قال الحافظ ابن رجب: يَأْبَى اللَّهُ الْعِصْمَةَ لِكِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِهِ، وَالْمُنْصِفُ مَنِ اغْتَفَرَ قَلِيلَ خَطَأِ الْمَرْءِ فِي كَثِيرِ صَوَابِه.
البيانقَاعِدَةٌ حَنْبَلِيَّةٌ أَثَرِيَّةٌ، تُعَرِّفُ (الْإِنْصَافَ) الْحَقِيقِيَّ، وَتَنْسِفُ خُرَافَةَ الْمِثَالِيَّةِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي تَتَسَتَّرُ بِهَا الْحَدَّادِيَّة!
فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، أَرْسَى الْإِمَامُ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْن:
الْأَوَّل: أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلْقُرْآنِ وَحْدَهُ لَا لِكِتَابٍ سِوَاه.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِنْصَافَ هُوَ (اغْتِفَارُ) الْخَطَأِ الْقَلِيلِ فِي بَحْرِ الصَّوَابِ الْكَثِير. فَمَنْ جَمَعَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ اسْتَقَامَ لَهُ مَنْهَجُ التَّعَامُلِ مَعَ التُّرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ كُلِّه.
وَالْتِفَاتَةٌ بَدِيعَةٌ فِي الْأَصْلِ الْأَوَّل؛ أَنَّهُ جَعَلَهُ فِي (الْكُتُبِ) وَالْمُصَنَّفَاتِ، لَا فِي الرِّجَالِ فَحَسْب! فَمَا مِنْ كِتَابٍ بَشَرِيٍّ -مَهْمَا جَلَّ مُؤَلِّفُهُ- إِلَّا وَفِيهِ مَوْضِعُ اسْتِدْرَاك؛ فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِه.
فَمَنِ اشْتَرَطَ أَلَّا يَقْرَأَ كِتَابًا لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ أَوِ ابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا إِذَا خَلَا مِنَ الْخَطَأِ تَمَامًا؛ فَقَدِ اشْتَرَطَ لِبَشَرٍ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ إِلَّا لِكِتَابِهِ الْكَرِيم!
ثُمَّ انْظُرِ الدِّقَّةَ الْبَالِغَةَ فِي تَعْرِيفِهِ لِـ (الْإِنْصَاف): «الْمُنْصِفُ مَنِ اغْتَفَرَ». فَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ (الِاغْتِفَارَ وَالتَّجَاوُزَ) هُوَ عَيْنَ الْإِنْصَافِ ذَاتِهِ، لَا أَنَّهُ تَنَازُلٌ أَوْ تَمْيِيع! بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ يَقْلِبُونَ الْمَفَاهِيم؛ فَيُسَمُّونَ (الِاغْتِفَارَ وَالتَّجَاوُزَ) تَمْيِيعًا، وَيُسَمُّونَ (تَتَبُّعَ الزَّلَّاتِ وَتَكْبِيرَهَا) إِنْصَافًا وَتَحْقِيقًا!
وَقِيمَةُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَضَاعَفُ حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهَا هُوَ (ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ الْأَثَرِيُّ)، وَأَنَّهُ سَطَّرَهَا فِي (مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ)! وَالْمُقَدِّمَاتُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- هِيَ مَوَاطِنُ تَحْرِيرِ الْمَنَاهِجِ وَتَقْرِيرِ الْأُصُولِ، لَا مَوَاطِنُ الِاسْتِطْرَاد. فَهُوَ مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ أَعْلَنَهُ الْإِمَامُ وَالْتَزَمَ بِهِ وَاشْتَرَطَهُ عَلَى قَادِئِه.
فَيَا مَنْ يُطَارِدُ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ لِتَبْدِيعِهِمْ؛ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَزِنَ كِتَابًا أَوْ رَجُلًا فَزِنْهُ بِهَذَا الْقِسْطَاسِ السَّلَفِيِّ: (أَقَلِيلٌ خَطَؤُهُ فِي كَثِيرِ صَوَابِهِ، أَمِ الْعَكْس؟).
وَأَمَّا إِنْ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنْ كِتَابٍ لَا خَطَأَ فِيهِ الْبَتَّةَ لِتَرْضَى عَنْ مُؤَلِّفِهِ؛ فَلَنْ تَقْرَأَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا الْمُصْحَف!
فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِرْمَانَكَ الْأُمَّةَ مِنْ عِلْمِ الْأَئِمَّةِ لِأَجْلِ زَلَّةٍ مَغْمُورَةٍ؛ لَيْسَ مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَى السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ ظُلْمٌ وَجُحُودٌ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ وَالنَّدَامَة.
