قال الحافظ ابن رجب: يأبى اللهُ العصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابه، والمنصفُ من اغتفر قليلَ خطأ المرء في كثير صوابه.

البيانقاعدةٌ حنبليةٌ أثرية، تُعَرِّفُ (الإنصاف) الحقيقي، وتنسف خرافة المثالية الكاذبة التي تتستر بها الحدادية!

في سطرٍ واحد، أرسى الإمام أصلين عظيمين:

الأول: أن العصمة للقرآن وحده لا لكتابٍ سواه.

والثاني: أن الإنصاف هو (اغتفار) الخطأ القليل في بحر الصواب الكثير. فمن جمع هذين الأصلين استقام له منهج التعامل مع التراث الإسلامي كله.

والتفاتةٌ بديعةٌ في الأصل الأول؛ أنه جعله في (الكتب) والمصنفات، لا في الرجال فحسب! فما من كتابٍ بشري -مهما جَلّ مؤلفه- إلا وفيه موضعُ استدراك؛ فهذه سنة الله في خلقه.

فمن اشترط ألا يقرأ كتاباً للإمام النووي أو ابن حجر وغيرهما من أئمة الإسلام إلا إذا خلا من الخطأ تماماً؛ فقد اشترط لبشرٍ ما لم يجعله الله إلا لكتابه الكريم!

ثم انظر الدقة البالغة في تعريفه لـ (الإنصاف): «المنصف من اغتفر». فقد جعل الإمام (الاغتفار والتجاوز) هو عين الإنصاف ذاته، لا أنه تنازلٌ أو تمييع! بينما الحدادية اليوم يقلبون المفاهيم؛ فيسمون (الاغتفار والتجاوز) تمييعاً، ويسمون (تتبع الزلات وتكبيرها) إنصافاً وتحقيقاً!

وقيمة هذه القاعدة تتضاعف حين تعلم أن قائلها هو (ابن رجب الحنبلي الأثري)، وأنه سطرها في (مقدمة كتابه)! والمقدمات -كما هو معلوم- هي مواطن تحرير المناهج وتقرير الأصول، لا مواطن الاستطراد. فهو منهجٌ سلفيٌّ أعلنه الإمام والتزم به واشترطه على قادئه.

فيا من يطارد زلات العلماء في بطون الكتب لتبديعهم؛ إن أردت أن تزن كتاباً أو رجلاً فزنه بهذا القسطاس السلفي: (أقليلٌ خطؤه في كثير صوابه، أم العكس؟).

وأما إن كنت تبحث عن كتابٍ لا خطأ فيه البتة لترضى عن مؤلفه؛ فلن تقرأ على وجه الأرض إلا المصحف!

فاتق الله، واعلم أن حرمانك الأمة من علم الأئمة لأجل زلةٍ مغمورة؛ ليس من الغيرة على السنة في شيء، بل هو ظلمٌ وجحودٌ سيعود عليك بالخسران والندامة.

قال الإمام الشاطبي: إن زلّة العالم لا يصحّ اعتمادُها من جهة، ولا الأخذُ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعةٌ على المخالفة للشرع، ولذلك عُدَّت زلّة... كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبُها إلى التقصير، ولا أن يُشنَّع عليه بها، ولا يُنتقص من أجلها، أو يُعتقد فيه الإقدامُ على المخالفة بحتًا؛ فإن هذا كلَّه خلافُ ما تقتضيه رتبتُه في الدين.

البيانوثيقةٌ مقاصديةٌ جامعة، من (إمام محاربة البدع)، تسدّ منافذ الغلو، وتفكك حيل الحدادية المتسترة بالغيرة!

هذا النص من أجمع وأضبط ما قيل في الباب؛ لأنه أقام الحكمين المتقابلين في نَسَقٍ واحد، فلا يدع لمبطلٍ أن يأخذ أحدهما ويترك الآخر! فقد قرر أن الزلة تُرَدُّ ولا يُقلَّد فيها صاحبُها (وهذا يقطع دعوى التمييع)، ثم قرر فوراً أن صاحبها يُعذَرُ ولا يُهدر مقامه (وهذا يقطع دعوى الإسقاط والحدادية).

وجمال كلام الإمام أنه حصر صور التطاول الحدادي الأربع، فسدّها وأبطلها واحدةً واحدة:

1- ألا يُنسب إلى التقصير.

2- ولا يُشنَّع عليه بها.

3- ولا يُنتقص من أجلها.

4- ولا يُعتقد فيه تعمد المخالفة.

لقد أحصى كل ما تصنعه الحدادية اليوم من آثام، ثم حرّمه ومنعه!

وأدق هذه الموانع هي الرابعة؛ فقد حرّم أن يُساء الظن بالعالم، فيُعتقد فيه أنه خالف الشرع عن عمد وعناد! وهذا هو (سوء الظن) الذي تُبنى عليه صناعة الحدادية كلها؛ إذ لو اعترفوا بأن العالِم أخطأ (متأولاً طالباً للحق) لسقطت خصومتهم ومشاريعهم الإسقاطية، ولزِمهم الترحم عليه.

ثم انظر إلى العلة الفقهية العميقة التي ختم بها: «فإن هذا كله خلاف ما تقتضيه رتبته في الدين». فربَط المنع بـ (رتبة العالِم في الدين)، لا بمجرد العاطفة أو المجاملة! فالرتبة العلمية حقٌ شرعيٌ ثابت يقتضي توقيراً واغتفاراً، ومن هضم هذا الحق فقد بخس الناس أشياءهم وظلم.

والقاصمة في هذا النص هي هوية قائله! فهو الإمام الشاطبي صاحب كتاب (الاعتصام)؛ أشهر موسوعةٍ سلفية في كشف البدع والتحذير منها! فليس هذا كلامَ مداهنٍ مميع يهوّن أمر البدع، بل كلام إمامٍ أفنى عمره في محاربتها؛ ومع ذلك يُحرّم التشنيع على العالم المخطئ بزلته!

فيا من يشنع على أئمة الهدى بزلاتهم؛ الشاطبي الخبير بالبدع يحذرك من أربع موبقات، وأنت تتعبد الله بارتكابها جميعاً في حق الأئمة كأبي حنيفة والنووي وابن حجر! فبأي ميزانٍ تزن؟!

اتق الله، وأنزل حملة الشريعة رتبتهم التي بوأهم الله إياها، واعلم أن استمرارك في سوء الظن بأئمة الإسلام وتعمّد التشنيع عليهم سيعود عليك بالخذلان، وستسأل غداً عن هدمك لرتبهم في الدين أمام ديان السماوات والأرض.

قال الإمام ابن المبرد الحنبلي: وهؤلاء الأئمة الأربعة، الذي أعتقده وأدين الله به أنه لا يجوز لأحدٍ - لا سيما في زماننا - الكلامُ فيهم بوجهٍ من الوجوه... والذي أعتقده وأدين الله به تحريمُ ذلك، وتحريمُ الكلام في العلماء وفي أركان الدين؛ فمن تكلّم في أحدٍ من الأئمة فقد وقع في إثمٍ عظيم، وارتكب ذنبًا كبيرًا.

البيانعقيدةٌ حنبليةٌ صارمة، تقطع لسان المتطاولين، وتجعل توقير الأئمة (ديناً يدان الله به)، لا مجرد رأيٍ يَقبَلُ النقاش!

إن مكمن القوة والجلال في هذا النص يكمن في صيغته؛ فقد قال الإمام: «الذي أعتقده وأدين الله به»، وكررها مرتين تأكيداً! فهو لم يجعل توقير الأئمة الأربعة وتحريم الطعن فيهم (اختياراً فقهياً) يحتمل الخلاف والمنازعة؛ بل جعله (عقيدةً وديانةً) يلقى الله عليها.

وتتضاعف قيمة هذه الوثيقة حين تعلم أن قائلها (ابن المبرد) فقيهٌ حنبليٌ صلب! ومعلومٌ أن الحدادية يتترسون ببعض النقولات التاريخية ليصنعوا وهماً بأن مدرسة الحنابلة هي مدرسة العداء لأبي حنيفة؛ فجاء هذا الإمام الحنبلي ليهدم هذا الوهم؛ بل إنه صنّف كتاباً مستقلاً في الذب عن أحاديث أبي حنيفة، وآخر في مناقبه!

ليعلّم الغلاة أن السلفية إنصافٌ واتباع، لا تعصبٌ واصطفاف.

ثم تأمل قيده البليغ: «لا سيما في زماننا»! لقد أدرك هذا الإمام أن الطعن في الأئمة يزداد قُبحاً وخطراً كلما بَعُد الزمان وقَلّ العلم. فإذا كان هذا الخوف في زمانه المتقدم؛ فماذا نقول في زماننا هذا، الذي صار فيه الطعن في كبار أئمة الإسلام "بضاعةً رخيصة" يصورها حدثٌ مغرور في دقائق، ويبثها للملايين ليهدم بها ما بناه الأئمة في قرون؟!

ثم انظر إلى الحكم الشرعي القاطع الذي أطلقه على صنيع الغلاة: «إثمٌ عظيم، وذنبٌ كبير». فالطعن في الأئمة عند ابن المبرد ليس (اجتهاداً) يُؤجر عليه صاحبه، ولا (غيرةً) يُمدح بها، بل هو (معصيةٌ وكبيرة) توجب التوبة النصوح، شأنها شأن كبائر الذنوب.

فيا أيها المتطاول على قامات الأمة؛ أنت تظن أن طعنك في أبي حنيفة وإخوانه هو نصرةٌ للسنة، وإمامٌ حنبليٌ كبير يقسم بالله أنه (إثمٌ عظيم وذنبٌ كبير)! فاتهم رأيك المريض، واعلم أن هدم أركان الدين ليس مسلكاً للمتقين، وأن استمرارك في هذا التطاول سيعود عليك بالخسران.

وستقف غداً بين يدي ديان السماوات لتُسأل عن هذا الذنب الكبير الذي حسبته هيناً وهو عند الله عظيم.

قال الإمام الشوكاني: الحكمُ على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام لا ينبغي لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يُقدِم عليه إلا ببرهانٍ أوضح من شمس النهار.

البيانقاعدةٌ قضائيةٌ مهيبة، ترفع سقف الإثبات إلى منتهاه، وتربط التكفير برهبة الوقوف بين يدي الله!

انظر كيف صاغ الإمام الشوكاني هذه القاعدة؛ فلم يربط المنع من التكفير بمسألة (العلم والجهل)، بل ربطه بأصل (الإيمان بالله واليوم الآخر)! وكأنه يصرخ في وجه كل متسرع: "هذه ليست مسألة بحثٍ علمي تستعرض فيها مهاراتك، بل هي مسألة حسابٍ ووقوفٍ بين يدي ديّان السماوات والأرض"! فمن آمن بالآخرة حقاً، ارتعدت فرائصه قبل أن يسلب مسلماً إسلامه.

ثم تأمل كيف رفع الشوكاني عتبة الإثبات إلى ذروتها القصوى فقال: «ببرهان أوضح من شمس النهار». ثم قِس على هذا المعيار السلفي الصارم، ما نراه اليوم في مجالس الحدادية ومنابرهم!

فعلى ماذا يبنون أحكام التكفير والتبديع والإسقاط في حق العلماء؟ يبنونها على: لفظٍ محتمل، أو نقلٍ تاريخي مبتور، أو إلزامٍ بلازمٍ لم يلتزمه العالِم، أو مخطوطةٍ لم تُحقق! فبالله عليك.. أين هذه الظنون المظلمة من (شمس النهار)؟! بل أين هي من ضوء سراجٍ خافت؟!

فيا أيها المجترئ على إخراج المسلمين من دينهم وتبديع أئمتهم؛ لقد ربط الإمام الشوكاني فعلك هذا بخللٍ في إيمانك بـ (اليوم الآخر). فإن لم يكن برهانك ساطعاً لا يَقبَلُ التأويل كشمس رابعة النهار؛ فاعلم أن جرأتك هذه ستنقلب عليك حسرة.

فاتق الله، وكف لسانك عن المسلمين وأئمتهم، فإن الوقوف بين يدي الله أهول من أن تلقاه وفي صحيفتك أعراضٌ مزقتها بالظنون والأوهام.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: فنحن مقلّدون الكتابَ والسنةَ وصالحَ سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى.

البيانوثيقةٌ نجديةٌ حاسمة، تُسقِطُ رايةَ الحدادية التي يتسترون بها، وتثبت أن خصومتهم الحقيقية ليست معنا، بل مع المدرسة التي ينتسبون إليها!

إن قائل هذا النص هو (إمام الدعوة) الذي يرفع الغلاة اسمه اليوم كرايةِ زورٍ لتمرير غلوهم وتطاولهم!

انظر كيف بدأ الإمام سرده لأئمة الإسلام المُعتمدين بـ (أبي حنيفة)، ثم ترحّم عليهم جميعاً في نَسَقٍ واحد. فلو كان في الإمام أبي حنيفة عُشر ما يرجف به الغلاة اليوم من تهم التجهم والبدعة؛ لكان أولى الناس بالبراءة منه والتحذير من مذهبه هو ابن عبد الوهاب، خصوصاً في هذا المقام!

لأن هذا المقام ليس (مجلساً عابراً) أو استطراداً وعظياً؛ بل هو مقام (تحرير أصول المذهب) وتبيان المرجعية التي تعتمد عليها دعوته! وما يصدر في مقامات التحرير هو أوثق وأحكم ما يُنقَلُ عن الأئمة.

ولكي يُقطع الطريق على من يحاول تأويل هذا النص واعتباره (زلةً أو كلمةً شاذة)؛ فقد أُحصي في موسوعة «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» قرابةُ خمسين موضعاً فيها الثناء العاطر على أبي حنيفة! فهذا ليس نصاً عابراً يُتأول، بل هو (منهجٌ مطرد) استقرّت عليه مدرسةٌ سلفية كاملة.

فيا أيها المتستر بعباءة الدعوة لضرب أئمة الإسلام؛ خصومتك اليوم لم تعد معنا، بل هي مع إمام الدعوة نفسه الذي تعتمد عليه وتنتسب إليه! فكيف تدّعي الانتساب لمدرسةٍ، ثم تهدم الركن الأول الذي صرّح مؤسسها بالاعتماد عليه؟!

اتق الله، ودع عنك هذا التناقض المفضوح، واعلم أن التمسح بأسماء المصلحين لن ينفعك، ما دمت تنقض أصولهم، وتطعن فيمن ترحّموا عليه وجعلوه معتمداً لهم في دين الله.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وإذا كنّا لا نُكَفِّرُ من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من ينبّههم؛ فكيف نُكَفِّرُ من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا؟

البيانقف أيها الموفق واقرأ هذا النص بقلبٍ حاضر، وانظر بعين البصيرة فيمَن هو الذي نال العذر! إن المعذور هنا في مقالة أئمة الدعوة النجدية ليس عالماً متأولاً أخطأ في تأويل صفةٍ من صفات الله تعالى، ولا هو فقيهٌ زلّت قدمه في مسألة فقهية فرعية؛ بل هو رجلٌ يعبد صنماً عند قبر، ويقترف الشرك الأكبر الظاهر البواح، وهو ذات الشرك الذي قام إمامُ الدعوة يجاهده، وسلّ سيف قلمه وبيانه لدحره، بل ويُكفِّر «النوع» والفعل بأغلظ العبارات! ثم تأمل كيف يقف هذا الإمام الجبل أمام هذا الفعل الشنيع، ويمتنع بصلابة وتورع عن تكفير «المعيَّن» من هؤلاء الفاعلين، ويُعلّل موقفه هذا تعليلاً فقهياً دقيقاً بقوله: «لأجل جهلهم وعدم من ينبّههم»!

تأمل يا رعاك الله هذا الإنصاف العظيم؛ لتعلم يقيناً أن تقرير «العذر بالجهل» ليس قولاً مميِّعاً للدين صنعه المتأخّرون المنهزمون، ولا هو - كما يزعم الغلاة - من قبيل «إرجاء العصر» المذموم؛ بل هو نصٌّ محكمٌ وحكمٌ راسخ قرّره إمام الدعوة نفسه، ذلك الإمام الذي يرفع هؤلاء القوم اسمه كذباً، ويزعمون زوراً وبهتاناً أنهم المتحدّثون باسمه والممثلون لمنهجه.

وهذا الورع ليس كلمةً عارضةً فلتت في سياق نقاش، بل هو أصلٌ متين ومنهجٌ متوارثٌ كابراً عن كابر في بيت الدعوة ومدرستها. استمع إلى ابنه العلامة الشيخ عبد الله حين يقرر هذه القاعدة بوضوح جلي، قائلاً: «ولا نُكَفِّرُ إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجّة، وقامت عليه الحجة، وأصرّ مستكبرًا معاندًا». قف هنا وقفة متأنية، وانظر في هذه الشروط العظيمة الأربعة التي وضعها الشيخ كطوق نجاة قبل إطلاق سيف التكفير: «بلوغُ الدعوة»، ثم «وضوحُ المحجّة»، ثم «قيامُ الحجة»، ثم تتويج ذلك بـ«الإصرار استكبارًا وعنادًا». فبالله عليك، أين هذه الشروط العلمية الدقيقة، والمراحل الشرعية المتأنية، ممّن يجلس باسترخاء ليفتح كتاباً لإمامٍ جليل مات قبل خمسة قرون، فيسارع إلى تكفيره وإخراجه من ملة الإسلام بمجرد لفظةٍ محتملة قرأها في سطر، دون أن يسأله، أو يستبين قصده، أو يقيم عليه حجة؟!

ولم يقف ورع هؤلاء الأئمة عند هذا الحد، بل ارتقى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب إلى مرتبةٍ أعلى من العدل والإنصاف، حين تحدث عن الإمام ابن حجر الهيتمي. فمع كل ما عند ابن حجر ممّا يُنكر عليه ويخالف فيه في مسألة الاستغاثة الشائكة، قال الشيخ عبد الله مقرراً منهج العدل: «ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ إنه من جملة علماء المسلمين». تأمل هذا الميزان القسط!

لقد جمع الشيخ ببراعة وتقوى بين «إنكار الخطأ العقدي» وبين «الانتفاع بالعلم الواسع»، وحافظ على «منزلة الإمام» ولم يسقطه، وهو الجمع المتزن الذي أعجز هؤلاء الغلاة والأدعياء اليوم، فقادهم قصورهم إما إلى قبول الباطل كله، أو حرق الإمام وتكفيره وتضليله كله!

وعلى ذات الدرب المنير، سار العلامة ابن عثيمين رحمه الله ليقرّر الأصل نفسه بعبارة قاطعة، فقال: «فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاءُ إسلامه حتى يتحقّق زوالُ ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما افتراءُ الكذب على الله في الحكم، والثاني على المحكوم عليه في الوصف الذي نبذه به». فالأمر إذن جِدّ خطير؛ فالمتساهل في التكفير الساعي فيه، يرتكب جريمةً مركبة، ويفتري كذبتين عظيمتين لا كذبة واحدة: فهو يكذب على الله جل جلاله حين يفتئت على حكْمِه فيُكفر من لم يُكفره الله، ويكذب على العبد المسلم حين يرميه بوصف الكفر البغيض الذي نبذه به ظلماً.

وأمام هذه النصوص الساطعة، يبرز التحدي المحرج للحدادي المعاصر: لماذا لا يخرج هذا الحدادي بشجاعة ووضوح ليقول: لقد أخطأ إمامُ الدعوة، وأخطأ ابنُه من بعده، وأخطأ ابن عثيمين!

وحينئذٍ، إذا امتلك هذه الجرأة، يَسقُطُ بالكلية انتسابُه الكاذب إليهم، وينقطع تسلّقه للحديث باسمهم، ولا يبقى له في منهجه التكفيري سلفٌ يُتّكأ عليه؛ أو في المقابل، يذعن ويقبل أصلهم الذي أصلوه، ويلزم غرزهم.

وإن من أعجب العجب في دنيانا، أن ترى رجلاً يتحدث بملء فيه باسم إمامٍ من الأئمة المصلحين (كما فعل محمد شمس الدين وقدم نفسه بأنه المتحدث الرسمي باسم ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب)، ثم هو يخالفه وينقض منهجه في أشهر المسائل التي يشنع بها هذا الدعي على أئمة المسلمين وينتقدهم عليها!

يا هذا الذي تسرع في التكفير والتضليل! إنّ إمام الدعوة وقف بشحمه ولحمه أمام رجلٍ يطوف بقبرٍ، ويشرك بالله، ويدعو صاحب القبر من دون الله، ومع تفظيعه للشرك، توقّف وارتجف عن تكفيره بعينه؛ خوفًا من الله تعالى، وخشيةً من أن يتقوّل على الله ما لا يَعلَمُ يقيناً تحققَه من الشروط وانتفاء الموانع. بينما أنت، في مفارقةٍ مبكية مضحكة، تجلس آمناً مطمئناً خلف شاشة حاسوبك، لتوزع صكوك التكفير على من لم تره يوماً ولم تسمعه! تُكَفِّرُ أئمةً وجبالاً ماتوا قبل قرون من الزمان، بمجرد كلمةٍ أو زلةٍ قرأتها في سطرٍ من كتاب!

فأسألك بالله، وبكل إنصاف: أيُّ الرجلين أعرفُ بالله، وأخوفُ منه، وأشدُّ تعظيماً لحرماته؟ وأيُّ القلبين أرقُّ، وأتقى، وأكثر ورعاً في دين الله؟!

قال العلّامة عبد الله آل الشيخ: ولا نستحقّ مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحدَ لدينا يدّعيها... ثم إنّا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلِّها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصرُه لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم؛ وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرَّزين: كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير. وقال: ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار.

البيانوثيقةٌ تأصيلية تقصم ظهور الغلاة، وتكشف الفجوة العميقة بين (دعوة الأئمة) و(أهواء الأدعياء)!

أولُ ما يصفعك في هذا النص هو (تواضع العلماء) في قوله: «ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها». فالأئمة الكبار يعرفون أقدارهم، ويقرون بحاجتهم لعلوم من سبقهم. بينما نرى الحدث اليوم يتصدر المجالس، فيحاكم النوايا، ويُسقط كبار الأئمة، ويتعامل وكأنه (المجتهد المطلق) الذي وُكل إليه توزيع صكوك السنة والبدعة!

ثم تأمل الطامة الكبرى التي حلت على رؤوس الحدادية في قائمة (المراجع المعتمدة)؛ فقد سرد الإمام أسماءً يرتعد منها الغلاة اليوم: (البيضاوي، والجلالين) في التفسير، و(العسقلاني، والقسطلاني، والنووي، والمناوي) في الحديث!

هؤلاء الأعلام -الذين لا يخلو واحدهم من تأويلات- سماهم الإمام السلفي النجدي: «الأئمة المبرزين»، وصرّح بأن مدرسة الدعوة (تستعين بشروحهم) على فهم الوحيين! فهل كان أئمة الدعوة يجهلون زلاتهم؟! أم كانوا "مميعين" يداهنون أهل البدع؟! حاشاهم؛ بل كانوا على (المنهج السلفي) الذي يزن الرجال بالعدل، فيرد الزلة، ويحفظ الإمامة، ويغتفر في بحر الصواب قليل الخطأ.

ثم انظر كيف خصّ الإمام النووي بثناءٍ عاطر يقطر محبةً ووداً فقال: «ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار». وهنا يُطرح الإلزام القاطع: القوم يتسترون بعباءة (أئمة الدعوة النجدية) ليطعنوا في ابن حجر والنووي! فها هم أئمة الدعوة يصفونهم بـ "الأئمة المبرزين"، ويدعون لهم، ويعتمدون كتبهم.

فإما أن تسيروا على منهج أئمتكم فتعظموا شرّاح السنة، وإما أن تتبرؤوا من منهج أئمة الدعوة وتعلنوا أنكم مدرسةٌ جديدةٌ شاذة قامت على الإسقاط والهدم!

فيا من يدّعي السلفية ونصرة السنة؛ هذا هو منهج سلفك وأئمتك مشرقٌ كالشمس! فبأي حجةٍ تستبيح أعراض أئمة الحديث الذين اعتمدت الأمة عليهم؟!

اتق الله، وأنزل كبرياءك قليلاً لتفهم كلام العلماء المعتبرين، واعلم أن مسعاك في إسقاط شرّاح السنة ومفاتيحها، سيعود عليك بالعمى والحرمان.

ولن تحصد من هذا الغلو يوم القيامة إلا خصومة أئمةٍ حفظوا ميراث النبوة، فبئس الخصوم هم لك بين يدي الله.

قال العلّامة عبد الله آل الشيخ: اعلم أن كثيرًا من المصنّفين ينسب إلى أئمة الإسلام ما لم يقولوه، فينسبون إلى الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة من الاعتقادات الباطلة ما لم يقولوه.

البيانقاعدةٌ سلفيةٌ في التثبت، وفضحٌ للتزوير التاريخي، تسد الباب بإحكام على هواة جمع الشبهات والطعون!

في هذا النص القصير، يضع الإمام يده على (ظاهرةٍ تاريخية خطيرة)؛ وهي تساهل أو تعمد بعض المصنفين نسبة (الاعتقادات الباطلة) إلى أئمة الإسلام الكبار زوراً وبهتاناً. وهذا التقرير الساطع يهدم منهج الحدادية من أساسه؛ إذ إن بضاعتهم الوحيدة هي نبش الكتب لالتقاط هذه الروايات المبتورة والنقولات المكذوبة التي حذر منها الإمام، ليطيروا بها في الآفاق ويسقطوا بها الأئمة!

وتأمل الإنصاف في هذا النص؛ كيف جمع الإمام (أبا حنيفة) مع (أحمد ومالك والشافعي) في سياقٍ واحد! فهو يقرر أن ما يُنسب إلى أبي حنيفة من مقالاتٍ باطلة وشبهاتٍ عقدية؛ هو من جنس ما نُسب إلى الإمام أحمد والشافعي ومالك كذباً وزوراً. بينما نرى الغلاة اليوم يُفردون أبا حنيفة بالطعن، ويصدّقون كل روايةٍ شاذة أو تهمةٍ باطلة تُنسب إليه في غابر الزمان، متجاهلين تحذير أئمة الدعوة من هذه النقولات المزيفة.

وهنا تتجلى مفارقةٌ منهجية: السلفيُّ الصادق إذا وقف على نقلٍ شاذ يُنسب لأحد الأئمة الأربعة، استحضر هذه القاعدة (قاعدة كثرة الكذب عليهم والخطأ في النقل)، فردّ النقل الباطل وحفظ مقام الإمام. أما الحدادي المريض؛ فإنه يطير فرحاً بالرواية الباطلة، ولا يكلف نفسه عناء التثبت أو الجمع بين الأقوال، لأن غايته ليست (معرفة الحق)، بل (إسقاط الإمام) بأي ثمن!

فيا أيها المتسرع في رمي الأئمة بالبدع والتجهم؛ إن أئمة الدعوة يحذرونك من التزوير التاريخي، ويخبرونك أن كثيراً مما تقرؤه من طعونٍ واعتقاداتٍ باطلة منسوبةٍ للأئمة، هو محض كذب وافتراء!

فهلّا اتهمت عقلك ومصادرك، وتثبتّ قبل أن تهدم قامات الإسلام؟!

اتق الله، وتورّع عن أعراض الأئمة، واعلم أن بناء أحكام التبديع والإسقاط على نقولاتٍ ومصنفاتٍ غير محققة، سيعود عليك بالبوار، وستقف غداً لتُسأل عن افتراءاتٍ روجتها، وحسناتٍ طمستها بهواك وتسرعك.

قال العلّامة الشنقيطي: ونحن نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة خلقه. فقصدُهم حسن، ولكن طريقُهم إلى ذلك القصد سيئة. وإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنّوا لفظَ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدلّ ظاهرُه على مشابهة صفة الخلق، فنفَوا الصفة التي ظنّوا أنها لا تليق قصدًا منهم لتنزيه الله، وأوّلوها بمعنًى آخرَ يقتضي التنزيه في ظنّهم. فهم كما قال الشافعي رحمه الله: رام نفعًا فضرَّ من غير قصدٍ، ومن البِرّ ما يكون عقوقًا. ونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وخطؤهم المذكور لا شكّ فيه، ولو وفّقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولًا، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيهُ عن مشابهة صفة المخلوق، لسلِموا مما وقعوا فيه.

البيانوثيقةٌ قرآنية النزعة، من إمامٍ راسخ، تشرّح عقلية المخالف بمبضع الرحمة، وتفصل بعبقرية بين (نبل القصد) و(سوء الطريق)!

اعرف أولاً موضع هذه الكلمات لتعرف قدرها؛ فقد سطرها الشنقيطي في تفسيره (أضواء البيان) عَقِبَ نقضه الصارم لتأويلات الأشاعرة!

فهي إعذارٌ جاء بعد التفنيد والتحقيق، وفي مقام تقرير العقيدة، لا في مقام الاستطراد. وهذا ينسف دعوى الغلاة القائلة بأن "الجمع بين الجزم بالخطأ والترحم على المخطئ مستحيل"! فها هو الإمام يجزم بضلال التأويل، ثم يرفع يديه بالدعاء والترحم للمتأول.

وجِماع الحجة في هذا الأثر يتلخص في تسع كلماتٍ فارقة: «فقصدُهم حسن، ولكن طريقُهم إلى ذلك القصد سيئة». هنا يتجلى فقه الراسخين الذي يعجز عنه الغلاة الحدادية؛ فهم لا يملكون ميزاناً يفرق بين (القصد) و(الطريق)، بل ميزانهم واحد يُصب على الرجل كله: "إذا كان الطريق سيئاً، فالرجل خبيث ومبتدع"! أما الإمام الشنقيطي ففصل بين فساد الأداة ونبل الغاية.

وأنفس ما في هذا النص، أن الإمام لم يكتفِ بإطلاق العذر، بل غاص في (مأخذ الشبهة)، فكشف العلة النفسية للمتأولين، مبيّناً أنهم هربوا من التشبيه فوقعوا في التعطيل. وهذا هو الفارق الجوهري بين (العالِم الراسخ) و(المتعالم الطعان)؛ فالراسخ يشخّص الداء ثم يصف الدواء بعلم ورحمة، أما المتعالم فيكتفي بإصدار صكوك الإعدام والإسقاط! ولذلك كان أعرفُ الناس بمذاهب المخالفين وأصولهم.. أرحمَهم بهم، وأقدرهم على نقض شبهاتهم دون ظلم.

ثم انظر إلى الدليل القرآني الدقيق: ﴿وليس عليكم جناحٌ فيما أخطأتم به ولكن ما تعمّدت قلوبكم﴾؛ فالله جل جلاله علّق المؤاخذة بـ (تعمّد القلب للمخالفة)، لا بمجرد (وقوع الخطأ). والأئمة المتأولون كالنووي وابن حجر لم تتعمد قلوبهم مصادمة النصوص، بل راموا تنزيهاً فأخطؤوا طريقه.

فاعرض بيت الشافعي الذي ساقه الشنقيطي على نفسك أولاً أيها المتصدر للتبديع: «رام نفعاً فضرّ من غير قصدٍ .. ومن البر ما يكون عقوقاً»!

كم من غيورٍ مغرور يَظُنُّ أنه (ينفع) العقيدة بتنقيص أئمة الإسلام وإسقاطهم، فإذا به (يضر) الدين وينفّر شبابه ويهدم أركانه! وكم من طعانٍ يَظُنُّ أنه يتقرب إلى الله بـ (برِّ) السنة، فإذا بصنيعه في أعراض العلماء هو أقبح (العقوق) لورثة الأنبياء!

فاتق الله، واعلم أن سلامة صدرك للمسلمين، خير لك من غيرةٍ عمياء وجفاءٍ غليظ يوردك المهالك.

قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: ومن أتباعه أبو بكر الباقلاني، والبيهقي، وأبو الفرج ابن الجوزي، وأبو زكريا يحيى النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهم ممن تأولوا نصوص صفات الله تعالى، أو فوضوا في أصل معناها، وهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله بهم الأمة، فرحمهم الله وجزاهم خيرًا.

البيانوثيقةٌ معاصرةٌ قاطعة، تسد أبواب المراوغة، وتثبت أن حفظ مقامات الأئمة ليس (زلة قلم) بل منهجٌ سلفيٌّ مطرد!

لا تظن أن إيراد هذه الفتوى هنا مجرد تكرارٍ تاريخي لا طائل تحته؛ بل موضع الحجة فيها بالغ الأهمية! فهي صادرة عن (أعلى هيئة إفتائية سلفية معاصرة)، وقد شملت ثلةً أخرى من كبار الأئمة (كالباقلاني والبيهقي وابن الجوزي وغيرهم).

لقد أثبتت اللجنة وقوع هؤلاء الأعلام في خطأ التأويل أو التفويض، ثم أتبعت ذلك فوراً بالحكم القطعي: «وهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين... فرحمهم الله وجزاهم خيراً».

وهنا يُسدّ الباب الذي يفر منه الحدادي دائماً؛ فحينما نُحاصره بنصوص ابن تيمية والذهبي وابن القيم، يراوغ قائلاً: (هذه كلمةٌ واحدة لها سياقٌ خاص، أو زلة قلمٍ لا يُمثل منهجهم الصارم)!

فنقول له: لو كانت زلة قلم أو كلمة عابرة قيلت في سياقٍ خاص، لَما تكررت عبر القرون، ولَما تبنتها المدارس السلفية واللجان الإفتائية المعاصرة في فتاواها المحررة! فالأمر لا يتكرر هكذا إلا إذا كان (أصلاً ومنهجاً ثابتاً) استقر عند أهل السنة والجماعة جيلاً بعد جيل.

فيا من يزعم اتّباع المنهج السلفي؛ هذه تقريرات كبار علماء السنة في عصرك، تتطابق مع نصوص ابن تيمية والذهبي والشاطبي في عذر الأئمة المتأولين وحفظ إمامتهم!

فهل أصبحت أنت وحدك على السنة وهم جميعاً مميعون مداهنون؟!

اتق الله، وتخلّ عن هذا الكبر الحدادي، واعلم أن شذوذك عن منهج أئمة الإسلام قديماً وحديثاً في هذا الباب، هو انزلاقٌ خطير نحو هاوية الخوارج، الذين لم يروا مسلماً ناجياً على وجه الأرض غيرهم!

فعد إلى جادة العلماء، قبل أن تعزلك قسوتك عن رحمة الله.