قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إِلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْل؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَؤُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ اللَّه: «قَدْ فَعَلْتُ»... وَنَسْتَغْفِرُ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، فَنَقُول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. وَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ، وَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُم... وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَدْ عَدَلَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ، وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِين.
البيانمِيزَانٌ رَبَّانِيٌّ دَقِيق، يَفْضَحُ أَدْعِيَاءَ السُّنَّة، وَيَنْزِعُ عَنْهُمْ قِنَاعَ الِاتِّبَاع؛ لِيُلْبِسَهُمْ ثَوْبَ الْمُقَلِّدَةِ الظَّالِمِين!
لَقَدْ أَرْسَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ هُنَا قَاعِدَتَيْنِ مُتَلَازِمَتَيْنِ فِي نَفَسٍ وَاحِد، مَنْ أَخَذَ إِحْدَاهُمَا وَتَرَكَ الْأُخْرَى فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الدِّين: (لَا تَتَّبِعْ زَلَّةَ الْعَالِم)؛ وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ التَّمْيِيع. وَ(لَا تَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنَ التَّوْقِير)؛ وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ الِاسْتِطَالَةِ وَالْحَدَّادِيَّة.
ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ بَنَى الْإِمَامُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ عَلَى نُصُوصٍ قُرْآنِيَّةٍ قَاطِعَة، لَا عَلَى مُجَرَّدِ ذَوْقٍ أَوْ مَصْلَحَة!
فَاسْتَدَلَّ بِآيَةٍ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَجَوَابُ الرَّبِّ: «قَدْ فَعَلْت». فَجَعَلَ حِفْظَ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ اسْتِجَابَةً لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي رَفَعَ عَنْهُمُ الْمُؤَاخَذَةَ أَصْلًا.
ثُمَّ ثَنَّى بِآيَةٍ فَاضِحَةٍ لِوَاقِعِ الْغُلَاة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾؛ فَاللَّهُ جَعَلَ الِاسْتِغْفَارَ لِأَسْلَافِ الْأُمَّةِ وَصْفًا وَشَرْطًا لِلنَّاجِينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ وَدِيَانَتَهُ نَبْشَ قُبُورِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قَبْلِهِ، وَاسْتِخْرَاجَ زَلَّاتِهِمْ لِتَبْدِيعِهِمْ وَإِسْقَاطِهِم؟! أَيْنَ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَة؟!
وَتَأْتِي الْخَاتِمَةُ التَّيْمِيَّةُ لِتُسْقِطَ أَثْقَلَ الصُّخُورِ عَلَى رُؤُوسِ الْغُلَاة: «وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ... آذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِين».
فَلَمْ يَقُلِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيمَنْ يَطْعَنُ فِي الْأَئِمَّة: (لَقَدْ أَخْطَأَ وَتَسَرَّعَ)، بَلْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الْوَعِيدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾!
ثُمَّ كَشَفَ الْإِمَامُ عَنِ الْبَاعِثِ الْخَفِيِّ لِهَذَا الطَّعْنِ، بِكَلِمَةٍ نَفِيسَةٍ تُزَلْزِلُ ادِّعَاءَاتِهِمْ، فَقَال: «عَدَلَ عَنِ الْحُجَّةِ إِلَى الْهَوَى فِي التَّقْلِيد»!
يَا لَهَا مِنْ صَفْعَة! فَالْقَوْمُ يَصْرُخُونَ لَيْلَ نَهَارٍ بِأَنَّهُمْ (أَهْلُ الدَّلِيلِ الْأَثَرِيُّون)، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ يُجَرِّدُهُمْ مِنَ الدَّلِيلِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُقَلِّدُونَ رَأْسًا وَاحِدًا مِنْ رُؤُوسِهِمْ فِي إِنْزَالِ أَحْكَامِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى الْأَشْخَاصِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ تَقْلِيدَهُمُ الْأَعْمَى هَذَا: اتِّبَاعًا لِلسَّلَف!
فَتَدَبَّرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ مَقْعَدَكَ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْن؛ فَاللَّهُ أَثْنَى عَلَى مَنْ يَسْتَغْفِرُ لِمَنْ سَبَقَهُ، وَأَنْتَ تُفْنِي عُمُرَكَ فِي اسْتِخْرَاجِ زَلَّاتِهِمْ لِتُسْقِطَهُم!
وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الَّذِي تَرْفَعُ رَايَتَهُ يَصِفُكَ نَصًا بِأَنَّكَ (مُقَلِّدٌ مُتَّبِعٌ لِلْهَوَى، وَظَالِمٌ مُؤْذٍ لِلْمُؤْمِنِين).
فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَتْرُسَ خَلْفَ دَعْوَى (حِمَايَةِ السُّنَّة) لَنْ يَقِيَكَ مِنْ عُقُوبَةِ الْإِيذَاءِ وَالظُّلْمِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد.
