بصائر

الوحيُ يحكم، وأئمّةُ الإسلام يشهدون

يا من يعدُّ نفسه على السنة: لا نبدأ معك بخصومة، ولا نسألك أن تُحسِن الظنَّ بنا. نبدأ بما لا يملك مسلمٌ ردَّه: آيةٌ من كتاب الله، ثم حديثٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم شهادةُ أئمة الإسلام قرنًا بعد قرن. فإن سلّمتَ لها أغنتك عمّا بعدها، وإن رددتَها لم ينفعك ما بعدها.

89 نقلًا43 مصدرًا

هذا البابُ درجتان: كلامُ الله وكلامُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو النورُ الحاكم على الخلق كلِّهم؛ ثم أقوالُ أئمة الإسلام تُساق شاهدةً له، كاشفةً عن فقهه، ومبيّنةً أن هذا الميزان لم يكن رأيًا طارئًا، بل هو ما توارثته الأمة جيلًا بعد جيل.

وتحت كل نقلٍ «بيان»؛ لا يزاحم النصَّ ولا يستطيل عليه، وإنما يفتح موضعَ الدلالة، ويجمع أطرافَ الحجة، ويردُّ القارئ من ضجيج الخصومة إلى نور الوحي وفقه الأئمة. فالنقل هو الأصل، والبيان مصباحٌ يكشف ما فيه؛ لا يزيد في سلطانه، ولكنه يمنع أن تمرَّ دلالته على العين وقلبُها غافل.

لا تقوم الحجة هنا على تقديس الأشخاص؛ فصاحب الهوى يُعظّم الرجال ما وافقوه ويطرحهم إذا خالفوه! إنما عُمدتنا الوحي المعصوم (الكتاب والسنة) مشفوعاً بإجماع علماء الأمة قرناً بعد قرن، حتى لا تُرمى الحقائق بـ «التمييع»؛ فإن سلّم الخصم لزمه الحق، وإن زعم ضلال الأئمة وانفراده بالصواب فقد حارب ميراث الإسلام كله!

واعلم يقيناً أن «طالب الحق يكفيه دليلٌ واحد، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل».

عُرضت 6 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

عن أبي واقدٍ الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حُنين ونحن حدثاءُ عهدٍ بكفر، وللمشركين سِدرةٌ يَعكُفون عندها ويَنُوطون بها أسلحتهم، يُقالُ لها: ذاتُ أنواط. فمررنا بسِدرةٍ فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهُ أكبر! إنها السُّنَن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. لتَركبُنَّ سُنَنَ من كان قبلكم». واستنبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب من مسائل هذا الحديث: «أن المسلم قد يفعل الكفر وهو لا يدري»، و«أن الجاهل يُعلَّمُ».

البيانقف أيها الموفق عند هذا المشهد النبوي المهيب؛ لترى كيف تتجلى حكمة النبوة وسعة عدالتها ورحمتها.

قومٌ من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا معه مجاهدين، رأوا سِدرةً للمشركين يعكفون عندها ويتبركون بنوط أسلحتهم بها، فقالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط».

فكان الجواب النبوي عظيماً كاشفاً؛ إذ شبّه مقالتهم بأخطر طلبٍ في تاريخ بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، غير أنه ﷺ لم يستتبهم، ولم يأمرهم بتجديد إسلامهم، ولم يقل: برئت منكم؛ بل كبّر مستنكراً الفعل، ثم أقبل يُعلّمهم ويفقههم.. فكان المسلك النبوي تعليماً لا تكفيراً، وبياناً وتصحيحاً لا طرداً وإسقاطاً!

النبي ﷺ شبّه «القول بالقول» تحذيراً من مشابهة أهل الضلال، ولم يُنزّل على الصحابة حكم بني إسرائيل ولا أخرجهم من الملة؛ وفرقٌ هائل بين من يحذر أخاه قائلاً: «قولك هذا يشبه مقالة فلان فاحذره»، وبين من يرميه بعينه بأنه كافرٌ أو منافق!

بل ارفع بصرك إلى ما هو أبعد: فالمقيسُ عليه نفسُه ما حُكم عليه بالردّة! قال العلامة عبد الرحمن المعلمي في طلب بني إسرائيل ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: «يظهر من جواب موسى عليه السلام أنه وإن أنكر عليهم جهلَهم لم يجعل طلبَهم ارتدادًا عن الدين، ويشهد لذلك أنهم لم يؤاخَذوا ههنا كما أُوخذوا عند اتخاذهم العجل؛ فكأنهم ههنا عُذروا بقرب عهدهم». فالطرفان معذوران بقرب العهد: هؤلاء وهؤلاء! فمن أين جئتم بميزانٍ لا يعذر أحدًا؟

ثم تأمل الكلمة التي وضعها الصحابي الجليل أبو واقد الليثي في صدر الحديث كأنه يضع المفتاح في يدك: «ونحن حدثاءُ عهدٍ بكفر»؛ فما ذكرها إلا ليُقرر مناط العذر؛ وهو الجهل الناشئ عن قرب العهد بالجاهلية قبل تمكن البيان الشرعي.

وهنا يقع الإلزام القاهر الذي يقطع دابر الغلو؛ فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -الذي يزعم هؤلاء الانتساب إليه- وقف على هذا الحديث بعينه فاستنبط منه أصلين جليين بلفظه: «أن المسلم قد يفعل الكفر وهو لا يدري»، و«أن الجاهل يُعلَّمُ». فأين هذا الفقه السلفي الناصع ممن يملأ الدنيا ضجيجاً اليوم فيزعم أن «الشرك لا يُتأوَّل، ولا يُعذَرُ فيه بالجهل»؟!

فإذا كان الشرك لا يُعذَرُ فيه جاهل، فماذا تصنعون بقومٍ صحبوا رسول الله ﷺ فطلبوا ما شبّهه المعصوم ﷺ بطلب اتخاذ إلهٍ مع الله، ومع ذلك لم يُكفّرهم ولم يُهدر إيمانهم؟! أتقولون خصوصية لهم بلا برهان، أم تنكرون ظاهر النص؟! إن أصولكم تتهاوى أمام هذا الحديث الصريح.

وقد فقِه هذا اللازمَ حفيدُ الإمام: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، فقال: «فإذا كان بعضُ الصحابة ظنّوا ذلك حسنًا وطلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم حتى بيّن لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: اجعل لنا إلهًا؛ فكيف بغيرهم مع غلبة الجهل وبُعد العهد بآثار النبوة؟». فتأمّل: أئمةُ الدعوة يستخرجون من الحديث توسعةَ العذر لمن بعد الصحابة، والغلاةُ يستخرجون منه إهدارَ العذر عمّن دونهم! فبيتُ الشيخ يعذر، والمنتسبون إليه يُكفِّرون؛ فأيُّ الفريقين على منهاجه؟

ثم انظر يا رعاك الله إلى هذا الميزان المقلوب؛ أولئك قومٌ حدثاءُ عهدٍ بكفر، خرجت منهم كلمةٌ شبَّهها المعصومُ صلى الله عليه وسلم بأعظم ما قالته بنو إسرائيل، فوسِعهم عفوُ النبوة وبيانُها، فما خرجوا من الملّة ولا استُتيبوا ولا جُدِّد لهم إسلام. ثم أئمةٌ أعلامٌ أفنوا أعمارهم في حفظ السنة وشرحها والذبِّ عن الدين، ليس عندهم ما عند أولئك ولا قريبٌ منه، وإنما رام أحدُهم تنزيهَ ربّه فأخطأ الطريق في تأويل نصّ؛ فلا يسعهم عندكم عذرٌ ولا بيان، ولا يُنظَر لهم في سابقةٍ ولا حسنة!

فيا لله العجب! رحمةٌ وسِعت الجاهلَ وهو واقفٌ بين يدي النبوة، ضاقت عندكم عن العالِم وقد صارت بينه وبينكم القرون. أيُّ ميزانٍ هذا الذي كلَّما ازداد الرجلُ للدين خدمةً ازداد عندكم من العذر حرمانًا؟! فاتقِ اللهَ يا هذا؛ فإنَّ الذي وسَّع على أولئك هو الذي يزِنُك غدًا، وإنك لتُوصِدُ اليوم بابًا أنت أوّلُ من يقرعه، ولا يُفتح لك إلا بما فتحتَ به على عباده.

واعلم أن حراسة التوحيد الحقة تقتضي أن تقول ما قاله رسول الله ﷺ، وأن تسكت حيث سكت؛ فقد أنكر البدعة في مهدها، وحفظ لأهل الإسلام مقامهم وإيمانهم..

فأنكِر أنت كما أنكر، واحفَظ كما حفِظ؛ فإنك إن أنكرتَ وكفّرتَ وأسقطتَ، فقد زدتَ على رسول الله في دينه، وما زاد على النبوة أحدٌ إلا نقص دينه وخاب مسعاه!

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: فنحن مقلّدون الكتابَ والسنةَ وصالحَ سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس، وأحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى.

البيانوثيقةٌ نجديةٌ حاسمة، تُسقِطُ رايةَ الحدادية التي يتسترون بها، وتثبت أن خصومتهم الحقيقية ليست معنا، بل مع المدرسة التي ينتسبون إليها!

إن قائل هذا النص هو (إمام الدعوة) الذي يرفع الغلاة اسمه اليوم كرايةِ زورٍ لتمرير غلوهم وتطاولهم!

انظر كيف بدأ الإمام سرده لأئمة الإسلام المُعتمدين بـ (أبي حنيفة)، ثم ترحّم عليهم جميعاً في نَسَقٍ واحد. فلو كان في الإمام أبي حنيفة عُشر ما يرجف به الغلاة اليوم من تهم التجهم والبدعة؛ لكان أولى الناس بالبراءة منه والتحذير من مذهبه هو ابن عبد الوهاب، خصوصاً في هذا المقام!

لأن هذا المقام ليس (مجلساً عابراً) أو استطراداً وعظياً؛ بل هو مقام (تحرير أصول المذهب) وتبيان المرجعية التي تعتمد عليها دعوته! وما يصدر في مقامات التحرير هو أوثق وأحكم ما يُنقَلُ عن الأئمة.

ولكي يُقطع الطريق على من يحاول تأويل هذا النص واعتباره (زلةً أو كلمةً شاذة)؛ فقد أُحصي في موسوعة «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» قرابةُ خمسين موضعاً فيها الثناء العاطر على أبي حنيفة! فهذا ليس نصاً عابراً يُتأول، بل هو (منهجٌ مطرد) استقرّت عليه مدرسةٌ سلفية كاملة.

فيا أيها المتستر بعباءة الدعوة لضرب أئمة الإسلام؛ خصومتك اليوم لم تعد معنا، بل هي مع إمام الدعوة نفسه الذي تعتمد عليه وتنتسب إليه! فكيف تدّعي الانتساب لمدرسةٍ، ثم تهدم الركن الأول الذي صرّح مؤسسها بالاعتماد عليه؟!

اتق الله، ودع عنك هذا التناقض المفضوح، واعلم أن التمسح بأسماء المصلحين لن ينفعك، ما دمت تنقض أصولهم، وتطعن فيمن ترحّموا عليه وجعلوه معتمداً لهم في دين الله.

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: وإذا كنّا لا نُكَفِّرُ من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم وعدم من ينبّههم؛ فكيف نُكَفِّرُ من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا؟

البيانقف أيها الموفق واقرأ هذا النص بقلبٍ حاضر، وانظر بعين البصيرة فيمَن هو الذي نال العذر! إن المعذور هنا في مقالة أئمة الدعوة النجدية ليس عالماً متأولاً أخطأ في تأويل صفةٍ من صفات الله تعالى، ولا هو فقيهٌ زلّت قدمه في مسألة فقهية فرعية؛ بل هو رجلٌ يعبد صنماً عند قبر، ويقترف الشرك الأكبر الظاهر البواح، وهو ذات الشرك الذي قام إمامُ الدعوة يجاهده، وسلّ سيف قلمه وبيانه لدحره، بل ويُكفِّر «النوع» والفعل بأغلظ العبارات! ثم تأمل كيف يقف هذا الإمام الجبل أمام هذا الفعل الشنيع، ويمتنع بصلابة وتورع عن تكفير «المعيَّن» من هؤلاء الفاعلين، ويُعلّل موقفه هذا تعليلاً فقهياً دقيقاً بقوله: «لأجل جهلهم وعدم من ينبّههم»!

تأمل يا رعاك الله هذا الإنصاف العظيم؛ لتعلم يقيناً أن تقرير «العذر بالجهل» ليس قولاً مميِّعاً للدين صنعه المتأخّرون المنهزمون، ولا هو - كما يزعم الغلاة - من قبيل «إرجاء العصر» المذموم؛ بل هو نصٌّ محكمٌ وحكمٌ راسخ قرّره إمام الدعوة نفسه، ذلك الإمام الذي يرفع هؤلاء القوم اسمه كذباً، ويزعمون زوراً وبهتاناً أنهم المتحدّثون باسمه والممثلون لمنهجه.

وهذا الورع ليس كلمةً عارضةً فلتت في سياق نقاش، بل هو أصلٌ متين ومنهجٌ متوارثٌ كابراً عن كابر في بيت الدعوة ومدرستها. استمع إلى ابنه العلامة الشيخ عبد الله حين يقرر هذه القاعدة بوضوح جلي، قائلاً: «ولا نُكَفِّرُ إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجّة، وقامت عليه الحجة، وأصرّ مستكبرًا معاندًا». قف هنا وقفة متأنية، وانظر في هذه الشروط العظيمة الأربعة التي وضعها الشيخ كطوق نجاة قبل إطلاق سيف التكفير: «بلوغُ الدعوة»، ثم «وضوحُ المحجّة»، ثم «قيامُ الحجة»، ثم تتويج ذلك بـ«الإصرار استكبارًا وعنادًا». فبالله عليك، أين هذه الشروط العلمية الدقيقة، والمراحل الشرعية المتأنية، ممّن يجلس باسترخاء ليفتح كتاباً لإمامٍ جليل مات قبل خمسة قرون، فيسارع إلى تكفيره وإخراجه من ملة الإسلام بمجرد لفظةٍ محتملة قرأها في سطر، دون أن يسأله، أو يستبين قصده، أو يقيم عليه حجة؟!

ولم يقف ورع هؤلاء الأئمة عند هذا الحد، بل ارتقى الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب إلى مرتبةٍ أعلى من العدل والإنصاف، حين تحدث عن الإمام ابن حجر الهيتمي. فمع كل ما عند ابن حجر ممّا يُنكر عليه ويخالف فيه في مسألة الاستغاثة الشائكة، قال الشيخ عبد الله مقرراً منهج العدل: «ولا ننكر سعة علمه، ولهذا نعتني بكتبه كشرح الأربعين والزواجر وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل؛ إنه من جملة علماء المسلمين». تأمل هذا الميزان القسط!

لقد جمع الشيخ ببراعة وتقوى بين «إنكار الخطأ العقدي» وبين «الانتفاع بالعلم الواسع»، وحافظ على «منزلة الإمام» ولم يسقطه، وهو الجمع المتزن الذي أعجز هؤلاء الغلاة والأدعياء اليوم، فقادهم قصورهم إما إلى قبول الباطل كله، أو حرق الإمام وتكفيره وتضليله كله!

وعلى ذات الدرب المنير، سار العلامة ابن عثيمين رحمه الله ليقرّر الأصل نفسه بعبارة قاطعة، فقال: «فالأصل فيمن ينتسب للإسلام بقاءُ إسلامه حتى يتحقّق زوالُ ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره؛ لأن في ذلك محذورين عظيمين: أحدهما افتراءُ الكذب على الله في الحكم، والثاني على المحكوم عليه في الوصف الذي نبذه به». فالأمر إذن جِدّ خطير؛ فالمتساهل في التكفير الساعي فيه، يرتكب جريمةً مركبة، ويفتري كذبتين عظيمتين لا كذبة واحدة: فهو يكذب على الله جل جلاله حين يفتئت على حكْمِه فيُكفر من لم يُكفره الله، ويكذب على العبد المسلم حين يرميه بوصف الكفر البغيض الذي نبذه به ظلماً.

وأمام هذه النصوص الساطعة، يبرز التحدي المحرج للحدادي المعاصر: لماذا لا يخرج هذا الحدادي بشجاعة ووضوح ليقول: لقد أخطأ إمامُ الدعوة، وأخطأ ابنُه من بعده، وأخطأ ابن عثيمين!

وحينئذٍ، إذا امتلك هذه الجرأة، يَسقُطُ بالكلية انتسابُه الكاذب إليهم، وينقطع تسلّقه للحديث باسمهم، ولا يبقى له في منهجه التكفيري سلفٌ يُتّكأ عليه؛ أو في المقابل، يذعن ويقبل أصلهم الذي أصلوه، ويلزم غرزهم.

وإن من أعجب العجب في دنيانا، أن ترى رجلاً يتحدث بملء فيه باسم إمامٍ من الأئمة المصلحين (كما فعل محمد شمس الدين وقدم نفسه بأنه المتحدث الرسمي باسم ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب)، ثم هو يخالفه وينقض منهجه في أشهر المسائل التي يشنع بها هذا الدعي على أئمة المسلمين وينتقدهم عليها!

يا هذا الذي تسرع في التكفير والتضليل! إنّ إمام الدعوة وقف بشحمه ولحمه أمام رجلٍ يطوف بقبرٍ، ويشرك بالله، ويدعو صاحب القبر من دون الله، ومع تفظيعه للشرك، توقّف وارتجف عن تكفيره بعينه؛ خوفًا من الله تعالى، وخشيةً من أن يتقوّل على الله ما لا يَعلَمُ يقيناً تحققَه من الشروط وانتفاء الموانع. بينما أنت، في مفارقةٍ مبكية مضحكة، تجلس آمناً مطمئناً خلف شاشة حاسوبك، لتوزع صكوك التكفير على من لم تره يوماً ولم تسمعه! تُكَفِّرُ أئمةً وجبالاً ماتوا قبل قرون من الزمان، بمجرد كلمةٍ أو زلةٍ قرأتها في سطرٍ من كتاب!

فأسألك بالله، وبكل إنصاف: أيُّ الرجلين أعرفُ بالله، وأخوفُ منه، وأشدُّ تعظيماً لحرماته؟ وأيُّ القلبين أرقُّ، وأتقى، وأكثر ورعاً في دين الله؟!

قال العلّامة عبد الله آل الشيخ: ولا نستحقّ مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحدَ لدينا يدّعيها... ثم إنّا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلِّها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصرُه لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم؛ وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرَّزين: كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير. وقال: ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار.

البيانوثيقةٌ تأصيلية تقصم ظهور الغلاة، وتكشف الفجوة العميقة بين (دعوة الأئمة) و(أهواء الأدعياء)!

أولُ ما يصفعك في هذا النص هو (تواضع العلماء) في قوله: «ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها». فالأئمة الكبار يعرفون أقدارهم، ويقرون بحاجتهم لعلوم من سبقهم. بينما نرى الحدث اليوم يتصدر المجالس، فيحاكم النوايا، ويُسقط كبار الأئمة، ويتعامل وكأنه (المجتهد المطلق) الذي وُكل إليه توزيع صكوك السنة والبدعة!

ثم تأمل الطامة الكبرى التي حلت على رؤوس الحدادية في قائمة (المراجع المعتمدة)؛ فقد سرد الإمام أسماءً يرتعد منها الغلاة اليوم: (البيضاوي، والجلالين) في التفسير، و(العسقلاني، والقسطلاني، والنووي، والمناوي) في الحديث!

هؤلاء الأعلام -الذين لا يخلو واحدهم من تأويلات- سماهم الإمام السلفي النجدي: «الأئمة المبرزين»، وصرّح بأن مدرسة الدعوة (تستعين بشروحهم) على فهم الوحيين! فهل كان أئمة الدعوة يجهلون زلاتهم؟! أم كانوا "مميعين" يداهنون أهل البدع؟! حاشاهم؛ بل كانوا على (المنهج السلفي) الذي يزن الرجال بالعدل، فيرد الزلة، ويحفظ الإمامة، ويغتفر في بحر الصواب قليل الخطأ.

ثم انظر كيف خصّ الإمام النووي بثناءٍ عاطر يقطر محبةً ووداً فقال: «ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار». وهنا يُطرح الإلزام القاطع: القوم يتسترون بعباءة (أئمة الدعوة النجدية) ليطعنوا في ابن حجر والنووي! فها هم أئمة الدعوة يصفونهم بـ "الأئمة المبرزين"، ويدعون لهم، ويعتمدون كتبهم.

فإما أن تسيروا على منهج أئمتكم فتعظموا شرّاح السنة، وإما أن تتبرؤوا من منهج أئمة الدعوة وتعلنوا أنكم مدرسةٌ جديدةٌ شاذة قامت على الإسقاط والهدم!

فيا من يدّعي السلفية ونصرة السنة؛ هذا هو منهج سلفك وأئمتك مشرقٌ كالشمس! فبأي حجةٍ تستبيح أعراض أئمة الحديث الذين اعتمدت الأمة عليهم؟!

اتق الله، وأنزل كبرياءك قليلاً لتفهم كلام العلماء المعتبرين، واعلم أن مسعاك في إسقاط شرّاح السنة ومفاتيحها، سيعود عليك بالعمى والحرمان.

ولن تحصد من هذا الغلو يوم القيامة إلا خصومة أئمةٍ حفظوا ميراث النبوة، فبئس الخصوم هم لك بين يدي الله.

قال العلّامة عبد الله آل الشيخ: اعلم أن كثيرًا من المصنّفين ينسب إلى أئمة الإسلام ما لم يقولوه، فينسبون إلى الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة من الاعتقادات الباطلة ما لم يقولوه.

البيانقاعدةٌ سلفيةٌ في التثبت، وفضحٌ للتزوير التاريخي، تسد الباب بإحكام على هواة جمع الشبهات والطعون!

في هذا النص القصير، يضع الإمام يده على (ظاهرةٍ تاريخية خطيرة)؛ وهي تساهل أو تعمد بعض المصنفين نسبة (الاعتقادات الباطلة) إلى أئمة الإسلام الكبار زوراً وبهتاناً. وهذا التقرير الساطع يهدم منهج الحدادية من أساسه؛ إذ إن بضاعتهم الوحيدة هي نبش الكتب لالتقاط هذه الروايات المبتورة والنقولات المكذوبة التي حذر منها الإمام، ليطيروا بها في الآفاق ويسقطوا بها الأئمة!

وتأمل الإنصاف في هذا النص؛ كيف جمع الإمام (أبا حنيفة) مع (أحمد ومالك والشافعي) في سياقٍ واحد! فهو يقرر أن ما يُنسب إلى أبي حنيفة من مقالاتٍ باطلة وشبهاتٍ عقدية؛ هو من جنس ما نُسب إلى الإمام أحمد والشافعي ومالك كذباً وزوراً. بينما نرى الغلاة اليوم يُفردون أبا حنيفة بالطعن، ويصدّقون كل روايةٍ شاذة أو تهمةٍ باطلة تُنسب إليه في غابر الزمان، متجاهلين تحذير أئمة الدعوة من هذه النقولات المزيفة.

وهنا تتجلى مفارقةٌ منهجية: السلفيُّ الصادق إذا وقف على نقلٍ شاذ يُنسب لأحد الأئمة الأربعة، استحضر هذه القاعدة (قاعدة كثرة الكذب عليهم والخطأ في النقل)، فردّ النقل الباطل وحفظ مقام الإمام. أما الحدادي المريض؛ فإنه يطير فرحاً بالرواية الباطلة، ولا يكلف نفسه عناء التثبت أو الجمع بين الأقوال، لأن غايته ليست (معرفة الحق)، بل (إسقاط الإمام) بأي ثمن!

فيا أيها المتسرع في رمي الأئمة بالبدع والتجهم؛ إن أئمة الدعوة يحذرونك من التزوير التاريخي، ويخبرونك أن كثيراً مما تقرؤه من طعونٍ واعتقاداتٍ باطلة منسوبةٍ للأئمة، هو محض كذب وافتراء!

فهلّا اتهمت عقلك ومصادرك، وتثبتّ قبل أن تهدم قامات الإسلام؟!

اتق الله، وتورّع عن أعراض الأئمة، واعلم أن بناء أحكام التبديع والإسقاط على نقولاتٍ ومصنفاتٍ غير محققة، سيعود عليك بالبوار، وستقف غداً لتُسأل عن افتراءاتٍ روجتها، وحسناتٍ طمستها بهواك وتسرعك.

قال العلّامة ابن باز: الشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأشباههم، كلهم أئمةُ هدًى ودعاةُ حق، دعَوا الناس إلى دين الله وأرشدوهم إلى الحق.

البيانتزكيةٌ صريحةٌ كفلق الصبح، من إمام العصر، تقطع دابر التشكيك، وتسلب الحدادية أعظم مرجعيةٍ معاصرة يتترسون بها!

تأمل كيف قرن الإمام ابن باز (أبا حنيفة) بالثلاثة (أحمد ومالك والشافعي)، ثم أسبغ على الجميع وصفين عظيمين: «أئمة هدى» و«دعاة حق». وهذان الوصفان لا يجتمعان قط مع (البدعة أو الضلال) في لسان أحدٍ من أهل العلم الراسخين؛ فكيف يُسبغان على من يُرمى بالتجهم كما يهذي الغلاة اليوم في حق أبي حنيفة؟!

ولم يكتفِ ابن باز بهذا الوصف، بل صرّح في موضعٍ آخر قائلاً: «ومن بعدهم من أئمة السنة كالأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم». فانظر كيف سماهم «أئمة السنة» بصريح العبارة، وجعل أبا حنيفة في القلب منهم!

فأين هذا التقرير الجلي النقي، من ترهات الغلاة الذين يصورون أبا حنيفة عدواً للأثر ومجانباً للسنة؟!

وهنا نضع الغلاة أمام حقيقةٍ لا مفر منها ولا مهرب: إن العلامة ابن باز الذي تستشهدون أنتم باسمه وفتاواه في كل خصومةٍ لضرب من يخالفكم يقول هذا الكلام عن إمام تباهلون على بدعته! فليس من الإنصاف ولا من ديانة السلف، أن تحتجوا بابن باز إذا وافق هواكم في فتوى، ثم تطووا كلامه وتصمّوا آذانكم عنه إذا نسف غلوكم في حق أبي حنيفة! فالدين لا يُؤخذ بالتشهي والانتقاء.

فيا من يدعي السلفية واتباع الدليل؛ هذا هو إمام عصرك يزكي فقيه الملة ويعده من (أئمة السنة والهدى). فهل أنت أعلم بالسنة من ابن باز؟! أم أنت أشد غيرةً على التوحيد منه؟!

اتق الله، وأنزل كبرياءك، واعلم أن (الانتقائية) في قَبول أحكام الأئمة هي ديدن أهل الأهواء، وأن استمرارك في الطعن بعد كل هذه الشهادات الساطعة؛ سيجعل خصومتك غداً مع أئمة السنة مجتمعين.

ولن تجد حينها من الهوى منجياً ولا نصيراً.