بصائر

الوحيُ يحكم، وأئمّةُ الإسلام يشهدون

يا من يعدُّ نفسه على السنة: لا نبدأ معك بخصومة، ولا نسألك أن تُحسِن الظنَّ بنا. نبدأ بما لا يملك مسلمٌ ردَّه: آيةٌ من كتاب الله، ثم حديثٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم شهادةُ أئمة الإسلام قرنًا بعد قرن. فإن سلّمتَ لها أغنتك عمّا بعدها، وإن رددتَها لم ينفعك ما بعدها.

89 نقلًا43 مصدرًا

هذا البابُ درجتان: كلامُ الله وكلامُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو النورُ الحاكم على الخلق كلِّهم؛ ثم أقوالُ أئمة الإسلام تُساق شاهدةً له، كاشفةً عن فقهه، ومبيّنةً أن هذا الميزان لم يكن رأيًا طارئًا، بل هو ما توارثته الأمة جيلًا بعد جيل.

وتحت كل نقلٍ «بيان»؛ لا يزاحم النصَّ ولا يستطيل عليه، وإنما يفتح موضعَ الدلالة، ويجمع أطرافَ الحجة، ويردُّ القارئ من ضجيج الخصومة إلى نور الوحي وفقه الأئمة. فالنقل هو الأصل، والبيان مصباحٌ يكشف ما فيه؛ لا يزيد في سلطانه، ولكنه يمنع أن تمرَّ دلالته على العين وقلبُها غافل.

لا تقوم الحجة هنا على تقديس الأشخاص؛ فصاحب الهوى يُعظّم الرجال ما وافقوه ويطرحهم إذا خالفوه! إنما عُمدتنا الوحي المعصوم (الكتاب والسنة) مشفوعاً بإجماع علماء الأمة قرناً بعد قرن، حتى لا تُرمى الحقائق بـ «التمييع»؛ فإن سلّم الخصم لزمه الحق، وإن زعم ضلال الأئمة وانفراده بالصواب فقد حارب ميراث الإسلام كله!

واعلم يقيناً أن «طالب الحق يكفيه دليلٌ واحد، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل».

عُرضت 36 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ﴾. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «قد فعلتُ».

البيانيا بني، أعرني قلبك لحظة، ولنبدأ من نبع النور؛ فهذا هو الأصل الذي تتكسر أمامه كل شبهة.

رفع المؤمنون أيديهم بالضراعة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. فهل ترك الله هذه القلوب ترتجف بين الخوف والرجاء؟ لا، بل جاء الخبر اليقين من الصادق المصدوق ﷺ، أن رب السماوات والأرض قال من فوق عرشه: «قد فعلتُ».

قف هنا. إذا رفع الخالق العظيم المؤاخذة عن المخطئ والناسي، فهل هذا رأيٌ لعالمٍ يَقبَلُ النقاش؟ أم استنباطٌ فقهي يحتمل النزاع؟ هذا خبر السماء! ووعد الديان الذي لا يُخلف!

تأمل في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ نحن نَحصرُ «الوُسْعَ» غالباً في طاقة الأبدان واحتمال المشاق، ونَغْفُلُ عن وُسعِ العقول والمدارك! فكما لم يُكَلِّف الله الجسد أن يَحمِلَ جبلًا، لم يُكَلِّف العقل البشري أن يبلغ كمال العصمة أو يحيط بالغيب. عقول الناس منازل، وخَطَأُ العالم المجتهد ليس جنايةً يُشهَّر بها، بل هو أثرُ «الطين» في جِبِلّتنا البشرية؛ فطوبى لمن اتّسع قلبُه لعُذر الخَلق، كما اتّسعتْ حكمةُ الله لضعفهم وعجزهم.

ومن فقه هذا الركن العظيم، يكسر شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو الخبير بأدواء الغلو ومزالق الأفهام- شوكة التسرع في التبديع والتجريح بقاعدةٍ ساطعة يقول فيها: «وليس كلُّ من يُتْرَكُ بعضُ كلامه لخطأ أخطأه يُكَفَّرُ ولا يُفَسَّقُ، بل ولا يأثم؛ فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: قد فعلتُ».. فتأمل كيف وسِع عفوُ الله ورحمته خطأ المجتهد حتى رفع عنه الإثم بالكلية، بينما تأبى قلوبُ الغلاة إلا إهدار إمامته، وإسقاط فضله، وتجريده من سوابق خدمته لدين الله؛ فأيُّ ميزانٍ هذا الذي يضيق فيه حِلمُ العبد عمّن وسِعه حِلمُ رب العالمين وحكمُ شريعته!

والآن.. انظر بعين البصيرة إلى هذا الغالي الذي نصب نفسه حكماً وجلاداً لأعراض أئمة الإسلام؛ قل له: يا هذا، إذا كان شيخ الإسلام وأئمة التحقيق يستدلون بتقرير النص القرآني والحديث الصحيح في قوله تعالى: «قد فعلتُ» على أن العالم المجتهد، المشهود له بالفضل وحسن القصد في نصرة الشريعة، معذورٌ في زلته ومرفوعٌ عنه الإثم -وليس الحديث هنا عن معاندٍ مفسد ولا محاربٍ لدين الله يتربص لنشر الشبهات- فمن أنت حتى تنتفخ كِبراً بلسان حالك وتجريحك لتقول: «أما أنا فلن أعذر ولن أغفر»؟! أتظن صنيعك هذا غيرةً على الشريعة وحراسةً لجناب السنة؟ كلا والله، بل هو استعلاءُ نفسٍ مريضة تستر كِبرها برداء الدين، وضيقُ أفقٍ يرفض فقه الأئمة، ونصبٌ لميزانٍ جائرٍ تسوّي فيه بين حَمَلة الملة والمحاربين لها، وتخالف به مسلك أهل السنة والجماعة في العدل والرحمة والإنصاف!

وانظر إلى تناقض هذا المغرور العجيب؛ مشهدٌ يجمع بين المرارة والأسى: يقف في صلاته خاشعاً يرجو النجاة، يناجي ربه متوسلاً: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فيستمطر الرحمة الواسعة لذنوبه وتقصيره، فما هو إلا أن يُسلّم من صلاته حتى يستلّ خنجر التبديع والإسقاط، ويُحاسب أئمة الإسلام وجبال العلم بميزانٍ حديدي صارم لا يثبت هو عليه طرفة عين! يُنَقِّبُ في بطون الأسفار تنقيبَ الباحث عن سقطةٍ عارضة أو وهمٍ يسير، ليَهدم بها إمامة عالمٍ أفنى عمره وصحته في حراسة الشريعة ونصرة السنة؛ فيطلب لنفسه من الله عفوَ الكريم، ويعامل أولياء الله وحَمَلة دينه بقسوة الغريم، وما درى المسكين أن من تتبّع عثرات أهل الفضل أوشك أن يفضحه الله في عقر داره!

تأمل في وعيد الله القاطع لمن يبخس الناس في مكاييل الدنيا الفانية: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾؛ فإذا كان هذا الهلاك متوجهاً لمن نقص درهماً أو بخس حبةً من حطام الأرض، فكيف بربّك بمن يُطفّف في موازين العدل وخزائن رحمة الله وحرمات أوليائه؟! يستوفي لنفسه ولشيخه الجاهل حظوظ العفو وحسن الظن والمعذرة وافيةً تامة، فإذا جاء إلى ورثة الأنبياء وحَمَلة الشريعة طفّف الميزان، وبخسهم سوابق جهادهم وفضلهم، وشحّ عليهم بأدنى عذرٍ أو تأويل!

فبئس الميزان ميزانٌ جائر يستحل إسقاط الكبار، وبئست التجارة الخاسرة تجارةُ امرئٍ جعل رأس ماله تتبّع عثرات الأخيار والولوغ في لحوم العلماء!

قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.

البيانتدبر -أرشدك الله- كيف فرّق الباري جل وعلا بين أمرين طمس الغلاة الفروق بينهما: الخطأ، والتعمد.

فرفع سبحانه الجناح عن المخطئ رفعاً تاماً، وناط المؤاخذة بالتعمد وحده. ثم أمعن النظر أين جعل مستقر التعمد؛ فقال: ﴿مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فردّه إلى المضغة المخفية (القلب)، لا إلى زلة اللسان، ولا إلى سقطة القلم، ولا إلى تسطير الورق.

وهذا مفرق الطرق الذي ضل فيه القوم؛ إذ تراهم يسمرون أنظارهم على اللفظ المجرد؛ فمتى ثبت اللفظ، ثبت عندهم الحكم على قائله بلا هوادة، في حسبةٍ جافةٍ لا فقه فيها ولا روية. والحال أن الله لم يُعلق الأحكام الكبرى باللفظ العاري، بل بما يكمن وراءه من قصد القلب.

فمن أصدر أحكامه متمسكاً باللفظ وحده، فقد شقّ الآية فأخذ شطرها ونبذ شطرها الآخر، ثم سمى عواره هذا تحقيقاً وتدقيقاً!

ثم قف متأملاً دقة البيان الإلهي: لم يقل سبحانه «ما تعمدتم»، بل قال: ﴿مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ فنسب الفعل للقلب تنبيهاً قاطعاً على أن مناط المؤاخذة ومربطها يقع في سريرةٍ لا يعلم خباياها إلا علام الغيوب.

فمن نصب نفسه مفتشاً وحاكماً على مقاصد الناس ونواياهم، فقد تقحم مرتقىً صعباً، وجلس مجلساً ليس لبشرٍ أن يجلسه.

وألقِ على هذا الغالي سؤالاً يقطع حجته: أنت تنبّش في أسفار الأئمة تطلب عثراتهم، فهل قامت لديك بينةٌ جليةٌ أنهم تعمدوا الباطل؟

فإن أجاب: «لا أطّلع على القلوب»، قيل له: إذن فقد أقررتَ بانتفاء شرط المؤاخذة الرباني الذي اشترطته الآية، فعلامَ تبدّع وتكفّر؟!

وإن كابر وقال: «أعلم مقاصدهم من ظاهر كلامهم»، قُمع بالقول: هذا ضربٌ من الاستنباط والظن، والله جل ثناؤه علّق المؤاخذة بيقين القصد، لا بظنون استنباطك ومجازفات فهمك.

وسبحان الله! لقد تورط رأسهم (محمد بن شمس الدين) في طوام عقدية؛ فأنكر جملةً من الأسماء والصفات، ونسب «الروح» لله تعالى، وجنح لقول المجبرة، وتورط في القول بالكلام النفسي الذي هو مذهب الأشاعرة، إلى غير ذلك من شطحاته الموبقة.

فإذا ما قُرع بالحجة ونُبه على مزالقه، تترس بقوله: «سبق لسان، ولم أقصد!»، ورمى ناصحيه بالترصد وتتبع العثرات؛ فيهبُّ أتباعه كالبنيان المرصوص لتسويغ خطأه وتوسيع المخارج لزلته.

حتى إذا ولّى هو أو أتباعه وجوههم شطر جبلٍ من أئمة الإسلام، فنقبوا في زوايا أسفاره فعثروا على كلمةٍ محتملة، أوصدوا دونه أبواب التأويل، وصادروا دلالات السياق، ووأدوا حسن الظن، وسارعوا إلى تبديعه ونسف إمامته!

فأي تطفيفٍ هذا؟! وبأي ميزانٍ مضطرب يُعذر المعاصرون أنفسهم وشيوخهم بما يضنون به على ورثة الأنبياء؟!

وها هو شيخهم المذكور تتوالى سقطاته الغليظة؛ فقد تفوّه في مناظرة مشهورة مع ملحد بأن للنبي ﷺ حالاً «قبل إسلامه!»، نافياً عنه وصف الحنيفية قبل المبعث، مروراً بقبائح في القدر تفوق ما يُنكرونه على الطوائف المخالفة.

قولُه في النبي صلى الله عليه وسلم: «قبل إسلامه»، والصواب: قبل البعثة

ومع هذه العظائم، ترى غلمانه يستبسلون في ترقيع خرقه، ويتعسفون المخارج لصرف كلامه إلى أحسن المحامل!

فسبحان الديان الذي أوقعكم في شر ما لم تعذروا فيه غيركم.

وأما خصومه فقد أنصفوه؛ فقد نُشر في (قناة شؤون إسلامية) تحذيرٌ من مزالقه، ومع ذلك حملوها على محمل «سبق اللسان في حرارة المناظرة»، وناشدوه التراجع، ولم يُسارعوا إلى تبديعه أو الإطاحة به. فبذل له خصومه من فُسحة العذر وحسن التأويل، ما يبخل به هو وغلمانه على سادات الأمة وأئمة الملة!

فيجتمع لهذا المتصدر في زماننا من رحابة الأعذار، وتكلف المخارج، ما لا يحظى بعُشره الجبالُ الرواسي من أئمة الإسلام الذين شيدوا صروح الملة ونصروا السنة قروناً متطاولة.

فإن كان تبرير «سبق اللسان» و«سلامة القصد» سائغاً مقبولاً لمثل هذا المتكلم في مزالقه المهلكة؛ فكيف يُسلب هذا العذر من النووي، وابن حجر، والبيهقي، وسائر أئمة الهدى؟!

ألا إن هذا هو الهوى المردي الذي يعمي ويصم؛ إذ غدت «الغيرة على العقيدة» لديهم لافتةً زائفة، تُرفع لتقديس رموزهم المعاصرة، وتُتخذ مبضعاً لذبح أئمة الإسلام.

وكما جلوْنا من قبل، فوالله ما الباعث على هذا المسلك المشين حرصٌ متوقدٌ على صفاء العقيدة؛ فلو صدقوا لبدأوا بتطهير قلوبهم من أدران الكبر والخيلاء.

وإنما هي لذةٌ خفية، وشهوةٌ خبيثة، تتسلل إلى نفس المرء حين يُسقط الكبار من شواهق منازلهم، ليتوهم أنه أضحى حاكماً عليهم ورقيباً على دينهم.

إنها نشوة غرور يزينها إبليس حتى يخيل لصاحبها أنها حميةٌ للدين، وما هي في حقيقتها إلا حميةٌ للنفس المريضة أن تُقِرّ بضآلتها.

ثم ارجع البصر مرة أخرى إلى مسك ختام الآية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. لقد ذيلها الباري جل ثناؤه بصفتي المغفرة والرحمة، بينما ذيّل هؤلاء الغلاة أحكامهم بالتبديع القاسي والإسقاط المرير.

فيا مسكين! ترفع كفيك في جُنح الليل تستجدي ربك المغفرة والرحمة لزلاتك، ثم تصبح فتشحّ بالرحمة، وتضنّ بحسن الظن، على أئمةٍ أفنوا أعمارهم في نصرة دين نبيك ﷺ وخدمة ملته!

فاعرض أعمالك على قسطاس الحق قبل أن تُعرض عليه في يوم التغابن، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فمن قتر على عباد الله في الأعذار، وضيق عليهم واسعاً، فليترقب أن يُضيّق عليه في يومٍ لا ينجي فيه إلا سعة رحمة الله.

ولا يفهمَنّ فاهمٌ أن في هذا الطرح تسويغاً للأخطاء أو مداهنةً في الباطل؛ كلا، فالخطأ يُجلّى ويُردُّ بحجةٍ وعلمٍ وإنصاف، والقول المخالف للسنة يُنقض كائناً من كان قائله.

وإنما المعترك الحقيقي يكمن في إدراك البون الشاسع بين «تخطئة القول» و«الحكم على قائله»؛ فالأولى صيانةٌ للدين وواجبة، والثانية جنايةٌ على المسلم لا تُقام بمجرد الظنون والمحتملات.

فتفقه في هذا الفرق الدقيق قبل أن تطلق لسانك، فإن الديان سائلك عن كل عرضٍ مسلمٍ استبحته بغير حق.

نسأل الله أن يرزقنا الإنصاف والعدل في الحكم، وأن يتجاوز عما أخطأنا فيه، ولا يؤاخذنا بما لم تتعمده قلوبنا، إنه جوادٌ كريم.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قال رجلٌ أسرف على نفسه لبنيه لمّا حضره الموت: إذا أنا متُّ فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذرّوني في الريح؛ فوالله لئن قدَر عليَّ ربي ليعذّبني عذابًا ما عذَّبه أحدًا. فلما فعلوا به ذلك، سأله الله: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتُك يا ربّ. فغفر الله له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا رجلٌ شكَّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّي، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين؛ لكن كان جاهلًا لا يَعلَمُ ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك. والمتأوِّلُ من أهل الاجتهاد الحريصُ على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا».

البيانتأملوا -يرحمكم الله- في هذا البون الشاسع الذي يستأصل شأفة الغلو من جذورها؛ ففي خبر ذلك الرجل الذي أسرف على نفسه وتجاوز الله عنه -وهو من أهل الجنة يقيناً بنص الوحي المبين- عبرةٌ لأولي الألباب.

لم يكن ذلك الرجل عالماً نِحرِيراً، ولا مجاهداً منافحاً عن الشريعة، بل كان عبداً مسرفاً على نفسه بالتفريط والخطايا، قاده طغيان الخوف وتراكم الجهل إلى الشك في كمال قدرة الله جل وعلا على بعثه إن هو حُرِّق وذُرِّيَ في الريح!

ومع هذه الطامة العظمى، وسعته رحمة أرحم الراحمين وتجاوز عنه لصدق وجله وعذر جهله.

فبالله عليكم، كيف يستقيم في قسطاس العقل والشرع أن يُعذر رجلٌ أخطأ في أصلٍ قطعيٍّ من أصول الإيمان، ثم يُحجر العذر ويُمنع عن إمامٍ جليلٍ أفنى زهرة عمره وصحته في محاريب العلم، يذبّ عن حياض السنة، ويقود خطام الأمة إلى الهدى، لم يبتغِ سوى الحق، فزلّت قدمه في مسألة اجتهاد أو عارضه تأويل سائغ؟!

إن الشريعة السمحة التي شملت بمغفرتها رجلاً مسرفاً لجهله، لهي أحرى وأولى بأن تتغمد ورثة الأنبياء الذين شادوا صروح الدين ورفعوا لواءه. وما حرمان أئمة الإسلام من فسحة هذا العذر إلا عين الحيف، ومحض التطفيف في موازين القسط والإنصاف.

ولقد وقف شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- إزاء هذه الحادثة موقفاً محكماً، يبلغ الغاية في الدقة المتناهية والإنصاف البديع؛ إذ لم يهون قط من شناعة مقالة الرجل، ولم يتعسف لها مخرجاً متكلفاً يُحرف حقيقتها، بل صدع بالحق المبين قائلاً: «وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين».

بيد أنه سلك الجادة المستقيمة لأئمة السنة، ففرّق تفريقاً قاطعاً بين «المقالة» و«قائلها المعيَّن»، فقال: «لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك».

فالحكم على المقالة المجرّدة بأنها كفرٌ وِجهة، وتنزيل طائلة هذا الحكم على قائلها المعين وِجهةٌ أخرى تماماً!

وذلكم هو «الأصل الذهبي» المكين في دين الله، الذي يتنكر له غلاة زماننا ويجحدونه، بل لقد قادهم الصلف والغرور إلى أن يقذفوا سواد المسلمين وعلمائهم الأثبات بالجهل والتمييع، لا لشيء إلا لتمسكهم بهذا الفرق الشرعي المتين.

وما درى هؤلاء المفتونون أنهم هم أسرى الجهل المركب بحق؛ إذ يعارضون بتعسفهم صرائح نصوص الوحي، ويصادمون قواعد الشريعة المحكمة التي ربطت الأحكام بتوفر شروطها وانتفاء موانعها.

ولتُدرك أن النجاة في هذا الموقف المهيب لم تكن لرجحان صوابٍ، ولا لإصابة حقٍّ، ولا لسوابق حسنات؛ فالرجل بلا مِراء قد تورط في خطيئة فادحة، وأسرف على نفسه، وتطرق الشك منه إلى كمال قدرة ربه!

وإنما انتشلته من قعر الهلكة كلمةٌ صادقةٌ فاضت من مكنون فؤاده: «خشيتُك يا رب»!

فما أنجاه إلا صدق مخافته من مولاه، وسلامة قصده، ووجل باطنه، رغماً عن سوء صنيعه وعظم طامته.

فإذا كان هذا العفو الإلهي الفسيح قد أدرك رجلاً عامياً مسرفاً، لم يطرق أبواب العلم يوماً ولم يسبر مداركه؛ فما ظنكم برب العالمين مع إمامٍ طودٍ أوقف عمره واستفرغ أيامه في التماس الحق، والذود عن حياض السنة، والتمكين للشريعة، ثم زلت به القدم في بعض المسائل؟!

أيُعذر الجاهل الغمر، المقترف للموبقات، الشاك في قدرة خالقه، لصدق قصده وخوفه؛ ويُحجب الإمام المجاهد عن رحمة ربه وسعة مغفرته؟!

إن هذا لعمري هو الظلم البواح، والجور الذي تأباه شريعة الله ورسوله.

ثم قف أيها المسكين وواجه نفسك بصدق: ما الذي يؤمِّنك غداً بين يدي الملك الجبار، إذا أُوقف هذا الإمام الذي مزقت دينه وسعيت جاهداً في الطواف بإسقاطه، فناجى ربه بانكسار: «يا رب، أخطأتُ متأولاً، ولم أرد كفرًا ولا تعطيلاً ولا عناداً، بل اجتهدتُ فضللتُ الطريق، ولم يكن غاية قصدي إلا تنزيهاً لجنابك وخشيةً من عقابك».. ما الذي يؤمِّنك أن يتقبل الله عذره لنقاء طويته، وأن يسبغ عليه فضله فيتجاوز عن خطيئته ويدخله الجنة كما تجاوز عن الشاك في قدرته وأدخله الجنة؟!

وتذكّر -هداك الله- أن الشريعة التي بشرتنا بسعة هذا العفو، هي ذاتها التي أنذرتنا من خزي التألي على الله؛ يوم أن قال رجل لأخيه مغتراً: «والله لا يغفر الله لفلان»، فغضب الجبار سبحانه وقال: «مَن ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان؟! قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك!».

فكيف بربك بمن استحوذ عليه الغلو وطمس بصيرته -كأمثال محمد بن شمس الدين- حتى تفوه بطامةٍ تُصم الآذان، مصرحاً بملء فيه: «لو غفر الله للسيوطي سيغفر للنصارى»؟!

قولُه بلفظه: «لو غفر الله للسيوطي سيغفر للنصارى»

فيا لها من مجازفةٍ هوجاء برحمة الله!

وأي ظلمٍ أشد وأقبح من أن تُعقد التسوية بين إمامٍ جهبذٍ من أئمة الإسلام، أذاب مهجته في خدمة الشريعة ونصرة السنة، وبين طغمةٍ من الكفار جحدوا التوحيد وكفروا برسالة سيد المرسلين ﷺ؟! فتكون العاقبة الوخيمة لهذا الغرور، أن ينجو الإمام الفاضل بسوابق حسناته وعفو سيده، وتُردى أنت في هاوية الخسران، فتُحبط أعمالك بجناية لسانك، وتأليك الفاجر على أرحم الراحمين!

فكيف الخلاص غداً إذا نُصبت الموازين القسط، وطارت الصحف، وقد مزقت في دار الغرور عرض ذلك الإمام، ورميته بالتكفير والتبديع؟! أأمنت مكر الله أن يسبغ عليه جلابيب رحمته، ويُصلِيك أنت عذاب غلوّك وتأليك عليه، يوم أن حكمتَ جازماً بأن الله لا يغفر للمجتهد المخطئ؟!

ولأجل هذا التقرير البديع، توّج شيخ الإسلام ابن تيمية كلامه بقياسٍ قاهرٍ يبتر حجج الغلاة، فصدع قائلاً: «والمتأول من أهل الاجتهاد، الحريص على متابعة الرسول، أولى بالمغفرة من مثل هذا». فإن كان ذاك العبد الذي خالجه الشك في قدرة الله قد تنعم بالمغفرة لصدق خشيته، فالإمام الذي استهلك أنفاسه حرصاً على اقتفاء أثر الرسول ﷺ، هو -ورب الكعبة- أحرى وأولى بسابغ الرحمة والمغفرة!

وإن من أعجب العجب، ومما يهتك ستر هؤلاء القوم ويكشف رقة ديانتهم وسوء طويتهم، أن أحد الفضلاء لما احتج عليه بهذا الحديث النبوي العظيم، ليقيم الحجة على رأسٍ من رؤوس الحدادية المعاصرة (محمد بن شمس الدين)، ويبرهن له على سعة رحمة الله وعذره للجاهل والمتأول؛ طاش لبّ هذا المتعالم، وانفلت لسانه يشتم ذلك العبد الذي غفر الله له!

شتمُه الرجلَ الذي شهد له النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، وتعييرُه بمهنته
شتمُه الرجلَ الذي شهد له النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، وتعييرُه بمهنته

فرمى الميت المسلم بالحمق، وعيَّره بمهنته السالفة (نباش القبور)! فيا للهول ويا لشدة الجرأة على محارم الله!

يُرمى بالحمق وتُنتهك حرمة رجلٍ زكاه الصادق المصدوق ﷺ مخبراً بأنه قد حطّ رحاله في الجنة، وتربع في رضوان ربه!

ووالله ما قاده إلى هذا السقوط الشنيع، والدرك المريع، إلا مران لسانه واعتياده على نهش الأعراض، والتبديع، والسباب المقذع؛ حتى لم يسلم من بذاءته إمامٌ مجتهد، ولا صحابيٌ جليل، بل لم يسلم منه حتى عبدٌ ضعيفٌ شمله الله بعفوه وأدخله فسيح جنته!

فهل كانت «قدرة الله» جل وعلا أمراً هيناً حتى يُعذر الشاك فيها؟! أم كان عفو الله وتجاوزه تهاوناً في حق ربوبيته؟! حاشا وكلا، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!

بل هو الجود المطلق، وكمال الرحمة، ومحض العدل، لكل عبدٍ صدق قلبه وخاف ربه..

ولكنها موازينكم المظلمة الجائرة، وقلوبكم الغليظة القاسية التي قُدّت من جلمود. وإن موعدكم لآتٍ، يوم تجثو الخصوم على الركب، للحكم بين يدي ديان السماوات والأرض؛ الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.

ثبت في صحاح الآثار أن صحابياً جليلاً كان يحك "المعوذتين" من مصحفه، متأولاً وبناءً على اجتهاده أنهما ليستا من القرآن، بل هما دعاءٌ وتعويذ أمر النبي ﷺ أن يُتعوّذ بهما.

البيانبعد أن قررنا الأصل الذهبي في التفريق بين (المقالة) و(قائلها)؛ قفوا الآن أمام هذا الأثر المزلزل الذي يقصم ظهر الغلو ويفضح جهل أصحابه! وتكمن عظمته في كونه يبلغ بالأمر أقصاه من الجهتين معاً: فالخطأ هنا وقع في أجلّ متعلَّق (وهو القرآن وكلام رب العالمين)، والفاعل من أعظم الناس منزلة (وهو صحابي جليل، نذكر فعله ونطوي اسمه حياءً وصيانةً لمقامه العالي).

لقد حكّ هذا الصحابي سورتين من كتاب الله، متأولاً باجتهاده أنهما ليستا من القرآن! وإنكارُ حرفٍ واحدٍ من القرآن -كما لا يخفى- كفرٌ وردةٌ بإجماع الأمة. ولكن.. هل كفّره أحدٌ من الصحابة؟! هل أسقطوه وشنعوا عليه؟! معاذ الله! بل عذروه وعذره المسلمون قاطبة؛ لعلمهم بصدقه وسابقته، ولأنه "متأول" أخطأ اجتهاده، قبل أن يتواتر الإجماع وتستفيض المصاحف.

وهنا نضع هذا الغالي الحدادي أمام إلزامٍ لا فكاك له منه: أنتم تُسقطون أئمة الإسلام لمجرد خطأٍ في تأويل صفة.. فإذا كان بشاعة الخطأ وحدها تكفي لإسقاط المخطئ دون نظرٍ لعذره وتأويله، فماذا أنتم صانعون بهذا الصحابي الجليل؟! فإن قلتم: نكفره ونسقطه.. فقد مرقتم من الدين، وطعنتم في أصحاب سيد المرسلين! وإن قلتم: لا، بل نراعي منزلته، واجتهاده، ونلتمس له العذر.. فقد أقررتم صاغرين بالأصل الذهبي الذي تنكرونه علينا اليوم! ولا مخرج لكم إلا أن تزنوا الناس بميزانين!

ثم تعالوا نسألكم بسؤالكم الأثير الذي تدندنون به لتشنيع دفاعنا عن العلماء (أتُعظمون الإمام الفلاني أكثر من صفات الله؟)، فنقول لكم: أفكان الصحابة والأمة يُعظمون هذا الصحابي الجليل أكثر من إجلالهم للقرآن؟! فإن قلتم "لا".. فقد اعترفتم بأن حفظ مقام المخطئ المتأول، ليس استهانةً بخطئه، ولا تفريطاً في حق الله وحق كتابه! فلماذا تشنعون علينا إذا حفظنا مقامات أئمة الدين مع بيان خطئهم؟! وإن قلتم "نعم".. فقد رميتم أصحاب محمد ﷺ بما فررتم منه!

فيا سبحان الله! الميزان الشرعي واحدٌ لا يتبدل، من تأول باجتهاد وشبهة فهو معذورٌ مأجور.

فمتى يدرك هؤلاء القساة أن الشريعة جاءت بالعدل والرحمة، وأن الحكم يختلف باختلاف حال المخطئ، لا بمحاكم التفتيش الصماء التي نصبوها لعباد الله؟!

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».

البيانانظر إلى أعجب ما في هذا الحديث: أن المخطئ مأجور. لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: فلا شيء عليه، ولم يقل: يُعفى عنه، ولم يقل: يُرجى له. بل أثبت له أجرًا مقرَّرًا على خطئه، لأنه بذل وسعه في طلب الحق. وهذا بابٌ لو فقهه الغلاة لسكنت نفوسهم.

وتأمل الشرط الذي علّق عليه الأجر: «فَاجْتَهَدَ». فليس الأجر لكل مخطئ كائنًا من كان، وإنما لمن كان أهلًا للنظر فنظر وبذل. فأما من تكلّم بلا آلةٍ ولا نظر، فليس داخلًا في الحديث أصلًا، لا في الأجرين ولا في الأجر الواحد.

ولاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل الخطأ سببًا لإسقاط الحاكم عن الحكم. فهو حاكمٌ قبل الخطأ وحاكمٌ بعده، وإنما نقص أجرُه ولم تَسقُطْ منزلتُه. فمن أين جاء هؤلاء بأن الزلّة تُخرج من الإمامة؟ هذا حكمٌ زادوه على الشرع.

واعرض هذا على ما يصنعه القوم. إمامٌ من أئمة الإسلام أفنى عمره في خدمة السنة، وحفظ الله به دينه، ثم أخطأ في مسألة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يُثبت له أجرًا، وهم يُثبتون له التبديع والإسقاط والتحذير من كتبه. فأيُّ الحكمين نتّبع؟ حكمُ صاحب الشرع أم حكمُ صاحب القناة؟

ثم اسأله سؤالًا لا مخرج منه: هذا العالِم الذي أسقطتَه، أكان مجتهدًا طالبًا للحق فأخطأ، أم كان معاندًا يَعلَمُ الحقَّ فردّه؟ فإن قال: لا أدري، قيل: فقد حكمت بغير علم، والله ينهاك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وإن قال: كان طالبًا للحق، فقد شهد له بالأجر بلسانه وهو يسلبه الإمامة بيده!

وإن راغ فقال: الحديث في مسائل الفقه لا في العقائد، فقل له: أين القيد في الحديث؟ هاتِ لفظًا واحدًا يخصّه بالفقه. ثم انظر: الحاكم يَحكُمُ في الدماء والأموال والفروج، وهي أعظم ما يُتلف، فجعل له الأجر مع الخطأ. أفيكون الخطأ في الدم مغفورًا مأجورًا، والخطأ في تأويل صفةٍ مُخرجًا من الملة؟ هذا ميزانٌ لا يستقيم.

من أين جاءت هذه القسوة؟ جاءت من أن الرجل لم يذق تعب الطلب، فلا يَعرِفُ قدرَ من تعب. ومن جلس بين يدي العلماء وعرف كم يُنفق العالم من عمره في مسألةٍ واحدة، هابَ أن يهدم عمرًا بكلمة. فأما من أخذ علمه من شاشة، فالهدم عنده سهل، لأنه لم يبنِ شيئًا قط ليعرف ما البناء.

يا من تتبّع زلّات العلماء، تأمل في هذه القسمة العادلة: أجرٌ للمخطئ، وأجران للمصيب. فأين موضعك أنت منها؟ إن الذي يبحث عن السقطات ليهدم بها لا يدخل في هذا ولا في ذاك؛ لأنه لم يجتهد ليصيب فيؤجر أجرين، ولا اجتهد فأخطأ فيؤجر أجرًا. وإنما جلس على الطريق يعدّ عثرات السائرين.

ثم تصوّر الموقف. عالمٌ يأتي يوم القيامة يَحمِلُ أجورًا على أخطاءٍ اجتهد فيها، وأنت تأتي تحمل أوزارًا في عرضه. هو مأجورٌ على ما أنكرتَه عليه، وأنت مأخوذٌ بما أنكرتَ! فأيُّ صفقةٍ أخسر من هذه؟

وباب التوبة مفتوح. فاجعل حظّك من هذا الحديث أن تجتهد لتصيب، لا أن تفتّش لتُسقط. وردَّ الخطأ بعلمٍ وأدب، وأبقِ لصاحبه فضله وأجره.

نسأل الله أن يجعلنا من المصيبين فنُؤجَر أجرين، وأن يجعل خطأنا خطأَ المجتهد الطالب للحق فنُؤجَر أجرًا، ولا يجعلنا ممن حُرم الأجرين جميعًا.

قال أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محمَلًا.

البيانتأمّل موضع القيد في كلام عمر: «وأنت تجد لها في الخير محمَلًا». فليس النهيُ عن الحكم مطلقًا، وإنما مناطُه وجودُ الاحتمال؛ فمتى احتملت الكلمةُ وجهًا حسنًا حرُم حملُها على السوء، ولو كانت تحتمله.

وحرّر شيخ الإسلام ابن تيمية الميزان بلفظٍ لا يحتمل التأويل فقال: «وليس لأحدٍ أن يَحمِلَ كلامَ أحدٍ من الناس إلا على ما عُرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كلّ أحد». فالعبرةُ بما عُرف من مراد الرجل من مجموع كلامه، لا بما يحتمله اللفظُ مجرَّدًا عن صاحبه. وعامّةُ ما يُسقَطُ به الأئمةُ اليوم ألفاظٌ محتملة، انتُزعت من سياقها، وحُملت على غير ما عُرف من مذهب أصحابها.

وسمّى ابن القيم الداءَ باسمه فقال: «ما أكثر ما يَنقُلُ الناسُ المذاهبَ الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة!». فالمذهب الباطل الذي يُنسب إلى الإمام ليس مذهبَه في الحقيقة، وإنما هو مذهبٌ ركّبه الناقلُ بفهمه القاصر ثم علّقه في عنق الإمام.

وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «ومن أعظم المحرَّمات وأشنع المفاسد إشاعةُ عثراتهم، والقدحُ فيهم وفي غلطاتهم. وأقبحُ من هذا وأقبح: إهدارُ محاسنهم عند وجود شيءٍ من ذلك. وربما يكون - وهو الواقع كثيرًا - أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويلٌ سائغ، ولهم اجتهادهم فيه: معذورون، والقادحُ فيهم غيرُ معذور».

فتأمّل هذه الجملة وحدها: «معذورون، والقادحُ فيهم غيرُ معذور». فالذي يَظُنُّ أنه ينتصر للسنة بتتبّع زلّاتهم، هو الواقعُ في الإثم دونهم؛ لأنّهم اجتهدوا فأخطؤوا، وهو تعمَّد القدحَ عن بصيرة.

وبهذا يفترق الفريقان كما قال السعدي: أهلُ العلم الناصحون قصدُهم «سترُ عورات المسلمين، وعدمُ إشاعة غلطاتهم، والحرصُ على تنبيههم، والذبُّ عن أعراض أهل العلم والدين»، وأهلُ البغي قصدُهم الإشاعةُ والإسقاط. ثم ختمها بسؤالٍ يُسكت كلَّ متعالم: «أيُّ عالمٍ لم يخطئ؟ وأيُّ حكيمٍ لم يعثر؟».

يا هذا إن لك عثراتٍ تحبّ أن يسترها الله، وكلماتٍ خرجت منك تحتمل الشرّ، لو أُخذت بالميزان الذي تزن به الأئمة لأهلكتك. فمن ستر مسلمًا ستره الله، ومن تتبّع عورةَ أخيه تتبّع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته.

فادفن عثرة أخيك كما تحبّ أن تُدفن عثرتُك، ولا تسأل ربَّك سترًا تمنعه أنت عن عباده؛ فإنك تُكال بالمكيال الذي تكيل به.

قال الإمام سعيد بن المسيّب: ليس من عالمٍ ولا شريفٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضلُه أكثرَ من نقصه ذهب نقصُه لفضله، كما أن من غلب عليه نقصانُه ذهب فضلُه.

البيانقفوا وتأملوا هذا الميزان النبوي الدقيق، الذي ورثه سيد التابعين عن جيل الصحابة رضوان الله عليهم. إنه الميزان الذي تُحفظ به مقامات الرجال، ويُعصم به الدين من الهوى، وتُرد به سهام الغلاة في نحورهم.

خذوا أولاً هذه المقدمة القاطعة التي يفر منها الغالي كفراره من الأسد: «ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب».

فالعيب والزلة والخطأ أمرٌ حتمي في كل بشرٍ سوى المعصوم ﷺ. فليست المسألة إذن -كما يُوهم الحدادية أتباعهم-: "هل أخطأ الإمام أم لم يخطئ؟"، فهذا سؤالٌ ساذج يطلب عصمةً لم تُعطَ لبشر قط! بل المسألة الحقيقية التي يدور عليها ميزان أهل السنة هي: "أين يقع هذا الخطأ من بحر حسنات الرجل وفضله؟".

ثم انظروا إلى عدل السلف في وزن هذه الزلة: «من كان فضلُه أكثرَ من نقصه ذهب نقصُه لفضله».

وليس معنى "ذهب نقصه" أن نقلب باطله حقاً، أو أن نتعامى عن خطئه فلا نردّه، حاشا وكلا! بل المعنى أن الحكم الكلي على هذا الرجل يكون بالغالب من حاله وعطائه. فإذا كان الرجل إماماً أفنى عمره في نصرة السنة وشرح الحديث والذب عن الشريعة، ثم وقعت منه زلةٌ أو خطأ؛ ذابت قطرة خطئه في بحر فضله وحسناته، كما تذوب القطرة في البحر الخضم فلا تنجسه!

وأعدل ما في ميزان سيد التابعين أنه يعمل في الاتجاهين بصرامة: «كما أن من غلب عليه نقصانُه ذهب فضلُه».

فهذا الميزان ليس باباً مفتوحاً للفوضى والتمييع كما يشنع الغلاة، ولا شفاعةً لكل زنديقٍ أو مبتدعٍ غلب فسادُه على صلاحه. بل هو التفريق العادل بين: (إمام سنة زلّ فأخطأ) و(صاحب ضلالة غلب ضرره على الإسلام). وبهذا يَسقُطُ تشنيعُ الحدادية الدائم علينا بقولهم: "قاعدتكم هذه تنجي كل ضال وساقط وتذيب الفوارق"! كلا، بل هي قاعدة تنجي أئمة الهدى، وتُسقط رؤوس الضلال!

وقوة هذه القاعدة أنها لم تصدر من رجلٍ متأخر، بل نطق بها سيد التابعين وأعلمهم بالقضاء والسنة، الذي أدرك كبار الصحابة ونهل من معينهم. فليس هذا "تمييعاً معاصراً" كما يزعم الغلاة، بل هو "منهج السلف" الأصيل الذي يتشدقون زيفاً باتباعه!

فالآن، اعرضوا على هذا الميزان السلفي صنيعَ القوم.. لتروا كيف عكسوا دين الله عكساً تاماً!

إن الحدادية اليوم يأخذون الزلة الواحدة، أو الكلمة الواحدة للإمام، فيجعلونها هي الرجل كله! ويطوون قروناً من العلم والفضل ونصرة الدين، وكأنها لم تكن أصلاً!

لقد قلبوا ميزان سعيد بن المسيب؛ فبدل أن يُذهبوا النقص القليل بالفضل الكثير.. تراهم يُذهبون الفضل العظيم بالنقص اليسير! فجعلوا البحر الطاهر ينجس بقطرة واحدة، بل وجعلوا القطرة تبتلع البحر!

فأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ من وزن الناس بميزان الصحابة وسيد التابعين؟ أم من نصب لهم مقصلةً لا ينجو منها أحد، ولا يقبلها عقلٌ ولا شرع؟!

قال الإمام مالك بن أنس: ما منّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر.

البيانقفوا عند هذه الكلمة العظيمة التي أطلقها إمام دار الهجرة عند الحجرة النبوية؛ ليجعل العصمة المطلقة لصاحب القبر ﷺ وحده، ويُنزل نفسه ومن معه من الأئمة منزلةَ البشر الذين يجتهدون، فيُخطئون ويُصيبون.

وإن تعجبوا، فاعجبوا من هؤلاء الغلاة الذين يرفعون هذه الكلمة شعاراً لهم يلوكونه بألسنتهم في كل مجلس، وهم لا يفقهون أنها حجةٌ قاصمة عليهم لا لهم!

فهم يستدلون بها لتبرير وقيعتهم في الأئمة قائلين: (يجوز لنا أن نرد على النووي وابن حجر لأن مالكاً قال: ما منا إلا راد ومردود عليه)!

فنقول لهم: نعم، الرد العلمي المكتمل الشروط حق.. ولكن هذه الكلمة الذهبية تثبت أمراً يهدم أصولكم من القواعد؛ وهو أن "الرَّدَّ لا يُسقِطُ المردودَ عليه"!

فلو كان كل من رُدَّ عليه قولٌ، أو خُطِّئ في مسألةٍ وتأويل، سقط من الإمامة وبُدِّع وهُجر -كما هو ميزانكم-.. لسقط الإمام مالكٌ نفسُه! ولَسقط من قبله ومن بعده! إذ هو القائل المُقِر: «ما منا إلا مردود عليه». فبموجب مذهبكم الفاسد، لم يبقَ على وجه الأرض إمامٌ ولا عالمٌ إلا وقد سقط!

إن "الرد" عند الغلاة؛ مقصلةٌ للإسقاط، وميدانٌ للتشنيع، والتبديع، وتمزيق الأعراض.

أما "الرد" عند الإمام مالك والسلف الصالح؛ فهو بابٌ من أبواب "التكامل العلمي". هذا الإمام يُبيّن ما خفي على ذاك، وذاك يستدرك ما فات الأول.. فيتكامل صرح الشريعة بمجموعهم، ولا يكتمل بواحدٍ منهم استقلالاً إلا المعصوم ﷺ.

فيا أيها الغالي: إن الرد على زلة الإمام بحجةٍ وعلم، مع حفظ مقامه وإمامته وفضله؛ هو دين أهل السنة والجماعة.

أما اتخاذ زلته حجةً لإسقاطه، ونسف جهوده، ومحو تاريخه، والطعن في عقيدته.. فهو دين الخوارج والحدادية الجدد! فضع نفسك حيث شئت من المدرستين.

قال الليث بن سعد إمامُ أهل مصر: أحصيتُ على مالك بن أنس سبعين مسألةً كلُّها مخالفةٌ لسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممّا قال فيه برأيه.

البياناقرأ هذا الأثر مرّتين، ثم اسأل سؤالًا واحدًا: أين ذهبت هذه السبعون؟ لماذا لم تصر مشروعًا لإسقاط مالك؟ ولماذا لم يُبنَ عليها كتابٌ في تجريحه ولا قائمةٌ يُمتحن بها الناس؟

والقائلُ ليس خصمًا ولا مجهولًا. هو الليث بن سعد، إمامُ أهل مصر، الذي قال فيه الشافعي: «الليثُ أفقهُ من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به». فهذا إمامٌ كبيرٌ يُحصي على إمامٍ كبير، ثم لا يترتّب على الإحصاء إسقاطٌ ولا تبديع؛ بل بقيت بينهما المراسلةُ والمودّة، وبقي مالكٌ إمامَ دار الهجرة في قلوب الأمة إلى اليوم.

وانظر إلى صنيع الأمة بهذا الإحصاء: طوته ولم تُشِعه. ما صار كتابًا يُتداول، ولا مادّةً تُدرس، ولا سلاحًا يُشهر في وجه مالك؛ بل بقي أثرًا في بطون الكتب يُذكَرُ لبيان أدب الأئمة بعضهم مع بعض، لا لإسقاط أحد. ثم انظر إلى غلمان اليوم: ينقّبون في كتب الأئمة عن الزلّة، فإذا ظفروا بها بثّوها في المقاطع والمنشورات وعدّوا العثور عليها فتحًا. فالسلفُ كانوا يطوون، وهؤلاء ينشرون؛ وهذه وحدها تكشف الفرق بين الغيرة على الدين والغيرة على الجماعة.

وموضعُ الحجّة أنّ العدد بلغ سبعين، لا واحدةً ولا اثنتين. ولو أنّ حداديًّا وجد اليوم مخالفةً واحدةً لسنّةٍ عند إمامٍ لجعلها عنوانَ مقطعٍ ومادّةَ مباهلة. فما الذي منع الليثَ وهو أعلمُ وأتقى؟ منعه فقهُ الفرق بين الزلّة والمنهج: أن العالم يخالف السنّة وهو يقصد اتّباعها، لأنه لم تبلغه، أو بلغته من وجهٍ لم يثق به، أو تأوّلها، أو ظنّها منسوخة.

وهذا هو الذي قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: «ليس أحدٌ من الأئمة المقبولين عند الأمة قبولًا عامًّا يتعمّد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيءٍ من سنّته، دقيقٍ ولا جليل؛ فإنهم متّفقون اتّفاقًا يقينيًّا على وجوب اتّباع الرسول». فالمخالفة واقعة، والتعمُّد منتفٍ. ومن سوّى بينهما فقد جنى على الأئمة كلِّهم.

ثم إن في الأثر إلزامًا لا مخرج منه: إن كانت المخالفة للسنّة تُسقِطُ صاحبَها، فمالكٌ أوّلُ الساقطين بشهادة الليث. فإن قلتَ: معاذ الله، مالكٌ إمامٌ متأوّل معذور - فقد قلتَ بقولنا في النووي وابن حجر وأبي حنيفة سواءً بسواء. وإن قلتَ: بل يَسقُطُ - فقد هدمتَ المذاهب الأربعة بيدك، ولم يبقَ في الأمة إمام.

ولم يبقَ هذا فرضًا نظريًّا. فقد خرج من الحدادية من نبش أخطاء الإمام مالك ثم طعن فيه، فما أنكر عليه محمد بن شمس الدين، ولا عبد الله الخليفي، ولا عبد الرحمن دمشقية. وهؤلاء الذين تنفجر غيرتُهم على من ترحّم على النووي ناموا عن الطاعن في إمام دار الهجرة. وبمثل هذا الأسلوب - أن يجلس الرجل إلى كتب الإمام فيلتقط زلّاته ثم يبني عليها حكمًا - يستطيع كلُّ جاهلٍ أن يُسقِطَ من شاء من علماء الإسلام؛ فما من إمامٍ إلا وله ما يُنتقد، فإذا صار الالتقاطُ ميزانًا لم يثبت في الأمة أحد.

يا هذا، ما من عالمٍ إلا وله زلّة، ولو شاء الله لعصمهم، ولكنه أراد أن تبقى العصمةُ لنبيّه وحده حتى لا يُعبد أحدٌ من دونه. فمن أسقط كلَّ من زلَّ فقد أسقط نفسه أوّلًا، فإنه أكثرُهم زللًا وأقلُّهم علمًا. وستقف يومًا بين يدي الله وليس معك من علمك إلا ما عملتَ به، فأيُّهما تحبّ أن تُبعث عليه: على صحيفةٍ فيها ذبٌّ عن أعراض أهل العلم، أم على صحيفةٍ فيها إحصاءُ زلّاتهم؟

قال الإمام الشافعي: وأما أن نخالف حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتًا عنه فأرجو ألا يؤخذ ذلك علينا إن شاء الله، وليس ذلك لأحد؛ ولكن قد يجهل رجلٌ السنةَ فيكون له قولٌ يخالفها، لا أنه عَمَد خلافها. وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل.

البياناقرؤوا هذا الأصل الشافعي العظيم، لتروا كيف تتبدد الشبهات حين تُرَدُّ إلى موازين العلم الراسخة.

إن الفارق بين ميزان السلف وميزان الحدادية الجدد، يتجلى كله في هذه الكلمات القليلة: «لا أنه عَمَد خلافها».

فالمخالفة الناشئة عن جهلٍ أو تأويل هي شيء، والمخالفة الناشئة عن معاندةٍ واستكبار هي شيء آخر تماماً. الأولى خطأٌ يُصحَّح ويُعذر قائله لصدق نيته، والثانية ضلالٌ ومكابرة يُدان بها صاحبها.

وقائلُ هذا الكلام ليس رجلاً متساهلاً في أبواب الاعتقاد ليزايد عليه غلاة اليوم! بل هو الإمام الشافعي، الملقب بـ "ناصر السنة"، الذي شدّد في وجوب اتباع الأثر أشدَّ التشديد، حتى كان يقول مقالته الشهيرة: «إذا صحّ الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط». فلا يملك الحدادي أن يهرب ويقول: قالها متساهلٌ أو مميِّع!

ثم تأملوا كيف نصّ الشافعي على ثلاثة أبواب شرعية للعذر، ينكرها الحدادية اليوم ويغلقونها بقسوة في وجوه العلماء:

الأول: "الجهل بالسنة".

والثاني: "الغفلة".

والثالث: "الخطأ في التأويل".

وهذه الأعذار الثلاثة -التي أقرها الشافعي- هي موانع شرعية يقفز من فوقها الغلاة اليوم وكأنها غير موجودة، ليسارعوا إلى الحكم بالتضليل والتبديع والإسقاط بمجرد رؤيتهم لزلة الإمام!

فيا سبحان الله! قف أمام هذا الغالي الذي يُبَدِّعُ عالماً مجتهداً لمجرد مخالفته لنص، واسأله:

هل أثبتَّ على الإمام "العمد" وقصد المعاندة لرسول الله ﷺ؟ أم اكتفيت بمجرد "وقوع المخالفة" لتسقط الرجل؟!

فإن زعم أنه أثبت العمد؛ فقد شق عن قلبه وادعى علم الغيب، واتهم أئمة الدين وحفّاظه بمعاندة الشريعة عمداً، وهذا من أبشع الافتراء!

وإن اعترف بأنه اكتفى بمجرد وقوع المخالفة دون النظر في القصد والتأويل؛ فقد حكم بلا أساسٍ شرعي، وخالف ميزان الشافعي وميزان السلف قاطبة، الذين يفرقون بين زلة المجتهد المتأول، وبين جرأة المبتدع المعاند!