البيانقف أيها الموفق واقرأ هذا النص بقلبٍ حاضر، وانظر بعين البصيرة فيمَن هو الذي نال العذر! إن المعذور هنا في مقالة أئمة الدعوة النجدية ليس عالماً متأولاً أخطأ في تأويل صفةٍ من صفات الله تعالى، ولا هو فقيهٌ زلّت قدمه في مسألة فقهية فرعية؛ بل هو رجلٌ يعبد صنماً عند قبر، ويقترف الشرك الأكبر الظاهر البواح، وهو ذات الشرك الذي قام إمامُ الدعوة يجاهده، وسلّ سيف قلمه وبيانه لدحره، بل ويُكفِّر «النوع» والفعل بأغلظ العبارات! ثم تأمل كيف يقف هذا الإمام الجبل أمام هذا الفعل الشنيع، ويمتنع بصلابة وتورع عن تكفير «المعيَّن» من هؤلاء الفاعلين، ويُعلّل موقفه هذا تعليلاً فقهياً دقيقاً بقوله: «لأجل جهلهم وعدم من ينبّههم»!
تأمل يا رعاك الله هذا الإنصاف العظيم؛ لتعلم يقيناً أن تقرير «العذر بالجهل» ليس قولاً مميِّعاً للدين صنعه المتأخّرون المنهزمون، ولا هو - كما يزعم الغلاة - من قبيل «إرجاء العصر» المذموم؛ بل هو نصٌّ محكمٌ وحكمٌ راسخ قرّره إمام الدعوة نفسه، ذلك الإمام الذي يرفع هؤلاء القوم اسمه كذباً، ويزعمون زوراً وبهتاناً أنهم المتحدّثون باسمه والممثلون لمنهجه.
وهذا الورع ليس كلمةً عارضةً فلتت في سياق نقاش، بل هو أصلٌ متين ومنهجٌ متوارثٌ كابراً عن كابر في بيت الدعوة ومدرستها. استمع إلى ابنه العلامة الشيخ عبد الله حين يقرر هذه القاعدة بوضوح جلي، قائلاً: «ولا نُكَفِّرُ إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجّة، وقامت عليه الحجة، وأصرّ مستكبرًا معاندًا». قف هنا وقفة متأنية، وانظر في هذه الشروط العظيمة الأربعة التي وضعها الشيخ كطوق نجاة قبل إطلاق سيف التكفير: «بلوغُ الدعوة»، ثم «وضوحُ المحجّة»، ثم «قيامُ الحجة»، ثم تتويج ذلك بـ«الإصرار استكبارًا وعنادًا». فبالله عليك، أين هذه الشروط العلمية الدقيقة، والمراحل الشرعية المتأنية، ممّن يجلس باسترخاء ليفتح كتاباً لإمامٍ جليل مات قبل خمسة قرون، فيسارع إلى تكفيره وإخراجه من ملة الإسلام بمجرد لفظةٍ محتملة قرأها في سطر، دون أن يسأله، أو يستبين قصده، أو يقيم عليه حجة؟!
ولم يقف ورع هؤلاء الأئمة عند هذا الحد، بل ارتقى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب إلى مرتبةٍ أعلى من العدل والإنصاف، حين تحدث عن الإمام ابن حجر الهيتمي. فمع كل ما عند ابن حجر ممّا يُنكر عليه ويخالف فيه في مسألة الاستغاثة الشائكة، قال الشيخ عبد الله مقرراً منهج العدل: «ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ إنه من جملة علماء المسلمين». تأمل هذا الميزان القسط!
لقد جمع الشيخ ببراعة وتقوى بين «إنكار الخطأ العقدي» وبين «الانتفاع بالعلم الواسع»، وحافظ على «منزلة الإمام» ولم يسقطه، وهو الجمع المتزن الذي أعجز هؤلاء الغلاة والأدعياء اليوم، فقادهم قصورهم إما إلى قبول الباطل كله، أو حرق الإمام وتكفيره وتضليله كله!
وعلى ذات الدرب المنير، سار العلامة ابن عثيمين رحمه الله ليقرّر الأصل نفسه بعبارة قاطعة، فقال: «فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاءُ إسلامه حتى يتحقّق زوالُ ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما افتراءُ الكذب على الله في الحكم، والثاني على المحكوم عليه في الوصف الذي نبذه به». فالأمر إذن جِدّ خطير؛ فالمتساهل في التكفير الساعي فيه، يرتكب جريمةً مركبة، ويفتري كذبتين عظيمتين لا كذبة واحدة: فهو يكذب على الله جل جلاله حين يفتئت على حكْمِه فيُكفر من لم يُكفره الله، ويكذب على العبد المسلم حين يرميه بوصف الكفر البغيض الذي نبذه به ظلماً.
وأمام هذه النصوص الساطعة، يبرز التحدي المحرج للحدادي المعاصر: لماذا لا يخرج هذا الحدادي بشجاعة ووضوح ليقول: لقد أخطأ إمامُ الدعوة، وأخطأ ابنُه من بعده، وأخطأ ابن عثيمين!
وحينئذٍ، إذا امتلك هذه الجرأة، يَسقُطُ بالكلية انتسابُه الكاذب إليهم، وينقطع تسلّقه للحديث باسمهم، ولا يبقى له في منهجه التكفيري سلفٌ يُتّكأ عليه؛ أو في المقابل، يذعن ويقبل أصلهم الذي أصلوه، ويلزم غرزهم.
وإن من أعجب العجب في دنيانا، أن ترى رجلاً يتحدث بملء فيه باسم إمامٍ من الأئمة المصلحين (كما فعل محمد شمس الدين وقدم نفسه بأنه المتحدث الرسمي باسم ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب)، ثم هو يخالفه وينقض منهجه في أشهر المسائل التي يشنع بها هذا الدعي على أئمة المسلمين وينتقدهم عليها!
يا هذا الذي تسرع في التكفير والتضليل! إنّ إمام الدعوة وقف بشحمه ولحمه أمام رجلٍ يطوف بقبرٍ، ويشرك بالله، ويدعو صاحب القبر من دون الله، ومع تفظيعه للشرك، توقّف وارتجف عن تكفيره بعينه؛ خوفًا من الله تعالى، وخشيةً من أن يتقوّل على الله ما لا يَعلَمُ يقيناً تحققَه من الشروط وانتفاء الموانع. بينما أنت، في مفارقةٍ مبكية مضحكة، تجلس آمناً مطمئناً خلف شاشة حاسوبك، لتوزع صكوك التكفير على من لم تره يوماً ولم تسمعه! تُكَفِّرُ أئمةً وجبالاً ماتوا قبل قرون من الزمان، بمجرد كلمةٍ أو زلةٍ قرأتها في سطرٍ من كتاب!
فأسألك بالله، وبكل إنصاف: أيُّ الرجلين أعرفُ بالله، وأخوفُ منه، وأشدُّ تعظيماً لحرماته؟ وأيُّ القلبين أرقُّ، وأتقى، وأكثر ورعاً في دين الله؟!