عُرضت 36 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إِلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْل؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَؤُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ اللَّه: «قَدْ فَعَلْتُ»... وَنَسْتَغْفِرُ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، فَنَقُول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. وَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ، وَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُم... وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَدْ عَدَلَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ، وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِين.

البيانمِيزَانٌ رَبَّانِيٌّ دَقِيق، يَفْضَحُ أَدْعِيَاءَ السُّنَّة، وَيَنْزِعُ عَنْهُمْ قِنَاعَ الِاتِّبَاع؛ لِيُلْبِسَهُمْ ثَوْبَ الْمُقَلِّدَةِ الظَّالِمِين!

لَقَدْ أَرْسَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ هُنَا قَاعِدَتَيْنِ مُتَلَازِمَتَيْنِ فِي نَفَسٍ وَاحِد، مَنْ أَخَذَ إِحْدَاهُمَا وَتَرَكَ الْأُخْرَى فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الدِّين: (لَا تَتَّبِعْ زَلَّةَ الْعَالِم)؛ وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ التَّمْيِيع. وَ(لَا تَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنَ التَّوْقِير)؛ وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ الِاسْتِطَالَةِ وَالْحَدَّادِيَّة.

ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ بَنَى الْإِمَامُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ عَلَى نُصُوصٍ قُرْآنِيَّةٍ قَاطِعَة، لَا عَلَى مُجَرَّدِ ذَوْقٍ أَوْ مَصْلَحَة!

فَاسْتَدَلَّ بِآيَةٍ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَجَوَابُ الرَّبِّ: «قَدْ فَعَلْت». فَجَعَلَ حِفْظَ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ اسْتِجَابَةً لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي رَفَعَ عَنْهُمُ الْمُؤَاخَذَةَ أَصْلًا.

ثُمَّ ثَنَّى بِآيَةٍ فَاضِحَةٍ لِوَاقِعِ الْغُلَاة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾؛ فَاللَّهُ جَعَلَ الِاسْتِغْفَارَ لِأَسْلَافِ الْأُمَّةِ وَصْفًا وَشَرْطًا لِلنَّاجِينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ وَدِيَانَتَهُ نَبْشَ قُبُورِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قَبْلِهِ، وَاسْتِخْرَاجَ زَلَّاتِهِمْ لِتَبْدِيعِهِمْ وَإِسْقَاطِهِم؟! أَيْنَ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَة؟!

وَتَأْتِي الْخَاتِمَةُ التَّيْمِيَّةُ لِتُسْقِطَ أَثْقَلَ الصُّخُورِ عَلَى رُؤُوسِ الْغُلَاة: «وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ... آذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِين».

فَلَمْ يَقُلِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيمَنْ يَطْعَنُ فِي الْأَئِمَّة: (لَقَدْ أَخْطَأَ وَتَسَرَّعَ)، بَلْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الْوَعِيدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾!

ثُمَّ كَشَفَ الْإِمَامُ عَنِ الْبَاعِثِ الْخَفِيِّ لِهَذَا الطَّعْنِ، بِكَلِمَةٍ نَفِيسَةٍ تُزَلْزِلُ ادِّعَاءَاتِهِمْ، فَقَال: «عَدَلَ عَنِ الْحُجَّةِ إِلَى الْهَوَى فِي التَّقْلِيد»!

يَا لَهَا مِنْ صَفْعَة! فَالْقَوْمُ يَصْرُخُونَ لَيْلَ نَهَارٍ بِأَنَّهُمْ (أَهْلُ الدَّلِيلِ الْأَثَرِيُّون)، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ يُجَرِّدُهُمْ مِنَ الدَّلِيلِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُقَلِّدُونَ رَأْسًا وَاحِدًا مِنْ رُؤُوسِهِمْ فِي إِنْزَالِ أَحْكَامِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى الْأَشْخَاصِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ تَقْلِيدَهُمُ الْأَعْمَى هَذَا: اتِّبَاعًا لِلسَّلَف!

فَتَدَبَّرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ مَقْعَدَكَ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْن؛ فَاللَّهُ أَثْنَى عَلَى مَنْ يَسْتَغْفِرُ لِمَنْ سَبَقَهُ، وَأَنْتَ تُفْنِي عُمُرَكَ فِي اسْتِخْرَاجِ زَلَّاتِهِمْ لِتُسْقِطَهُم!

وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الَّذِي تَرْفَعُ رَايَتَهُ يَصِفُكَ نَصًا بِأَنَّكَ (مُقَلِّدٌ مُتَّبِعٌ لِلْهَوَى، وَظَالِمٌ مُؤْذٍ لِلْمُؤْمِنِين).

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَتْرُسَ خَلْفَ دَعْوَى (حِمَايَةِ السُّنَّة) لَنْ يَقِيَكَ مِنْ عُقُوبَةِ الْإِيذَاءِ وَالظُّلْمِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَفِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِعُ، يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ الْعُمُومَاتِ لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِه». وَقَالَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَد: «وَإِنَّمَا كَانَ يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ الْمُنْكِرِينَ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، لِأَنَّ مُنَاقَضَةَ أَقْوَالِهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ تَعْطِيلُ الْخَالِقِ، وَكَانَ قَدِ ابْتُلِيَ بِهِمْ حَتَّى عَرَفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ وَأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى التَّعْطِيل. وَتَكْفِيرُ الْجَهْمِيَّةِ مَشْهُورٌ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، لَكِنْ مَا كَانَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَهُم».

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ، وَتَأَمَّلْ هَذَا الْفِقْهَ النَّيِّرَ الَّذِي خَطَّهُ يَرَاعُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِتَعْلَمَ يَقِينًا الْبَوْنَ الشَّاسِعَ بَيْنَ فِقْهِ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ، وَبَيْنَ طَيْشِ الْمُتَعَالِمِينَ مِنَ الْغُلَاةِ وَالْحَدَّادِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا التَّكْفِيرَ سَيْفًا مُسَلَّطًا يُقَطِّعُونَ بِهِ أَوْصَالَ الْأُمَّةِ بِجَهْلٍ مُطْبِق.

لَقَدْ أَسَّسَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً مِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَاعِدَةً لَوْ فَقِهَهَا الْغُلَاةُ لَعَصَمَتْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي وَحَلِ التَّكْفِيرِ الْأَعْمَى.

يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ: «إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَفِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِع».

تَأَمَّلْ يَا رَعَاكَ اللَّهُ هَذَا التَّفْرِيقَ الدَّقِيقَ الْمَنِيع!

إِنَّ إِطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ «مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِر»، أَوْ «مَنْ فَعَلَ كَذَا فَقَدْ كَفَر» - وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالتَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ - لَا يَعْنِي بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ تَنْزِيلَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى فُلَانٍ بِعَيْنِهِ مِنَ النَّاسِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْل.

فَالْحُكْمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِالرِّدَّةِ بَابٌ عَظِيمُ الْخُطُورَةِ، دُونَهُ عَقَبَاتٌ كَأْدَاءُ مِنَ التَّحَقُّقِ مِنْ تَوَافُرِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ مِنْ جَهْلٍ، أَوْ تَأْوِيلٍ، أَوْ خَطَأٍ، أَوْ إِكْرَاه.

وَلِهَذَا يُقَرِّرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَعَامَّةَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مَعَ إِطْلَاقِهِمْ لِعُمُومَاتِ التَّكْفِيرِ فِي مَقَالَاتٍ بِدْعِيَّةٍ، «لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِه».

ثُمَّ انْظُرْ أَيُّهَا الْبَاحِثُ عَنِ الْحَقِّ، إِلَى الْمِثَالِ الْأَجْلَى الَّذِي سَاقَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَقْمَعَ بِهِ تَطَرُّفَ الْغُلَاة. لَقَدْ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِطَائِفَةِ «الْجَهْمِيَّةِ»، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْجَهْمِيَّة؟!

طَائِفَةٌ مُنَاقَضَتُهَا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ تَؤُولُ إِلَى إِنْكَارِ الْخَالِقِ وَتَعْطِيلِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِه.

لَقَدِ ابْتُلِيَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهِمْ، وَسَبَرَ أَغْوَارَهُمْ، وَعَلِمَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمُ الْخَبِيثِ، وَكَانَ تَكْفِيرُ طَائِفَةِ الْجَهْمِيَّةِ تَكْفِيرًا مُطْلَقًا مَشْهُورًا مُسْتَفِيضًا عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّة.

وَلَكِنْ، وَهُنَا مَوْضِعُ الشَّاهِدِ الَّذِي يَنْسِفُ بُنْيَانَ الْغُلَاةِ مِنَ الْقَوَاعِدِ: هَلْ قَامَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِتَنْزِيلِ هَذَا التَّكْفِيرِ عَلَى أَعْيَانِ الْجَهْمِيَّةِ وَأَفْرَادِهِمُ الْمُحَدَّدِينَ؟ الْجَوَابُ الصَّارِخُ الَّذِي يُقَرِّرُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُوَ: «لَكِنْ مَا كَانَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَهُم».

فَيَا دُعَاةَ الْغُلُوِّ وَالتَّكْفِيرِ، وَيَا مَنِ اسْتَسْهَلْتُمْ إِخْرَاجَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ؛ إِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ- لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، مُرَاعَاةً لِانْتِفَاءِ الشُّرُوطِ أَوْ وُجُودِ الْمَوَانِعِ كَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ، فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ تَكْفِيرَ أَئِمَّةِ هُدًى، وَعُلَمَاءِ سُنَّةٍ أَعْلَوْا رَايَةَ التَّوْحِيدِ وَنَصَرُوا الدِّينَ، كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِم؟!

كَيْفَ تُكَفِّرُونَ أَعْيَانَهُمْ بِمَسَائِلَ اجْتِهَادِيَّةٍ، أَوْ أَخْطَاءٍ وَقَعُوا فِيهَا بِتَأْوِيلٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي نُصْرَةِ سُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِين؟!

إِنَّ فِقْهَ الْأَئِمَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالِاحْتِيَاطِ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ، بَيْنَمَا مَنْهَجُكُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَجَلَةِ، وَالتَّشَهِّي، وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَة.

فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ بِهَذَا الْمِيزَانِ التَّيْمِيِّ الدَّقِيقِ، وَدَعُوا عَنْكُمْ هَذَا الْغُلُوَّ الْمُهْلِكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ حِينَ تَقِفُونَ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ جَعَلْتُمْ دِمَاءَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمُسْلِمِيهِمْ مُسْتَبَاحَةً بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا بُرْهَان.

قال الإمام ابن القيم: فَهَذَانِ طَرَفَانِ جَائِرَانِ عَنِ الْقَصْدِ، وَقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُمَا، فَلَا نُؤَثِّمُ وَلَا نَعْصِم. وَإِنَّمَا يَتَنَافَيَانِ عِنْدَ أَحَدِ رَجُلَيْن: جَاهِلٍ بِمِقْدَارِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ، أَوْ جَاهِلٍ بِحَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَه.

البيانتَشْخِيصٌ سَلَفِيٌّ بَالِغُ الدِّقَّةِ، يَضَعُ الْإِصْبَعَ عَلَى الْجُرْحِ الدَّامِي، وَيُفَكِّكُ الْعَقْلِيَّةَ الْحَدَّادِيَّةَ تَحْلِيلًا يَقْطَعُ دَابِرَ الشُّبْهَة!

فَالْغُلَاةُ الْيَوْمَ يَعِيشُونَ فِي وَهْمِ (التَّضَادِّ الْمَوْهُومِ)؛ فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ نُصْرَةَ الْحَقِّ وَالْغَيْرَةَ عَلَيْهِ لَا تَجْتَمِعُ أَبَدًا مَعَ حِفْظِ مَقَامَاتِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ، وَأَنَّكَ مُضْطَرٌّ حَتْمًا لِاخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا: فَإِمَّا أَنْ تُهْدِرَ كَرَامَةَ الْعَالِمِ لِتَنْصُرَ السُّنَّةَ، وَإِمَّا أَنْ تَحْفَظَ مَقَامَهُ لِتَكُونَ مُمَيِّعًا مُدَاهِنًا!

فَجَاءَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِيَهْدِمَ هَذَا الْوَهْمَ قَائِلًا: «وَإِنَّمَا يَتَنَافَيَانِ عِنْدَ أَحَدِ رَجُلَيْنِ...»، فَالتَّنَاقُضُ بَيْنَ نُصْرَةِ السُّنَّةِ وَعُذْرِ الْإِمَامِ لَا يُوجَدُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، بَلْ يُوجَدُ فَقَطْ فِي عَقْلِ (الْجَاهِل).

ثُمَّ فَصَّلَ الْإِمَامُ هَذَا الْجَهْلَ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَكِلَاهُمَا وَاللَّهِ تَرَاهُ مُتَجَسِّدًا بِعَيْنِكَ الْيَوْم: الْأَوَّل: جَاهِلٌ بِمِقْدَارِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ وَعَنَائِهِمْ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ؛ وَلِهَذَا يَسْهُلُ عَلَى لِسَانِهِ الطَّعْنُ فِي كِبَارِ الْأُمَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْ قَدْرِهِمْ إِلَّا مَا قَرَأَهُ فِي قُصَاصَاتِ الْجَرْحِ وَالتَّبْدِيعِ الْمَبْتُورَة. وَالثَّانِي: جَاهِلٌ بِحَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ وَمَقَاصِدِهَا؛ فَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّرِيعَةَ بُنِيَتْ عَلَى الْقَسْوَةِ وَالتَّنْكِيلِ بِالْمُخْطِئِ، فَيَحْسَبُ أَنَّ (الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ) تَمْيِيعٌ، وَأَنَّ (الظُّلْمَ وَالتَّشْنِيعَ) غَيْرَةٌ وَسَلَفِيَّة!

فَاعْرِضْ نَفْسَكَ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ عَلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْجَهْلِ قَبْلَ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِمَا غَيْرَكَ؛ فَإِنَّ أَنْفَعَ النَّظَرِ مَا بَدَأَ بِهِ الْعَبْدُ فِي إِصْلَاحِ سَرِيرَتِه. فَسَلْ نَفْسَكَ: هَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ بِحُقُوقِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ، أَمْ جَاهِلٌ بِرَحْمَةِ الشَّرِيعَةِ وَعَدْلِهَا؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَوَاضَعْ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ مَنْ سَبَقَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرِيعَةِ أَوْسَعُ وَأَرْحَمُ مِنْ صَدْرِكَ الضَّيِّقِ، وَأَنَّ الْجَهْلَ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْهَوَى وَالْغُرُورِ أَهْلَكَ صَاحِبَه.

قال الإمام ابن القيم: لَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ أَوْ غَلِطَ تُرِكَ جُمْلَةً وَأُهْدِرَتْ مَحَاسِنُهُ، لَفَسَدَتِ الْعُلُومُ وَالصِّنَاعَاتُ وَالْحِكَمُ، وَتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُهَا.

البيانقَاعِدَةٌ عَقْلِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ، وَإِلْزَامٌ حَتْمِيٌّ مُرْعِبٌ، يُعَرِّي مَنْهَجَ الْإِسْقَاطِ وَيُثْبِتُ أَنَّهُ مِعْوَلُ هَدْمٍ لِلْحَيَاةِ وَالدِّين!

فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، صَاغَ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا (الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ)؛ وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْحُجَجِ فَتْكًا بِالْغُلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاقِشُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ جُزْئِيَّةٍ أَوْ خَطَأٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَعْرِضُ لَهُمُ الْعَاقِبَةَ الْكَارِثِيَّةَ لِمَنْهَجِهِمْ!

فَلَوْ طُبِّقَتْ (قَاعِدَةُ الْإِسْقَاطِ بِالْخَطَأِ) بِاطِّرَادٍ، لَمْ يَفْسُدِ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ فَحَسْبُ، بَلْ لَفَسَدَتْ كُلُّ عُلُومِ الْأَرْضِ وَصِنَاعَاتِهَا وَحِكَمِهَا؛ إِذْ لَا يَخْلُو عَالِمٌ وَلَا طَبِيبٌ وَلَا صَانِعٌ مِنْ غَلْطَة.

وَتَأَمَّلِ الدِّقَّةَ الْبَالِغَةَ فِي قَوْلِهِ: «تُرِكَ جُمْلَةً»؛ فَالْإِمَامُ لَمْ يُنْكِرْ (تَرْكَ الْخَطَأِ)، بَلْ أَنْكَرَ (تَرْكَ الْعَالِمِ وَرَدَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ) لِأَجْلِ خَطَئِهِ!

وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي (تَصْحِيحِ الْمَسْأَلَةِ وَرَدِّ الْخَطَأِ)، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي (إِسْقَاطِ صَاحِبِهَا وَمَسْحِ تَارِيخِهِ).

ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ: «وَأُهْدِرَتْ مَحَاسِنُهُ» هُوَ التَّشْخِيصُ الْأَدَقُّ وَالْأَوْجَزُ لِصِنَاعَةِ الْغُلُوِّ الْيَوْم!

فَهُمْ يَطْوُونَ حَسَنَاتِ الْإِمَامِ كُلَّهَا، وَيَمْحُونَ جِهَادَهُ وَكُتُبَهُ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، وَلَا يَرْفَعُونَ عَقِيرَتَهُمْ إِلَّا بِمَوْضِعِ زَلَّتِه!

بَلْ وَيُزَايِدُونَ، فَيُسَمُّونَ ذِكْرَ مَحَاسِنِ الْأَئِمَّةِ (بِدْعَةَ الْمُوَازَنَاتِ وَالتَّمْيِيع)! بَيْنَمَا ابْنُ الْقَيِّمِ يُقَرِّرُ أَنَّ إِهْدَارَ الْمَحَاسِنِ هُوَ طَرِيقُ تَعْطِيلِ الدِّينِ وَإِفْسَادِ مَعَالِمِهِ.

فَاعْرِضْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْإِسْقَاطِيَّةَ الْمُدَمِّرَةَ عَلَى نَفْسِكَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ تُسَلِّطَهَا عَلَى الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَام: لَوْ أَنَّكَ طَرَدْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَطَبَّقْتَهَا بِصِدْقٍ؛ فَهَلْ سَيَبْقَى فِي بَيْتِكَ كِتَابٌ فِقْهِيٌّ تَقْرَؤُهُ؟!

هَلْ سَيَبْقَى لَكَ شَيْخٌ تَتَلَقَّى عَنْه؟! بَلْ هَلْ سَتَبْقَى أَنْتَ نَفْسُكَ بِلَا إِسْقَاط؟! إِنَّ اطِّرَادَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يُفْنِي كُلَّ أَحَدٍ، وَيَهْدِمُ مَعَالِمَ الشَّرِيعَةِ؛ وَفِي فَنَاءِ الْجَمِيعِ بِهَا، أَعْظَمُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلَى بُطْلَانِهَا وَمُخَالَفَتِهَا لِشَرْعِ اللَّه.

فَعُدْ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَادِيَكَ فِي إِهْدَارِ مَحَاسِنِ الْعُلَمَاءِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخَيْبَةِ، وَيُورِثُكَ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ تُنْصَبُ مَوَازِينُ الْقِسْطِ.

قال الإمام ابن القيم: وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَالْحِكْمَةِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ وَعَظُمَتْ، وَكَانَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ لَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ لِغَيْرِهِ، وَيُعْفَى عَنْهُ مَا لَا يُعْفَى عَنْ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ خُبْثٌ، وَالْمَاءُ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ، بِخِلَافِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ أَدْنَى خُبْث.

البيانقَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ قَاطِعَة، وَقِيَاسٌ فِقْهِيٌّ مُبْهِر، يُفَكِّكُ مِيزَانَ الْحَدَّادِيَّةِ الْأَعْوَجَ وَيُعِيدُ الْأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا!

أَوَّلُ مَا يَسْتَوْقِفُكَ فِي هَذَا النَّصِّ الْعَظِيمِ هُوَ تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ لَهُ: «مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَالْحِكْمَة». فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْهُ مُجَرَّدَ ذَوْقٍ شَخْصِيٍّ أَوْ مُجَامَلَة، بَلْ جَعَلَهُ (قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً مُطَّرِدَة).

فَمَنْ أَرَادَ رَدَّهَا فَلْيَرُدَّهَا بِمَا تُرَدُّ بِهِ الْقَوَاعِدُ (أَيْ بِالْبُرْهَانِ وَالدَّلِيلِ)، لَا بِالصُّرَاخِ وَالتَّشْنِيعِ وَاتِّهَامِ الْمُخَالِفِ بِالتَّمْيِيعِ!

وَأَجْمَلُ مَا فِي هَذَا التَّأْصِيلِ هُوَ الْمِثَالُ الْفِقْهِيُّ الَّذِي ضَرَبَهُ؛ إِذْ نَقَلَ النِّزَاعَ بِعَبْقَرِيَّةٍ مِنْ فَوْضَى الْعَوَاطِفِ إِلَى انْضِبَاطِ الْفِقْه! فَمِقْدَارُ الْمَاءِ (الْقُلَّتَانِ) يُغَيِّرُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةِ فِيه، مَعَ أَنَّ النَّجَاسَةَ هِيَ ذَاتُهَا فِي الْحَالَيْنِ.

وَكَذَلِكَ (الزَّلَّة)؛ فَهِيَ زَلَّةٌ وَخَطَأٌ فِي الْحَالَيْنِ، لَكِنَّ حُكْمَهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي بَحْرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَمِيرَاثٍ مِنَ الْعِلْمِ، غَيْرُ حُكْمِهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي قَطْرَة!

وَهُنَا تَنْكَشِفُ عَوْرَةُ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ؛ فَهُمْ يَزِنُونَ (الزَّلَّةَ) مَعْزُولَةً تَمَامًا عَنْ صَاحِبِهَا وَتَارِيخِهِ؛ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُمْ عَالِمٌ كَبِيرٌ زَلَّ وَلَهُ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ، وَمُبْتَدِعٌ زَلَّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الدِّينِ سَابِقَةٌ وَلَا لَاحِقَة!

وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ عَيْنُ مَنْ يَزِنُ (حَجْمَ النَّجَاسَةِ) وَيَغْفُلُ تَمَامًا عَنِ النَّظَرِ فِي (حَجْمِ الْمَاء)!

وَلَاحِظِ الدِّقَّةَ السَّلَفِيَّةَ الْمُتَنَاهِيَةَ؛ فَابْنُ الْقَيِّمِ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الزَّلَّةَ تَنْقَلِبُ حَسَنَةً، بَلْ قَالَ: «يُحْتَمَلُ لَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ لِغَيْرِه». فَالْخَطَأُ بَاقٍ عَلَى وَصْفِهِ وَيُرَدّ، وَالْمُتَغَيِّرُ الْوَحِيدُ هُوَ (الْعَفْوُ عَنْ صَاحِبِهِ) لِسَابِقَةِ فَضْلِهِ. وَهَذَا هُوَ مَفْرِقُ الطُّرُقِ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي تَصْحِيحِ الْخَطَأِ، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي إِسْقَاطِ صَاحِبِهِ.

ثُمَّ اقْرَأِ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فَإِنَّهُ يَرْتَدُّ عَلَى الْغُلَاةِ لَا لَهُمْ: «بِخِلَافِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ أَدْنَى خُبْث». فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ وَلَا حَسَنَاتٌ عِظَامٌ؛ فَأَدْنَى خُبْثٍ يُفْسِدُهُ وَيُسْقِطُهُ!

فَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ؛ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ الَّذِينَ تَطْعَنُ فِيهِمْ هُمُ (الْبَحْرُ الْمُحِيطُ) الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ الْخَبَثُ، فَانْظُرْ إِلَى رَصِيدِكَ أَنْتَ فِي الْإِسْلَام: أَأَنْتَ الْبَحْر، أَمْ أَنْتَ (الْمَاءُ الْقَلِيلُ) الَّذِي أَفْسَدَتْهُ أَدْنَى نَجَاسَةٍ بِظُلْمِكَ وَتَطَاوُلِكَ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَوَاضَعْ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَادِيَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى بُحُورِ الْعِلْمِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ، يَوْمَ تَجِفُّ قَطَرَاتُ مَائِكَ الْقَلِيل.

قال الإمام ابن القيم: وَمَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرْعِ وَالْوَاقِعِ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ الَّذِي لَهُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمٌ صَالِحٌ وَآثَارٌ حَسَنَةٌ، وَهُوَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِمَكَانٍ، قَدْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ، هُوَ فِيهَا مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُورٌ لِاجْتِهَادِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ وَإِمَامَتُهُ وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِين.

البيانوَثِيقَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ، تَجْمَعُ الْمَجْدَ مِنْ طَرَفَيْهِ، وَتَنْسِفُ خُرَافَةَ (التَّضَادِّ الْمَوْهُومِ) فِي عُقُولِ الْحَدَّادِيَّة!

فَهُنَا يُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ (الْجَمْعَ السَّلَفِيَّ) الَّذِي يَزْعُمُ الْغُلَاةُ أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ؛ فَصَاغَهُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ وَبِنَفَسٍ وَاحِدٍ: «فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُه». نَهْيَانِ مُتَقَابِلَانِ، وَكِلَاهُمَا جَازِمٌ حَاسِم!

فَالنَّهْيُ الْأَوَّلُ (فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا) يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى التَّمْيِيعِ؛ فَلَا مُدَاهَنَةَ فِي الْحَقِّ، وَلَا مُتَابَعَةَ عَلَى الزَّلَّة. وَالنَّهْيُ الثَّانِي (وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ) يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى الْإِسْقَاطِ وَالْحَدَّادِيَّةِ؛ فَلَا طَعْنَ فِي الْإِمَامِ الْمُخْطِئِ وَلَا مَسْحَ لِتَارِيخِه. فَمَنْ أَخَذَ بِأَحَدِهِمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ، فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الْحَقِّ، وَشَوَّهَ النِّصْفَ الْآخَر.

ثُمَّ تَأَمَّلْ تَدَرُّجَ الْإِمَامِ الْمُذْهِلَ فِي بَيَانِ حَقِّ الْمُخْطِئِ: «مَعْذُورٌ، بَلْ وَمَأْجُورٌ لِاجْتِهَادِه». فَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ (رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْعَتْبِ) عَنْهُ، بَلْ تَرَقَّى لِيُثْبِتَ لَهُ (الْأَجْر)!

وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الْمَحْضُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئ. فَبَيْنَمَا يُشَنِّعُ الْغَالِي عَلَى الْإِمَامِ الْمُخْطِئِ وَيُسْقِطُه.. يَكُونُ الْعَالِمُ فِي ذَاتِ اللَّحْظَةِ مَعْذُورًا مَأْجُورًا عِنْدَ رَبِّه!

وَلَعَلَّ أَنْفَسَ مَا فِي هَذَا النَّصِّ هُوَ قَوْلُهُ: «وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِين»!

وَهُنَا يُكْشَفُ السِّرُّ الْخَطِير.. فَحَرْبُ الْغُلَاةِ لَيْسَتْ حَرْبًا عَلَى الْأَوْرَاقِ وَالْمُصَنَّفَاتِ، بَلْ هِيَ حَرْبٌ ضَرُوسٌ عَلَى (الْقُلُوب)! إِنَّهُمْ يَهْدِفُونَ بِمَشْرُوعِهِمُ الْإِسْقَاطِيِّ إِلَى انْتِزَاعِ "هَيْبَةِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ" مِنْ قَلْبِ الشَّابِّ الْمُسْلِمِ؛ فَإِذَا سَقَطَ الْأَئِمَّةُ مِنْ قَلْبِهِ، سَقَطَ الدِّينُ الَّذِي يَحْمِلُونَهُ وَسَهُلَ التَّلَاعُبُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْهَدْمُ الْخَبِيثُ الَّذِي لَا يُبْنَى بَعْدَهُ حَقّ.

فَاحْذَرْ أَيُّهَا الشَّابُّ مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ؛ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ لِتَفْرِيغِ قَلْبِكَ مِنْ إِجْلَالِ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى. فَوَاللَّهِ إِنَّ بَقَاءَ مَنْزِلَتِهِمْ فِي قَلْبِكَ، هُوَ بَقَاءٌ لِتَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي نَقَلُوهَا إِلَيْك.

وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الطَّاعِنُ؛ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَاعِيَكَ فِي إِهْدَارِ مَنْزِلَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ سَتَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَلَنْ تُسْقِطَ عَالِمًا رَفَعَهُ اللَّهُ، بَلْ سَتُورِدُكَ الْمَهَالِكَ، وَتُثْقِلُ مِيزَانَكَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر.

قال الحافظ الذهبي: النَّوَاوِيّ: الْإِمَامُ، الْحَافِظُ، الْأَوْحَدُ، الْقُدْوَةُ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، عَلَمُ الْأَوْلِيَاءِ، مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ شَرَف، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ النَّافِعَة. وَهُوَ سَيِّدُ أَهْلِ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ فِي الطَّبَقَةِ الْعِشْرِينَ لِتَقَدُّمِ مَوْتِه. مُفْتِي الْأُمَّةِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ الزَّاهِدُ، أَحَدُ الْأَعْلَام. وَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ الْأُمَّةَ بِتَصَانِيفِهِ وَانْتَشَرَتْ فِي الْأَقْطَار. قُلْتُ: وَلَا يَحْتَمِلُ كِتَابُنَا أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ سِيرَةِ هَذَا السَّيِّدِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةِ السُّكُوتَ وَإِمْرَارَهَا كَمَا جَاءَتْ، وَرُبَّمَا تَأَوَّلَ قَلِيلًا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

البيانتَزْكِيَةٌ (ذَهَبِيَّةٌ) ثَقِيلَةٌ، تَنْسِفُ مِيزَانَ الْغُلَاةِ الْأَعْوَجَ، وَتَضَعُهُمْ أَمَامَ إِلْزَامٍ تَارِيخِيٍّ لَا فَكَاكَ مِنْه!

لِفَهْمِ قُوَّةِ هَذَا النَّصِّ؛ اقْرَأْ آخِرَهُ قَبْلَ أَوَّلِهِ؛ فَإِنَّ بَيْتَ الْقَصِيدِ فِيهِ هُوَ قَوْلُه: «وَرُبَّمَا تَأَوَّلَ قَلِيلًا فِي شَرْحِ مُسْلِم».

فَالْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ يَعْلَمُ بِوُقُوعِ النَّوَوِيِّ فِي التَّأْوِيلِ، وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ التَّرْجَمَةِ، وَقَيَّدَهُ بِكَلِمَةِ (قَلِيلًا)؛ وَمَعَ عِلْمِهِ التَّامِّ بِهَذَا الْخَطَأِ الْعَقَدِيِّ.. هَلْ أَسْقَطَهُ؟! هَلْ حَذَّرَ مِنْهُ؟! كَلَّا! بَلْ وَقَّرَهُ فِي صَدْرِ التَّرْجَمَةِ بِأَعْظَمِ الْأَلْقَابِ الَّتِي تَغِيظُ الْحَدَّادِيَّةَ، فَسَمَّاهُ: (شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَالْإِمَامُ، وَالْقُدْوَةُ، وَعَلَمُ الْأَوْلِيَاءِ، وَسَيِّدُ طَبَقَتِهِ)!

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ تَسْقُطُ دَعْوَى الْغُلَاةِ السَّاقِطَةُ: "لَوْ عَرَفْتُمْ تَأْوِيلَاتِ النَّوَوِيِّ لَأَسْقَطْتُمُوهُ كَمَا نُسْقِطُهُ"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ قَدْ عَرَفَهَا، وَأَحْصَاهَا، وَسَبَرَهَا، ثُمَّ خَتَمَ سِيرَتَهُ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّرَحُّم. فَأَيُّهُمَا أَعْلَمُ بِحَالِ النَّوَوِيِّ وَعَقِيدَتِهِ: الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ الَّذِي قَرَأَ كُتُبَهُ وَوَزَنَ عَصْرَهُ، أَمْ حَدَثٌ مَغْرُورٌ قَرَأَ عَنْهُ سَطْرَيْنِ مَبْتُورَيْنِ فِي مَنْشُورٍ بَائِس؟!

ثُمَّ تَأَمَّلْ شَهَادَةَ الذَّهَبِيِّ فِي أَصْلِ مُعْتَقَدِ النَّوَوِيِّ: «وَكَانَ مَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّةِ السُّكُوتَ وَإِمْرَارَهَا». فَهَذِهِ شَهَادَةٌ نَاصِعَةٌ مِنْ إِمَامٍ نَاقِدٍ بِأَنَّ (الْغَالِبَ وَالْأَصْلَ) عِنْدَ النَّوَوِيِّ هُوَ الْإِمْرَارُ، وَأَنَّ (التَّأْوِيلَ) عَارِضٌ قَلِيل. بَيْنَمَا صَنِيعُ الْحَدَّادِيَّةِ هُوَ الِانْتِكَاسُ؛ إِذْ جَعَلُوا (الْقَلِيلَ الْعَارِضَ) أَصْلًا يَنْسِفُونَ بِهِ تَارِيخَ الرَّجُلِ، وَتَجَاهَلُوا (الْأَصْلَ الْغَالِبَ) الَّذِي قَرَّرَهُ الذَّهَبِيّ!

وَهُنَا نَضَعُ الْحَدَّادِيَّةَ فِي زَاوِيَةِ الْإِلْزَامِ الْقَاطِعِ: إِنَّ الْحَافِظَ الذَّهَبِيَّ هُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي "الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ"، وَأَنْتُمْ تَسْتَشْهِدُونَ بِنَقْدِهِ وَصَرَامَتِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَان! فَإِنْ كَانَ مِيزَانُهُ النَّقْدِيُّ مَقْبُولًا عِنْدَكُمْ.. فَاقْبَلُوا مِيزَانَهُ وَحُكْمَهُ هُنَا فِي حَقِّ النَّوَوِيّ! وَإِلَّا.. فَاعْتَرِفُوا صَرَاحَةً بِأَنَّكُمْ لَا تَتَّبِعُونَ الْعُلَمَاءَ، بَلْ تَتَّخِذُونَهُمْ أَنْدَادًا؛ فَتَنْتَقُونَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَكُمْ، وَتَضْرِبُونَ عُرْضَ الْحَائِطِ بِمَا يُخَالِفُهَا!

فَيَا أَيُّهَا الطَّاعِنُ؛ اتَّهِمْ رَأْيَكَ وَمِيزَانَكَ، وَتَوَاضَعْ أَمَامَ أَئِمَّةِ الشَّأْن. فَوَاللَّهِ إِنَّ الْإِمَامَ الذَّهَبِيَّ أَشَدُّ غَيْرَةً عَلَى الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ مِنْكَ، وَأَعْلَمُ بِمَرَاتِبِ الرِّجَالِ مِنْك.

فَاحْذَرْ أَنْ تَضْرِبَ إِجْمَاعَ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِجَهْلِكَ، فَتَعُودَ بِالْخَيْبَةِ، وَيَكُونَ طَعْنُكَ فِي "عَلَمِ الْأَوْلِيَاءِ" حَسْرَةً وَوَبَالًا عَلَيْكَ يَوْمَ الْحِسَاب.

قال الحافظ الذهبي: وَلَوْ أَنَّا كُلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ قُمْنَا عَلَيْهِ وَبَدَّعْنَاهُ وَهَجَرْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لَا ابْنُ نَصْرٍ وَلَا ابْنُ مَنْدَةَ وَلَا مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا. وَاللَّهُ هُوَ هَادِي الْخَلْقِ إِلَى الْحَقّ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى وَالْفَظَاظَة.

البيانقَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مُكَرَّرَة، وَإِلْزَامٌ قَاصِم، يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْغُلُوِّ وَيَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِهِ الْمُظْلِم: (الْهَوَى وَالْفَظَاظَة)!

يَسُوقُ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ -وَهُوَ أَمِيرُ الصَّنْعَةِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ- هَذَا (الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ) لِيَهْدِمَ بِهِ صَرْحَ الْحَدَّادِيَّة؛ فَلَوْ طَبَّقْنَا قَاعِدَتَكُمْ فِي (التَّبْدِيعِ وَالْهَجْرِ لِكُلِّ زَلَّةٍ)، لَأَفْنَيْنَا الْأُمَّة، وَلَمَا سَلِمَ لَنَا إِمَامٌ قَطّ! وَتَطْبِيقُ قَاعِدَةٍ تُفْنِي أَئِمَّةَ الْأُمَّةِ هُوَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلَى بُطْلَانِهَا وَمُخَالَفَتِهَا لِشَرْعِ اللَّه.

وَلِكَيْ تُدْرِكَ عَظَمَةَ هَذَا الْأَصْلِ السَّلَفِيّ؛ يَجِبُ أَنْ تَعْرِفَ (السِّيَاقَ) الْمُرْعِبَ الَّذِي قِيلَ فِيه! فَقَدْ سَطَّرَ الذَّهَبِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ (مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ)، بَعْدَ أَنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بِـ (خَلْقِ الْإِيمَانِ) وَهَجَرَهُ عُلَمَاءُ وَقْتِهِ لِأَجْلِهَا!

فَهَذَا الْعُذْرُ الذَّهَبِيُّ الْعَظِيمُ لَمْ يُسَقْ فِي "هَفْوَةٍ فِقْهِيَّةٍ يَسِيرَةٍ"، بَلْ فِي إِمَامٍ اتُّهِمَ بِأَغْلَظِ مَا يُتَّهَمُ بِهِ فِي أَبْوَابِ الِاعْتِقَاد!

فَإِنْ رَاوَغَ الْحَدَّادِيُّ كَعَادَتِهِ وَقَالَ: (هَذِهِ كَلِمَةٌ عَابِرَةٌ قِيلَتْ فِي سِيَاقٍ خَاصٍّ وَلَا تُمَثِّلُ مَنْهَجَ الذَّهَبِيِّ)! فَاصْفَعْهُ بِالْحَقِيقَةِ الْعِلْمِيَّة: إِنَّ الذَّهَبِيَّ لَمْ يَقُلْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لِتُتَأَوَّلَ، بَلْ كَرَّرَ نَظِيرَهَا فِي تَرْجَمَةِ (الْمَاوَرْدِيِّ)، وَكَرَّرَهَا فِي تَرْجَمَةِ (قَتَادَةَ)، وَكَرَّرَهَا فِي (تَارِيخِ الْإِسْلَامِ) بِلَفْظِ: «لَوْ أَنَّنَا كُلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ هَجَرْنَاهُ وَبَدَّعْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّة»! فَالْقَاعِدَةُ الَّتِي تُقَرَّرُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، وَتُطَبَّقُ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ كِبَارِ الرِّجَالِ الْمُتَّهَمِينَ فِي عَقَائِدِهِمْ.. هِيَ (مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ رَاسِخٌ)، وَلَيْسَتْ كَلِمَةً عَابِرَة!

ثُمَّ اسْتَمِعْ لِخِتَامِ الذَّهَبِيِّ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى (الدَّاءِ الْفَتَّاكِ) الْمُحَرِّكِ لِلْحَدَّادِيَّةِ قَائِلًا: «فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى وَالْفَظَاظَة». لَقَدْ سَمَّى الدَّاءَ بِاسْمِهِ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ (الْهَوَى) فِي تَتَبُّعِ الزَّلَّاتِ؛ غَلُظَ طَبْعُهُ وَأُصِيبَ بِـ (الْفَظَاظَةِ)، وَمَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ عُمِيَتْ بَصِيرَتُهُ عَنْ إِبْصَارِ مَوَاقِعِ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِنْصَاف.

فَاحْذَرْ أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْهُدَى؛ فَإِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ (الْهَوَى وَالْفَظَاظَةِ) الَّتِي تَدْفَعُكَ لِتَبْدِيعِ الْعُلَمَاءِ وَهَجْرِهِمْ!

فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ فَظَاظَتَكَ وَقَسْوَتَكَ عَلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ غَيْرَةٌ مَحْمُودَة؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَلِنْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَادِيَ فِي هَذِهِ الْقَسْوَةِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ، يَوْمَ يَقِفُ الْأَئِمَّةُ بَيْنَ يَدَيْ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِأُجُورِ اجْتِهَادِهِمْ، وَتَقِفُ أَنْتَ مُثْقَلًا بِفَظَاظَتِكَ وَظُلْمِكَ.

قال الحافظ الذهبي: وَبِكُلِّ حَالٍ هُوَ - مَعَ بِدْعَةٍ فِيهِ - مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ؛ فَلَوْ أَنَّنَا أَهْدَرْنَا كُلَّ عَالِمٍ زَلَّ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا إِلَّا الْقَلِيل. فَلَا تَحُطَّ يَا أَخِي عَلَى الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا، وَلَا تُبَالِغْ فِي تَقْرِيظِهِمْ مُطْلَقًا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيد.

البيانوَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ مِنْ حَافِظِ الْإِسْلَامِ، تَقْطَعُ دَابِرَ الْإِسْقَاطِ، وَتَرْسُمُ مَنْهَجَ الْعَدْلِ فِي كَلِمَاتٍ وَجِيزَات!

هَذَا النَّصُّ قَالَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الَّذِي نُسِبَ إِلَى (الِاعْتِزَال)! فَلَمْ يَكْتُمِ الذَّهَبِيُّ تُهْمَتَهُ بَلْ أَثْبَتَهَا قَائِلًا: «مَعَ بِدْعَةٍ فِيه»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا فَوْرًا دُونَ فَاصِل: «مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاء». فَهُنَا مَصْرَعُ دَعْوَى الْغُلَاةِ؛ إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْبِدْعَةِ يَسْتَلْزِمُ حَتْمًا إِسْقَاطَ الْعَالِم! فَهَا هُوَ الذَّهَبِيُّ يُثْبِتُ الْبِدْعَةَ وَلَا يُسْقِطُ صَاحِبَهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجَمْعُ تَمْيِيعًا، فَالذَّهَبِيُّ -وَهُوَ أَمِيرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ- أَوَّلُ الْمُمَيِّعِين!

ثُمَّ صَاغَ الْإِمَامُ الْمِيزَانَ السَّلَفِيَّ بِطَرَفَيْهِ: «فَلَا تَحُطّ... وَلَا تُبَالِغ». فَالنَّهْيُ عَنِ الطَّعْنِ وَالْإِسْقَاطِ، لَيْسَ إِقْرَارًا بِالْعِصْمَة. وَالنَّهْيُ عَنِ الْعِصْمَةِ، لَيْسَ إِذْنًا بِالْإِسْقَاط.

وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي ضَاعَ الْيَوْمَ بَيْنَ طَائِفَتَيْن: طَائِفَةٍ تَهْدِمُ، وَطَائِفَةٍ تَعْصِم.

وَلَعَلَّ أَرَقَّ مَا فِي النَّصِّ نِدَاءَه: «يَا أَخِي»، وَخِتَامَهُ بِالدُّعَاءِ: «وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيد». فَصَاحِبُ السُّنَّةِ يَنْصَحُ الشَّابَّ الْمَفْتُونَ بِشَفَقَةِ الْمُعَلِّمِ الَّذِي يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْهَلَكَةِ، لَا بِتَشَفِّي الْخَصْمِ وَاسْتِعْلَائِه.

فَيَا أَخِي وَطَالِبَ الْحَقِّ؛ خُذْ بِوَصِيَّةِ إِمَامِ الصَّنْعَة: لَا تَحُطَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَتَظْلِمَ، وَلَا تُبَالِغْ فِي تَقْدِيسِهِمْ فَتَغْلُو.

وَأَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي قَذَفَ حُبَّ السُّنَّةِ فِي قَلْبِكَ أَنْ يُعِيذَكَ مِنْ قَسْوَةِ الْحَدَّادِيَّةِ، وَأَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ السَّلَفِيِّ الصَّافِي.

قال الحافظ الذهبي: ثُمَّ إِنَّ الْكَبِيرَ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحَقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُه، وَعُرِفَ صَلَاحُهُ وَوَرَعُهُ وَاتِّبَاعُه: يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُه، وَلَا نُضَلِّلُهُ وَنَطْرَحُهُ وَنَنْسَى مَحَاسِنَه. نَعَمْ، وَلَا نَقْتَدِي بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وَخَطَئِه، وَنَرْجُو لَهُ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِك.

البياندُسْتُورٌ مُتَكَامِل، يَضْبِطُ الْمِيزَانَ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ مُحْكَمَة، وَيُغْلِقُ الطَّرِيقَ عَلَى الْغُلَاةِ وَالْمُمَيِّعِينَ مَعًا!

هَذَا النَّصُّ مِنْ أَدَقِّ مَا قُرِّرَ فِي هَذَا الْبَاب؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلِقُ الْعُذْرَ كَدَعْوَى مُرْسَلَة، بَلْ يَضْبِطُهُ بِـ (شُرُوطٍ سَبْعَة): كَثْرَةُ الصَّوَاب، وَتَحَرِّي الْحَقّ، وَسَعَةُ الْعِلْم، وَظُهُورُ الذَّكَاء، وَالصَّلَاحُ، وَالْوَرَعُ، وَالِاتِّبَاع. فَمَنِ اكْتَمَلَتْ فِيهِ غُفِرَتْ زَلَّتُه، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ السُّنَّة.

وَبِهَذَا التَّقْيِيدِ الذَّهَبِيِّ يَنْكَسِرُ أَشْهَرُ اعْتِرَاضَاتِ الْحَدَّادِيَّةِ حِينَ يَصْرُخُون: "قَاعِدَتُكُمْ فِي الْعُذْرِ تُدْخِلُ كُلَّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ وَتُمَيِّعُ الدِّين!"؛ فَنَقُول: كَلَّا! بَلْ هِيَ لَا تُدْخِلُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ هَذِهِ (الْأَوْصَافَ السَّبْعَة)؛ فَهَاتِ رَجُلًا يَعْقِل، يُنَازِعُ فِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ قَدِ اسْتَكْمَلُوهَا! فَالْعُذْرُ حِكْرٌ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّين، وَلَيْسَ رُخْصَةً لِكُلِّ مُتَعَالِم.

ثُمَّ قِفْ عِنْدَ اللَّآلِئِ الثَّلَاثِ الَّتِي نَفَاهَا الذَّهَبِيُّ عَنْ مَنْهَجِه: «وَلَا نُضَلِّلُه، وَنَطْرَحُه، وَنَنْسَى مَحَاسِنَه». (لَا تَضْلِيلَ، وَلَا إِسْقَاطَ، وَلَا نِسْيَانَ لِلْمَحَاسِن)! بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ يَفْعَلُونَ الثَّلَاثَةَ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْأَئِمَّة، ثُمَّ يُسَمُّونَ جِنَايَتَهُمْ هَذِهِ (غِيرَةً وَتَحْقِيقًا)!

وَلَا تَدَعِ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فَإِنَّهُ (حَارِسُ الْبَاب): «نَعَمْ، وَلَا نَقْتَدِي بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وَخَطَئِه». فَالْخَطَأُ مَرْدُودٌ لَا يُتَابَعُ عَلَيْه، وَالْإِمَامُ مَحْفُوظٌ لَا يُسْقَطُ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِرَدِّ الْخَطَأِ وَأَسْقَطَ الْإِمَامَ فَقَدْ جَفَا وَظَلَم، وَمَنْ حَفِظَ الْإِمَامَ وَتَابَعَهُ عَلَى خَطَئِهِ فَقَدْ مَيَّعَ وَضَلّ.

وَلِعِظَمِ هَذَا الدُّسْتُور؛ سَطَّرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ (قَتَادَة)، وَهُوَ مِنْ أَعْمِدَةِ الْإِسْنَادِ رَغْمَ رَمْيِهِ بِبِدْعَةِ الْقَدَر! بَلْ زَادَ الذَّهَبِيُّ فِي نَفْسِ التَّرْجَمَةِ مُعْتَذِرًا لِقَتَادَة: «وَلَعَلَّ اللَّهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَهُ مِمَّنْ تَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمَ الرَّبِّ وَتَنْزِيهَه»؛ فَاعْتَدَّ بِصَلَاحِ الْقَصْد.

فَزِنْ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ صَنِيعَكَ بِهَذَا الدُّسْتُورِ الذَّهَبِيّ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ قَدِ اسْتَكْمَلُوا الشُّرُوطَ السَّبْعَة، فَبِأَيِّ حَقٍّ تُضَلِّلُهُمْ وَتَطْرَحُهُمْ وَتَنْسَى مَحَاسِنَهُمْ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ عَنْكَ مَسْلَكَ الطَّرْحِ وَالْإِسْقَاطِ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَادِيَكَ فِي تَضْلِيلِ أَئِمَّةِ الْهُدَى سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَنْ حَسَنَاتِهِمُ الَّتِي طَوَيْتَهَا، لِتَرْفَعَ بِهَا رَايَةَ غُلُوِّك.