَا مَفْرِقُ الطُّرُقِ الَّذِي ضَلَّ فِيهِ الْقَوْم؛ إِذْ تَرَاهُمْ يُسَمِّرُونَ أَنْظَارَهُمْ عَلَى اللَّفْظِ الْمُجَرَّد؛ فَمَتَى ثَبَتَ اللَّفْظُ، ثَبَتَ عِنْدَهُمُ الْحُكْمُ عَلَى قَائِلِهِ بِلَا هَوَادَةٍ، فِي حِسْبَةٍ جَافَّةٍ لَا فِقْهَ فِيهَا وَلَا رَوِيَّة. وَالْحَالُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعَلِّقِ الْأَحْكَامَ الْكُبْرَى بِاللَّفْظِ الْعَارِي، بَلْ بِمَا يَكْمُنُ وَرَاءَهُ مِنْ قَصْدِ الْقَلْب.

فَمَنْ أَصْدَرَ أَحْكَامَهُ مُتَمَسِّكًا بِاللَّفْظِ وَحْدَهُ، فَقَدْ شَقَّ الْآيَةَ فَأَخَذَ شَطْرَهَا وَنَبَذَ شَطْرَهَا الْآخَرَ، ثُمَّ سَمَّى عَوَارَهُ هَذَا تَحْقِيقًا وَتَدْقِيقًا!

ثُمَّ قِفْ مُتَأَمِّلًا دِقَّةَ الْبَيَانِ الْإِلَهِيّ: لَمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ «مَا تَعَمَّدْتُمْ»، بَلْ قَال: ﴿مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ فَنَسَبَ الْفِعْلَ لِلْقَلْبِ تَنْبِيهًا قَاطِعًا عَلَى أَنَّ مَنَاطَ الْمُؤَاخَذَةِ وَمَرْبِطَهَا يَقَعُ فِي سَرِيرَةٍ لَا يَعْلَمُ خَبَايَاهَا إِلَّا عَلَّامُ الْغُيُوب.

فَمَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُفَتِّشًا وَحَاكِمًا عَلَى مَقَاصِدِ النَّاسِ وَنَوَايَاهُمْ، فَقَدْ تَقَحَّمَ مُرْتَقًى صَعْبًا، وَجَلَسَ مَجْلِسًا لَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يَجْلِسَه.

وَأَلْقِ عَلَى هَذَا الْغَالِي سُؤَالًا يَقْطَعُ حُجَّتَه: أَنْتَ تُنَبِّشُ فِي أَسْفَارِ الْأَئِمَّةِ تَطْلُبُ عَثَرَاتِهِمْ، فَهَلْ قَامَتْ لَدَيْكَ بَيِّنَةٌ جَلِيَّةٌ أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا الْبَاطِل؟

فَإِنْ أَجَاب: «لَا أَطَّلِعُ عَلَى الْقُلُوبِ»، قِيلَ لَه: إِذَنْ فَقَدْ أَقْرَرْتَ بِانْتِفَاءِ شَرْطِ الْمُؤَاخَذَةِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي اشْتَرَطَتْهُ الْآيَةُ، فَعَلَامَ تُبَدِّعُ وَتُكَفِّر؟!

وَإِنْ كَابَرَ وَقَال: «أَعْلَمُ مَقَاصِدَهُمْ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ»، قُمِعَ بِالْقَوْل: هَذَا ضَرْبٌ مِنَ الِاسْتِنْبَاطِ وَالظَّنِّ، وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَّقَ الْمُؤَاخَذَةَ بِيَقِينِ الْقَصْدِ، لَا بِظُنُونِ اسْتِنْبَاطِكَ وَمُجَازَفَاتِ فَهْمِك.

وَسُبْحَانَ اللَّه! لَقَدْ تَوَرَّطَ رَأْسُهُمْ (مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ) فِي طَوَامَّ عَقَدِيَّة؛ فَأَنْكَرَ جُمْلَةً مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَنَسَبَ «الرُّوحَ» لِلَّهِ تَعَالَى، وَجَنَحَ لِقَوْلِ الْمُجْبِرَةِ، وَتَوَرَّطَ فِي الْقَوْلِ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَطَحَاتِهِ الْمُوبِقَة.

فَإِذَا مَا قُرِعَ بِالْحُجَّةِ وَنُبِّهَ عَلَى مَزَالِقِهِ، تَتَرَّسَ بِقَوْلِه: «سَبْقُ لِسَانٍ، وَلَمْ أَقْصِدْ!»، وَرَمَى نَاصِحِيهِ بِالتَّرَصُّدِ وَتَتَبُّعِ الْعَثَرَات؛ فَيَهُبُّ أَتْبَاعُهُ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ لِتَسْوِيغِ خَطَأِهِ وَتَوْسِيعِ الْمَخَارِجِ لِزَلَّتِه.

حَتَّى إِذَا وَلَّى هُوَ أَوْ أَتْبَاعُهُ وُجُوهَهُمْ شَطْرَ جَبَلٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، فَنَقَّبُوا فِي زَوَايَا أَسْفَارِهِ فَعَثَرُوا عَلَى كَلِمَةٍ مُحْتَمَلَةٍ، أَوْصَدُوا دُونَهُ أَبْوَابَ التَّأْوِيلِ، وَصَادَرُوا دَلَالَاتِ السِّيَاقِ، وَوَأَدُوا حُسْنَ الظَّنِّ، وَسَارَعُوا إِلَى تَبْدِيعِهِ وَنَسْفِ إِمَامَتِه!

فَأَيُّ تَطْفِيفٍ هَذَا؟! وَبِأَيِّ مِيزَانٍ مُضْطَرِبٍ يُعْذِرُ الْمُعَاصِرُونَ أَنْفُسَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ بِمَا يَضِنُّونَ بِهِ عَلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاء؟!

وَهَا هُوَ شَيْخُهُمُ الْمَذْكُورُ تَتَوَالَى سَقَطَاتُهُ الْغَلِيظَة؛ فَقَدْ تَفَوَّهَ فِي مُنَاظَرَةٍ مَشْهُورَةٍ مَعَ مُلْحِدٍ بِأَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَالًا «قَبْلَ إِسْلَامِه!»، نَافِيًا عَنْهُ وَصْفَ الْحَنِيفِيَّةِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ، مُرُورًا بِقَبَائِحَ فِي الْقَدَرِ تَفُوقُ مَا يُنْكِرُونَهُ عَلَى الطَّوَائِفِ الْمُخَالِفَة.

قولُه في النبي صلى الله عليه وسلم: «قبل إسلامه»، والصواب: قبل البعثة

وَمَعَ هَذِهِ الْعَظَائِمِ، تَرَى غِلْمَانَهُ يَسْتَبْسِلُونَ فِي تَرْقِيعِ خَرْقِهِ، وَيَتَعَسَّفُونَ الْمَخَارِجَ لِصَرْفِ كَلَامِهِ إِلَى أَحْسَنِ الْمَحَامِل!

فَسُبْحَانَ الدَّيَّانِ الَّذِي أَوْقَعَكُمْ فِي شَرِّ مَا لَمْ تَعْذُرُوا فِيهِ غَيْرَكُم.

وَأَمَّا خُصُومُهُ فَقَدْ أَنْصَفُوه؛ فَقَدْ نُشِرَ فِي (قَنَاةِ شُؤُونٍ إِسْلَامِيَّةٍ) تَحْذِيرٌ مِنْ مَزَالِقِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ حَمَلُوهَا عَلَى مَحْمَلِ «سَبْقِ اللِّسَانِ فِي حَرَارَةِ الْمُنَاظَرَةِ»، وَنَاشَدُوهُ التَّرَاجُعَ، وَلَمْ يُسَارِعُوا إِلَى تَبْدِيعِهِ أَوِ الْإِطَاحَةِ بِه. فَبَذَلَ لَهُ خُصُومُهُ مِنْ فُسْحَةِ الْعُذْرِ وَحُسْنِ التَّأْوِيلِ، مَا يَبْخَلُ بِهِ هُوَ وَغِلْمَانُهُ عَلَى سَادَاتِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ الْمِلَّة!

فَيَجْتَمِعُ لِهَذَا الْمُتَصَدِّرِ فِي زَمَانِنَا مِنْ رَحَابَةِ الْأَعْذَارِ، وَتَكَلُّفِ الْمَخَارِجِ، مَا لَا يَحْظَى بِعُشْرِهِ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ شَيَّدُوا صُرُوحَ الْمِلَّةِ وَنَصَرُوا السُّنَّةَ قُرُونًا مُتَطَاوِلَة.

فَإِنْ كَانَ تَبْرِيرُ «سَبْقِ اللِّسَانِ» وَ«سَلَامَةِ الْقَصْدِ» سَائِغًا مَقْبُولًا لِمِثْلِ هَذَا الْمُتَكَلِّمِ فِي مَزَالِقِهِ الْمُهْلِكَة؛ فَكَيْفَ يُسْلَبُ هَذَا الْعُذْرُ مِنَ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْهُدَى؟!

أَلَا إِنَّ هَذَا هُوَ الْهَوَى الْمُرْدِي الَّذِي يُعْمِي وَيُصِمّ؛ إِذْ غَدَتِ «الْغَيْرَةُ عَلَى الْعَقِيدَةِ» لَدَيْهِمْ لَافِتَةً زَائِفَةً، تُرْفَعُ لِتَقْدِيسِ رُمُوزِهِمُ الْمُعَاصِرَةِ، وَتُتَّخَذُ مِبْضَعًا لِذَبْحِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

وَكَمَا جَلَوْنَا مِنْ قَبْلُ، فَوَاللَّهِ مَا الْبَاعِثُ عَلَى هَذَا الْمَسْلَكِ الْمَشِينِ حِرْصٌ مُتَوَقِّدٌ عَلَى صَفَاءِ الْعَقِيدَة؛ فَلَوْ صَدَقُوا لَبَدَأُوا بِتَطْهِيرِ قُلُوبِهِمْ مِنْ أَدْرَانِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاء.

وَإِنَّمَا هِيَ لَذَّةٌ خَفِيَّةٌ، وَشَهْوَةٌ خَبِيثَةٌ، تَتَسَلَّلُ إِلَى نَفْسِ الْمَرْءِ حِينَ يُسْقِطُ الْكِبَارَ مِنْ شَوَاهِقِ مَنَازِلِهِمْ، لِيَتَوَهَّمَ أَنَّهُ أَضْحَى حَاكِمًا عَلَيْهِمْ وَرَقِيبًا عَلَى دِينِهِم.

إِنَّهَا نَشْوَةُ غُرُورٍ يُزَيِّنُهَا إِبْلِيسُ حَتَّى يُخَيَّلَ لِصَاحِبِهَا أَنَّهَا حَمِيَّةٌ لِلدِّينِ، وَمَا هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا إِلَّا حَمِيَّةٌ لِلنَّفْسِ الْمَرِيضَةِ أَنْ تُقِرَّ بِضَآلَتِهَا.

ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى مِسْكِ خِتَامِ الْآيَة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. لَقَدْ ذَيَّلَهَا الْبَارِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِصِفَتَيِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، بَيْنَمَا ذَيَّلَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ أَحْكَامَهُمْ بِالتَّبْدِيعِ الْقَاسِي وَالْإِسْقَاطِ الْمَرِير.

فَيَا مِسْكِين! تَرْفَعُ كَفَّيْكَ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ تَسْتَجْدِي رَبَّكَ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ لِزَلَّاتِكَ، ثُمَّ تُصْبِحُ فَتَشِحُّ بِالرَّحْمَةِ، وَتَضِنُّ بِحُسْنِ الظَّنِّ، عَلَى أَئِمَّةٍ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي نُصْرَةِ دِينِ نَبِيِّكَ ﷺ وَخِدْمَةِ مِلَّتِه!

فَاعْرِضْ أَعْمَالَكَ عَلَى قِسْطَاسِ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ التَّغَابُنِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فَمَنْ قَتَّرَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ فِي الْأَعْذَارِ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ وَاسِعًا، فَلْيَتَرَقَّبْ أَنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِ فِي يَوْمٍ لَا يُنْجِي فِيهِ إِلَّا سَعَةُ رَحْمَةِ اللَّه.

وَلَا يَفْهَمَنَّ فَاهِمٌ أَنَّ فِي هَذَا الطَّرْحِ تَسْوِيغًا لِلْأَخْطَاءِ أَوْ مُدَاهَنَةً فِي الْبَاطِل؛ كَلَّا، فَالْخَطَأُ يُجَلَّى وَيُرَدُّ بِحُجَّةٍ وَعِلْمٍ وَإِنْصَافٍ، وَالْقَوْلُ الْمُخَالِفُ لِلسُّنَّةِ يُنْقَضُ كَائِنًا مَنْ كَانَ قَائِلُه.

وَإِنَّمَا الْمُعْتَرَكُ الْحَقِيقِيُّ يَكْمُنُ فِي إِدْرَاكِ الْبَوْنِ الشَّاسِعِ بَيْنَ «تَخْطِئَةِ الْقَوْلِ» وَ«الْحُكْمِ عَلَى قَائِلِه»؛ فَالْأُولَى صِيَانَةٌ لِلدِّينِ وَوَاجِبَةٌ، وَالثَّانِيَةُ جِنَايَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا تُقَامُ بِمُجَرَّدِ الظُّنُونِ وَالْمُحْتَمَلَات.

فَتَفَقَّهْ فِي هَذَا الْفَرْقِ الدَّقِيقِ قَبْلَ أَنْ تُطْلِقَ لِسَانَكَ، فَإِنَّ الدَّيَّانَ سَائِلُكَ عَنْ كُلِّ عِرْضٍ مُسْلِمٍ اسْتَبَحْتَهُ بِغَيْرِ حَقّ.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا الْإِنْصَافَ وَالْعَدْلَ فِي الْحُكْمِ، وَأَنْ يَتَجَاوَزَ عَمَّا أَخْطَأْنَا فِيهِ، وَلَا يُؤَاخِذَنَا بِمَا لَمْ تَتَعَمَّدْهُ قُلُوبُنَا، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيم.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: قَالَ رَجُلٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ لِبَنِيهِ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْت: إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ؛ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ أَحَدًا. فَلَمَّا فَعَلُوا بِهِ ذَلِك، سَأَلَهُ اللَّه: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْت؟ قَالَ: خَشْيَتُكَ يَا رَبّ. فَغَفَرَ اللَّهُ لَه. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَة: «فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَفِي إِعَادَتِهِ إِذَا ذُرِّيَ، بَلِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ، وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِك، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللَّهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِك. وَالْمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ أَوْلَى بِالْمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا».

البيانتَأَمَّلُوا -يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ- فِي هَذَا الْبَوْنِ الشَّاسِعِ الَّذِي يَسْتَأْصِلُ شَأْفَةَ الْغُلُوِّ مِنْ جُذُورِهَا؛ فَفِي خَبَرِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ -وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَقِينًا بِنَصِّ الْوَحْيِ الْمُبِينِ- عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَاب.

لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَالِمًا نِحْرِيرًا، وَلَا مُجَاهِدًا مُنَافِحًا عَنِ الشَّرِيعَةِ، بَلْ كَانَ عَبْدًا مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّفْرِيطِ وَالْخَطَايَا، قَادَهُ طُغْيَانُ الْخَوْفِ وَتَرَاكُمُ الْجَهْلِ إِلَى الشَّكِّ فِي كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَى بَعْثِهِ إِنْ هُوَ حُرِّقَ وَذُرِّيَ فِي الرِّيح!

وَمَعَ هَذِهِ الطَّامَّةِ الْعُظْمَى، وَسِعَتْهُ رَحْمَةُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ لِصِدْقِ وَجَلِهِ وَعُذْرِ جَهْلِه.

فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ، كَيْفَ يَسْتَقِيمُ فِي قِسْطَاسِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ أَنْ يُعْذَرَ رَجُلٌ أَخْطَأَ فِي أَصْلٍ قَطْعِيٍّ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ، ثُمَّ يُحْجَرَ الْعُذْرُ وَيُمْنَعَ عَنْ إِمَامٍ جَلِيلٍ أَفْنَى زَهْرَةَ عُمُرِهِ وَصِحَّتَهُ فِي مَحَارِيبِ الْعِلْمِ، يَذُبُّ عَنْ حِيَاضِ السُّنَّةِ، وَيَقُودُ خِطَامَ الْأُمَّةِ إِلَى الْهُدَى، لَمْ يَبْتَغِ سِوَى الْحَقِّ، فَزَلَّتْ قَدَمُهُ فِي مَسْأَلَةِ اجْتِهَادٍ أَوْ عَارَضَهُ تَأْوِيلٌ سَائِغ؟!

إِنَّ الشَّرِيعَةَ السَّمْحَةَ الَّتِي شَمِلَتْ بِمَغْفِرَتِهَا رَجُلًا مُسْرِفًا لِجَهْلِهِ، لَهِيَ أَحْرَى وَأَوْلَى بِأَنْ تَتَغَمَّدَ وَرَثَةَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ شَادُوا صُرُوحَ الدِّينِ وَرَفَعُوا لِوَاءَه. وَمَا حِرْمَانُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ فُسْحَةِ هَذَا الْعُذْرِ إِلَّا عَيْنُ الْحَيْفِ، وَمَحْضُ التَّطْفِيفِ فِي مَوَازِينِ الْقِسْطِ وَالْإِنْصَاف.

وَلَقَدْ وَقَفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ -قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- إِزَاءَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ مَوْقِفًا مُحْكَمًا، يَبْلُغُ الْغَايَةَ فِي الدِّقَّةِ الْمُتَنَاهِيَةِ وَالْإِنْصَافِ الْبَدِيعِ؛ إِذْ لَمْ يُهَوِّنْ قَطُّ مِنْ شَنَاعَةِ مَقَالَةِ الرَّجُلِ، وَلَمْ يَتَعَسَّفْ لَهَا مَخْرَجًا مُتَكَلَّفًا يُحَرِّفُ حَقِيقَتَهَا، بَلْ صَدَعَ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ قَائِلًا: «وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ».

بَيْدَ أَنَّهُ سَلَكَ الْجَادَّةَ الْمُسْتَقِيمَةَ لِأَئِمَّةِ السُّنَّةِ، فَفَرَّقَ تَفْرِيقًا قَاطِعًا بَيْنَ «الْمَقَالَةِ» وَ«قَائِلِهَا الْمُعَيَّنِ»، فَقَالَ: «لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِك، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللَّهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِك».

فَالْحُكْمُ عَلَى الْمَقَالَةِ الْمُجَرَّدَةِ بِأَنَّهَا كُفْرٌ وِجْهَة، وَتَنْزِيلُ طَائِلَةِ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى قَائِلِهَا الْمُعَيَّنِ وِجْهَةٌ أُخْرَى تَمَامًا!

وَذَلِكُمْ هُوَ «الْأَصْلُ الذَّهَبِيُّ» الْمَكِينُ فِي دِينِ اللَّهِ، الَّذِي يَتَنَكَّرُ لَهُ غُلَاةُ زَمَانِنَا وَيَجْحَدُونَهُ، بَلْ لَقَدْ قَادَهُمُ الصَّلَفُ وَالْغُرُورُ إِلَى أَنْ يَقْذِفُوا سَوَادَ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمُ الْأَثْبَاتِ بِالْجَهْلِ وَالتَّمْيِيعِ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِتَمَسُّكِهِمْ بِهَذَا الْفَرْقِ الشَّرْعِيِّ الْمَتِين.

وَمَا دَرَى هَؤُلَاءِ الْمَفْتُونُونَ أَنَّهُمْ هُمْ أَسْرَى الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ بِحَقٍّ؛ إِذْ يُعَارِضُونَ بِتَعَسُّفِهِمْ صَرَائِحَ نُصُوصِ الْوَحْيِ، وَيُصَادِمُونَ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ الْمُحْكَمَةَ الَّتِي رَبَطَتِ الْأَحْكَامَ بِتَوَفُّرِ شُرُوطِهَا وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا.

وَلْتُدْرِكْ أَنَّ النَّجَاةَ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ الْمَهِيبِ لَمْ تَكُنْ لِرُجْحَانِ صَوَابٍ، وَلَا لِإِصَابَةِ حَقٍّ، وَلَا لِسَوَابِقِ حَسَنَاتٍ؛ فَالرَّجُلُ بِلَا مِرَاءٍ قَدْ تَوَرَّطَ فِي خَطِيئَةٍ فَادِحَةٍ، وَأَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَتَطَرَّقَ الشَّكُّ مِنْهُ إِلَى كَمَالِ قُدْرَةِ رَبِّه!

وَإِنَّمَا انْتَشَلَتْهُ مِنْ قَعْرِ الْهَلَكَةِ كَلِمَةٌ صَادِقَةٌ فَاضَتْ مِنْ مَكْنُونِ فُؤَادِهِ: «خَشْيَتُكَ يَا رَبّ»!

فَمَا أَنْجَاهُ إِلَّا صِدْقُ مَخَافَتِهِ مِنْ مَوْلَاهُ، وَسَلَامَةُ قَصْدِهِ، وَوَجَلُ بَاطِنِهِ، رَغْمًا عَنْ سُوءِ صَنِيعِهِ وَعِظَمِ طَامَّتِه.

فَإِذَا كَانَ هَذَا الْعَفْوُ الْإِلَهِيُّ الْفَسِيحُ قَدْ أَدْرَكَ رَجُلًا عَامِّيًّا مُسْرِفًا، لَمْ يَطْرُقْ أَبْوَابَ الْعِلْمِ يَوْمًا وَلَمْ يَسْبُرْ مَدَارِكَهُ؛ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ مَعَ إِمَامٍ طَوْدٍ أَوْقَفَ عُمُرَهُ وَاسْتَفْرَغَ أَيَّامَهُ فِي الْتِمَاسِ الْحَقِّ، وَالذَّوْدِ عَنْ حِيَاضِ السُّنَّةِ، وَالتَّمْكِينِ لِلشَّرِيعَةِ، ثُمَّ زَلَّتْ بِهِ الْقَدَمُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِل؟!

أَيُعْذَرُ الْجَاهِلُ الْغُمْرُ، الْمُقْتَرِفُ لِلْمُوبِقَاتِ، الشَّاكُّ فِي قُدْرَةِ خَالِقِهِ، لِصِدْقِ قَصْدِهِ وَخَوْفِهِ؛ وَيُحْجَبُ الْإِمَامُ الْمُجَاهِدُ عَنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ وَسَعَةِ مَغْفِرَتِه؟!

إِنَّ هَذَا لَعَمْرِي هُوَ الظُّلْمُ الْبَوَاحُ، وَالْجَوْرُ الَّذِي تَأْبَاهُ شَرِيعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِه.

ثُمَّ قِفْ أَيُّهَا الْمِسْكِينُ وَوَاجِهْ نَفْسَكَ بِصِدْقٍ: مَا الَّذِي يُؤَمِّنُكَ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ، إِذَا أُوقِفَ هَذَا الْإِمَامُ الَّذِي مَزَّقْتَ دِينَهُ وَسَعَيْتَ جَاهِدًا فِي الطَّوَافِ بِإِسْقَاطِهِ، فَنَاجَى رَبَّهُ بِانْكِسَارٍ: «يَا رَبِّ، أَخْطَأْتُ مُتَأَوِّلًا، وَلَمْ أُرِدْ كُفْرًا وَلَا تَعْطِيلًا وَلَا عِنَادًا، بَلِ اجْتَهَدْتُ فَضَلَلْتُ الطَّرِيقَ، وَلَمْ يَكُنْ غَايَةُ قَصْدِي إِلَّا تَنْزِيهًا لِجَنَابِكَ وَخَشْيَةً مِنْ عِقَابِك».. مَا الَّذِي يُؤَمِّنُكَ أَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ عُذْرَهُ لِنَقَاءِ طَوِيَّتِهِ، وَأَنْ يُسْبِغَ عَلَيْهِ فَضْلَهُ فَيَتَجَاوَزَ عَنْ خَطِيئَتِهِ وَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ كَمَا تَجَاوَزَ عَنِ الشَّاكِّ فِي قُدْرَتِهِ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّة؟!

وَتَذَكَّرْ -هَدَاكَ اللَّهُ- أَنَّ الشَّرِيعَةَ الَّتِي بَشَّرَتْنَا بِسَعَةِ هَذَا الْعَفْوِ، هِيَ ذَاتُهَا الَّتِي أَنْذَرَتْنَا مِنْ خِزْيِ التَّأَلِّي عَلَى اللَّهِ؛ يَوْمَ أَنْ قَالَ رَجُلٌ لِأَخِيهِ مُغْتَرًّا: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ»، فَغَضِبَ الْجَبَّارُ سُبْحَانَهُ وَقَالَ: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلَّا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟! قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَك!».

فَكَيْفَ بِرَبِّكَ بِمَنِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الْغُلُوُّ وَطَمَسَ بَصِيرَتَهُ -كَأَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ- حَتَّى تَفَوَّهَ بِطَامَّةٍ تُصِمُّ الْآذَانَ، مُصَرِّحًا بِمِلْءِ فِيهِ: «لَوْ غَفَرَ اللَّهُ لِلسُّيُوطِيِّ سَيَغْفِرُ لِلنَّصَارَى»؟!

قولُه بلفظه: «لو غفر الله للسيوطي سيغفر للنصارى»

فَيَا لَهَا مِنْ مُجَازَفَةٍ هَوْجَاءَ بِرَحْمَةِ اللَّه!

وَأَيُّ ظُلْمٍ أَشَدُّ وَأَقْبَحُ مِنْ أَنْ تُعْقَدَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ إِمَامٍ جِهْبِذٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، أَذَابَ مُهْجَتَهُ فِي خِدْمَةِ الشَّرِيعَةِ وَنُصْرَةِ السُّنَّةِ، وَبَيْنَ طَغْمَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ جَحَدُوا التَّوْحِيدَ وَكَفَرُوا بِرِسَالَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ؟! فَتَكُونَ الْعَاقِبَةُ الْوَخِيمَةُ لِهَذَا الْغُرُورِ، أَنْ يَنْجُوَ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ بِسَوَابِقِ حَسَنَاتِهِ وَعَفْوِ سَيِّدِهِ، وَتُرْدَى أَنْتَ فِي هَاوِيَةِ الْخُسْرَانِ، فَتُحْبَطَ أَعْمَالُكَ بِجِنَايَةِ لِسَانِكَ، وَتَأَلِّيكَ الْفَاجِرِ عَلَى أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ!

فَكَيْفَ الْخَلَاصُ غَدًا إِذَا نُصِبَتِ الْمَوَازِينُ الْقِسْطُ، وَطَارَتِ الصُّحُفُ، وَقَدْ مَزَّقْتَ فِي دَارِ الْغُرُورِ عِرْضَ ذَلِكَ الْإِمَامِ، وَرَمَيْتَهُ بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ؟! أَأَمِنْتَ مَكْرَ اللَّهِ أَنْ يُسْبِغَ عَلَيْهِ جَلَابِيبَ رَحْمَتِهِ، وَيُصْلِيَكَ أَنْتَ عَذَابَ غُلُوِّكَ وَتَأَلِّيكَ عَلَيْهِ، يَوْمَ أَنْ حَكَمْتَ جَازِمًا بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئ؟!

وَلِأَجْلِ هَذَا التَّقْرِيرِ الْبَدِيعِ، تَوَّجَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ كَلَامَهُ بِقِيَاسٍ قَاهِرٍ يَبْتُرُ حُجَجَ الْغُلَاةِ، فَصَدَعَ قَائِلًا: «وَالْمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، الْحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ، أَوْلَى بِالْمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا». فَإِنْ كَانَ ذَاكَ الْعَبْدُ الَّذِي خَالَجَهُ الشَّكُّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ قَدْ تَنَعَّمَ بِالْمَغْفِرَةِ لِصِدْقِ خَشْيَتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي اسْتَهْلَكَ أَنْفَاسَهُ حِرْصًا عَلَى اقْتِفَاءِ أَثَرِ الرَّسُولِ ﷺ، هُوَ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ- أَحْرَى وَأَوْلَى بِسَابِغِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ!

وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ، وَمِمَّا يَهْتِكُ سِتْرَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَيَكْشِفُ رِقَّةَ دِيَانَتِهِمْ وَسُوءَ طَوِيَّتِهِمْ، أَنَّ أَحَدَ الْفُضَلَاءِ لَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الْعَظِيمِ، لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَى رَأْسٍ مِنْ رُؤُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ (مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ)، وَيُبَرْهِنَ لَهُ عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَعُذْرِهِ لِلْجَاهِلِ وَالْمُتَأَوِّلِ؛ طَاشَ لُبُّ هَذَا الْمُتَعَالِمِ، وَانْفَلَتَ لِسَانُهُ يَشْتِمُ ذَلِكَ الْعَبْدَ الَّذِي غَفَرَ اللَّهُ لَه!

شتمُه الرجلَ الذي شهد له النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، وتعييرُه بمهنته
شتمُه الرجلَ الذي شهد له النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، وتعييرُه بمهنته

فَرَمَى الْمَيِّتَ الْمُسْلِمَ بِالْحُمْقِ، وَعَيَّرَهُ بِمِهْنَتِهِ السَّالِفَةِ (نَبَّاشِ الْقُبُور)! فَيَا لَلْهَوْلِ وَيَا لِشِدَّةِ الْجُرْأَةِ عَلَى مَحَارِمِ اللَّه!

يُرْمَى بِالْحُمْقِ وَتُنْتَهَكُ حُرْمَةُ رَجُلٍ زَكَّاهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ مُخْبِرًا بِأَنَّهُ قَدْ حَطَّ رِحَالَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَتَرَبَّعَ فِي رِضْوَانِ رَبِّه!

وَوَاللَّهِ مَا قَادَهُ إِلَى هَذَا السُّقُوطِ الشَّنِيعِ، وَالدَّرْكِ الْمَرِيعِ، إِلَّا مِرَانُ لِسَانِهِ وَاعْتِيَادُهُ عَلَى نَهْشِ الْأَعْرَاضِ، وَالتَّبْدِيعِ، وَالسِّبَابِ الْمُقْذِعِ؛ حَتَّى لَمْ يَسْلَمْ مِنْ بَذَاءَتِهِ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ، وَلَا صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، بَلْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ حَتَّى عَبْدٌ ضَعِيفٌ شَمِلَهُ اللَّهُ بِعَفْوِهِ وَأَدْخَلَهُ فَسِيحَ جَنَّتِه!

فَهَلْ كَانَتْ «قُدْرَةُ اللَّهِ» جَلَّ وَعَلَا أَمْرًا هَيِّنًا حَتَّى يُعْذَرَ الشَّاكُّ فِيهَا؟! أَمْ كَانَ عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ تَهَاوُنًا فِي حَقِّ رُبُوبِيَّتِهِ؟! حَاشَا وَكَلَّا، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا!

بَلْ هُوَ الْجُودُ الْمُطْلَقُ، وَكَمَالُ الرَّحْمَةِ، وَمَحْضُ الْعَدْلِ، لِكُلِّ عَبْدٍ صَدَقَ قَلْبُهُ وَخَافَ رَبَّه..

وَلَكِنَّهَا مَوَازِينُكُمُ الْمُظْلِمَةُ الْجَائِرَةُ، وَقُلُوبُكُمُ الْغَلِيظَةُ الْقَاسِيَةُ الَّتِي قُدَّتْ مِنْ جُلْمُود. وَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ لَآتٍ، يَوْمَ تَجْثُو الْخُصُومُ عَلَى الرُّكَبِ، لِلْحُكْمِ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْض.

لَمَّا كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَه: «يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟!» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ... وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَام. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لَقَدْ صَدَقَكُمْ». قَالَ عُمَر: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِق. قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ أَمَامَ هَذَا الْمَوْقِفِ النَّبَوِيِّ الْعَظِيم؛ لِتَرَى كَيْفَ تَتَكَسَّرُ عِنْدَهُ رِمَاحُ الْغُلَاةِ، وَكَيْفَ تَتَهَاوَى أَمَامَهُ قَسْوَةُ الْقُلُوبِ الْمَرِيضَةِ الَّتِي خَلَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْفِقْهِ مَعًا.

وَقَبْلَ أَنْ نَغُوصَ فِي الْمَعَانِي، قِفُوا مُتَأَمِّلِين: لَعَلَّ مِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ الْخَفِيَّةِ، وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، أَنْ قَدَّرَ وُقُوعَ هَذِهِ الزَّلَّةِ مِنْ صَحَابِيٍّ جَلِيل؛ لِتَكُونَ دَرْسًا رَبَّانِيًّا لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة.. نَتَعَلَّمُ مِنْهُ كَيْفَ نَعْذِرُ، وَكَيْفَ نَلْتَمِسُ الْأَعْذَارَ، وَكَيْفَ نَحْفَظُ مَقَامَاتِ الرِّجَالِ الْكِبَارِ إِذَا زَلُّوا وَعَثَرُوا!

إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ أَقْوَى أَدِلَّةِ الْبَابِ عَلَى "الْعُذْرِ بِالتَّأْوِيل". فَالْفِعْلُ فِي ظَاهِرِهِ مِنْ أَشَدِّ مَا يَكُون؛ مُرَاسَلَةُ الْمُشْرِكِينَ بِأَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَقْتِ الْحَرْب! وَمَعَ ذَلِكَ، لَمَّا ذَكَرَ حَاطِبٌ عُذْرًا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُ، قَبِلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «لَقَدْ صَدَقَكُمْ». قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الْفِقْهِ الْعَظِيم: «إِذَا تَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورِ وَادَّعَى أَمْرًا مِمَّا يَحْتَمِلُهُ التَّأْوِيلُ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الظَّنِّ بِخِلَافِه». فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! يُقْبَلُ عُذْرُهُ وَيُصَدَّقُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الظَّنِّ بِخِلَافِه! فَكَمَا قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ الْعُذْرَ فِي زَلَّةٍ عَمَلِيَّةٍ شَدِيدَةِ الْخَطَرِ، فَإِنَّنَا نَرْجُو الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ لِإِمَامٍ مُجْتَهِدٍ زَلَّ وَتَأَوَّلَ مَسْأَلَةً وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُنَزِّهُ اللَّهَ وَيُعَظِّمُهُ، وَلَا نَقْطَعُ بِهَلَكَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْغُلَاة!

وَالدَّرْسُ الثَّانِي.. فِي مَوْقِفِ عُمَرَ الْفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه؛ فَقَدِ اشْتَدَّتْ غَيْرَتُهُ لِلَّهِ حِينَ رَأَى الْفِعْلَ الْخَطِيرَ حَتَّى قَالَ: «دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِق». لَكِنْ تَأَمَّلُوا الْفَارِقَ الشَّاسِعَ بَيْنَ غَيْرَةِ الصَّحَابَةِ الصَّادِقَةِ وَبَيْنَ قَسْوَةِ الْغُلَاة! فَبِمُجَرَّدِ أَنْ ذَكَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَابِقَةِ حَاطِبٍ فِي بَدْرٍ وَمَا لَهُ مِنْ حَسَنَاتٍ، وَقَفَ عُمَرُ عِنْدَ النَّصِّ، وَبَكَى، وَتَرَاجَعَ فَوْرًا، وَلَمْ يُجَادِلْ أَوْ يُصِرَّ عَلَى الطَّعْنِ وَالْإِسْقَاط! أَمَّا الْغَالِي الْيَوْمَ؛ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ بِحَارُ الْعِلْمِ وَقَنَاطِيرُ الْحَسَنَاتِ وَالْجِهَادِ لِإِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ زَلَّ فِي مَسْأَلَةٍ، فَلَا تَزِيدُهُ تِلْكَ الْحَسَنَاتُ إِلَّا إِصْرَارًا عَلَى التَّجْرِيحِ وَالتَّبْدِيع! فَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَضَعَ لِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى الْحَسَنَاتِ، وَهَؤُلَاءِ لَا تُقْنِعُهُمْ حَسَنَاتُ أَهْلِ الْأَرْضِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مِيزَانَهُمُ الْهَوَى، وَقُلُوبَهُمْ أُشْرِبَتْ قَسْوَةً لَا تَلِين.

وَالدَّرْسُ الثَّالِثُ الْقَاصِمُ لِظُهُورِ الْغُلَاة.. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِنْ حَاطِبًا بِمَوْقِفٍ وَاحِدٍ أَوْ زَلَّةٍ وَاحِدَةٍ لِيُلْغِيَ بِهَا تَارِيخَهُ، بَلْ نَظَرَ فِي سِيرَتِهِ كُلِّهَا وَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا»! فَأَدْخَلَ حَسَنَاتِهِ السَّابِقَةَ الْمُشْرِقَةَ، فِي الْحُكْمِ عَلَى فَعْلَتِهِ الْحَاضِرَة. وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ يَا عِبَادَ اللَّهِ مَا يُسَمِّيهِ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ "الْمُوَازَنَة"، وَيَعُدُّونَهُ تَمْيِيعًا وَتَضْيِيعًا لِلدِّينِ، وَيُشَنِّعُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِه! وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وَفِي أَخْطَرِ مَوْقِفٍ يُمْكِنُ تَصَوُّرُه!

فَقُولُوا لِهَذَا الْغَالِي الَّذِي يُسْقِطُ أَئِمَّةَ الْإِسْلَام: إِذَا كَانَ هَذَا الْعُذْرُ وَهَذِهِ الْمُوَازَنَةُ تُشْرَعُ فِي زَلَّةٍ عَمَلِيَّةٍ بَالِغَةِ الْخُطُورَةِ كَمُرَاسَلَةِ الْمُشْرِكِينَ وَقْتَ الْحَرْب.. فَكَيْفَ بِمَنْ تَأَوَّلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، أَوْ زَلَّ فِي مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ، يُرِيدُ بِهَا تَنْزِيهَ رَبِّهِ وَنُصْرَةَ دِينِهِ (حَتَّى وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ) كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا. وَلِهَذَا، بَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِعُنْوَانٍ صَرِيحٍ يَقْطَعُ دَابِرَ التَّكْفِيرِيِّينَ، فَقَالَ: «بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا أَوْ جَاهِلًا».

فَأَيْنَ يَذْهَبُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، وَكَيْفَ يَقْرَأُونَ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ؟ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟!

بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فَلَحِقَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه. فَقَتَلَه. فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه؟!» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْل. فَقَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ حَتَّى تَمَنَّى أُسَامَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْم.

البيانيَا هَذَا، إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي صَنْعَةِ الْغُلُوِّ لَيْسَ الْحُكْمَ نَفْسَهُ، بَلِ الطَّرِيقَ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ إِلَيْه: أَنْ يُفْتَحَ بَابُ الْقُلُوبِ فَيُقْرَأَ مَا فِيهَا، ثُمَّ يُبْنَى عَلَى تِلْكَ الْقِرَاءَةِ حُكْمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَهَذَا الْحَدِيثُ سَدَّ ذَلِكَ الْبَابَ سَدًّا لَا يُفْتَحُ بَعْدَه.

انْظُرْ إِلَى مَوْقِفِ أُسَامَة: لَيْسَ مُتَسَرِّعًا فِي مَجْلِسِ مُنَاظَرَةٍ، وَلَا صَاحِبَ هَوًى يَنْبُشُ فِي كِتَاب. هُوَ فِي سَاحَةِ قِتَالٍ، أَمَامَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ كَلِمَةً فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا تُقَالُ فِيهَا إِلَّا نَجَاةً مِنَ الْحَدِيد. وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَة، وَالْحَالُ نَاطِقَة، وَكُلُّ عَقْلٍ يَقُولُ: هَذَا مُتَعَوِّذ. وَأُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنُ حِبِّه، لَمْ يَقْتُلْهُ بُغْضًا وَلَا شَهْوَة، وَإِنَّمَا بَنَى عَلَى مَا ظَنَّهُ يَقِينًا.

وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ جَاءَهُ الْجَوَابُ صَاعِقًا: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!» فَاسْمَعْهَا جَيِّدًا: «حَتَّى تَعْلَم». جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ إِلَى الْحُكْمِ عَلَى الْبَاطِنِ أَنْ تَشُقَّ الْقَلْبَ فَتَنْظُرَ فِيهِ، وَهُوَ مُحَالٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَشَر. وَمَعْنَى ذَلِكَ بِلُغَةٍ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيل: لَيْسَ لَكَ إِلَى بَوَاطِنِ النَّاسِ سَبِيل، فَدَعْ عَنْكَ دَعْوَى الْعِلْمِ بِهَا.

ثُمَّ زَادَ الْأَمْرَ تَوْكِيدًا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّى أُسَامَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ أَيْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُهُ بَعْدَهَا لِيُمْحَى مَا مَضَى. وَهَذَا التَّكْرَارُ لَيْسَ فَضْلَةً فِي الْحَدِيثِ، بَلْ هُوَ مِيزَانٌ لِعِظَمِ الْجِنَايَة: أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْقَلْبِ مَا لَمْ يُطْلِعْكَ اللَّهُ عَلَيْه.

فَأَقْبِلِ الْآنَ عَلَى صَنْعَتِهِمْ: يَأْخُذُ الرَّجُلُ عِبَارَةً لِإِمَامٍ مَاتَ قَبْلَ خَمْسَةِ قُرُونٍ، مُحْتَمِلَةً فِي نَفْسِهَا، مَسْبُوقَةً بِعَشَرَاتِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي كُتُبِ صَاحِبِهَا، ثُمَّ يُخْبِرُكَ عَنْ قَلْبِهِ: أَرَادَ كَذَا، وَقَصَدَ كَذَا، وَهُوَ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَيُكَابِرُ، وَإِنَّمَا يُبْطِنُ غَيْرَ مَا يُظْهِر. وَهَذَا هُوَ شَقُّ الْقُلُوبِ بِعَيْنِهِ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ شَقَّ قَلْبَ رَجُلٍ حَاضِرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ بِقَرِينَةٍ قَائِمَةٍ، وَهُمْ يَشُقُّونَ قُلُوبَ الْأَمْوَاتِ بِقَرَائِنَ مَفْقُودَة!

وَقَابِلْ بَيْنَ الْحَالَيْنِ تَعْرِفْ مِقْدَارَ الْجِنَايَة: الَّذِي قَتَلَهُ أُسَامَةُ مُشْرِكٌ فِي صَفِّ الْمُحَارِبِينَ، وَكَلِمَتُهُ وَاحِدَةٌ لَا سَابِقَةَ لَهَا. وَالَّذِي يُبَدَّعُ الْيَوْمَ إِمَامٌ مَلَأَتِ الْأَرْضَ مُصَنَّفَاتُهُ فِي نَصْرِ السُّنَّةِ، وَسَوَابِقُهُ فِي خِدْمَةِ الدِّينِ لَا تُحْصَى، وَلَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا كَلَامٌ صَرِيحٌ يُفَسِّرُ مُجْمَلَه. فَإِذَا مُنِعَ أُسَامَةُ هُنَاكَ، فَمَنْعُ هَؤُلَاءِ هُنَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى بِمَرَاتِب.

ثُمَّ تَأَمَّلْ مَا بَعْدَ الْمَنْعِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُقِمْ عَلَى أُسَامَةَ حَدًّا وَلَمْ يُسْقِطْهُ، بَلْ رَدَعَهُ وَعَلَّمَهُ، وَبَقِيَ أُسَامَةُ حِبَّهُ وَأَمِيرَ جَيْشِه. فَهَذَا هُوَ مِيزَانُ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي ضَاعَ عِنْدَهُمْ: يُنْكَرُ الْخَطَأُ وَلَا يُهْدَرُ صَاحِبُه. وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا وَاحِدَةً مِنِ اثْنَتَيْنِ: إِمَّا السُّكُوتُ، وَإِمَّا الْإِسْقَاط.

فَيَا مَنْ جَعَلَ قِرَاءَةَ النِّيَّاتِ صَنْعَتَهُ، وَصَارَ يُخْبِرُ النَّاسَ عَمَّا فِي صُدُورِ الْأَئِمَّةِ كَأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى الْغَيْبِ: بِأَيِّ آلَةٍ عَرَفْت؟ أَشَقَقْتَ الْقُلُوب؟ أَمْ أُطْلِعْتَ عَلَى الْغَيْب؟ فَإِنْ قُلْتَ: دَلَّتِ الْقَرَائِنُ، فَقَدْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ مَعَ أُسَامَةَ أَظْهَرَ وَأَقْوَى، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَكَلَّفَ عِلْمَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ، أَوْشَكَ أَنْ يُفْضَحَ فِيمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّ مَنِ ادَّعَى مَفَاتِيحَ الْغَيْبِ فَقَدْ نَازَعَ رَبَّهُ فِي صِفَةٍ لَمْ يُنَازَعْ فِيهَا.

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْر، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاط. فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاط. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «اللَّهُ أَكْبَر! إِنَّهَا السُّنَن. قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». وَاسْتَنْبَطَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْحَدِيث: «أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَفْعَلُ الْكُفْرَ وَهُوَ لَا يَدْرِي»، وَ«أَنَّ الْجَاهِلَ يُعَلَّمُ».

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ عِنْدَ هَذَا الْمَشْهَدِ النَّبَوِيِّ الْمَهِيب؛ لِتَرَى كَيْفَ تَتَجَلَّى حِكْمَةُ النُّبُوَّةِ وَسَعَةُ عَدَالَتِهَا وَرَحْمَتِهَا.

قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَرَجُوا مَعَهُ مُجَاهِدِينَ، رَأَوْا سِدْرَةً لِلْمُشْرِكِينَ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَتَبَرَّكُونَ بِنَوْطِ أَسْلِحَتِهِمْ بِهَا، فَقَالُوا: «اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاط».

فَكَانَ الْجَوَابُ النَّبَوِيُّ عَظِيمًا كَاشِفًا؛ إِذْ شَبَّهَ مَقَالَتَهُمْ بِأَخْطَرِ طَلَبٍ فِي تَارِيخِ بَنِي إِسْرَائِيل: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، غَيْرَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَتِبْهُمْ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِتَجْدِيدِ إِسْلَامِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ: بَرِئْتُ مِنْكُمْ؛ بَلْ كَبَّرَ مُسْتَنْكِرًا الْفِعْل، ثُمَّ أَقْبَلَ يُعَلِّمُهُمْ وَيُفَقِّهُهُمْ.. فَكَانَ الْمَسْلَكُ النَّبَوِيُّ تَعْلِيمًا لَا تَكْفِيرًا، وَبَيَانًا وَتَصْحِيحًا لَا طَرْدًا وَإِسْقَاطًا!

النَّبِيُّ ﷺ شَبَّهَ «الْقَوْلَ بِالْقَوْل» تَحْذِيرًا مِنْ مُشَابَهَةِ أَهْلِ الضَّلَال، وَلَمْ يُنَزِّلْ عَلَى الصَّحَابَةِ حُكْمَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمِلَّة؛ وَفَرْقٌ هَائِلٌ بَيْنَ مَنْ يُحَذِّرُ أَخَاهُ قَائِلًا: «قَوْلُكَ هَذَا يُشْبِهُ مَقَالَةَ فُلَانٍ فَاحْذَرْه»، وَبَيْنَ مَنْ يَرْمِيهِ بِعَيْنِهِ بِأَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ مُنَافِق!

بَلِ ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى مَا هُوَ أَبْعَد: فَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّة! قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيُّ فِي طَلَبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: «يَظْهَرُ مِنْ جَوَابِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ وَإِنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ جَهْلَهُمْ لَمْ يَجْعَلْ طَلَبَهُمُ ارْتِدَادًا عَنِ الدِّين، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُؤَاخَذُوا هَهُنَا كَمَا أُوخِذُوا عِنْدَ اتِّخَاذِهِمُ الْعِجْل؛ فَكَأَنَّهُمْ هَهُنَا عُذِرُوا بِقُرْبِ عَهْدِهِمْ». فَالطَّرَفَانِ مَعْذُورَانِ بِقُرْبِ الْعَهْد: هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء! فَمِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ بِمِيزَانٍ لَا يَعْذِرُ أَحَدًا؟

ثُمَّ تَأَمَّلِ الْكَلِمَةَ الَّتِي وَضَعَهَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ فِي صَدْرِ الْحَدِيثِ كَأَنَّهُ يَضَعُ الْمِفْتَاحَ فِي يَدِك: «وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْر»؛ فَمَا ذَكَرَهَا إِلَّا لِيُقَرِّرَ مَنَاطَ الْعُذْر؛ وَهُوَ الْجَهْلُ النَّاشِئُ عَنْ قُرْبِ الْعَهْدِ بِالْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ تَمَكُّنِ الْبَيَانِ الشَّرْعِيّ.

وَهُنَا يَقَعُ الْإِلْزَامُ الْقَاهِرُ الَّذِي يَقْطَعُ دَابِرَ الْغُلُوّ؛ فَإِنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ -الَّذِي يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ الِانْتِسَابَ إِلَيْهِ- وَقَفَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ فَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ أَصْلَيْنِ جَلِيَّيْنِ بِلَفْظِه: «أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَفْعَلُ الْكُفْرَ وَهُوَ لَا يَدْرِي»، وَ«أَنَّ الْجَاهِلَ يُعَلَّمُ». فَأَيْنَ هَذَا الْفِقْهُ السَّلَفِيُّ النَّاصِعُ مِمَّنْ يَمْلَأُ الدُّنْيَا ضَجِيجًا الْيَوْمَ فَيَزْعُمُ أَنَّ «الشِّرْكَ لَا يُتَأَوَّل، وَلَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْل»؟!

فَإِذَا كَانَ الشِّرْكُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ جَاهِلٌ، فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِقَوْمٍ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَطَلَبُوا مَا شَبَّهَهُ الْمَعْصُومُ ﷺ بِطَلَبِ اتِّخَاذِ إِلَهٍ مَعَ اللَّه، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ وَلَمْ يُهْدِرْ إِيمَانَهُمْ؟! أَتَقُولُونَ خُصُوصِيَّةً لَهُمْ بِلَا بُرْهَان، أَمْ تُنْكِرُونَ ظَاهِرَ النَّصّ؟! إِنَّ أُصُولَكُمْ تَتَهَاوَى أَمَامَ هَذَا الْحَدِيثِ الصَّرِيح.

وَقَدْ فَقِهَ هَذَا اللَّازِمَ حَفِيدُ الْإِمَام: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَقَال: «فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ ظَنُّوا ذَلِكَ حَسَنًا وَطَلَبُوهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَقَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيل: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ مَعَ غَلَبَةِ الْجَهْلِ وَبُعْدِ الْعَهْدِ بِآثَارِ النُّبُوَّة؟». فَتَأَمَّل: أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ يَسْتَخْرِجُونَ مِنَ الْحَدِيثِ تَوْسِعَةَ الْعُذْرِ لِمَنْ بَعْدَ الصَّحَابَة، وَالْغُلَاةُ يَسْتَخْرِجُونَ مِنْهُ إِهْدَارَ الْعُذْرِ عَمَّنْ دُونَهُمْ! فَبَيْتُ الشَّيْخِ يَعْذِرُ، وَالْمُنْتَسِبُونَ إِلَيْهِ يُكَفِّرُون؛ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى مِنْهَاجِه؟

ثُمَّ انْظُرْ يَا رَعَاكَ اللَّهُ إِلَى هَذَا الْمِيزَانِ الْمَقْلُوب؛ أُولَئِكَ قَوْمٌ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، خَرَجَتْ مِنْهُمْ كَلِمَةٌ شَبَّهَهَا الْمَعْصُومُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْظَمِ مَا قَالَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَوَسِعَهُمْ عَفْوُ النُّبُوَّةِ وَبَيَانُهَا، فَمَا خَرَجُوا مِنَ الْمِلَّةِ وَلَا اسْتُتِيبُوا وَلَا جُدِّدَ لَهُمْ إِسْلَام. ثُمَّ أَئِمَّةٌ أَعْلَامٌ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي حِفْظِ السُّنَّةِ وَشَرْحِهَا وَالذَّبِّ عَنِ الدِّينِ، لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا عِنْدَ أُولَئِكَ وَلَا قَرِيبٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا رَامَ أَحَدُهُمْ تَنْزِيهَ رَبِّهِ فَأَخْطَأَ الطَّرِيقَ فِي تَأْوِيلِ نَصّ؛ فَلَا يَسَعُهُمْ عِنْدَكُمْ عُذْرٌ وَلَا بَيَان، وَلَا يُنْظَرُ لَهُمْ فِي سَابِقَةٍ وَلَا حَسَنَة!

فَيَا لِلَّهِ الْعَجَب! رَحْمَةٌ وَسِعَتِ الْجَاهِلَ وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ النُّبُوَّةِ، ضَاقَتْ عِنْدَكُمْ عَنِ الْعَالِمِ وَقَدْ صَارَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمُ الْقُرُون. أَيُّ مِيزَانٍ هَذَا الَّذِي كُلَّمَا ازْدَادَ الرَّجُلُ لِلدِّينِ خِدْمَةً ازْدَادَ عِنْدَكُمْ مِنَ الْعُذْرِ حِرْمَانًا؟! فَاتَّقِ اللَّهَ يَا هَذَا؛ فَإِنَّ الَّذِي وَسَّعَ عَلَى أُولَئِكَ هُوَ الَّذِي يَزِنُكَ غَدًا، وَإِنَّكَ لَتُوصِدُ الْيَوْمَ بَابًا أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُهُ، وَلَا يُفْتَحُ لَكَ إِلَّا بِمَا فَتَحْتَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ حِرَاسَةَ التَّوْحِيدِ الْحَقَّةَ تَقْتَضِي أَنْ تَقُولَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْ تَسْكُتَ حَيْثُ سَكَت؛ فَقَدْ أَنْكَرَ الْبِدْعَةَ فِي مَهْدِهَا، وَحَفِظَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مَقَامَهُمْ وَإِيمَانَهُمْ..

فَأَنْكِرْ أَنْتَ كَمَا أَنْكَرَ، وَاحْفَظْ كَمَا حَفِظَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أَنْكَرْتَ وَكَفَّرْتَ وَأَسْقَطْتَ، فَقَدْ زِدْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ فِي دِينِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى النُّبُوَّةِ أَحَدٌ إِلَّا نَقَصَ دِينُهُ وَخَابَ مَسْعَاه!

ثَبَتَ فِي صِحَاحِ الْآثَارِ أَنَّ صَحَابِيًّا جَلِيلًا كَانَ يَحُكُّ "الْمُعَوِّذَتَيْنِ" مِنْ مُصْحَفِهِ، مُتَأَوِّلًا وَبِنَاءً عَلَى اجْتِهَادِهِ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ هُمَا دُعَاءٌ وَتَعْوِيذٌ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُتَعَوَّذَ بِهِمَا.

البيانبَعْدَ أَنْ قَرَّرْنَا الْأَصْلَ الذَّهَبِيَّ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ (الْمَقَالَةِ) وَ(قَائِلِهَا)؛ قِفُوا الْآنَ أَمَامَ هَذَا الْأَثَرِ الْمُزَلْزِلِ الَّذِي يَقْصِمُ ظَهْرَ الْغُلُوِّ وَيَفْضَحُ جَهْلَ أَصْحَابِه! وَتَكْمُنُ عَظَمَتُهُ فِي كَوْنِهِ يَبْلُغُ بِالْأَمْرِ أَقْصَاهُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ مَعًا: فَالْخَطَأُ هُنَا وَقَعَ فِي أَجَلِّ مُتَعَلَّقٍ (وَهُوَ الْقُرْآنُ وَكَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وَالْفَاعِلُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ مَنْزِلَةً (وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، نَذْكُرُ فِعْلَهُ وَنَطْوِي اسْمَهُ حَيَاءً وَصِيَانَةً لِمَقَامِهِ الْعَالِي).

لَقَدْ حَكَّ هَذَا الصَّحَابِيُّ سُورَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مُتَأَوِّلًا بِاجْتِهَادِهِ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآن! وَإِنْكَارُ حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْقُرْآنِ -كَمَا لَا يَخْفَى- كُفْرٌ وَرِدَّةٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّة. وَلَكِنْ.. هَلْ كَفَّرَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَة؟! هَلْ أَسْقَطُوهُ وَشَنَّعُوا عَلَيْه؟! مَعَاذَ اللَّه! بَلْ عَذَرُوهُ وَعَذَرَهُ الْمُسْلِمُونَ قَاطِبَةً؛ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ وَسَابِقَتِهِ، وَلِأَنَّهُ "مُتَأَوِّلٌ" أَخْطَأَ اجْتِهَادُهُ، قَبْلَ أَنْ يَتَوَاتَرَ الْإِجْمَاعُ وَتَسْتَفِيضَ الْمَصَاحِف.

وَهُنَا نَضَعُ هَذَا الْغَالِيَ الْحَدَّادِيَّ أَمَامَ إِلْزَامٍ لَا فَكَاكَ لَهُ مِنْه: أَنْتُمْ تُسْقِطُونَ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ لِمُجَرَّدِ خَطَأٍ فِي تَأْوِيلِ صِفَة.. فَإِذَا كَانَ بَشَاعَةُ الْخَطَأِ وَحْدَهَا تَكْفِي لِإِسْقَاطِ الْمُخْطِئِ دُونَ نَظَرٍ لِعُذْرِهِ وَتَأْوِيلِهِ، فَمَاذَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ بِهَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيل؟! فَإِنْ قُلْتُمْ: نُكَفِّرُهُ وَنُسْقِطُه.. فَقَدْ مَرَقْتُمْ مِنَ الدِّينِ، وَطَعَنْتُمْ فِي أَصْحَابِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِين! وَإِنْ قُلْتُمْ: لَا، بَلْ نُرَاعِي مَنْزِلَتَهُ، وَاجْتِهَادَهُ، وَنَلْتَمِسُ لَهُ الْعُذْر.. فَقَدْ أَقْرَرْتُمْ صَاغِرِينَ بِالْأَصْلِ الذَّهَبِيِّ الَّذِي تُنْكِرُونَهُ عَلَيْنَا الْيَوْم! وَلَا مَخْرَجَ لَكُمْ إِلَّا أَنْ تَزِنُوا النَّاسَ بِمِيزَانَيْن!

ثُمَّ تَعَالَوْا نَسْأَلْكُمْ بِسُؤَالِكُمُ الْأَثِيرِ الَّذِي تُدَنْدِنُونَ بِهِ لِتَشْنِيعِ دِفَاعِنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ (أَتُعَظِّمُونَ الْإِمَامَ الْفُلَانِيَّ أَكْثَرَ مِنْ صِفَاتِ اللَّه؟)، فَنَقُولُ لَكُمْ: أَفَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالْأُمَّةُ يُعَظِّمُونَ هَذَا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ أَكْثَرَ مِنْ إِجْلَالِهِمْ لِلْقُرْآن؟! فَإِنْ قُلْتُمْ "لَا".. فَقَدِ اعْتَرَفْتُمْ بِأَنَّ حِفْظَ مَقَامِ الْمُخْطِئِ الْمُتَأَوِّلِ، لَيْسَ اسْتِهَانَةً بِخَطَئِهِ، وَلَا تَفْرِيطًا فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ كِتَابِه! فَلِمَاذَا تُشَنِّعُونَ عَلَيْنَا إِذَا حَفِظْنَا مَقَامَاتِ أَئِمَّةِ الدِّينِ مَعَ بَيَانِ خَطَئِهِم؟! وَإِنْ قُلْتُمْ "نَعَم".. فَقَدْ رَمَيْتُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا فَرَرْتُمْ مِنْه!

فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! الْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ وَاحِدٌ لَا يَتَبَدَّلُ، مَنْ تَأَوَّلَ بِاجْتِهَادٍ وَشُبْهَةٍ فَهُوَ مَعْذُورٌ مَأْجُور.

فَمَتَى يُدْرِكُ هَؤُلَاءِ الْقُسَاةُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ بِالْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُخْطِئِ، لَا بِمَحَاكِمِ التَّفْتِيشِ الصَّمَّاءِ الَّتِي نَصَبُوهَا لِعِبَادِ اللَّه؟!

لَمَّا قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَقَال: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟» قَال: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي أَتَيْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِك. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا».

البيانقِفْ عِنْدَ حَجْمِ الْوَاقِعَةِ أَوَّلًا، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَمُرُّ بِهَا وَلَا يَتَصَوَّرُهَا. رَجُلٌ سَجَدَ لِغَيْرِ اللَّه. وَالسُّجُودُ أَخَصُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْعِبَادَة. وَلَيْسَ السَّاجِدُ رَجُلًا مِنْ عَامَّةِ النَّاس، بَلْ مُعَاذُ بْنُ جَبَل، الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذ». ثُمَّ انْظُرْ مَاذَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.

لَمْ يَقُلْ: كَفَرْتَ. وَلَمْ يَقُلْ: خَرَجْتَ مِنَ الْمِلَّة. وَلَمْ يُشْهِرْ بِهِ فِي النَّاس، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مَوْضُوعَ خُطْبَةٍ يُحَذِّرُ مِنْهُ فِيهَا. وَإِنَّمَا بَدَأَ بِسُؤَالٍ وَاحِد: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟». فَاسْتَفْصَلَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى.

فَلَمَّا بَيَّنَ مُعَاذٌ قَصْدَه، جَاءَ الْجَوَاب: «فَلَا تَفْعَلُوا». نَهْيٌ حَاسِمٌ عَنِ الْفِعْل، بِلَا حُكْمٍ عَلَى الْفَاعِل. ثُمَّ زَادَهُ بَيَانًا فَقَال: «فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». فَسَدَّ الْبَابَ سَدًّا مُحْكَمًا، وَعَلَّمَهُ وَلَمْ يَهْدِمْه.

وَهَذَا هُوَ الْمِيزَانُ الَّذِي ضَيَّعَهُ الْقَوْم. فَالْفِعْلُ مُنْكَرٌ عَظِيمٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَحَد، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُقِرَّهُ وَلَمْ يُهَوِّنْ مِنْه. وَلَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ تَخْطِئَةِ الْفِعْلِ وَالْحُكْمِ عَلَى صَاحِبِه؛ لِأَنَّ مُعَاذًا لَمْ يَقْصِدِ الْعِبَادَة، وَإِنَّمَا قَصَدَ التَّعْظِيمَ عَنْ جَهْلٍ بِحُكْمِه.

وَلَسْتُ أَنَا الْمُسْتَنْبِطَ لِهَذَا مِنَ الْحَدِيثِ حَتَّى يُقَال: تَأْوِيلُ مُمَيِّع. بَلْ هُوَ مَا فَهِمَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْه؛ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي «نَيْلِ الْأَوْطَارِ» مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِه: «فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ سَجَدَ جَاهِلًا لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُكَفَّر». جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَحْتَمِلُ لَفًّا وَلَا دَوَرَانًا: سُجُودٌ لِغَيْرِ اللَّه، ثُمَّ جَهْل، ثُمَّ نَفْيُ التَّكْفِيرِ صَرِيحًا. فَإِنْ كَانَ هَذَا إِرْجَاءً فَالشَّوْكَانِيُّ عِنْدَكُمْ مُرْجِئ، وَإِنْ كَانَ فِقْهًا فَأَعِيدُوا النَّظَرَ فِيمَنْ أَسْقَطْتُم.

فَتَأَمَّل: الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ الَّذِي يُنْكِرُهُ هَؤُلَاءِ وَيُسَمُّونَهُ إِرْجَاءً وَتَمْيِيعًا، أَصْلٌ عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَعْظَمِ بَاب، وَهُوَ بَابُ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّه. فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ تَمْيِيعًا، فَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي بِكُمْ أَصْلُكُم؟ إِنَّهُ يَنْتَهِي بِكُمْ إِلَى صَنِيعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مُعَاذ، وَحَاشَاه. وَفَسَادُ اللَّازِمِ دَلِيلُ فَسَادِ الْأَصْلِ الَّذِي أَنْتَجَه؛ فَرَاجِعُوا أَصْلَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ بِكُمْ مَا لَا تَحْتَمِلُونَه.

وَمِنْ هُنَا يَسْقُطُ اعْتِرَاضٌ يُكَرِّرُهُ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ كُلَّمَا ذُكِرَ الْعُذْرُ بِالْجَهْل، فَيَقُولُ سَاخِرًا: كَيْفَ يَكُونُ عَالِمًا ثُمَّ يُعْذَرُ بِالْجَهْل؟ أَعَالِمُكُمْ جَاهِل؟ فَيُقَالُ لَه: الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ لَيْسَ وَصْفًا لِلرَّجُلِ بِالْجَهْلِ الْمُطْلَق، وَإِنَّمَا هُوَ جَهْلٌ بِمَسْأَلَةٍ بِعَيْنِهَا؛ فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ عَالِمٌ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَكُلُّ عَالِمٍ يَعْلَمُ وَيَجْهَل. وَهَذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذ»، جَهِلَ حُكْمَ السُّجُودِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَعُذِر. أَفَتَقُول: مُعَاذٌ جَاهِل؟ أَمْ تَقُول: عَلِمَ أَشْيَاءَ وَجَهِلَ هَذِه؟

فَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ يُسْقِطُ هَيْبَةَ الْعَالِمِ وَيُخْرِجُهُ مِنَ الْعِلْم، فَقَدْ سَقَطَتْ هَيْبَةُ مُعَاذٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِد، وَحَاشَاه. وَإِنْ لَمْ تَسْقُطْ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يُجَادِلُ فِيهِ مُسْلِم، فَقَدْ بَطَلَ اعْتِرَاضُكَ مِنْ أَصْلِه. ثُمَّ إِنَّكَ تَسْتَكْثِرُ عَلَى النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ أَنْ يَجْهَلَا بَعْضَ الْمَسَائِل، وَأَنْتَ تَجْهَلُ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ مَا لَا يُحْصَى. فَمَنْ أَوْلَى بِأَنْ يُقَالَ لَه: هَذَا جَاهِل؟

ثُمَّ اسْأَلْ هَؤُلَاءِ الْغُلَاة: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَفْصَلَ مِنْ مُعَاذٍ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، وَهُوَ حَاضِرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْأَلَه. وَأَنْتُمْ تَحْكُمُونَ عَلَى أَئِمَّةٍ مَاتُوا قَبْلَ قُرُونٍ بِكَلِمَةٍ الْتَقَطْتُمُوهَا مِنْ صَفْحَة، وَلَمْ تَسْأَلُوهُمْ وَلَا تَسْتَطِيعُون. فَمِنْ أَيْنَ جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِقَصْدِهِمْ مَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجُلٍ مَاثِلٍ أَمَامَه؟

وَإِنْ قَال: مُعَاذٌ صَحَابِيٌّ وَلَهُ فَضْلُه، قِيلَ لَه: هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْكَ لَا لَك. فَإِنْ كَانَ الْفَضْلُ السَّابِقُ يَمْنَعُ مِنَ التَّسَرُّعِ فِي الْحُكْم، فَأَيْنَ فَضْلُ النَّوَوِيِّ وَالسُّيُوطِيِّ وَأَبِي حَنِيفَة؟ أَوَ لَمْ يُفْنُوا أَعْمَارَهُمْ فِي خِدْمَةِ السُّنَّة؟ فَإِنْ كُنْتَ لَا تَرَى الْفَضْلَ مَانِعًا فَقَدْ خَالَفْتَ صَنِيعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ مُعَاذ، وَإِنْ رَأَيْتَهُ مَانِعًا فَلِمَ لَمْ تُعْمِلْهُ فِي الْأَئِمَّة؟

يَا هَذَا، لَوْ عُرِضَ مُعَاذٌ عَلَى مِيزَانِكَ لَخَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِد، وَلَقِيل: سَجَدَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِك، وَانْتَهَتِ الْقِصَّة. أَفَمِيزَانٌ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَصْلُحُ أَنْ تَزِنَ بِهِ أَئِمَّةَ الْإِسْلَام؟ فَانْظُرْ كَمْ إِمَامًا أَسْقَطْتَهُ بِه.

وَاكْشِفِ الْبَاعِث. إِنَّ الَّذِي يَجْعَلُ الرَّجُلَ يَتَعَجَّلُ الْحُكْمَ لَيْسَ الْعِلْم، فَالْعِلْمُ يُورِثُ التَّوَقُّفَ وَالتَّثَبُّت. وَإِنَّمَا هُوَ ضِيقُ الْعِلْمِ مَعَ سَعَةِ الدَّعْوَى. فَالْمُتَمَكِّنُ يَعْرِفُ كَمْ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنِ احْتِمَالٍ فَيَتَأَنَّى، وَالْمُتَعَجِّلُ لَا يَرَى إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا فَيَقْطَعُ بِه. ثُمَّ يُزَيِّنُ لَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّ قَطْعَهُ هَذَا قُوَّةٌ فِي الدِّين، وَإِنَّمَا هُوَ ضَعْفٌ فِي الْآلَة.

وَتَأَمَّلْ رَحْمَةَ الْمُعَلِّمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَخْطَأَ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ خَطَأً فِي أَصْلِ الْأُصُول، فَمَا زَادَهُ إِلَّا تَعْلِيمًا وَبَيَانًا. ثُمَّ بَقِيَ مُعَاذٌ بَعْدَهَا إِمَامًا يُبْعَثُ إِلَى الْيَمَنِ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُم. فَمَا أَسْقَطَتْهُ الزَّلَّة، وَلَا حُبِسَ عَنِ الْإِمَامَة.

فَاعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى هَذَا: كَمْ مِنْ طَالِبِ عِلْمٍ صَغِيرٍ أَسْقَطْتَهُ بِكَلِمَة، وَكَمْ مِنْ عَالِمٍ كَبِيرٍ هَدَمْتَ عُمُرَهُ بِسَطْر. ثُمَّ تَخَيَّلْ نَفْسَكَ وَاقِفًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَدْ جَاءَ هَؤُلَاءِ يَطْلُبُونَ حُقُوقَهُم، وَالْحَسَنَاتُ تُقْتَسَم.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا حِلْمَ الْمُعَلِّمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمُخْطِئ، وَأَنْ يُعَافِيَنَا مِنْ قَسْوَةٍ نَظُنُّهَا غَيْرَةً وَهِيَ هَلَاك.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح.

البيانتَأَمَّلُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْمُفْزِعَةَ، وَجَرِّدُوهَا تَمَامًا مِنْ قَائِلِهَا وَمِنْ حَالِهِ، ثُمَّ ضَعُوهَا وَحْدَهَا فِي كِفَّةِ الْمِيزَان: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك».

وَاللَّهِ لَوْ وُزِنَتْ بِمَوَازِينِ الْأَرْضِ كُلِّهَا لَكَانَتْ أَشْنَعَ لَفْظٍ وَأَفْحَشَ مَقَالَةٍ، وَلَرُجِحَتْ بِكُفْرِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِين! فَهَلْ ثَمَّةَ فَظَاعَةٌ وَجَرْأَةٌ تَفُوقُ ادِّعَاءَ الرُّبُوبِيَّة؟!

وَمَعَ هَذَا.. كَيْفَ سَاقَهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِه؟ وَكَيْفَ حَاسَبَ قَائِلَهَا؟

لَقَدْ مَحَا الْمُشَرِّعُ الْحَكِيمُ ﷺ هَذِهِ الْجَرِيمَةَ اللَّفْظِيَّةَ الْعُظْمَى بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ لَا غَيْر: «أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَح».

قِفُوا هُنَا طَوِيلًا.. فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ بَشَاعَةِ اللَّفْظِ الْمَنْطُوقِ، وَلَمْ يَقُلْ: "الْكَلِمَةُ كُفْرٌ فَقَائِلُهَا كَافِر"، وَلَمْ يَقُلْ: "أَلْزِمُوهُ بِلَازِمِ قَوْلِهِ الصَّرِيح"، وَلَمْ يُطَالِبْ بِامْتِحَانِهِ وَاسْتِتَابَتِه! بَلْ غَاصَ ﷺ إِلَى أَعْمَاقِ الْقَلْبِ، فَرَأَى نِيَّةً طَاهِرَةً طَاشَتْ بِهَا شِدَّةُ الْفَرَحِ، فَأَسْقَطَ اللَّفْظَ الْكُفْرِيَّ بِحَالِ صَاحِبِهِ الصَّادِق.

وَهُنَا يَتَهَشَّمُ صَنَمُ الْغُلُوِّ الْحَدَّادِيِّ الَّذِي يَنْصِبُونَهُ لِلنَّاس! فَمَذْهَبُهُمُ الْفَاسِدُ يَقُومُ عَلَى أَصْلٍ وَاحِد: "أَنَّ مُجَرَّدَ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ الْخَطَأِ، يُوجِبُ إِسْقَاطَ الْقَائِلِ وَالْحُكْمَ عَلَيْهِ، دُونَ نَظَرٍ لِقَصْدِهِ وَتَأْوِيلِه".

فَلَوْ كَانَ مَذْهَبُهُمْ حَقًّا، لَمَا وَسِعَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَعْذُرَ هَذَا الرَّجُلَ أَصْلًا؛ إِذْ لَيْسَ بَعْدَ ادِّعَاءِ الرُّبُوبِيَّةِ ذَنْبٌ يُغْتَفَر! وَلَكِنْ بَانَ لَكُمْ أَنَّ مِيزَانَ النُّبُوَّةِ يَرَى مَا لَا يَرَاهُ هَؤُلَاءِ الْقُسَاةُ؛ فَهُوَ يُفَرِّقُ بَيْنَ بَشَاعَةِ الْكَلِمَةِ، وَبَيْنَ عُذْرِ الْقَلْبِ الَّذِي أَخْرَجَهَا.

ثُمَّ تَأَمَّلُوا مَا هُوَ أَعْجَبُ وَأَلْطَف!

فِي أَيِّ سِيَاقٍ سَاقَ النَّبِيُّ ﷺ قِصَّةَ هَذَا الرَّجُل؟ هَلْ سَاقَهَا مُحَذِّرًا وَمُشَنِّعًا؟ لَا وَاللَّه! بَلْ حَكَى زَلَّتَهُ الشَّنِيعَةَ فِي أَرْفَعِ مَقَامٍ لِبَيَانِ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ وَفَرَحِهِ بِتَوْبَةِ عَبْدِه!

فَجَاءَتْ أَعْظَمُ زَلَّةٍ، مَذْكُورَةً فِي أَعْظَمِ سِيَاقٍ لِلرَّحْمَة. فَمَنِ اتَّخَذَ مِنْ زَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ وَعَثَرَاتِهِمْ بِضَاعَةً يَجْمَعُهَا لِلتَّشْنِيعِ، وَالتَّحْذِيرِ، وَالتَّبْدِيعِ، فَقَدْ حَادَ عَنْ طَرِيقَةِ النُّبُوَّةِ وَضَلَّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيل.

فَيَا لِلْعُقُولِ الْمَقْلُوبَة! إِذَا كَانَ سَبْقُ اللِّسَانِ بِأَفْظَعِ كُفْرٍ، يُعْذَرُ بِهِ صَاحِبُهُ لِسَلَامَةِ قَلْبِه.. فَمَا بَالُكُمْ بِإِمَامٍ مِنْ جِبَالِ الْعِلْمِ، أَفْنَى عُمُرَهُ فِي الذَّبِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، ثُمَّ اجْتَهَدَ وَأَخْطَأ!