قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِين.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا الْمِيزَانَ النَّبَوِيَّ الْعَظِيمَ، لِتَعْرِفُوا كَيْفَ حُفِظَ هَذَا الدِّينُ، وَكَيْفَ تَتَكَسَّرُ أَمَامَهُ نِصَالُ الْغُلُوّ.

فَهَذَا هُوَ أَصْلُ الْبَاب؛ تَعْدِيلٌ نَبَوِيٌّ عَامٌّ لِحَمَلَةِ الْعِلْمِ فِي كُلِّ جِيل. وَمَنْ زَكَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَدَّلَه، فَهَلْ يَضُرُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ طَعْنُ طَاعِنٍ أَوْ نَبْزُ غَالِي؟ وَيَعْضُدُ هَذَا أَصْلَانِ عَظِيمَانِ مِنَ الْوَحْي: الْأَوَّل، أَنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ الذِّكْر، وَحِفْظُ الذِّكْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِحِفْظِ صُدُورِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَنْقُلُونَه. وَالثَّانِي، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ اسْتَشْهَدَ أَهْلَ الْعِلْمِ عَلَى أَعْظَمِ حَقِيقَةٍ فِي الْوُجُود: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾.. وَرَبُّكَ لَا يَسْتَشْهِدُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا الْعُدُولَ الْأَثْبَات.

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى أَعْجَبِ مُفَارَقَةٍ، مَشْهَدٌ يُبْكِي الْقَلْبَ وَيُضْحِكُ الْعَقْلَ فِي آنٍ وَاحِد! تَأَمَّلُوا أَوَّلَ مُهِمَّةٍ كَلَّفَ بِهَا الْحَدِيثُ هَؤُلَاءِ الْعُدُول: «يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِين». أَيْ أَنَّ أَوَّلَ عَمَلٍ لِلْعَالِمِ فِي كُلِّ قَرْنٍ أَنْ يَطْرُدَ الْغُلُوَّ عَنِ الدِّين. وَالْعَجِيبُ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ- أَنَّ هَذَا "الْحَدَّادِيَّ" الْغَالِي، الَّذِي نَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَطْرُدُونَهُ، قَامَ هُوَ الْيَوْمَ لِيَطْرُدَ الْعُلَمَاءَ أَنْفُسَهُم! لَقَدْ قَلَبَ الْمَوَازِين؛ جَعَلَ الْحُرَّاسَ لُصُوصًا وَأَلْقَى بِهِمْ خَارِجَ الْأَسْوَار، ثُمَّ تَرَبَّعَ هُوَ عَلَى الْبَابِ حَارِسًا!

فَإِذَا انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي أَمَامَكُمْ وَقَال: "لَقَدْ أَخْطَأَ الْأَئِمَّةُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، فَعَدَّلُوا مَنْ لَا يَسْتَحِقّ، وَشَهِدُوا بِالْإِمَامَةِ لِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا!".. فَقُولُوا لَهُ: رُوَيْدًا يَا مِسْكِين! مَا حَالُ هَؤُلَاءِ الشُّهُودِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عِنْدَك؟ أَنْتَ الْآنَ مُحَاصَرٌ بَيْنَ خَمْسَةِ جُدْرَانٍ لَا مَخْرَجَ لَكَ مِنْهَا، فَاخْتَرْ لِنَفْسِك:

إِمَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا حَالَ الرَّجُلِ فَشَهِدُوا بِغَيْرِ عِلْم.

أَوْ أَنَّهُمْ عَرَفُوا حَقِيقَتَهُ فَشَهِدُوا بِالزُّور.

أَوْ أَنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ أَنْت.. فَصِرْتَ أَعْلَمَ بِالرَّجُلِ مِنْ تَلَامِيذِهِ وَمُعَاصِرِيه!

أَوْ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى كِتْمَانِ الْحَقِّ، فَصَارُوا كَأَحْبَارِ الْيَهُود!

أَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا كَلَامَ مَنْ قَبْلَهُمْ فَفَاتَهُمُ الصَّوَاب.

أَيَّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ فَتَحْتَ، وَأَيَّ جَوَابٍ اخْتَرْتَ، فَقَدْ طَعَنْتَ فِي حَمَلَةِ الْعِلْمِ جَمِيعًا، وَرَدَدْتَ التَّعْدِيلَ النَّبَوِيَّ فِي وُجُوهِهِم!

ثُمَّ اكْشِفُوا لَهُ عَنْ حَقِيقَةِ جِنَايَتِهِ الْبَشِعَة.. قُولُوا لَهُ: إِذَا جَازَ عَلَى أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مُجْتَمِعِينَ أَنْ يُعَدِّلُوا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْجَرْحَ، جَازَ عَلَيْهِمْ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَجْرَحُوا مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْدِيل. وَمَا النَّتِيجَة؟ تَسْقُطُ الثِّقَةُ بِجَرْحِهِمْ وَتَعْدِيلِهِمْ مَعًا! وَعَلَى هَذَيْنِ الْعِلْمَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ قَامَتْ صِنَاعَةُ الْأَسَانِيدِ الَّتِي وَصَلَ بِهَا الدِّينُ كُلُّهُ إِلَيْك، وَبِهَا تَحْتَجُّ أَنْتَ وَتُخَاصِم! فَسَهْمُكَ الطَّائِشُ لَمْ يُصِبِ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَلَا الْحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ وَحْدَهُمَا، بَلْ هَدَمْتَ بِهِ السُّلَّمَ الَّذِي تَقِفُ عَلَيْه!

وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ يُقَرِّرُ أَنَّ تَكْذِيبَ الْوَاحِدِ تَكْذِيبٌ لِلْجَمِيع: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وَهُمْ لَمْ يُكَذِّبُوا إِلَّا نُوحًا وَحْدَه. فَمَنْ أَسْقَطَ إِمَامًا شَهِدَتْ لَهُ قُرُونُ الْأُمَّةِ كُلُّهَا، فَقَدْ طَعَنَ فِي الشُّهُودِ كُلِّهِمْ، شَاءَ ذَلِكَ أَمْ أَبَى.

وَلَسْنَا نَدَّعِي عِصْمَةَ أَحَد. فَالْعَالِمُ يُخْطِئُ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ، وَهُوَ فِيهِ مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُورٌ، وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ مِنْ إِخْوَانِهِ مَنْ يُبَيِّنُ الصَّوَابَ، فَيُكَمِّلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. الْمُسْتَحِيلُ -وَالَّذِي نَأْبَاهُ وَنَرُدُّهُ- أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا عَلَى بَاطِل. نَحْنُ نَقُول: يُخْطِئُ الْعَالِمُ الْوَاحِدُ، وَلَا تَضِلُّ الْأُمَّةُ كُلُّهَا. وَهَذَا الْغَالِي الْمَغْرُورُ يَقُولُ بِلِسَانِ حَالِه: ضَلَّتِ الْقُرُونُ كُلُّهَا، وَعَمِيَتِ الْأُمَّةُ بِأَسْرِهَا، وَأَصَبْتُ أَنَا!

فَانْظُرُوا بِعَيْنِ الْبَصِيرَة.. أَيُّ الْقَوْلَيْنِ يُصَدِّقُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَيُّهُمَا يَرُدُّهُ وَيَنْسِفُه؟

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - عَلَى ضَلَالَة. وَفِي لَفْظٍ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة.

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ مُتَأَمِّلًا هَذَا الْحَدِيثَ الْعَظِيم؛ فَإِنَّهُ يَهْدِمُ مَذْهَبَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ أَسَاسِهِ لَا مِنْ أَعْلَاه، وَيَقْتَلِعُ جُذُورَ غُلُوِّهِمْ مِنْ أَرْضِ الشَّرِيعَةِ اقْتِلَاعًا!

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَة»، وَفِي لَفْظٍ: «إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة».

إِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ فِي إِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ عَبْرَ الْقُرُونِ (كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا) وَتَبْدِيعِهِمْ لَهُمْ، يَلْزَمُ مِنْهُ طَامَّةٌ كُبْرَى! يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ بِعُلَمَائِهَا قَدِ اجْتَمَعَتْ قُرُونًا طَوِيلَةً عَلَى تَعْظِيمِ قَوْمٍ هُمْ فِي حَقِيقَتِهِمْ "مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّال"، وَعَلَى أَخْذِ دِينِهَا وَفِقْهِهَا وَحَدِيثِهَا عَنْهُمْ، بَلْ وَتَزْكِيَتِهِمْ وَجَعْلِهِمْ أَئِمَّةً لِلْإِسْلَام! فَإِنْ كَانَ طَعْنُ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ صَحِيحًا؛ فَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ إِذَنْ عَلَى ضَلَالَةٍ وَتَوْقِيرٍ لِأَهْلِ الْبِدَع! وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَبَدًا، وَلَا يَقَعُ الْبَتَّة!

فَضَعُوا الْغَالِيَ أَمَامَ هَذَا الْإِلْزَامِ الصَّارِمِ، فَلَيْسَ أَمَامَهُ إِلَّا مَخْرَجَانِ أَحْلَاهُمَا مُرّ: إِمَّا أَنْ يَهْرُبَ وَيَقُولَ: "لَمْ تَجْتَمِعِ الْأُمَّةُ عَلَى إِمَامَتِهِمْ، بَلْ عَظَّمَهُمْ طَائِفَةٌ فَقَطْ".. فَنَقُولُ لَهُ: أَخْرِجْ لَنَا إِذَنِ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى! أَرِنَا الطَّائِفَةَ الَّتِي بَدَّعَتِ النَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ وَأَسْقَطَتْهُمَا فِي الْقُرُونِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ سَمِّ لَنَا رِجَالَهَا إِنْ كُنْتَ صَادِقًا! وَلَنْ يَجِدَ. وَإِمَّا أَنْ يَتَجَرَّأَ وَيَقُولَ: "نَعَمِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى إِمَامَتِهِمْ، وَلَكِنَّهَا اجْتَمَعَتْ وَأَخْطَأَتْ".. فَهَذَا تَكْذِيبٌ صَرِيحٌ وَرَدٌّ وَقِحٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ!

ثُمَّ اعْلَمُوا -يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ- أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ الْعَمُودُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ "حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاع"، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَحْتَجُّونَ بِالْإِجْمَاعِ إِذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ، فَإِذَا خَالَفَهُمْ صَارَ إِجْمَاعًا لَا قِيمَةَ لَه! وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ: «وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِجْمَاعِ الْعَوَامّ». فَالْمَقْصُودُ بِالْأُمَّةِ فِي الْحَدِيثِ: عُلَمَاؤُهَا الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الشَّرِيعَة. فَإِذَا اتَّفَقَ جِبَالُ الْعِلْمِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عَلَى إِمَامَةِ رَجُلٍ فِي الدِّينِ، فَمِنَ الْمُحَالِ شَرْعًا وَعَقْلًا أَنْ يَكُونَ مُبْتَدِعًا ضَالًّا يُفْسِدُ الدِّينَ، ثُمَّ تَعْمَى الْأُمَّةُ كُلُّهَا عَنْ ضَلَالِهِ، وَلَا يَنْتَبِهَ لَهُ أَحَد، حَتَّى يَكْتَشِفَهُ مُتَأَخِّرٌ نَكِرَةٌ بَعْدَ سَبْعَةِ قُرُون!

وَلَيْسَ تَقْرِيرُنَا هَذَا ادِّعَاءً لِعِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ فِي آحَادِ الْمَسَائِل؛ فَالْخَطَأُ وَالزَّلَّةُ تَقَعُ مِنَ الْأَفْرَادِ بَلْ وَمِنَ الْجَمَاعَات. وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ وَالْمُسْتَحِيلُ أَنْ تَتَّفِقَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا -بِعُلَمَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا- عَلَى بَاطِلٍ أَوْ تَضِلَّ فِي تَزْكِيَةِ إِمَام، ثُمَّ يَبْقَى هَذَا الْبَاطِلُ مُخَيِّمًا عَلَيْهَا قُرُونًا حَتَّى يَكْتَشِفَهُ غَالِي الْيَوْم! فَتَجْوِيزُ هَذَا مَعْنَاهُ ضَيَاعُ شَيْءٍ مِنْ حِفْظِ الدِّينِ، وَاتِّهَامٌ لِلْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِالْعَمَى وَالضَّلَالِ، وَهُوَ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ وَأَبْطَلِهَا!

فَيَا لَلَّه! أَيُّهُمَا نُصَدِّقُ: حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ الْمُبَرِّئَ لِأُمَّتِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الضَّلَالَةِ، أَمْ مِيزَانَ الْحَدَّادِيَّةِ الَّذِي جَعَلَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا فِي ضَلَالَةٍ وَعَمًى حَتَّى جَاؤُوا هُمْ لِيُنْقِذُوهَا؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.

البيانتَأَمَّلُوا فِي صِيغَةِ هَذَا الْحَدِيث؛ فَهُوَ لَيْسَ أَمْرًا يُفْعَلُ أَوْ يُتْرَكُ، بَلْ هُوَ "خَبَرٌ" قَاطِعٌ عَلَى لِسَانِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوق: «يَبْعَثُ اللَّه». وَمَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ، أَوِ ادَّعَى انْقِطَاعَهُ، فَقَدْ رَدَّ الْخَبَرَ النَّبَوِيَّ وَكَذَّبَه!

وَهُنَا إِلْزَامٌ قَاهِرٌ لَا مَهْرَبَ مِنْهُ، أَلْقَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ الْبَاحِثُ فِي وُجُوهِ رُؤُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ كَمُحَمَّدٍ شَمْسِ الدِّينِ، وَدِمَشْقِيَّةَ، وَالْخَلِيفِيِّ، وَمَنْ سَارَ فِي رَكْبِهِمْ، فَقَالَ: سَمُّوا لَنَا مُجَدِّدَ الْقَرْنِ الَّذِي عَاشَ فِيهِ النَّوَوِيّ! ثُمَّ مُجَدِّدَ الْقَرْنِ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ.. حَتَّى تَصِلُوا إِلَى زَمَانِنَا! فَإِنْ تَجَرَّأْتُمْ وَسَمَّيْتُمْ أَحَدًا؛ لَزِمَكُمْ تَعْظِيمُهُ وَالِاعْتِرَافُ بِإِمَامَتِهِ، وَأَكْثَرُ مَنْ سَمَّتْهُمُ الْأُمَّةُ لِلرِّيَادَةِ وَالتَّجْدِيدِ فِي تِلْكَ الْقُرُونِ، جَمِيعُهُمْ يُوَقِّرُونَ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَيُعَظِّمُونَه! وَإِنْ قُلْتُمْ: "لَا نَعْلَمُ أَحَدًا"، أَوْ "انْقَطَعَ التَّجْدِيدُ وَلَمْ يُبْعَثْ فِي تِلْكَ الْقُرُونِ مُجَدِّد".. فَقَدْ كَذَّبْتُمْ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ جِهَارًا نَهَارًا!

وَلِهَذَا تَرَى الْغَالِيَ يَتَخَبَّطُ وَيَرْتَبِكُ إِذَا سُئِلَ عَنْ إِمَامٍ أَوْ مُجَدِّد. فَإِنْ زَكَّى عَالِمًا مُعَاصِرًا، ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُ أَنَّ هَذَا الْعَالِمَ يُجِلُّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ وَيَرْفُضُ الطَّعْنَ فِيهِمْ، انْقَلَبَ عَلَيْهِ وَسَحَبَ مِنْهُ كُلَّ وَصْف! وَمَا أَبْشَعَ مَا صَنَعَ شَمْسُ الدِّينِ مَعَ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ صَالِحٍ الْمُنَجِّد؛ فَقَدْ كَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيُعَظِّمُهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ مَقْطَعٌ لِلشَّيْخِ يُشَنِّعُ فِيهِ عَلَى الْحَدَّادِيَّةِ وَيَسْتَنْكِرُ طَعْنَهُمْ فِي أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، ثَارَتْ ثَائِرَةُ هَذَا الْغَالِي وَسَحَبَ مِنْهُ لَقَبَ الْمُجَدِّد! فَيَا لَهَا مِنْ كَارِثَة! صَارَ وَصْفُ الْإِمَامَةِ وَالتَّجْدِيدِ عِنْدَهُمْ صَكًّا يُعْطَى وَيُسْحَبُ بِحَسَبِ مُوَافَقَةِ الْهَوَى، لَا بِحَسَبِ الْعِلْمِ وَمِيزَانِ الشَّرْع.

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى شَنَاعَةِ لَازِمِ قَوْلِهِمْ.. إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ انْقَطَعَ عَنْهَا الْهُدَى قُرُونًا مُتَطَاوِلَةً، وَجُرِّدَتْ مِنْ عُلَمَائِهَا وَمُجَدِّدِيهَا، وَظَلَّتْ تَتَخَبَّطُ فِي ظَلَامِ الْبِدْعَةِ، حَتَّى نَبَتَ فِي زَمَانِنَا هَذَا "غَالِي" وَصَلَهُ عِلْمُ السَّلَفِ صَافِيًا مِنَ السَّمَاءِ بِلَا وَاسِطَة! فَيَا مِسْكِينُ، مِنْ أَيْنَ وَصَلَكَ هَذَا الدِّين؟ أَلَيْسَ مِنْ مُتُونِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تُسْقِطُهُمْ؟ وَمِنْ رِوَايَاتِهِمْ وَشُرُوحِهِمْ وَتَصَانِيفِهِمْ وَحِفْظِهِمْ لِلسُّنَن؟ إِنَّكَ وَاللَّهِ كَالْأَحْمَقِ الَّذِي يَتَسَلَّقُ شَجَرَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ عَلَى غُصْنِهَا لِيُمْسِكَ مِنْشَارًا يَقْطَعُ بِهِ الْغُصْنَ الَّذِي يَحْمِلُه!

وَاجْمَعُوا الْآنَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى مَا قَبْلَه؛ تَجِدُوا ثَلَاثَةَ أَخْبَارٍ نَبَوِيَّةٍ لَا تَتَخَلَّفُ، يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَدُقُّ بَعْضُهَا عُنُقَ الْغُلُوّ:

الْأَوَّل: أُمَّةٌ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة.

وَالثَّانِي: عُدُولٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ فِي كُلِّ جِيلٍ بِلَا انْقِطَاع.

وَالثَّالِث: مُجَدِّدٌ يُبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَة.

فَمَذْهَبُ الْحَدَّادِيَّةِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكُفْرُ بِرَدِّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا! فَإِمَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِكَلَامِ نَبِيِّهِمْ فَتَسْقُطَ بِدْعَتُهُمْ وَدَعْوَاهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى طَعْنِهِمْ فَتَسْقُطَ مِنْ قُلُوبِهِمْ هَذِهِ الْأَحَادِيث.. فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَنْتُم!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاء، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِب، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاء، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر.

البيانقِفُوا وَتَأَمَّلُوا هَذَا الْمَشْهَدَ الْمَهِيبَ الَّذِي تَرْتَجِفُ لَهُ الْقُلُوب:

انْظُرُوا بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ إِلَى هَذِهِ الْمُفَارَقَة: أَهْلُ السَّمَاوَاتِ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْعَالِم، وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَسْتَغْفِرُونَ لَه، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي أَعْمَاقِ الْمُحِيطَاتِ الْمُظْلِمَةِ تَلْهَجُ بِالِاسْتِغْفَارِ لَه! الْخَلَائِقُ كُلُّهَا، مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الْفَرْش، تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لِلْعَالِمِ زَلَّتَهُ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ خَطِيئَتِه. ثُمَّ يَأْتِي هَذَا "الْحَدَّادِيُّ" الْغَالِي، فَلَا يَجِدُ عَمَلًا فِي حَيَاتِهِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ زَلَّةَ الْعَالِمِ حَبْلَ مِشْنَقَةٍ يَخْنُقُهُ بِه! فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! حِيتَانُ الْبَحْرِ وَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ أَعْرَفُ بِحَقِّ الْعَالِمِ وَحُرْمَتِهِ مِنْ إِنْسَانٍ امْتَلَأَ رَأْسُهُ بِأَلْقَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَلَمْ يَفْقَهْ يَوْمًا مَعْنَاهَا!

وَتَأَمَّلُوا هَذَا الْوَصْفَ النَّبَوِيَّ الْبَدِيع: «كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِب». الْعَابِدُ نَجْمٌ مُشِعّ، نَعَمْ.. لَكِنَّ ضَوْءَهُ مَحْصُورٌ لِنَفْسِه. أَمَّا الْعَالِمُ فَقَمَرٌ مُنِيرٌ يَمْشِي النَّاسُ فِي ضِيَائِهِ وَسْطَ دَيَاجِيرِ الظُّلُمَات. وَفِي هَذَا التَّشْبِيهِ سِرٌّ لَطِيف: أَلَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ يُصِيبُهُ الْخُسُوفُ فَيُظْلِمُ قَلِيلًا، ثُمَّ سُرْعَانَ مَا يَعُودُ بَدْرًا سَاطِعًا كَمَا كَان؟ كَذَلِكَ الْعَالِم؛ تَقَعُ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْوَهْم، ثُمَّ يَعُودُ نُورُهُ وَيَبْقَى فَضْلُه. فَمَنْ حَكَمَ عَلَى الْقَمَرِ سَاعَةَ خُسُوفِه، وَأَلْغَى نُورَهُ فِي بَقِيَّةِ لَيَالِيه، فَقَدْ جَارَهُ وَظَلَمَهُ وَأَعْمَى بَصَرَه!

ثُمَّ قِفُوا عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ: «وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاء». هُنَا إِلْزَامٌ قَاصِمٌ لَا مَهْرَبَ مِنْه: الْمِيرَاثُ لَا يَصِلُ إِلَى النَّاسِ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ وَرَثَتِه! فَمَنْ طَعَنَ فِي الْوَرَثَةِ جَمِيعًا، وَأَسْقَطَ أَئِمَّةَ الدِّين، فَقَدْ زَعَمَ بِلِسَانِ حَالِهِ أَنَّ مِيرَاثَ النُّبُوَّةِ قَدْ ضَاعَ وَانْقَطَع. وَمَنْ زَعَمَ هَذَا فَقَدْ كَذَبَ وَرَدَّ قَوْلَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوق: «فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر». وَهُنَا يَنْكَشِفُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَتُفْضَحُ سَرَائِرُهُم: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَغَارُونَ عَلَى مِيرَاثِ النُّبُوَّة، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يَقْطَعُونَ الْأَيْدِيَ الطَّاهِرَةَ الَّتِي حَمَلَتْهُ إِلَيْنَا قَرْنًا بَعْدَ قَرْن! فَبِاللَّهِ عَلَيْكُم.. هَلْ وَصَلَنَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ إِلَّا عَلَى أَكْتَافِ هَؤُلَاءِ الْأَطْوَادِ الَّذِينَ يُسْقِطُونَهُمْ وَيُبَدِّعُونَهُمُ الْيَوْم؟

فَإِنِ انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي وَقَالَ مُعْتَذِرًا: "أَنَا لَا أَطْعَنُ فِي كُلِّهِم، بَلْ فِي بَعْضِهِم!" فَقُولُوا لَه: انْظُرْ يَا مِسْكِينُ فِيمَنْ تَطْعَن! إِنَّهُمْ شُرَّاحُ الصَّحِيحَيْن، وَحُفَّاظُ الْعِلَل، وَنَقَلَةُ الْإِجْمَاع، وَأَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْكَ وَالَّتِي لَا تَفْهَمُ دِينَكَ إِلَّا بِهَا! فَإِذَا أَسْقَطْتَ حَمَلَةَ الْمِيرَاث، فَمِنْ أَيْنَ وَصَلَكَ الْمِيرَاث؟ إِنَّ هَذَا الطَّاعِنَ فِي وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ أَحْمَقَ يَجْلِسُ عَلَى غُصْنِ شَجَرَةٍ فَيَقْطَعُهُ بِمِنْشَارِه.. يَظُنُّ بِجَهْلِهِ أَنَّهُ يُصَلِّحُ الشَّجَرَةَ، وَهُوَ يَهْوِي بِنَفْسِهِ إِلَى الْهَاوِيَة!

أَيُّهَا الْمَغْرُورُ بِهَوَاه.. الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ تَسْتَغْفِرُ لِمَنْ تُحَارِبُهُ أَنْت! فَانْظُرْ فِي أَيِّ الصَّفَّيْنِ اخْتَرْتَ أَنْ تَقِف: فِي صَفِّ الْمُسْتَغْفِرِينَ لَه، أَمْ فِي صَفِّ الشَّانِئِينَ الطَّاعِنِين؟ وَمَنْ نَامَ وَالْخَلَائِقُ كُلُّهَا تَسْتَغْفِرُ لِخَصْمِه.. فَهُوَ الْمَهْزُومُ الْمَخْذُولُ لَا مَحَالَة.

فَتَدَارَكُوا أَنْفُسَكُمْ أَيُّهَا النَّاس، وَاجْعَلُوا حَظَّكُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الِاسْتِغْفَارَ لَهُم، لَا الْعُدْوَانَ عَلَيْهِم. فَالِاسْتِغْفَارُ دَأْبُ الْمَلَائِكَةِ وَالْحِيتَان، وَالطَّعْنُ وَالتَّكْفِيرُ وَالتَّبْدِيعُ دَأْبُ إِبْلِيسَ وَجُنْدِه.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّه.

البيانأُدْنُوا قَلِيلًا وَتَأَمَّلُوا هَذَا الْوَعِيدَ النَّبَوِيَّ الشَّدِيدَ، الَّذِي تَرْتَجِفُ مِنْهُ الْقُلُوبُ السَّلِيمَةُ وَتَطِيرُ مِنْهُ الْأَلْبَاب:

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّه».

فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! مَا سَمِعَ هَذَا الْغَالِي وَعِيدًا أَشَدَّ وَلَا أَقْسَى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْقَاطِع: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي». تَأَمَّلُوا.. لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ أَخْطَأ، وَلَا قَال: أَسَاءَ الْأَدَب، بَلْ نَفَى عَنْهُ شَرَفَ الِانْتِسَابِ إِلَى أُمَّتِه! وَالْعُلَمَاءُ يَحْمِلُونَ هَذَا النَّفْيَ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ الَّذِي يُخَافُ عَلَى تَارِكِهِ الْهَلَاك. وَأَيًّا كَانَ مَعْنَاه؛ فَلَيْسَ بَعْدَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلَةٌ يَفْرَحُ بِهَا عَاقِل، أَوْ يَرْجُوهَا مُؤْمِن.

وَانْظُرُوا كَيْفَ جَمَعَ الْحَدِيثُ بَيْنَ خِصَالٍ ثَلَاث: إِجْلَالِ الْكَبِير، وَرَحْمَةِ الصَّغِير، وَمَعْرِفَةِ حَقِّ الْعَالِم. فَجَعَلَ مَعْرِفَةَ حَقِّ الْعَالِمِ قَرِينَةً لِرَحْمَةِ الصَّغِيرِ وَإِجْلَالِ الْكَبِير. فَكَمَا لَا تَقُومُ أُمَّةٌ يَأْكُلُ كِبَارُهَا صِغَارَهَا، لَا تَقُومُ أُمَّةٌ يَأْكُلُ جُهَّالُهَا عُلَمَاءَهَا! الْأُمَّةُ جَسَدٌ وَاحِد، وَالْعُلَمَاءُ رَأْسُ هَذَا الْجَسَد.. وَالْعَجِيبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ فِي الرَّأْس، بَلْ يَحْسَبُونَ بِجَهْلِهِمْ أَنَّ قَطْعَ الرَّأْسِ حِمَايَةٌ لِلْجَسَد!

وَتَأَمَّلُوا بِدِقَّةٍ قَوْلَهُ ﷺ: «وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّه». لَمْ يَقُلْ: يُوَافِقُ عَالِمَنَا فِي كُلِّ مَسْأَلَة! وَلَمْ يَقُلْ: يَسْكُتُ عَنْ زَلَّتِهِ وَخَطَئِه! بَلْ جَعَلَ الْأَسَاسَ "مَعْرِفَةَ الْحَقّ"، وَالْمَعْرِفَةُ عَمَلُ قَلْبٍ يُثْمِرُ تَوْقِيرًا فِي اللِّسَانِ وَإِجْلَالًا فِي الْجَوَارِح. فَلِلْعَالِمِ حَقٌّ ثَابِتٌ لَا تُسْقِطُهُ زَلَّة، كَمَا أَنَّ لِلْوَالِدِ حَقًّا مَحْفُوظًا لَا يُسْقِطُهُ خَطَأٌ فِي التَّرْبِيَة. وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ إِحْسَانَهُم، فَتِلْكَ وَاللَّهِ عَلَامَةُ لُؤْمٍ وَمَرَضٍ فِي الطَّبْع، لَا عَلَامَةُ قُوَّةٍ فِي الْمَنْهَجِ وَلَا غَيْرَةٍ عَلَى الدِّين!

وَالْعَجِيبُ مِنْ قَوْمٍ نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ حُرَّاسًا لِلسُّنَّةِ، وَأَوَّلُ مَا نَقَضُوا مِنَ السُّنَّةِ وَمَزَّقُوهُ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ ذَاتُه! يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ فِي مَجَالِسِ التَّبْدِيع، فَيَحْفَظُ مِنَ الطُّعُونِ فِي الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْفَظُ مِنْ أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاء! وَيَتَعَلَّمُ كَيْفَ يُسْقِطُ الْعَالِمَ وَيَهْدِمُه، قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَعْرِفُ لَهُ حَقَّهُ وَقَدْرَه! فَأَيُّ انْتِسَابٍ بَقِيَ لِهَؤُلَاءِ إِلَى أُمَّةٍ، عَلَّقَ نَبِيُّهَا ﷺ الِانْتِسَابَ إِلَيْهَا عَلَى خَصْلَةٍ جَعَلُوا هُمْ نَقْضَهَا وَهَدْمَهَا دِينًا يُتَقَرَّبُ بِه؟

فَإِنِ انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي وَقَال: "وَهَلْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ مَنْ رَدَّ عَلَى عَالِمٍ خَطَأَهُ وَبَيَّنَ زَلَّتَهُ لِحِمَايَةِ الدِّين؟"

فَالْجَوَابُ الْقَاطِع: لَا وَحَاشَا! فَقَدْ رَدَّ الْأَئِمَّةُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مُنْذُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَمَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، لِأَنَّ الرَّدَّ بِعِلْمٍ وَإِنْصَافٍ هُوَ مِنْ أَصْلِ مَعْرِفَةِ الْحَقّ. إِنَّمَا يَنْزِلُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ جَعَلَ الرَّدَّ وَسِيلَةً إِلَى الْإِسْقَاط، وَاتَّخَذَ "النَّصِيحَةَ" غِطَاءً لِلشَّمَاتَةِ وَالتَّجْرِيح.

فَالْفَرْقُ شَاسِعٌ وَالْبَوْنُ وَاسِع.. بَيْنَ طَبِيبٍ مُشْفِقٍ يُنَظِّفُ الْجُرْحَ لِيَلْتَئِمَ وَيَبْرَأَ، وَشَامِتٍ حَقُودٍ يُمَزِّقُ الْجُرْحَ لِيَتَّسِعَ وَيُهْلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللَّهَ قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِه: «الْمُرَادُ بِوَلِيِّ اللَّه: الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه، الْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِه».

البيانلَقَدْ مَضَى مَعَنَا كَيْفَ رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي بِقَوْلِه: «قَدْ فَعَلْتُ»، وَكَيْفَ زَكَّى نَبِيُّنَا ﷺ حَمَلَةَ الْعِلْمِ وَعَدَّلَهُمْ، وَكَيْفَ تَبَرَّأَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ لِعُلَمَائِنَا حَقَّهُمْ قَائِلًا: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي». وَالْآن، بَعْدَ أَنِ اتَّضَحَتْ تِلْكَ الْأُصُول، قِفُوا وَتَأَمَّلُوا ذِرْوَةَ السَّنَام.. هَذَا الْوَعِيدُ الْإِلَهِيُّ الْمُزَلْزِل، الَّذِي تَرْتَجِفُ مِنْهُ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي:

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب». وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِه: «الْمُرَادُ بِوَلِيِّ اللَّه: الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه، الْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِه».

فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا وَعِيدٌ عَلَى ذَنْبٍ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ الْمُخِيف: أَنْ يُعْلِنَ اللَّهُ جَبَّارُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْحَرْبَ بِنَفْسِه! لَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ الْعُصَاةَ بِالْحُدُودِ وَبِالنَّارِ، أَمَّا هُنَا فَقَال: «فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب». بِرَبِّكُم.. هَلْ رَأَيْتُمْ أَوْ سَمِعْتُمْ بِأَحَدٍ حَارَبَ اللَّهَ فَغَلَب؟ إِنَّ أَكَلَةَ الرِّبَا لَمَّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِهَا فَرُّوا وَارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُم.. فَمَا بَالُ الْمُتَوَعَّدِ بِحَرْبِ اللَّهِ فِي أَوْلِيَائِهِ لَا يَفِرُّ مِنَ الْوَقِيعَةِ فِيهِمْ وَالنَّهْشِ فِي أَعْرَاضِهِم؟

ثُمَّ اسْمَعُوا جَيِّدًا مَنْ يُدْخِلُهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي اسْمِ الْوَلِيّ: «الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه...». فَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الْبَاب. وَهُنَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَجِبُ أَنْ تَقِفُوا عِنْدَه: نَحْنُ لَا نُوَزِّعُ صُكُوكَ الْوِلَايَةِ بِالتَّشَهِّي، وَلَا نُثْبِتُهَا لِكُلِّ مُدَّعٍ، بَلْ نُثْبِتُهَا لِمَنْ أَثْبَتَتْهَا لَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَهَذَا الْإِمَامُ الَّذِي يَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ الْغَالِي لَمْ يُزَكِّ نَفْسَه، بَلْ زَكَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ الثِّقَات، وَتَلَقَّتِ الْأُمَّةُ عِلْمَهُ بِالْقَبُولِ جِيلًا بَعْدَ جِيل. وَشَهَادَةُ الْأُمَّةِ الْعَدْلِ هِيَ مِيزَانُ السَّمَاءِ فِي الْأَرْض. فَمَنْ أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْهُدَى عَلَى صَلَاحِهِ وَعِلْمِه، كَيْفَ يَجْرُؤُ نَكِرَةٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى نَقْضِ تَزْكِيَةِ الْأُمَّةِ لَه؟

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْمُفَارَقَةِ الْعَجِيبَة: الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، الَّذِي شَرَحَ لِلْأُمَّةِ حَدِيثَ حُرْمَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَبَيَّنَ مَعَالِمَه، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُبَدِّعُهُ هَذَا "الْحَدَّادِيُّ" الْغَالِي وَيُسْقِطُهُ! شَرَحَ لَهُمْ سِيَاجَ الْحِمَى لِيَحْتَمُوا بِه، فَكَافَأَهُ الْجَاهِلُ بِأَنْ جَعَلَهُ أَوَّلَ مَنْ يُطْعَنُ فِيه! وَمِثْلُ هَذَا كَمَثَلِ أَحْمَقَ كَسَرَ الْمِصْبَاحَ الَّذِي يَسْتَضِيءُ بِه، ثُمَّ جَلَسَ يَشْكُو مِنَ الظَّلَام!

فَإِنِ انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي وَقَالَ يُبَرِّرُ جَرِيمَتَه: "نَحْنُ إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِيمَنْ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَ لِلَّهِ أَصْلًا!" فَقُولُوا لَه: أَتُكَذِّبُ شَهَادَةَ الْأُمَّةِ وَثِقَاتِ عُلَمَائِهَا؟ فَالْإِمَامُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ فِيهِ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَنُصْرَةِ سُنَّةِ نَبِيِّه، وَتَطَابَقَتْ شَهَادَاتُ أَئِمَّةِ زَمَانِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى فَضْلِهِ وَإِمَامَتِه. ثُمَّ جِئْتَ أَنْتَ لِتُخْرِجَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ بِزَلَّةٍ تَأَوَّلَ فِيهَا، مُتَنَاسِيًا أَنَّ الْخَالِقَ الْعَظِيمَ قَدْ رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْمُتَأَوِّلِ الْمُخْطِئ، وَمُتَجَاهِلًا أَنَّ الْعَالِمَ الْمُخْطِئَ مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُور! فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمَا، مِمَّنْ زَكَّاهُمْ ثِقَاتُ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِين، فَمَنْ هُوَ وَلِيُّ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِذَنْ؟

وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَدَاوَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَتْ رَدَّ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ بِدَلِيلِهَا؛ فَقَدْ تَعَقَّبَ الْعُلَمَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمَا صَارُوا أَعْدَاءً قَطّ، وَلَمْ يُسْقِطُوا مِنْ حُقُوقِ بَعْضِهِمْ شَيْئًا. إِنَّمَا الْعَدَاوَةُ الْحَقِيقِيَّة: بُغْضُ الْعَالِم، وَتَتَبُّعُ عَثَرَاتِهِ بِالْمِنْقَاش، وَالْفَرَحُ بِسَقْطَتِه، وَالشَّمَاتَةُ بِزَلَّتِه، وَتَحْرِيضُ الْعَوَامِّ عَلَيْه! فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صَنْعَتَه، فَقَدْ دَخَلَ فِي حَرْبٍ مَعَ قَاهِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض؛ وَالْمُحَارِبُ لِلَّهِ مَهْزُومٌ مَقْهُورٌ وَلَوْ طَالَ بِهِ الزَّمَن.

فَيَا عَبْدَ اللَّه، إِنْ عَجَزْتَ عَنْ نُصْرَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّه، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تُمْسِكَ سِهَامَكَ عَنْهُم! أَتُحَارِبُهُ سُبْحَانَهُ فِي أَحْبَابِهِ الَّذِينَ زَكَّتْهُمُ الْأُمَّة، ثُمَّ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِكَ تَسْأَلُهُ النَّصْرَ وَالتَّوْفِيق؟ مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَدْخُلْ مِنْ بَابِهَا الْأَوْسَع؛ مَحَبَّةِ أَهْلِ اللَّهِ وَوَرَثَةِ أَنْبِيَائِه.

فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَالْكَفُّ عَنْهُم. وَأَمَّا حَرْبُهُم.. فَوَاللَّهِ مَا اخْتَارَهَا أَحَدٌ قَطُّ ثُمَّ أَفْلَح!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْه. وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِه. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك.

البيانتَدَرَّجْنَا مَعًا وَرَأَيْنَا كَيْفَ عُذِرَ الْمُخْطِئُ، وَكَيْفَ زَكَّتِ الْأُمَّةُ عُلَمَاءَهَا، وَكَيْفَ أُعْلِنَتِ الْحَرْبُ مِنْ قَاهِرِ السَّمَاوَاتِ عَلَى مَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَه. وَالْآن.. قِفُوا لِتَرَوْا هَذَا السِّلَاحَ الْفَاسِدَ الَّذِي يَشْهَرُهُ هَذَا الْغَالِي، وَكَيْفَ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَبْلَ مَشْنَقَةٍ يَلْتَفُّ عَلَى عُنُقِ صَاحِبِه.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْه. وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِه». وَقَالَ ﷺ: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك».

هَذِهِ الْكَلِمَة. إِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ فَمِ صَاحِبِهَا فَلَا تَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ أَبَدًا، وَلَا تَضِيعُ فِي الْهَوَاء.. بَلْ مَتَى أَخْطَأَتْ هَدَفَهَا، اسْتَدَارَتْ لِتُهْلِكَ مُطْلِقَهَا! لَمْ يَكْتَفِ النَّبِيُّ ﷺ بِتَحْرِيمِهَا وَتَأْجِيلِ حِسَابِ صَاحِبِهَا إِلَى الْآخِرَةِ كَبَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ، بَلْ عَجَّلَ جَزَاءَهَا فِي الدُّنْيَا. فَمَنْ أَطْلَقَ التَّكْفِيرَ أَوِ التَّفْسِيقَ فَقَدْ رَمَى بِسَهْمٍ لَا يَرْجِعُ فَارِغًا أَبَدًا؛ إِمَّا أَنْ يُصِيبَ، وَإِمَّا أَنْ يَرْتَدَّ فِي نَحْرِ صَاحِبِه!

وَتَأَمَّلُوا صِيغَةَ الْعُمُومِ: «أَيُّمَا امْرِئٍ»، ثُمَّ صِيغَةَ الْحَصْرِ الْقَاطِعَةِ: «فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا». إِنَّهَا تَعْنِي أَنَّ الْكَلِمَةَ وَاقِعَةٌ عَلَى أَحَدِ الِاثْنَيْنِ حَتْمًا وَيَقِينًا. لَيْسَ هُنَاكَ احْتِمَالٌ ثَالِث! لَيْسَ هُنَاكَ مِنْطَقَةُ فَرَاغٍ يَنْجُو فِيهَا الرَّامِي إِذَا تَسَرَّعَ وَأَخْطَأ! فَمَنْ أَطْلَقَهَا بِجَهْلٍ أَوْ هَوًى عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَزَكَّاهُ ثِقَاتُ الْأُمَّة.. فَلْيَتَصَوَّرْ بِرَبِّهِ أَيْنَ سَيَسْتَقِرُّ السَّهْمُ حِينَ يُخْطِئُ مَرْمَاه!

ثُمَّ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّمْيَ بِالْكُفْرِ شَبِيهًا بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ: «فَهُوَ كَقَتْلِه»! فَاسْتِبَاحَةُ إِيمَانِ الْمُسْلِمِ كَاسْتِبَاحَةِ دَمِهِ تَمَامًا. وَمِنْ هُنَا، أَيْقَنَ أَهْلُ الْعِلْمِ الرَّاسِخُونَ أَنَّ التَّكْفِيرَ وَالتَّبْدِيعَ بَابُ دِمَاءٍ وَأَرْوَاحٍ، لَا بَابُ مُنَاظَرَاتٍ وَثَرْثَرَةِ مَجَالِس! وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ الْقَوَاطِعِ مَا يَحْتَاجُهُ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِالْحُكْمِ بِالْقَتْل.

ثُمَّ زَادَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فَأَدْخَلَ التَّفْسِيقَ فِي الْحُكْمِ ذَاتِهِ: «لَا يَرْمِيهِ بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ.. إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْه». وَهُنَا.. يُغْلَقُ الْبَابُ الْمُحْكَمُ عَلَى الْغَالِي الَّذِي يَهْرُبُ إِذَا حُوصِرَ لِيَقُولَ: "أَنَا لَمْ أُكَفِّرْه! أَنَا بَدَّعْتُهُ فَقَطْ وَفَسَّقْتُه!" فَنَقُولُ لَهُ: لَقَدْ أَدْرَكَكَ الْوَعِيدُ النَّبَوِيُّ وَسَدَّ عَلَيْكَ مَنَافِذَ الْهَرَب؛ فَالْوَعِيدُ يَلْحَقُ الرَّمْيَ بِالْفِسْقِ وَالْبِدْعَةِ تَمَامًا كَمَا يَلْحَقُ الرَّمْيَ بِالْكُفْرِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك. وَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ الْعَالِمَ الْمُتَأَوِّلَ الْمُخْطِئَ لَيْسَ بِفَاسِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ بَلْ هُوَ مَعْذُورٌ وَمَأْجُور.

فَاعْرِضُوا هَذَا الْحَدِيثَ الْعَظِيمَ عَلَى مَنْ يُطْلِقُ التَّبْدِيعَ وَالتَّكْفِيرَ وَالتَّضْلِيلَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَقَاطِعِ، وَقُولُوا لَهُ: يَا مِسْكِين! افْتَرِضْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّكَ أَخْطَأْتَ فِي رَمْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ مِنْ آلَافِ رَمَيَاتِك! أَيْنَ تَرْجِعُ الْكَلِمَة؟ وَأَيْنَ يَسْتَقِرُّ السَّهْم؟ إِنَّهُ مُسْتَقِرٌّ فِي صَدْرِكَ وَدِينِك!

فَإِنِ اسْتَعْظَمَ أَنْ يُقَالَ لَهُ هَذَا فِي نَفْسِهِ، فَكَيْفَ اسْتَسْهَلَ أَنْ يَقُولَهُ فِي أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَوْلِيَاءِ اللَّه؟

كَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَاب. فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِد، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه».

البيانيَا طَالِبَ الْحَقّ، قِفْ عِنْدَ هَذَا الْمَشْهَدِ وَقْفَةَ الْمُتَأَمِّل، فَإِنَّ فِيهِ هَدْمَ الْآلَةِ الَّتِي يُسْقَطُ بِهَا الْيَوْمَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَام، هَدْمًا بِلَفْظِ النُّبُوَّةِ لَا بِقَاعِدَةٍ اسْتَنْبَطَهَا مُتَأَخِّر.

انْظُرْ إِلَى الرَّجُل: مُجَاهِرٌ بِشُرْبِ الْخَمْر، مُقَامٌ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة، حَتَّى ضَجَّ مِنْهُ الْحَاضِرُونَ فَقَالُوا: مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! ثُمَّ انْظُرْ إِلَى اللَّافِظِ بِاللَّعْن: لَمْ يَخْتَرِعْهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهَوًى، بَلْ مَعَهُ نَصٌّ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لُعِنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةٌ»، وَهَذَا الرَّجُلُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ بِظَاهِرِ حَالِه. فَالْوَصْفُ ثَابِت، وَالْعُمُومُ صَحِيح، وَالْمَنَاطُ مُتَحَقِّقٌ فِي الْعَيْنِ تَحَقُّقًا يَرَاهُ كُلُّ نَاظِر.

وَمَعَ ذَلِكَ مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ «لَا تَلْعَنُوه». وَلَمْ يَقُلْ: لَيْسَ بِشَارِب. وَلَمْ يَقُلْ: الْحَدِيثُ فِي اللَّعْنِ لَا يَصِحّ. وَلَمْ يُنْكِرِ الْعُمُومَ وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِه. وَإِنَّمَا مَنَعَ تَنْزِيلَ الْحُكْمِ الْعَامِّ عَلَى هَذَا الْمُعَيَّن، وَعَلَّلَ بِمَا هُوَ أَعْجَب: «فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه». فَجَعَلَ مَا فِي قَلْبِ الرَّجُلِ مِنْ مَحَبَّةٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَانِعًا يَحُولُ بَيْنَ الْعُمُومِ الثَّابِتِ وَبَيْنَ هَذَا الشَّخْصِ بِعَيْنِه.

فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ حُكْمِ الْمَقَالَةِ وَحُكْمِ الْقَائِل، مُقَرَّرًا لَا بِلِسَانِ مُمَيِّعٍ وَلَا بِقَلَمِ مُتَأَخِّرٍ مُتَسَاهِل، بَلْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ حَاضَرَهُ الصَّحَابَة. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَلْيَقِفْ هُنَا، فَمَا بَعْدَ هَذَا بَيَان.

ثُمَّ أَقْبِلْ عَلَى الْمِيزَانِ الَّذِي يَزِنُونَ بِهِ النَّاسَ الْيَوْم، وَقَابِلْهُ بِهَذَا: الْحَدَّادِيُّ كُلُّ آلَتِهِ أَنْ يَجِدَ لَفْظًا عَامًّا فِي ذَمِّ مَقَالَةٍ، ثُمَّ يُنَزِّلَهُ عَلَى مُعَيَّن. يَجِدُ فِي كَلَامِ السَّلَفِ ذَمَّ الْجَهْمِيَّة، فَيُنَزِّلُهُ عَلَى إِمَامٍ تَأَوَّلَ صِفَةً وَاحِدَة. وَيَجِدُ ذَمَّ الْمُبْتَدِعَة، فَيُنَزِّلُهُ عَلَى مَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ السُّنَّة. وَيَقُولُ لَكَ: الْعُمُومُ ثَابِت، فَالْحُكْمُ لَازِم! وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي مَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فَأَيُّ عُمُومٍ تَحْتَجُّ بِهِ أَثْبَتُ مِنْ عُمُومٍ نَطَقَ بِهِ الْمَعْصُوم؟ وَأَيُّ مَنَاطٍ أَظْهَرُ مِنْ مُجَاهِرٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِرَارًا؟

فَيَا هَذَا، إِنْ كَانَ الْمُجَاهِرُ بِالْكَبِيرَة، الْمُتَكَرِّرُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لَا يُلْعَنُ لِأَجْلِ مَحَبَّةٍ فِي قَلْبِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا؛ فَبِأَيِّ مِيزَانٍ يُلْعَنُ وَيُبَدَّعُ وَيُكَفَّرُ إِمَامٌ قَضَى عُمُرَهُ فِي نَشْرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْرَأَ النَّاسَ الْقُرْآن، وَحَرَّرَ السُّنَّةَ وَشَرَحَهَا، وَمَلَأَ الْأَرْضَ عِلْمًا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَى الْيَوْم؟ إِنْ كَانَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَانِعَةً هُنَاك، فَهِيَ فِي هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ وَأَثْبَتُ وَأَكْثَرُ شَوَاهِد.

ثُمَّ تَأَمَّلْ مَوْضِعًا آخَرَ يَفُوتُ الْغَافِل: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَلَمْ يَلْعَنْه. فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْن: إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ بِلَا تَهَاوُن، وَحِفْظُ الرَّجُلِ مِنَ الْإِسْقَاط. وَهَذَا هُوَ الْمِيزَانُ الَّذِي ضَاعَ عِنْدَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مَنْزِلَةً: إِمَّا أَنْ تُقِرَّ الْخَطَأ، وَإِمَّا أَنْ تُسْقِطَ صَاحِبَهُ بِالْكُلِّيَّة. وَالسُّنَّةُ أَنْ تُقِيمَ الْحَدَّ وَتَمْنَعَ اللَّعْنَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِد.

فَيَا مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ عَلَى أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ يُوَزِّعُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ التَّبْدِيعِ وَالتَّكْفِير: قَدْ سَبَقَكَ إِلَى مَقَامِكَ رَجُلٌ فِي مَجْلِسِ النُّبُوَّة، فَقَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً بِمُقْتَضَى نَصٍّ ثَابِت، فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي الْحَال. فَإِنْ كَانَ ذَاكَ رُدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ يَلْعَنُ مُجَاهِرًا بِشَهَادَةِ الْحَدّ، فَمَاذَا أَنْتَ قَائِلٌ يَوْمَ تُسْأَلُ عَمَّنْ لَعَنْتَ وَبَدَّعْتَ وَكَفَّرْتَ مِنْ أَئِمَّةٍ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِمْ حَدٌّ، وَلَمْ يُجَاهِرُوا بِكَبِيرَة، وَإِنَّمَا أَخْطَؤُوا وَهُمْ يَطْلُبُونَ الْحَقّ؟

اللَّهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ مِيزَانٍ يُسْقِطُ أَوْلِيَاءَك، وَنَشْهَدُ أَنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ نَبِيُّك، وَأَنَّ كُلَّ مِيزَانٍ خَالَفَهُ فَهُوَ مِيزَانٌ مَكْسُور.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَآخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ. فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، وَلَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّة. فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَه. فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي. وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لَا يَا رَبّ. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّار». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَه.

البيانيَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا حَدِيثٌ إِنْ قَرَأْتَهُ عَلَى وَجْهِهِ ارْتَجَفَ قَلْبُك، فَإِنَّهُ يَحْكِي عَنْ عَابِدٍ مُجْتَهِدٍ لَا فَاسِقٍ وَلَا زِنْدِيق، وَعَنْ نَاصِحٍ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَر، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِمَا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُود.

انْظُرْ إِلَى حَالِ الرَّجُلِ قَبْلَ الْكَلِمَة: يَرَى الْمُنْكَرَ فَلَا يَسْكُتُ، وَيُكَرِّرُ النَّصِيحَةَ وَلَا يَمَلّ، وَيَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ وَلَا يَفْتُر. وَلَوْ وُزِنَ بِمِيزَانِ الظَّاهِرِ لَكَانَ أَرْفَعَ الرَّجُلَيْنِ وَأَقْرَبَهُمَا إِلَى اللَّه. فَأَيُّ شَيْءٍ أَسْقَطَه؟ لَمْ تُسْقِطْهُ مَعْصِيَةٌ ارْتَكَبَهَا، وَلَا شَهْوَةٌ غَلَبَتْهُ، وَإِنَّمَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَجَاوَزَ بِهَا حَدَّه: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَك».

وَمَوْضِعُ الدَّاءِ لَيْسَ فِي إِنْكَارِهِ الْمُنْكَرَ، فَذَاكَ حَقّ. وَإِنَّمَا فِي أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ مَوْضِعِ النَّاصِحِ إِلَى مَوْضِعِ الْحَاكِمِ عَلَى مَآلِ عَبْدٍ عِنْدَ رَبِّه. فَحَكَمَ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَطَعَ بِمَا لَمْ يُطْلِعْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَحَجَرَ رَحْمَةً هُوَ نَفْسُهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا.

ثُمَّ اسْمَعِ الْجَوَابَ الْإِلَهِيَّ فَإِنَّهُ أَدَقُّ مَا فِي الْحَدِيث: «أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟» لَمْ يَقُلْ لَه: أَكُنْتَ مُخْطِئًا فِي وَصْفِ ذَنْبِه؟ وَلَا: أَكَانَ الذَّنْبُ هَيِّنًا؟ بَلْ نَاقَشَهُ فِي الْجُرْأَةِ عَلَى مَقَامِ الرَّحْمَةِ نَفْسِه. فَالْجِنَايَةُ لَيْسَتْ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْفِعْلِ، بَلْ فِي مُصَادَرَةِ مَا هُوَ لِلَّهِ وَحْدَه.

فَأَقْبِلِ الْآنَ عَلَى مَا جَرَى فِي زَمَانِنَا. هَذَا رَجُلٌ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ فِي الْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ: «إِنْ رَحِمَهُ اللَّهُ فَسَيَرْحَمُ النَّصَارَى»، وَقَالَ: «إِنْ غَفَرَ اللَّهُ لِلسُّيُوطِيِّ فَمَنْ ذَا الَّذِي لَا يُغْفَرُ لَه؟». فَوَازِنْ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ: كَلِمَةُ الْعَابِدِ قِيلَتْ فِي مُصِرٍّ عَلَى ذَنْبٍ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وَكَلِمَةُ هَذَا قِيلَتْ فِي إِمَامٍ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، مَضَتْ عَلَى وَفَاتِهِ قُرُونٌ وَالْأُمَّةُ تَدْرُسُ كُتُبَهُ وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْه.

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْبَقَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ وَهُوَ فِي مَقَامِ النَّصِيحَةِ لِأَخِيهِ الْحَاضِرِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ جَلَسَ بَعْدَ خَمْسَةِ قُرُونٍ يَقْطَعُ عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَه؟ وَاللَّهِ إِنَّ الْقَلْبَ لَيَخْشَعُ، وَإِنَّ الْعَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّ اللِّسَانَ لَيَعْجِز.

وَتَأَمَّلْ فِقْهَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذْ لَخَّصَ الْقِصَّةَ كُلَّهَا فِي جُمْلَةٍ: «تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَه». كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ! لَا كِتَابٌ أَلَّفَهُ، وَلَا مَذْهَبٌ نَصَرَهُ، وَلَا عُمُرٌ أَفْنَاه. فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يُطْلِقُونَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ يَبِيتُونَ قَرِيرِي الْعَيْن؟

وَهَاهُنَا فَائِدَةٌ لَا تَفُوتَنَّك: الشَّرْعُ يَأْمُرُكَ أَنْ تُنْكِرَ الْمُنْكَرَ وَتَنْصَحَ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُكَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى النِّيَّاتِ وَالتَّأَلِّي عَلَى اللَّه. فَالنَّصِيحَةُ إِلَيْكَ، وَالْخَاتِمَةُ إِلَى اللَّه. وَمَنْ خَلَطَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَدْ وَقَعَ فِي مَقَامِ الْعَابِدِ الْهَالِك: أَنْكَرَ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَطَعَ فَخَسِر.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ فِي عِبَادِه: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ مَفَاتِيحَ رَحْمَتِهِ بِيَدِكَ، وَلَا اسْتَشَارَكَ فِي قِسْمَةِ مَغْفِرَتِه. فَاحْفَظْ لِسَانَكَ عَنْ مَقَامٍ لَمْ تُجْعَلْ لَه، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ تَخْرُجُ مِنْ فِيكَ هَيِّنَةً، وَقَدْ تَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُوبِقَات.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَام: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُه. بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم.

البيانتَأَمَّلُوا كَيْفَ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثَ حُرُمَاتٍ عَظِيمَةٍ فِي سِلْكٍ وَاحِد: الدَّمَ، وَالْمَالَ، وَالْعِرْض. فَجَعَلَ الْعِرْضَ قَرِينًا لِلدَّمِ فِي الْقَدَاسَةِ وَالْحُرْمَة. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَجْلِسُونَ فَيَنْثُرُونَ أَعْرَاضَ الْعُلَمَاءِ فِي مَجَالِسِهِمْ كَمَا يُنْثَرُ الْحَصَى! يُمَزِّقُونَهَا بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ وَالتَّجْرِيحِ وَلَا يَطْرِفُ لَهُمْ جَفْن، وَلَا يَشْعُرُونَ لِلَحْظَةٍ أَنَّهُمُ انْتَهَكُوا حُرْمَةً غَلِيظَة!

ثُمَّ نَقِفُ عِنْدَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الْجَامِعَة: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِم».. أَيْ: يَكْفِيهِ هَذَا الذَّنْبُ وَحْدَهُ مِنَ الشَّرِّ لِيُرْدِيَهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَحِيفَتِهِ غَيْرُه! فَيَا عَجَبًا! إِذَا كَانَ احْتِقَارُ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ الْمُهْلِكَ مِنَ الشَّرّ.. فَمَا ظَنُّكُمْ بِاحْتِقَارِ عَالِمٍ نَفَعَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ الْأُمَّةَ قُرُونًا طَوِيلَةً، وَزَكَّاهُ ثِقَاتُ عُلَمَائِهَا وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُول؟ مَنْ كَانَ وَزْنُهُ فِي خِدْمَةِ الْإِسْلَامِ بِالْقَنَاطِيرِ، هَلْ يَحْقِرُهُ نَكِرَةٌ لَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ فِي الْعِلْمِ قِيرَاطًا؟!

وَلَاحِظُوا بِدِقَّةِ بَصِيرَتِكُمْ: لِمَاذَا خَتَمَ النَّبِيُّ ﷺ حَدِيثَ الْحُرُمَاتِ الثَّلَاثِ بِذِكْرِ "التَّحْقِير"؟ لِأَنَّ التَّحْقِيرَ هُوَ الْجِسْرُ الْأَسْوَدُ الَّذِي يُعْبَرُ مِنْهُ إِلَى الِاسْتِحْلَالِ كُلِّه! فَمَا اسْتُحِلَّ دَمٌ، وَلَا نُهِبَ مَالٌ، وَلَا مُزِّقَ عِرْضٌ، إِلَّا بَعْدَ أَنْ هَانَ صَاحِبُهُ فِي عَيْنِ مَنِ اسْتَحَلَّه. وَالْغُلُوُّ كُلُّهُ يَمْشِي عَلَى هَذَا الْجِسْرِ الْخَبِيث: يَبْدَأُ بِاحْتِقَارٍ لِلْعَالِمِ يَمُرُّ كَخَاطِرٍ فِي الْقَلْب، ثُمَّ يَنْفُثُهُ كَلَامًا وَتَطَاوُلًا فِي الْمَجْلِس، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ إِلَى مُحَاوَلَةِ إِسْقَاطِهِ أَمَامَ النَّاس.. ثُمَّ لَا يَقِفُ هَذَا السَّيْلُ الْجَارِفُ حَتَّى يَبْلُغَ التَّبْدِيعَ وَالتَّفْسِيق، الَّذِي بَيَّنَّا سَابِقًا كَيْفَ يَرْتَدُّ كَالسَّهْمِ الْمُهْلِكِ فِي صَدْرِ صَاحِبِه! فَمَنْ حَرَسَ قَلْبَهُ فِي أَوَّلِ الطَّرِيق، أَمِنَ مِنَ الْهَلَكَةِ فِي آخِرِه.

وَاعْلَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسَّسَ مَذْهَبَ الِاحْتِقَارِ هُوَ إِبْلِيس! نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ الْمُظْلِمَةِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ، وَنَظَرَ إِلَى آدَمَ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ فَقَال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. فَأَوْرَثَهُ الِاحْتِقَارُ الِاعْتِرَاضَ عَلَى رَبِّهِ، وَأَوْرَثَهُ الِاعْتِرَاضُ الطَّرْدَ وَاللَّعْنَة. فَكُلُّ مَنِ احْتَقَرَ عَبْدًا صَالِحًا وَعَالِمًا رَبَّانِيًّا فَهُوَ يَمْشِي عَلَى خُطَى إِبْلِيسَ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّة. وَلَنْ تَجِدَ مُحْتَقِرًا لِعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ إِلَّا وَتَحْتَ احْتِقَارِهِ كِبْرٌ خَفِيٌّ، وَإِعْجَابٌ مَرِيضٌ بِنَفْسِه! فَالْكِبْرُ هُوَ الدَّاءُ الْعُضَالُ، وَالِاحْتِقَارُ لَيْسَ إِلَّا عَرَضًا مِنْ أَعْرَاضِه.

فَإِذَا كَانَ يَكْفِيكَ مِنَ الشَّرِّ أَنْ تَحْقِرَ مُسْلِمًا وَاحِدًا يَمْشِي فِي الْأَسْوَاق.. فَمَا هُوَ جَزَاءُ مَنْ جَعَلَ تَحْقِيرَ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ، وَمَادَّةَ مَقَاطِعِهِ، وَفَاكِهَةَ مَجَالِسِه؟!

أَمْسِكُوا مِيزَانَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَخَفَّ أَحَدٌ بِعَالِمٍ رَبَّانِيٍّ إِلَّا خَفَّ وَزْنُهُ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ خَلْقِهِ، وَالْجَزَاءُ دَائِمًا مِنْ جِنْسِ الْعَمَل.