عُرضت 36 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال الحافظ ابن رجب: يَأْبَى اللَّهُ الْعِصْمَةَ لِكِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِهِ، وَالْمُنْصِفُ مَنِ اغْتَفَرَ قَلِيلَ خَطَأِ الْمَرْءِ فِي كَثِيرِ صَوَابِه.

البيانقَاعِدَةٌ حَنْبَلِيَّةٌ أَثَرِيَّةٌ، تُعَرِّفُ (الْإِنْصَافَ) الْحَقِيقِيَّ، وَتَنْسِفُ خُرَافَةَ الْمِثَالِيَّةِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي تَتَسَتَّرُ بِهَا الْحَدَّادِيَّة!

فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، أَرْسَى الْإِمَامُ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْن:

الْأَوَّل: أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلْقُرْآنِ وَحْدَهُ لَا لِكِتَابٍ سِوَاه.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِنْصَافَ هُوَ (اغْتِفَارُ) الْخَطَأِ الْقَلِيلِ فِي بَحْرِ الصَّوَابِ الْكَثِير. فَمَنْ جَمَعَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ اسْتَقَامَ لَهُ مَنْهَجُ التَّعَامُلِ مَعَ التُّرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ كُلِّه.

وَالْتِفَاتَةٌ بَدِيعَةٌ فِي الْأَصْلِ الْأَوَّل؛ أَنَّهُ جَعَلَهُ فِي (الْكُتُبِ) وَالْمُصَنَّفَاتِ، لَا فِي الرِّجَالِ فَحَسْب! فَمَا مِنْ كِتَابٍ بَشَرِيٍّ -مَهْمَا جَلَّ مُؤَلِّفُهُ- إِلَّا وَفِيهِ مَوْضِعُ اسْتِدْرَاك؛ فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِه.

فَمَنِ اشْتَرَطَ أَلَّا يَقْرَأَ كِتَابًا لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ أَوِ ابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا إِذَا خَلَا مِنَ الْخَطَأِ تَمَامًا؛ فَقَدِ اشْتَرَطَ لِبَشَرٍ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ إِلَّا لِكِتَابِهِ الْكَرِيم!

ثُمَّ انْظُرِ الدِّقَّةَ الْبَالِغَةَ فِي تَعْرِيفِهِ لِـ (الْإِنْصَاف): «الْمُنْصِفُ مَنِ اغْتَفَرَ». فَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ (الِاغْتِفَارَ وَالتَّجَاوُزَ) هُوَ عَيْنَ الْإِنْصَافِ ذَاتِهِ، لَا أَنَّهُ تَنَازُلٌ أَوْ تَمْيِيع! بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ يَقْلِبُونَ الْمَفَاهِيم؛ فَيُسَمُّونَ (الِاغْتِفَارَ وَالتَّجَاوُزَ) تَمْيِيعًا، وَيُسَمُّونَ (تَتَبُّعَ الزَّلَّاتِ وَتَكْبِيرَهَا) إِنْصَافًا وَتَحْقِيقًا!

وَقِيمَةُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَضَاعَفُ حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهَا هُوَ (ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ الْأَثَرِيُّ)، وَأَنَّهُ سَطَّرَهَا فِي (مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ)! وَالْمُقَدِّمَاتُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- هِيَ مَوَاطِنُ تَحْرِيرِ الْمَنَاهِجِ وَتَقْرِيرِ الْأُصُولِ، لَا مَوَاطِنُ الِاسْتِطْرَاد. فَهُوَ مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ أَعْلَنَهُ الْإِمَامُ وَالْتَزَمَ بِهِ وَاشْتَرَطَهُ عَلَى قَادِئِه.

فَيَا مَنْ يُطَارِدُ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ لِتَبْدِيعِهِمْ؛ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَزِنَ كِتَابًا أَوْ رَجُلًا فَزِنْهُ بِهَذَا الْقِسْطَاسِ السَّلَفِيِّ: (أَقَلِيلٌ خَطَؤُهُ فِي كَثِيرِ صَوَابِهِ، أَمِ الْعَكْس؟).

وَأَمَّا إِنْ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنْ كِتَابٍ لَا خَطَأَ فِيهِ الْبَتَّةَ لِتَرْضَى عَنْ مُؤَلِّفِهِ؛ فَلَنْ تَقْرَأَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا الْمُصْحَف!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِرْمَانَكَ الْأُمَّةَ مِنْ عِلْمِ الْأَئِمَّةِ لِأَجْلِ زَلَّةٍ مَغْمُورَةٍ؛ لَيْسَ مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَى السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ ظُلْمٌ وَجُحُودٌ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ وَالنَّدَامَة.

قال الإمام الشاطبي: إِنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ لَا يَصِحُّ اعْتِمَادُهَا مِنْ جِهَةٍ، وَلَا الْأَخْذُ بِهَا تَقْلِيدًا لَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لِلشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ عُدَّتْ زَلَّة... كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ صَاحِبُهَا إِلَى التَّقْصِيرِ، وَلَا أَنْ يُشَنَّعَ عَلَيْهِ بِهَا، وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْلِهَا، أَوْ يُعْتَقَدَ فِيهِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ بَحْتًا؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ فِي الدِّين.

البيانوَثِيقَةٌ مَقَاصِدِيَّةٌ جَامِعَةٌ، مِنْ (إِمَامِ مُحَارَبَةِ الْبِدَعِ)، تَسُدُّ مَنَافِذَ الْغُلُوِّ، وَتُفَكِّكُ حِيَلَ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُتَسَتِّرَةِ بِالْغَيْرَة!

هَذَا النَّصُّ مِنْ أَجْمَعِ وَأَضْبَطِ مَا قِيلَ فِي الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَدَعُ لِمُبْطِلٍ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا وَيَتْرُكَ الْآخَر! فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الزَّلَّةَ تُرَدُّ وَلَا يُقَلَّدُ فِيهَا صَاحِبُهَا (وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى التَّمْيِيعِ)، ثُمَّ قَرَّرَ فَوْرًا أَنَّ صَاحِبَهَا يُعْذَرُ وَلَا يُهْدَرُ مَقَامُهُ (وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى الْإِسْقَاطِ وَالْحَدَّادِيَّة).

وَجَمَالُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ حَصَرَ صُوَرَ التَّطَاوُلِ الْحَدَّادِيِّ الْأَرْبَعَ، فَسَدَّهَا وَأَبْطَلَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَة:

1- أَلَّا يُنْسَبَ إِلَى التَّقْصِير.

2- وَلَا يُشَنَّعَ عَلَيْهِ بِهَا.

3- وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْلِهَا.

4- وَلَا يُعْتَقَدَ فِيهِ تَعَمُّدُ الْمُخَالَفَة.

لَقَدْ أَحْصَى كُلَّ مَا تَصْنَعُهُ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ مِنْ آثَامٍ، ثُمَّ حَرَّمَهُ وَمَنَعَه!

وَأَدَقُّ هَذِهِ الْمَوَانِعِ هِيَ الرَّابِعَةُ؛ فَقَدْ حَرَّمَ أَنْ يُسَاءَ الظَّنُّ بِالْعَالِمِ، فَيُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ عَنْ عَمْدٍ وَعِنَاد! وَهَذَا هُوَ (سُوءُ الظَّنِّ) الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ صِنَاعَةُ الْحَدَّادِيَّةِ كُلُّهَا؛ إِذْ لَوِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ الْعَالِمَ أَخْطَأَ (مُتَأَوِّلًا طَالِبًا لِلْحَقِّ) لَسَقَطَتْ خُصُومَتُهُمْ وَمَشَارِيعُهُمُ الْإِسْقَاطِيَّةُ، وَلَزِمَهُمُ التَّرَحُّمُ عَلَيْه.

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْعِلَّةِ الْفِقْهِيَّةِ الْعَمِيقَةِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا: «فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ فِي الدِّين». فَرَبَطَ الْمَنْعَ بِـ (رُتْبَةِ الْعَالِمِ فِي الدِّينِ)، لَا بِمُجَرَّدِ الْعَاطِفَةِ أَوِ الْمُجَامَلَة! فَالرُّتْبَةُ الْعِلْمِيَّةُ حَقٌّ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ يَقْتَضِي تَوْقِيرًا وَاغْتِفَارًا، وَمَنْ هَضَمَ هَذَا الْحَقَّ فَقَدْ بَخَسَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَظَلَم.

وَالْقَاصِمَةُ فِي هَذَا النَّصِّ هِيَ هُوِيَّةُ قَائِلِه! فَهُوَ الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ (الِاعْتِصَامِ)؛ أَشْهَرِ مَوْسُوعَةٍ سَلَفِيَّةٍ فِي كَشْفِ الْبِدَعِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا! فَلَيْسَ هَذَا كَلَامَ مُدَاهِنٍ مُمَيِّعٍ يُهَوِّنُ أَمْرَ الْبِدَعِ، بَلْ كَلَامُ إِمَامٍ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي مُحَارَبَتِهَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ يُحَرِّمُ التَّشْنِيعَ عَلَى الْعَالِمِ الْمُخْطِئِ بِزَلَّتِه!

فَيَا مَنْ يُشَنِّعُ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى بِزَلَّاتِهِمْ؛ الشَّاطِبِيُّ الْخَبِيرُ بِالْبِدَعِ يُحَذِّرُكَ مِنْ أَرْبَعِ مُوبِقَاتٍ، وَأَنْتَ تَتَعَبَّدُ اللَّهَ بِارْتِكَابِهَا جَمِيعًا فِي حَقِّ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر! فَبِأَيِّ مِيزَانٍ تَزِن؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَأَنْزِلْ حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ رُتْبَتَهُمُ الَّتِي بَوَّأَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِمْرَارَكَ فِي سُوءِ الظَّنِّ بِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَتَعَمُّدَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا عَنْ هَدْمِكَ لِرُتَبِهِمْ فِي الدِّينِ أَمَامَ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قال العلّامة الشنقيطي: وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلَّذِينَ مَاتُوا عَلَى هَذَا الِاعْتِقَاد؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ تَشْبِيهَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، وَإِنَّمَا يُحَاوِلُونَ تَنْزِيهَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِه. فَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَلَكِنْ طَرِيقُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ سَيِّئَة. وَإِنَّمَا نَشَأَ لَهُمْ ذَلِكَ السُّوءُ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا لَفْظَ الصِّفَةِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مُشَابَهَةِ صِفَةِ الْخَلْقِ، فَنَفَوُا الصِّفَةَ الَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا لَا تَلِيقُ قَصْدًا مِنْهُمْ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ، وَأَوَّلُوهَا بِمَعْنًى آخَرَ يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ فِي ظَنِّهِمْ. فَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا. وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ خَطَأَهُمْ، وَأَنْ يَكُونُوا دَاخِلِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وَخَطَؤُهُمُ الْمَذْكُورُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِتَطْهِيرِ قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّشْبِيهِ أَوَّلًا، وَجَزَمُوا بِأَنَّ ظَاهِرَ صِفَةِ الْخَالِقِ هُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ مُشَابَهَةِ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ، لَسَلِمُوا مِمَّا وَقَعُوا فِيه.

البيانوَثِيقَةٌ قُرْآنِيَّةُ النَّزْعَةِ، مِنْ إِمَامٍ رَاسِخٍ، تُشَرِّحُ عَقْلِيَّةَ الْمُخَالِفِ بِمِبْضَعِ الرَّحْمَةِ، وَتَفْصِلُ بِعَبْقَرِيَّةٍ بَيْنَ (نُبْلِ الْقَصْدِ) وَ(سُوءِ الطَّرِيق)!

اعْرِفْ أَوَّلًا مَوْضِعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِتَعْرِفَ قَدْرَهَا؛ فَقَدْ سَطَّرَهَا الشِّنْقِيطِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (أَضْوَاءِ الْبَيَانِ) عَقِبَ نَقْضِهِ الصَّارِمِ لِتَأْوِيلَاتِ الْأَشَاعِرَة!

فَهِيَ إِعْذَارٌ جَاءَ بَعْدَ التَّفْنِيدِ وَالتَّحْقِيقِ، وَفِي مَقَامِ تَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ، لَا فِي مَقَامِ الِاسْتِطْرَاد. وَهَذَا يَنْسِفُ دَعْوَى الْغُلَاةِ الْقَائِلَةَ بِأَنَّ "الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَزْمِ بِالْخَطَأِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَى الْمُخْطِئِ مُسْتَحِيل"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ يَجْزِمُ بِضَلَالِ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ لِلْمُتَأَوِّل.

وَجِمَاعُ الْحُجَّةِ فِي هَذَا الْأَثَرِ يَتَلَخَّصُ فِي تِسْعِ كَلِمَاتٍ فَارِقَة: «فَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَلَكِنْ طَرِيقُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ سَيِّئَة». هُنَا يَتَجَلَّى فِقْهُ الرَّاسِخِينَ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْهُ الْغُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةُ؛ فَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِيزَانًا يُفَرِّقُ بَيْنَ (الْقَصْدِ) وَ(الطَّرِيقِ)، بَلْ مِيزَانُهُمْ وَاحِدٌ يُصَبُّ عَلَى الرَّجُلِ كُلِّهِ: "إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ سَيِّئًا، فَالرَّجُلُ خَبِيثٌ وَمُبْتَدِع"! أَمَّا الْإِمَامُ الشِّنْقِيطِيُّ فَفَصَلَ بَيْنَ فَسَادِ الْأَدَاةِ وَنُبْلِ الْغَايَة.

وَأَنْفَسُ مَا فِي هَذَا النَّصِّ، أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَكْتَفِ بِإِطْلَاقِ الْعُذْرِ، بَلْ غَاصَ فِي (مَأْخَذِ الشُّبْهَةِ)، فَكَشَفَ الْعِلَّةَ النَّفْسِيَّةَ لِلْمُتَأَوِّلِينَ، مُبَيِّنًا أَنَّهُمْ هَرَبُوا مِنَ التَّشْبِيهِ فَوَقَعُوا فِي التَّعْطِيل. وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ (الْعَالِمِ الرَّاسِخِ) وَ(الْمُتَعَالِمِ الطَّعَّانِ)؛ فَالرَّاسِخُ يُشَخِّصُ الدَّاءَ ثُمَّ يَصِفُ الدَّوَاءَ بِعِلْمٍ وَرَحْمَةٍ، أَمَّا الْمُتَعَالِمُ فَيَكْتَفِي بِإِصْدَارِ صُكُوكِ الْإِعْدَامِ وَالْإِسْقَاط! وَلِذَلِكَ كَانَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْمُخَالِفِينَ وَأُصُولِهِمْ.. أَرْحَمَهُمْ بِهِمْ، وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى نَقْضِ شُبُهَاتِهِمْ دُونَ ظُلْم.

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ الدَّقِيقِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَّقَ الْمُؤَاخَذَةَ بِـ (تَعَمُّدِ الْقَلْبِ لِلْمُخَالَفَةِ)، لَا بِمُجَرَّدِ (وُقُوعِ الْخَطَأ). وَالْأَئِمَّةُ الْمُتَأَوِّلُونَ كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ لَمْ تَتَعَمَّدْ قُلُوبُهُمْ مُصَادَمَةَ النُّصُوصِ، بَلْ رَامُوا تَنْزِيهًا فَأَخْطَؤُوا طَرِيقَه.

فَاعْرِضْ بَيْتَ الشَّافِعِيِّ الَّذِي سَاقَهُ الشِّنْقِيطِيُّ عَلَى نَفْسِكَ أَوَّلًا أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ: «رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ .. وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا»!

كَمْ مِنْ غَيُورٍ مَغْرُورٍ يَظُنُّ أَنَّهُ (يَنْفَعُ) الْعَقِيدَةَ بِتَنْقِيصِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِسْقَاطِهِمْ، فَإِذَا بِهِ (يَضُرُّ) الدِّينَ وَيُنَفِّرُ شَبَابَهُ وَيَهْدِمُ أَرْكَانَه! وَكَمْ مِنْ طَعَّانٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِـ (بِرِّ) السُّنَّةِ، فَإِذَا بِصَنِيعِهِ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ هُوَ أَقْبَحُ (الْعُقُوقِ) لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاء!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ سَلَامَةَ صَدْرِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ غَيْرَةٍ عَمْيَاءَ وَجَفَاءٍ غَلِيظٍ يُورِدُكَ الْمَهَالِك.

قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: وَمِنْ أَتْبَاعِهِ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، وَأَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيّ، وَأَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى النَّوَوِيّ، وَابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيّ، وَأَمْثَالُهُمْ مِمَّنْ تَأَوَّلُوا نُصُوصَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ فَوَّضُوا فِي أَصْلِ مَعْنَاهَا، وَهُمْ فِي نَظَرِنَا مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمُ الْأُمَّة، فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ وَجَزَاهُمْ خَيْرًا.

البيانوَثِيقَةٌ مُعَاصِرَةٌ قَاطِعَة، تَسُدُّ أَبْوَابَ الْمُرَاوَغَة، وَتُثْبِتُ أَنَّ حِفْظَ مَقَامَاتِ الْأَئِمَّةِ لَيْسَ (زَلَّةَ قَلَم) بَلْ مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ مُطَّرِد!

لَا تَظُنَّ أَنَّ إِيرَادَ هَذِهِ الْفَتْوَى هُنَا مُجَرَّدُ تَكْرَارٍ تَارِيخِيٍّ لَا طَائِلَ تَحْتَه؛ بَلْ مَوْضِعُ الْحُجَّةِ فِيهَا بَالِغُ الْأَهَمِّيَّة! فَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ (أَعْلَى هَيْئَةٍ إِفْتَائِيَّةٍ سَلَفِيَّةٍ مُعَاصِرَة)، وَقَدْ شَمِلَتْ ثُلَّةً أُخْرَى مِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ (كَالْبَاقِلَّانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمْ).

لَقَدْ أَثْبَتَتِ اللَّجْنَةُ وُقُوعَ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ فِي خَطَأِ التَّأْوِيلِ أَوِ التَّفْوِيضِ، ثُمَّ أَتْبَعَتْ ذَلِكَ فَوْرًا بِالْحُكْمِ الْقَطْعِيِّ: «وَهُمْ فِي نَظَرِنَا مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ... فَرَحِمَهُمُ اللَّهُ وَجَزَاهُمْ خَيْرًا».

وَهُنَا يُسَدُّ الْبَابُ الَّذِي يَفِرُّ مِنْهُ الْحَدَّادِيُّ دَائِمًا؛ فَحِينَمَا نُحَاصِرُهُ بِنُصُوصِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَابْنِ الْقَيِّمِ، يُرَاوِغُ قَائِلًا: (هَذِهِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ لَهَا سِيَاقٌ خَاصّ، أَوْ زَلَّةُ قَلَمٍ لَا يُمَثِّلُ مَنْهَجَهُمُ الصَّارِم)!

فَنَقُولُ لَهُ: لَوْ كَانَتْ زَلَّةَ قَلَمٍ أَوْ كَلِمَةً عَابِرَةً قِيلَتْ فِي سِيَاقٍ خَاصّ، لَمَا تَكَرَّرَتْ عَبْرَ الْقُرُون، وَلَمَا تَبَنَّتْهَا الْمَدَارِسُ السَّلَفِيَّةُ وَاللِّجَانُ الْإِفْتَائِيَّةُ الْمُعَاصِرَةُ فِي فَتَاوَاهَا الْمُحَرَّرَة! فَالْأَمْرُ لَا يَتَكَرَّرُ هَكَذَا إِلَّا إِذَا كَانَ (أَصْلًا وَمَنْهَجًا ثَابِتًا) اسْتَقَرَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ جِيلًا بَعْدَ جِيل.

فَيَا مَنْ يَزْعُمُ اتِّبَاعَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيّ؛ هَذِهِ تَقْرِيرَاتُ كِبَارِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ فِي عَصْرِكَ، تَتَطَابَقُ مَعَ نُصُوصِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَالذَّهَبِيِّ وَالشَّاطِبِيِّ فِي عُذْرِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَأَوِّلِينَ وَحِفْظِ إِمَامَتِهِمْ!

فَهَلْ أَصْبَحْتَ أَنْتَ وَحْدَكَ عَلَى السُّنَّةِ وَهُمْ جَمِيعًا مُمَيِّعُونَ مُدَاهِنُون؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَخَلَّ عَنْ هَذَا الْكِبْرِ الْحَدَّادِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ شُذُوذَكَ عَنْ مَنْهَجِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي هَذَا الْبَابِ، هُوَ انْزِلَاقٌ خَطِيرٌ نَحْوَ هَاوِيَةِ الْخَوَارِجِ، الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا مُسْلِمًا نَاجِيًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ غَيْرَهُمْ!

فَعُدْ إِلَى جَادَّةِ الْعُلَمَاءِ، قَبْلَ أَنْ تَعْزِلَكَ قَسْوَتُكَ عَنْ رَحْمَةِ اللَّه.

قال العلّامة الألباني: إِذَا كُنَّا مُتَذَكِّرِينَ جَمِيعًا أَنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء، وَأَنَّ خَيْرَ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُون، وَأَنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَلَا غَرَابَةَ فِي أَنْ يُخْطِئَ مَنْ كَانَ إِمَامًا فِي دَعْوَةِ الْحَقّ؛ فَإِذَا أَخْطَأَ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ أُخْرَى، فِي مَسْأَلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَر، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ دَعْوَةِ الْحَقِّ إِذَا تَبَنَّاهَا. فَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَخْطَؤُوا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّة، كَمَا يَقُولُونَ الْيَوْم، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فِكْرٍ صَحِيحٍ أَوْ عَمَلٍ صَالِح.

البيانقَاعِدَةٌ سَلَفِيَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ تَكْسِرُ عَمُودَ الْخَيْمَةِ الْحَدَّادِيَّة، وَتُعِيدُ الْمَوَازِينَ إِلَى نِصَابِهَا الْأَصِيل!

فِي هَذَا النَّصِّ النَّفِيس، يَضَعُ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ يَدَهُ عَلَى (الْمِيزَان) الَّذِي ضَيَّعَهُ الْغُلَاة، فَيُقَرِّرُ قَاعِدَةً تَنْسِفُ صَنِيعَهُمْ نَسْفًا: «الْعِبْرَةُ بِمَا يَغْلِب». فَالْحُكْمُ عَلَى الرَّجُلِ فِي دِينِ اللَّهِ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْغَالِبِ مِنْ حَالِهِ وَعِلْمِه، لَا بِتَتَبُّعِ الشَّاذِّ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِه! أَمَّا الْحَدَّادِيَّةُ فَقَدْ قَلَبُوا الْمِيزَانَ الشَّرْعِيّ؛ فَيَحْكُمُونَ عَلَى الْعَالِمِ بِـ (الشَّاذِّ وَالْخَطَأ)، وَيُهْدِرُونَ (الْغَالِبَ وَالصَّوَاب)، ثُمَّ يُسَمُّونَ هَذَا الظُّلْمَ وَالْعَبَث: تَحْقِيقًا وَغِيرَة!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ سَدَّ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ بَابًا يَدْخُلُونَ مِنْهُ دَائِمًا لِتَمْرِيرِ إِسْقَاطِهِمْ لِلْعُلَمَاء؛ فَهُمْ يَعْتَمِدُونَ سِيَاسَةَ (التَّكْثِيرِ وَالتَّهْوِيل)، فَيَجْمَعُونَ لِلْإِمَامِ عَشْرَ زَلَّات، لِيُوهِمُوكَ أَنَّ كَثْرَتَهَا تَقْلِبُ الْحُكْم! فَجَاءَ الْأَلْبَانِيُّ وَقَطَعَ هَذَا الْوَهْمَ قَائِلًا: «فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ أُخْرَى، فِي مَسْأَلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَر، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُه». فَلَمْ يُعَلِّقِ الْإِمَامُ الْحُكْمَ بِخُرُوجِ الرَّجُلِ مِنَ السُّنَّةِ بِـ (عَدَدِ الزَّلَّات) الْمُحْصَاة، بَلْ عَلَّقَهُ بِـ (غَلَبَةِ الْأَصْلِ وَصِحَّةِ الْفِكْر).

ثُمَّ انْظُرْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ إِلَى قَوْلِه: «كَمَا يَقُولُونَ الْيَوْم». إِنَّهَا إِشَارَةُ خَبِيرٍ، وَكَلِمَةُ عَارِفٍ أَدْرَكَ أَنَّ هَذِهِ (الِاصْطِلَاحَاتِ وَالْإِسْقَاطَاتِ) هِيَ مَوْجَةٌ مُحْدَثَة، وَأَنَّ صِنَاعَةَ (التَّبْدِيعِ بِالزَّلَّاتِ) قَدْ بَاتَتْ مِهْنَةً رَائِجَةً يَقْتَاتُ عَلَيْهَا حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ فِي زَمَانِه. فَقَرَّرَ بِوُضُوحٍ قَاطِعٍ أَنَّ النَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ -رَغْمَ الْخَطَأ- (مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة).

فَيَا مَنْ يَجْمَعُ زَلَّاتِ الْأَكَابِرِ بِالْقَطَّارَة؛ أَنْتَ تَجْمَعُ أَخْطَاءَ الْأَئِمَّةِ فِي كُتَيِّبٍ لِتُخْرِجَهُمْ بِهِ مِنَ السُّنَّة، وَتَتَجَاهَلُ عَشَرَاتِ الْمُجَلَّدَاتِ الَّتِي أَفْنَوْا فِيهَا أَعْمَارَهُمْ لِنُصْرَةِ السُّنَّةِ وَحِفْظِهَا! فَبِأَيِّ عَدْلٍ تَحْكُم؟! وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَامَلَكَ بِالشَّاذِّ مِنْ أَفْعَالِكَ وَتَرَكَ غَالِبَ حَالِك؛ لَهَلَكْتَ فِي أَوَّلِ حِسَابِك!

فَاتَّقِ اللَّه، وَزِنْ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ بِمِيزَانِ (الْغَالِبِ الْأَعَمّ)، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ عَنْهُمُ الْيَوْم، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ غَدًا، وَأَنَّ إِسْقَاطَكَ لَهُمْ لَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَقْدَارِهِمْ فِي السَّمَاء.

قال العلّامة الألباني: فَإِذَا كَانَ هَذَا عُذْرَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ مَعَ الْمُخَالَفَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ قَصْدٍ، وَهُوَ عُذْرٌ مَقْبُولٌ قَطْعًا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فَلَا يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيهِ كَمَا قَدْ يَفْعَلُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ، بَلْ يَجِبُ التَّأَدُّبُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِهِمْ حُفِظَ هَذَا الدِّينُ وَوَصَلَ إِلَيْنَا مَا وَصَلَ مِنْ فُرُوعِهِ، وَأَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَصَابَ أَمْ أَخْطَأ.

البيانشَهَادَةٌ قَاصِمَةٌ مِنْ (مُحَدِّثِ الْعَصْرِ)، تُسْقِطُ رَايَةَ الْحَدَّادِيَّةِ، وَتَجْعَلُ الْأَدَبَ مَعَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (فَرِيضَةً شَرْعِيَّةً) لَا خِيَارًا ذَوْقِيًّا!

إِنَّ أَعْظَمَ مَا يَصْفَعُ الْغُلَاةَ فِي هَذَا النَّصِّ هُوَ هُوِيَّةُ قَائِلِهِ؛ فَقَدْ قَالَهُ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ، وَأَشَدُّهُمْ نَكِيرًا عَلَى مَنْ خَالَفَ السُّنَّة! فَلَوْ كَانَ الطَّعْنُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ إِسْقَاطُهُ مَنْهَجًا سَلَفِيًّا صَحِيحًا؛ لَكَانَ الْأَلْبَانِيُّ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، وَلَكِنَّهُ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، حَرَّمَهُ وَشَنَّعَ عَلَى فَاعِلِه!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ حَشَدَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ فِي هَذَا النَّصِّ الْقَصِيرِ أَرْبَعَةَ أَحْكَامٍ قَطْعِيَّةٍ تَسْحَقُ مَنْهَجَ الطَّعْنِ مِنْ جُذُورِه:

1. (الْقَطْعُ بِقَبُولِ الْعُذْر): حَيْثُ قَالَ: «عُذْرٌ مَقْبُولٌ قَطْعًا»؛ فَقَطَعَ الشَّكَّ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ.

2. (التَّحْرِيمُ الْقَاطِع): حَيْثُ صَرَّحَ: «لَا يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيه».

3. (تَصْنِيفُ الطَّعَّان): حَيْثُ سَمَّى الْفَاعِلِينَ بِاسْمِهِمُ اللَّائِقِ بِهِمْ فَقَالَ: «كَمَا قَدْ يَفْعَلُ بَعْضُ (الْجَهَلَةِ)»! فَالْحَدَّادِيُّ الَّذِي يَنْفُشُ رِيشَهُ وَيَظُنُّ نَفْسَهُ "مُحَقِّقًا لِلسُّنَّةِ"؛ هُوَ فِي مِيزَانِ الْأَلْبَانِيِّ مَحْضُ "جَاهِل".

4. (إِيجَابُ الْأَدَب): حَيْثُ قَالَ: «بَلْ يَجِبُ التَّأَدُّبُ مَعَه».

ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ أَقَامَ الْإِمَامُ هَذَا الْإِعْذَارَ عَلَى عِلَّةٍ لَا تُرَدُّ؛ وَهِيَ قَوْلُهُ: «لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا». فَرَدَّ الْأَمْرَ إِلَى أَصْلٍ مُحْكَمٍ، لَا إِلَى عَاطِفَةٍ أَوْ مُجَامَلَة. ثُمَّ بَلَغَ فِي الْإِعْذَارِ أَقْصَاهُ وَمُنْتَهَاهُ حِينَ أَطْلَقَ رَصَاصَةَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ عَلَى مَنْهَجِ الْغُلَاةِ قَائِلًا: «وَأَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ». فَالْغَالِي يَبْحَثُ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ لِيُثْبِتَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ يَجِبُ إِسْقَاطُهُ)، وَالْأَلْبَانِيُّ يُقَرِّرُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (مَأْجُورٌ وَمُثَابٌ مِنَ اللَّهِ) حَتَّى فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الْحَدِيث! فَكَيْفَ تَجْتَرِئُ فَتَطْعَنُ فِي رَجُلٍ يُثِيبُهُ اللَّه؟!

فَيَا أَيُّهَا (الْجَاهِلُ) الْمُتَطَاوِلُ عَلَى فَقِيهِ الْمِلَّةِ -كَمَا سَمَّاكَ الْأَلْبَانِيُّ-؛ أَيْنَ تَذْهَبُ مِنْ هَذَا الْمِيزَان؟! أَنْتَ تَذُمُّ وَتَهْجُرُ رَجُلًا أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُثْبِتُهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَيُؤَجِّرُهُ! فَهَلْ أَنْتَ أَغْيَرُ عَلَى السُّنَّةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ شُرَّاحِ حَدِيثِه؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَأَدَّبْ مَعَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا (أَوْجَبَ) الْأَلْبَانِيُّ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ وَالْمَغْفِرَةِ غَدًا، حِينَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَات.