بصائر

الْوَحْيُ يَحْكُم، وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُون

يَا مَنْ يَعُدُّ نَفْسَهُ عَلَى السُّنَّة: لَا نَبْدَأُ مَعَكَ بِخُصُومَةٍ، وَلَا نَسْأَلُكَ أَنْ تُحْسِنَ الظَّنَّ بِنَا. نَبْدَأُ بِمَا لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ رَدَّه: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّه، ثُمَّ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، ثُمَّ شَهَادَةُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن. فَإِنْ سَلَّمْتَ لَهَا أَغْنَتْكَ عَمَّا بَعْدَهَا، وَإِنْ رَدَدْتَهَا لَمْ يَنْفَعْكَ مَا بَعْدَهَا.

89 نقلًا43 مصدرًا

هَذَا الْبَابُ دَرَجَتَان: كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَهُوَ النُّورُ الْحَاكِمُ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ؛ ثُمَّ أَقْوَالُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تُسَاقُ شَاهِدَةً لَه، كَاشِفَةً عَنْ فِقْهِه، وَمُبَيِّنَةً أَنَّ هَذَا الْمِيزَانَ لَمْ يَكُنْ رَأْيًا طَارِئًا، بَلْ هُوَ مَا تَوَارَثَتْهُ الْأُمَّةُ جِيلًا بَعْدَ جِيل.

وَتَحْتَ كُلِّ نَقْلٍ «بَيَان»؛ لَا يُزَاحِمُ النَّصَّ وَلَا يَسْتَطِيلُ عَلَيْه، وَإِنَّمَا يَفْتَحُ مَوْضِعَ الدَّلَالَة، وَيَجْمَعُ أَطْرَافَ الْحُجَّة، وَيَرُدُّ الْقَارِئَ مِنْ ضَجِيجِ الْخُصُومَةِ إِلَى نُورِ الْوَحْيِ وَفِقْهِ الْأَئِمَّة. فَالنَّقْلُ هُوَ الْأَصْل، وَالْبَيَانُ مِصْبَاحٌ يَكْشِفُ مَا فِيه؛ لَا يَزِيدُ فِي سُلْطَانِه، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُ أَنْ تَمُرَّ دَلَالَتُهُ عَلَى الْعَيْنِ وَقَلْبُهَا غَافِل.

لَا تَقُومُ الْحُجَّةُ هُنَا عَلَى تَقْدِيسِ الْأَشْخَاص؛ فَصَاحِبُ الْهَوَى يُعَظِّمُ الرِّجَالَ مَا وَافَقُوهُ وَيَطْرَحُهُمْ إِذَا خَالَفُوه! إِنَّمَا عُمْدَتُنَا الْوَحْيُ الْمَعْصُومُ (الْكِتَابُ وَالسُّنَّة) مَشْفُوعًا بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْن، حَتَّى لَا تُرْمَى الْحَقَائِقُ بِـ «التَّمْيِيع»؛ فَإِنْ سَلَّمَ الْخَصْمُ لَزِمَهُ الْحَقّ، وَإِنْ زَعَمَ ضَلَالَ الْأَئِمَّةِ وَانْفِرَادَهُ بِالصَّوَابِ فَقَدْ حَارَبَ مِيرَاثَ الْإِسْلَامِ كُلَّه!

وَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ «طَالِبَ الْحَقِّ يَكْفِيهِ دَلِيلٌ وَاحِد، وَصَاحِبَ الْهَوَى لَا يَكْفِيهِ أَلْفُ دَلِيل».

عُرضت 46 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

البيانقِفْ عِنْدَ هَذَا الْبَيَانِ الرَّبَّانِيّ؛ فَقَدْ ضَمَّ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ ﷺ جَرِيمَةً أُخْرَى، أَلَا وَهِيَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وَمِنْ هَذِهِ الْمِشْكَاةِ اسْتَنْبَطَ الْأَئِمَّةُ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاع؛ فَمَتَى اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَمْرٍ صَارَ إِجْمَاعُهَا هُوَ «السَّبِيل»، فَمَنْ تَنَكَّبَهُ فَقَدْ حَادَ عَنِ الْجَادَّةِ، وَاصْطَفَّ فِي خَنْدَقِ الْمُشَاقِقِينَ لِلدِّين.

ثُمَّ أَمْعِنِ النَّظَرَ فِي وَعِيدِ الْخِتَام: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾؛ أَيْ نَكِلُهُ إِلَى مَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِه.

وَلَعَمْرِي، إِنَّ هَذَا لَأَشَدُّ خِذْلَانٍ يُبْتَلَى بِهِ عَبْدٌ؛ أَنْ يَتْرُكَهُ اللَّهُ لِرَأْيِه.

فَمَنْ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَبِدًّا بِفَهْمِهِ، تَخَلَّى اللَّهُ عَنْهُ وَتَرَكَهُ مَعَ غُرُورِهِ الَّذِي فَارَقَ بِهِ سَوَادَ الْأُمَّةِ، لِيَكُونَ الْمَآلُ الْمُفْجِع: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾.

فَزِنْ -رَعَاكَ اللَّهُ- حَالَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ بِهَذَا الْمِيزَانِ الْقُرْآنِيِّ، وَاعْرِضْهُمْ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةٍ أَحْدَثُوا بِهَا جَلَبَةً وَضَجِيجًا؛ أَلَا وَهِيَ الطَّعْنُ فِي الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَتَبْدِيعُهُ وَتَضْلِيلُهُ وَتَسْوِيغُ تَكْفِيرِه.

وَيْحَكَ يَا مُسْلِم! أُمَّةٌ بِأَكْمَلِهَا، بِعُلَمَائِهَا الْأَثْبَاتِ، تُقِرُّ بِفَضْلِهِ وَإِمَامَتِهِ، لَمْ يَشِذَّ عَنْ ذَلِكَ عَالِمٌ مُعْتَبَرٌ طِيلَةَ سَبْعَةِ قُرُونٍ، ثُمَّ يَنْبُتُ نَابِتٌ يَشُنُّ الْغَارَةَ عَلَيْهِ، وَيُضَلِّلُهُ، وَيُسَوِّغُ تَكْفِيرَه!

سَلْهُ: بِأَيِّ سَبِيلٍ مَشَيْت؟ إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ «سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ»، فَاقْمَعْهُ بِقَوْلِكَ: سَمِّ لَنَا إِمَامًا وَاحِدًا سَبَقَكَ إِلَى هَذَا السَّبِيلِ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ السَّبْعَة!

فَإِنْ أُبْلِسَ وَعَجَزَ، فَقَدْ دَانَ نَفْسَهُ بِلِسَانِه.

فَإِنْ تَتَرَّسَ بِشُبْهَتِهِ قَائِلًا: «الْعِبْرَةُ بِالدَّلِيلِ لَا بِكَثْرَةِ الْمُوَافِقِينَ!»، فَادْفَعْ فِي صَدْرِهِ وَقُلْ: كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِل؛ نَعَمْ، الْعِبْرَةُ بِالدَّلِيلِ، وَلَكِنْ مَنْ ذَا الَّذِي يَفْهَمُ الدَّلِيل؟ أَأَنْتَ وَحْدَكَ الَّذِي هُدِيتَ إِلَيْهِ وَعَمِيَ عَنْهُ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا؟!

إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَالسَّبِيلُ إِنَّمَا هُوَ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ مَطْرُوق. لَقَدْ سَلَكَ الْمُسْلِمُونَ سَبِيلًا بَيِّنًا، وَشَقَّ غُلَاةُ «الْحَدَّادِيَّةِ» لِأَنْفُسِهِمْ طَرِيقًا مُعْوَجًّا، ثُمَّ عَجَزُوا أَنْ يُسَمُّوا سَلَفًا لَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْهَجِ الْخَبِيث.

وَدَعْنِي أَكْشِفْ لَكَ الْبَاعِثَ الدَّفِينَ وَرَاءَ هَذَا الشُّذُوذِ لِتَعْرِفَ حَقِيقَةَ الدَّاء.

وَايْمُ اللَّهِ، مَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ كَمَا يَزْعُمُون؛ فَلَوْ صَدَقُوا لَبَدَأُوا بِأَنْفُسِهِم.

إِنَّمَا هِيَ آفَةٌ نَفْسِيَّة؛ فَالنُّفُوسُ الصِّغَارُ إِذَا قَصُرَتْ هِمَمُهَا عَنْ بُلُوغِ مَنَازِلِ الْأَكَابِرِ، تَعَزَّتْ عَنْ نَقْصِهَا بِتَحْطِيمِ أَهْلِ الْفَضْل. فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الِارْتِقَاءِ إِلَيْهِمْ، اشْتَفَى بِإِنْزَالِهِمْ إِلَيْه!

وَهُوَ دَاءٌ قَدِيمٌ، يَتَلَوَّنُ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِثَوْبٍ، وَثَوْبُهُ الْيَوْمَ: ادِّعَاءُ الدِّفَاعِ عَنِ الْعَقِيدَة؛ تَمَامًا كَمَا فَعَلَ سَلَفُهُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ حِينَ رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَفَّرُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ بِاسْمِ الدِّين.

فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ، اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلِ النَّجَاةَ فِي ذَلَاقَةِ اللِّسَانِ، وَلَا فِي كَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ، وَلَا فِي بَرَاعَةِ الْجَدَلِ وَتَزْوِيقِ الْمَرْئِيَّاتِ (فَلَاتِرِ الْفِيدْيُو). إِنَّمَا جَعَلَ النَّجَاةَ فِي أَنْ تَضَعَ قَدَمَكَ حَيْثُ وَضَعَ الْمُؤْمِنُونَ أَقْدَامَهُم. فَتَبَصَّرْ فِي أَيِّ الصَّفَّيْنِ تَقِف: أَفِي صَفٍّ يَزْخَرُ بِأَمْثَالِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَابْنِ رَجَبٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْهَادِي، وَابْنِ بَازٍ، وَابْنِ عُثَيْمِينَ، وَالْأَلْبَانِيِّ، وَسَائِرِ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْم؟

أَمْ فِي صَفِّ غُلَاةٍ حَيَارَى، لَا شَيْخَ يُرَبِّيهِمْ، وَلَا عَالِمَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، بَلْ مَقَالِيدُهُمْ بِيَدِ صُنَّاعِ الْمُحْتَوَى وَثُلَّةٍ مِنَ الْأَغْمَارِ غِلَاظِ الْأَكْبَادِ قُسَاةِ الْقُلُوب؟!

إِنَّ الْخَطْبَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نِزَاعٍ فِي مَسْأَلَةٍ تُطْوَى وَتُنْسَى، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ جَلَلٌ سَتُسْأَلُ عَنْهُ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

فَتَخَيَّلْ وُقُوفَكَ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَقَدْ سَأَلَكَ: بِأَيِّ سَبِيلٍ مَشَيْت؟ فَإِنْ تَذَرَّعْتَ بِأَنَّكَ عَلَى «سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ»، قِيلَ لَكَ: فَأَيْنَ هُم؟ فَإِنِ الْتَفَتَّ فَلَمْ تَجِدْ إِمَامًا وَاحِدًا يَقِفُ فِي صَفِّكَ، فَقَدْ تَجَلَّى لَكَ الْيَوْمَ مِنَ الْخِذْلَانِ مَا سَتَلْقَاهُ غَدًا.

غَيْرَ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ وَالْأَوْبَةِ مُشْرَعٌ مَا دَامَ فِي الْعُمُرِ مُتَّسَع. فَلَيْسَ الْمُرَادُ إِحْرَاجَكَ بِالْإِقْرَارِ بِالْخَطَأِ أَمَامَ الْخَلْقِ، بَلْ غَايَةُ الْمُرَادِ أَنْ تَفِيءَ إِلَى الصَّفِّ الْمُبَارَكِ الَّذِي فَارَقْتَه.

فَمَنْ آبَ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ أَدْرَكَ النَّجَاةَ وَلَوْ فِي الرَّمَقِ الْأَخِير. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَن.

محمد بن شمس الدين يقرّر حجّية الإجماع بلسانه، والمقطع قبل نحو خمس سنين

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنِ اتَّبَعَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ فَوُلِّيَ مَعَهُمْ، وَلَا يَجْعَلَنَا مِمَّنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ فَهَلَك.

لَمَّا كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ لَه: «يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟!» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ... وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَام. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لَقَدْ صَدَقَكُمْ». قَالَ عُمَر: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِق. قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ أَمَامَ هَذَا الْمَوْقِفِ النَّبَوِيِّ الْعَظِيم؛ لِتَرَى كَيْفَ تَتَكَسَّرُ عِنْدَهُ رِمَاحُ الْغُلَاةِ، وَكَيْفَ تَتَهَاوَى أَمَامَهُ قَسْوَةُ الْقُلُوبِ الْمَرِيضَةِ الَّتِي خَلَتْ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْفِقْهِ مَعًا.

وَقَبْلَ أَنْ نَغُوصَ فِي الْمَعَانِي، قِفُوا مُتَأَمِّلِين: لَعَلَّ مِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ الْخَفِيَّةِ، وَرَحْمَتِهِ الْوَاسِعَةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، أَنْ قَدَّرَ وُقُوعَ هَذِهِ الزَّلَّةِ مِنْ صَحَابِيٍّ جَلِيل؛ لِتَكُونَ دَرْسًا رَبَّانِيًّا لِمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة.. نَتَعَلَّمُ مِنْهُ كَيْفَ نَعْذِرُ، وَكَيْفَ نَلْتَمِسُ الْأَعْذَارَ، وَكَيْفَ نَحْفَظُ مَقَامَاتِ الرِّجَالِ الْكِبَارِ إِذَا زَلُّوا وَعَثَرُوا!

إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ أَقْوَى أَدِلَّةِ الْبَابِ عَلَى "الْعُذْرِ بِالتَّأْوِيل". فَالْفِعْلُ فِي ظَاهِرِهِ مِنْ أَشَدِّ مَا يَكُون؛ مُرَاسَلَةُ الْمُشْرِكِينَ بِأَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي وَقْتِ الْحَرْب! وَمَعَ ذَلِكَ، لَمَّا ذَكَرَ حَاطِبٌ عُذْرًا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُ، قَبِلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «لَقَدْ صَدَقَكُمْ». قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ مُعَلِّقًا عَلَى هَذَا الْفِقْهِ الْعَظِيم: «إِذَا تَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الْمَحْظُورِ وَادَّعَى أَمْرًا مِمَّا يَحْتَمِلُهُ التَّأْوِيلُ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الظَّنِّ بِخِلَافِه». فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! يُقْبَلُ عُذْرُهُ وَيُصَدَّقُ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ غَالِبُ الظَّنِّ بِخِلَافِه! فَكَمَا قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ الْعُذْرَ فِي زَلَّةٍ عَمَلِيَّةٍ شَدِيدَةِ الْخَطَرِ، فَإِنَّنَا نَرْجُو الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ لِإِمَامٍ مُجْتَهِدٍ زَلَّ وَتَأَوَّلَ مَسْأَلَةً وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُنَزِّهُ اللَّهَ وَيُعَظِّمُهُ، وَلَا نَقْطَعُ بِهَلَكَتِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْغُلَاة!

وَالدَّرْسُ الثَّانِي.. فِي مَوْقِفِ عُمَرَ الْفَارُوقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه؛ فَقَدِ اشْتَدَّتْ غَيْرَتُهُ لِلَّهِ حِينَ رَأَى الْفِعْلَ الْخَطِيرَ حَتَّى قَالَ: «دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِق». لَكِنْ تَأَمَّلُوا الْفَارِقَ الشَّاسِعَ بَيْنَ غَيْرَةِ الصَّحَابَةِ الصَّادِقَةِ وَبَيْنَ قَسْوَةِ الْغُلَاة! فَبِمُجَرَّدِ أَنْ ذَكَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِسَابِقَةِ حَاطِبٍ فِي بَدْرٍ وَمَا لَهُ مِنْ حَسَنَاتٍ، وَقَفَ عُمَرُ عِنْدَ النَّصِّ، وَبَكَى، وَتَرَاجَعَ فَوْرًا، وَلَمْ يُجَادِلْ أَوْ يُصِرَّ عَلَى الطَّعْنِ وَالْإِسْقَاط! أَمَّا الْغَالِي الْيَوْمَ؛ فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ بِحَارُ الْعِلْمِ وَقَنَاطِيرُ الْحَسَنَاتِ وَالْجِهَادِ لِإِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ زَلَّ فِي مَسْأَلَةٍ، فَلَا تَزِيدُهُ تِلْكَ الْحَسَنَاتُ إِلَّا إِصْرَارًا عَلَى التَّجْرِيحِ وَالتَّبْدِيع! فَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَضَعَ لِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى الْحَسَنَاتِ، وَهَؤُلَاءِ لَا تُقْنِعُهُمْ حَسَنَاتُ أَهْلِ الْأَرْضِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ مِيزَانَهُمُ الْهَوَى، وَقُلُوبَهُمْ أُشْرِبَتْ قَسْوَةً لَا تَلِين.

وَالدَّرْسُ الثَّالِثُ الْقَاصِمُ لِظُهُورِ الْغُلَاة.. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزِنْ حَاطِبًا بِمَوْقِفٍ وَاحِدٍ أَوْ زَلَّةٍ وَاحِدَةٍ لِيُلْغِيَ بِهَا تَارِيخَهُ، بَلْ نَظَرَ فِي سِيرَتِهِ كُلِّهَا وَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا»! فَأَدْخَلَ حَسَنَاتِهِ السَّابِقَةَ الْمُشْرِقَةَ، فِي الْحُكْمِ عَلَى فَعْلَتِهِ الْحَاضِرَة. وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ يَا عِبَادَ اللَّهِ مَا يُسَمِّيهِ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ "الْمُوَازَنَة"، وَيَعُدُّونَهُ تَمْيِيعًا وَتَضْيِيعًا لِلدِّينِ، وَيُشَنِّعُونَ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِه! وَقَدْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ، وَفِي أَخْطَرِ مَوْقِفٍ يُمْكِنُ تَصَوُّرُه!

فَقُولُوا لِهَذَا الْغَالِي الَّذِي يُسْقِطُ أَئِمَّةَ الْإِسْلَام: إِذَا كَانَ هَذَا الْعُذْرُ وَهَذِهِ الْمُوَازَنَةُ تُشْرَعُ فِي زَلَّةٍ عَمَلِيَّةٍ بَالِغَةِ الْخُطُورَةِ كَمُرَاسَلَةِ الْمُشْرِكِينَ وَقْتَ الْحَرْب.. فَكَيْفَ بِمَنْ تَأَوَّلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، أَوْ زَلَّ فِي مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ، يُرِيدُ بِهَا تَنْزِيهَ رَبِّهِ وَنُصْرَةَ دِينِهِ (حَتَّى وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّرِيقَ) كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا. وَلِهَذَا، بَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِعُنْوَانٍ صَرِيحٍ يَقْطَعُ دَابِرَ التَّكْفِيرِيِّينَ، فَقَالَ: «بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلًا أَوْ جَاهِلًا».

فَأَيْنَ يَذْهَبُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، وَكَيْفَ يَقْرَأُونَ سُنَّةَ نَبِيِّهِمْ؟ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا؟!

بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فَلَحِقَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه. فَقَتَلَه. فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه؟!» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْل. فَقَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ حَتَّى تَمَنَّى أُسَامَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْم.

البيانيَا هَذَا، إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي صَنْعَةِ الْغُلُوِّ لَيْسَ الْحُكْمَ نَفْسَهُ، بَلِ الطَّرِيقَ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ إِلَيْه: أَنْ يُفْتَحَ بَابُ الْقُلُوبِ فَيُقْرَأَ مَا فِيهَا، ثُمَّ يُبْنَى عَلَى تِلْكَ الْقِرَاءَةِ حُكْمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَهَذَا الْحَدِيثُ سَدَّ ذَلِكَ الْبَابَ سَدًّا لَا يُفْتَحُ بَعْدَه.

انْظُرْ إِلَى مَوْقِفِ أُسَامَة: لَيْسَ مُتَسَرِّعًا فِي مَجْلِسِ مُنَاظَرَةٍ، وَلَا صَاحِبَ هَوًى يَنْبُشُ فِي كِتَاب. هُوَ فِي سَاحَةِ قِتَالٍ، أَمَامَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ كَلِمَةً فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا تُقَالُ فِيهَا إِلَّا نَجَاةً مِنَ الْحَدِيد. وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَة، وَالْحَالُ نَاطِقَة، وَكُلُّ عَقْلٍ يَقُولُ: هَذَا مُتَعَوِّذ. وَأُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنُ حِبِّه، لَمْ يَقْتُلْهُ بُغْضًا وَلَا شَهْوَة، وَإِنَّمَا بَنَى عَلَى مَا ظَنَّهُ يَقِينًا.

وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ جَاءَهُ الْجَوَابُ صَاعِقًا: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!» فَاسْمَعْهَا جَيِّدًا: «حَتَّى تَعْلَم». جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ إِلَى الْحُكْمِ عَلَى الْبَاطِنِ أَنْ تَشُقَّ الْقَلْبَ فَتَنْظُرَ فِيهِ، وَهُوَ مُحَالٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَشَر. وَمَعْنَى ذَلِكَ بِلُغَةٍ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيل: لَيْسَ لَكَ إِلَى بَوَاطِنِ النَّاسِ سَبِيل، فَدَعْ عَنْكَ دَعْوَى الْعِلْمِ بِهَا.

ثُمَّ زَادَ الْأَمْرَ تَوْكِيدًا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّى أُسَامَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ أَيْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُهُ بَعْدَهَا لِيُمْحَى مَا مَضَى. وَهَذَا التَّكْرَارُ لَيْسَ فَضْلَةً فِي الْحَدِيثِ، بَلْ هُوَ مِيزَانٌ لِعِظَمِ الْجِنَايَة: أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْقَلْبِ مَا لَمْ يُطْلِعْكَ اللَّهُ عَلَيْه.

فَأَقْبِلِ الْآنَ عَلَى صَنْعَتِهِمْ: يَأْخُذُ الرَّجُلُ عِبَارَةً لِإِمَامٍ مَاتَ قَبْلَ خَمْسَةِ قُرُونٍ، مُحْتَمِلَةً فِي نَفْسِهَا، مَسْبُوقَةً بِعَشَرَاتِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي كُتُبِ صَاحِبِهَا، ثُمَّ يُخْبِرُكَ عَنْ قَلْبِهِ: أَرَادَ كَذَا، وَقَصَدَ كَذَا، وَهُوَ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَيُكَابِرُ، وَإِنَّمَا يُبْطِنُ غَيْرَ مَا يُظْهِر. وَهَذَا هُوَ شَقُّ الْقُلُوبِ بِعَيْنِهِ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ شَقَّ قَلْبَ رَجُلٍ حَاضِرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ بِقَرِينَةٍ قَائِمَةٍ، وَهُمْ يَشُقُّونَ قُلُوبَ الْأَمْوَاتِ بِقَرَائِنَ مَفْقُودَة!

وَقَابِلْ بَيْنَ الْحَالَيْنِ تَعْرِفْ مِقْدَارَ الْجِنَايَة: الَّذِي قَتَلَهُ أُسَامَةُ مُشْرِكٌ فِي صَفِّ الْمُحَارِبِينَ، وَكَلِمَتُهُ وَاحِدَةٌ لَا سَابِقَةَ لَهَا. وَالَّذِي يُبَدَّعُ الْيَوْمَ إِمَامٌ مَلَأَتِ الْأَرْضَ مُصَنَّفَاتُهُ فِي نَصْرِ السُّنَّةِ، وَسَوَابِقُهُ فِي خِدْمَةِ الدِّينِ لَا تُحْصَى، وَلَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا كَلَامٌ صَرِيحٌ يُفَسِّرُ مُجْمَلَه. فَإِذَا مُنِعَ أُسَامَةُ هُنَاكَ، فَمَنْعُ هَؤُلَاءِ هُنَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى بِمَرَاتِب.

ثُمَّ تَأَمَّلْ مَا بَعْدَ الْمَنْعِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُقِمْ عَلَى أُسَامَةَ حَدًّا وَلَمْ يُسْقِطْهُ، بَلْ رَدَعَهُ وَعَلَّمَهُ، وَبَقِيَ أُسَامَةُ حِبَّهُ وَأَمِيرَ جَيْشِه. فَهَذَا هُوَ مِيزَانُ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي ضَاعَ عِنْدَهُمْ: يُنْكَرُ الْخَطَأُ وَلَا يُهْدَرُ صَاحِبُه. وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا وَاحِدَةً مِنِ اثْنَتَيْنِ: إِمَّا السُّكُوتُ، وَإِمَّا الْإِسْقَاط.

فَيَا مَنْ جَعَلَ قِرَاءَةَ النِّيَّاتِ صَنْعَتَهُ، وَصَارَ يُخْبِرُ النَّاسَ عَمَّا فِي صُدُورِ الْأَئِمَّةِ كَأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى الْغَيْبِ: بِأَيِّ آلَةٍ عَرَفْت؟ أَشَقَقْتَ الْقُلُوب؟ أَمْ أُطْلِعْتَ عَلَى الْغَيْب؟ فَإِنْ قُلْتَ: دَلَّتِ الْقَرَائِنُ، فَقَدْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ مَعَ أُسَامَةَ أَظْهَرَ وَأَقْوَى، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَكَلَّفَ عِلْمَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ، أَوْشَكَ أَنْ يُفْضَحَ فِيمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّ مَنِ ادَّعَى مَفَاتِيحَ الْغَيْبِ فَقَدْ نَازَعَ رَبَّهُ فِي صِفَةٍ لَمْ يُنَازَعْ فِيهَا.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِين.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا الْمِيزَانَ النَّبَوِيَّ الْعَظِيمَ، لِتَعْرِفُوا كَيْفَ حُفِظَ هَذَا الدِّينُ، وَكَيْفَ تَتَكَسَّرُ أَمَامَهُ نِصَالُ الْغُلُوّ.

فَهَذَا هُوَ أَصْلُ الْبَاب؛ تَعْدِيلٌ نَبَوِيٌّ عَامٌّ لِحَمَلَةِ الْعِلْمِ فِي كُلِّ جِيل. وَمَنْ زَكَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَدَّلَه، فَهَلْ يَضُرُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ طَعْنُ طَاعِنٍ أَوْ نَبْزُ غَالِي؟ وَيَعْضُدُ هَذَا أَصْلَانِ عَظِيمَانِ مِنَ الْوَحْي: الْأَوَّل، أَنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِحِفْظِ الذِّكْر، وَحِفْظُ الذِّكْرِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِحِفْظِ صُدُورِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَنْقُلُونَه. وَالثَّانِي، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ اسْتَشْهَدَ أَهْلَ الْعِلْمِ عَلَى أَعْظَمِ حَقِيقَةٍ فِي الْوُجُود: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾.. وَرَبُّكَ لَا يَسْتَشْهِدُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا الْعُدُولَ الْأَثْبَات.

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى أَعْجَبِ مُفَارَقَةٍ، مَشْهَدٌ يُبْكِي الْقَلْبَ وَيُضْحِكُ الْعَقْلَ فِي آنٍ وَاحِد! تَأَمَّلُوا أَوَّلَ مُهِمَّةٍ كَلَّفَ بِهَا الْحَدِيثُ هَؤُلَاءِ الْعُدُول: «يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِين». أَيْ أَنَّ أَوَّلَ عَمَلٍ لِلْعَالِمِ فِي كُلِّ قَرْنٍ أَنْ يَطْرُدَ الْغُلُوَّ عَنِ الدِّين. وَالْعَجِيبُ -وَرَبِّ الْكَعْبَةِ- أَنَّ هَذَا "الْحَدَّادِيَّ" الْغَالِي، الَّذِي نَصَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَطْرُدُونَهُ، قَامَ هُوَ الْيَوْمَ لِيَطْرُدَ الْعُلَمَاءَ أَنْفُسَهُم! لَقَدْ قَلَبَ الْمَوَازِين؛ جَعَلَ الْحُرَّاسَ لُصُوصًا وَأَلْقَى بِهِمْ خَارِجَ الْأَسْوَار، ثُمَّ تَرَبَّعَ هُوَ عَلَى الْبَابِ حَارِسًا!

فَإِذَا انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي أَمَامَكُمْ وَقَال: "لَقَدْ أَخْطَأَ الْأَئِمَّةُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، فَعَدَّلُوا مَنْ لَا يَسْتَحِقّ، وَشَهِدُوا بِالْإِمَامَةِ لِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا!".. فَقُولُوا لَهُ: رُوَيْدًا يَا مِسْكِين! مَا حَالُ هَؤُلَاءِ الشُّهُودِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عِنْدَك؟ أَنْتَ الْآنَ مُحَاصَرٌ بَيْنَ خَمْسَةِ جُدْرَانٍ لَا مَخْرَجَ لَكَ مِنْهَا، فَاخْتَرْ لِنَفْسِك:

إِمَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا حَالَ الرَّجُلِ فَشَهِدُوا بِغَيْرِ عِلْم.

أَوْ أَنَّهُمْ عَرَفُوا حَقِيقَتَهُ فَشَهِدُوا بِالزُّور.

أَوْ أَنَّهُ قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ أَنْت.. فَصِرْتَ أَعْلَمَ بِالرَّجُلِ مِنْ تَلَامِيذِهِ وَمُعَاصِرِيه!

أَوْ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى كِتْمَانِ الْحَقِّ، فَصَارُوا كَأَحْبَارِ الْيَهُود!

أَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا كَلَامَ مَنْ قَبْلَهُمْ فَفَاتَهُمُ الصَّوَاب.

أَيَّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ فَتَحْتَ، وَأَيَّ جَوَابٍ اخْتَرْتَ، فَقَدْ طَعَنْتَ فِي حَمَلَةِ الْعِلْمِ جَمِيعًا، وَرَدَدْتَ التَّعْدِيلَ النَّبَوِيَّ فِي وُجُوهِهِم!

ثُمَّ اكْشِفُوا لَهُ عَنْ حَقِيقَةِ جِنَايَتِهِ الْبَشِعَة.. قُولُوا لَهُ: إِذَا جَازَ عَلَى أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مُجْتَمِعِينَ أَنْ يُعَدِّلُوا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْجَرْحَ، جَازَ عَلَيْهِمْ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يَجْرَحُوا مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْدِيل. وَمَا النَّتِيجَة؟ تَسْقُطُ الثِّقَةُ بِجَرْحِهِمْ وَتَعْدِيلِهِمْ مَعًا! وَعَلَى هَذَيْنِ الْعِلْمَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ قَامَتْ صِنَاعَةُ الْأَسَانِيدِ الَّتِي وَصَلَ بِهَا الدِّينُ كُلُّهُ إِلَيْك، وَبِهَا تَحْتَجُّ أَنْتَ وَتُخَاصِم! فَسَهْمُكَ الطَّائِشُ لَمْ يُصِبِ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَلَا الْحَافِظَ ابْنَ حَجَرٍ وَحْدَهُمَا، بَلْ هَدَمْتَ بِهِ السُّلَّمَ الَّذِي تَقِفُ عَلَيْه!

وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ يُقَرِّرُ أَنَّ تَكْذِيبَ الْوَاحِدِ تَكْذِيبٌ لِلْجَمِيع: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وَهُمْ لَمْ يُكَذِّبُوا إِلَّا نُوحًا وَحْدَه. فَمَنْ أَسْقَطَ إِمَامًا شَهِدَتْ لَهُ قُرُونُ الْأُمَّةِ كُلُّهَا، فَقَدْ طَعَنَ فِي الشُّهُودِ كُلِّهِمْ، شَاءَ ذَلِكَ أَمْ أَبَى.

وَلَسْنَا نَدَّعِي عِصْمَةَ أَحَد. فَالْعَالِمُ يُخْطِئُ، وَخَطَؤُهُ مَغْفُورٌ، وَهُوَ فِيهِ مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُورٌ، وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ مِنْ إِخْوَانِهِ مَنْ يُبَيِّنُ الصَّوَابَ، فَيُكَمِّلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. الْمُسْتَحِيلُ -وَالَّذِي نَأْبَاهُ وَنَرُدُّهُ- أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا عَلَى بَاطِل. نَحْنُ نَقُول: يُخْطِئُ الْعَالِمُ الْوَاحِدُ، وَلَا تَضِلُّ الْأُمَّةُ كُلُّهَا. وَهَذَا الْغَالِي الْمَغْرُورُ يَقُولُ بِلِسَانِ حَالِه: ضَلَّتِ الْقُرُونُ كُلُّهَا، وَعَمِيَتِ الْأُمَّةُ بِأَسْرِهَا، وَأَصَبْتُ أَنَا!

فَانْظُرُوا بِعَيْنِ الْبَصِيرَة.. أَيُّ الْقَوْلَيْنِ يُصَدِّقُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَيُّهُمَا يَرُدُّهُ وَيَنْسِفُه؟

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - عَلَى ضَلَالَة. وَفِي لَفْظٍ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة.

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ مُتَأَمِّلًا هَذَا الْحَدِيثَ الْعَظِيم؛ فَإِنَّهُ يَهْدِمُ مَذْهَبَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ أَسَاسِهِ لَا مِنْ أَعْلَاه، وَيَقْتَلِعُ جُذُورَ غُلُوِّهِمْ مِنْ أَرْضِ الشَّرِيعَةِ اقْتِلَاعًا!

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَة»، وَفِي لَفْظٍ: «إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة».

إِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ فِي إِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ عَبْرَ الْقُرُونِ (كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا) وَتَبْدِيعِهِمْ لَهُمْ، يَلْزَمُ مِنْهُ طَامَّةٌ كُبْرَى! يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ بِعُلَمَائِهَا قَدِ اجْتَمَعَتْ قُرُونًا طَوِيلَةً عَلَى تَعْظِيمِ قَوْمٍ هُمْ فِي حَقِيقَتِهِمْ "مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّال"، وَعَلَى أَخْذِ دِينِهَا وَفِقْهِهَا وَحَدِيثِهَا عَنْهُمْ، بَلْ وَتَزْكِيَتِهِمْ وَجَعْلِهِمْ أَئِمَّةً لِلْإِسْلَام! فَإِنْ كَانَ طَعْنُ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ صَحِيحًا؛ فَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ إِذَنْ عَلَى ضَلَالَةٍ وَتَوْقِيرٍ لِأَهْلِ الْبِدَع! وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَبَدًا، وَلَا يَقَعُ الْبَتَّة!

فَضَعُوا الْغَالِيَ أَمَامَ هَذَا الْإِلْزَامِ الصَّارِمِ، فَلَيْسَ أَمَامَهُ إِلَّا مَخْرَجَانِ أَحْلَاهُمَا مُرّ: إِمَّا أَنْ يَهْرُبَ وَيَقُولَ: "لَمْ تَجْتَمِعِ الْأُمَّةُ عَلَى إِمَامَتِهِمْ، بَلْ عَظَّمَهُمْ طَائِفَةٌ فَقَطْ".. فَنَقُولُ لَهُ: أَخْرِجْ لَنَا إِذَنِ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى! أَرِنَا الطَّائِفَةَ الَّتِي بَدَّعَتِ النَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ وَأَسْقَطَتْهُمَا فِي الْقُرُونِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ سَمِّ لَنَا رِجَالَهَا إِنْ كُنْتَ صَادِقًا! وَلَنْ يَجِدَ. وَإِمَّا أَنْ يَتَجَرَّأَ وَيَقُولَ: "نَعَمِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى إِمَامَتِهِمْ، وَلَكِنَّهَا اجْتَمَعَتْ وَأَخْطَأَتْ".. فَهَذَا تَكْذِيبٌ صَرِيحٌ وَرَدٌّ وَقِحٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ!

ثُمَّ اعْلَمُوا -يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ- أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ الْعَمُودُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ "حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاع"، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَحْتَجُّونَ بِالْإِجْمَاعِ إِذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ، فَإِذَا خَالَفَهُمْ صَارَ إِجْمَاعًا لَا قِيمَةَ لَه! وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ: «وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِجْمَاعِ الْعَوَامّ». فَالْمَقْصُودُ بِالْأُمَّةِ فِي الْحَدِيثِ: عُلَمَاؤُهَا الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الشَّرِيعَة. فَإِذَا اتَّفَقَ جِبَالُ الْعِلْمِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عَلَى إِمَامَةِ رَجُلٍ فِي الدِّينِ، فَمِنَ الْمُحَالِ شَرْعًا وَعَقْلًا أَنْ يَكُونَ مُبْتَدِعًا ضَالًّا يُفْسِدُ الدِّينَ، ثُمَّ تَعْمَى الْأُمَّةُ كُلُّهَا عَنْ ضَلَالِهِ، وَلَا يَنْتَبِهَ لَهُ أَحَد، حَتَّى يَكْتَشِفَهُ مُتَأَخِّرٌ نَكِرَةٌ بَعْدَ سَبْعَةِ قُرُون!

وَلَيْسَ تَقْرِيرُنَا هَذَا ادِّعَاءً لِعِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ فِي آحَادِ الْمَسَائِل؛ فَالْخَطَأُ وَالزَّلَّةُ تَقَعُ مِنَ الْأَفْرَادِ بَلْ وَمِنَ الْجَمَاعَات. وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ وَالْمُسْتَحِيلُ أَنْ تَتَّفِقَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا -بِعُلَمَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا- عَلَى بَاطِلٍ أَوْ تَضِلَّ فِي تَزْكِيَةِ إِمَام، ثُمَّ يَبْقَى هَذَا الْبَاطِلُ مُخَيِّمًا عَلَيْهَا قُرُونًا حَتَّى يَكْتَشِفَهُ غَالِي الْيَوْم! فَتَجْوِيزُ هَذَا مَعْنَاهُ ضَيَاعُ شَيْءٍ مِنْ حِفْظِ الدِّينِ، وَاتِّهَامٌ لِلْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِالْعَمَى وَالضَّلَالِ، وَهُوَ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ وَأَبْطَلِهَا!

فَيَا لَلَّه! أَيُّهُمَا نُصَدِّقُ: حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ الْمُبَرِّئَ لِأُمَّتِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الضَّلَالَةِ، أَمْ مِيزَانَ الْحَدَّادِيَّةِ الَّذِي جَعَلَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا فِي ضَلَالَةٍ وَعَمًى حَتَّى جَاؤُوا هُمْ لِيُنْقِذُوهَا؟!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.

البيانتَأَمَّلُوا فِي صِيغَةِ هَذَا الْحَدِيث؛ فَهُوَ لَيْسَ أَمْرًا يُفْعَلُ أَوْ يُتْرَكُ، بَلْ هُوَ "خَبَرٌ" قَاطِعٌ عَلَى لِسَانِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوق: «يَبْعَثُ اللَّه». وَمَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِوُقُوعِهِ، أَوِ ادَّعَى انْقِطَاعَهُ، فَقَدْ رَدَّ الْخَبَرَ النَّبَوِيَّ وَكَذَّبَه!

وَهُنَا إِلْزَامٌ قَاهِرٌ لَا مَهْرَبَ مِنْهُ، أَلْقَاهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ الْبَاحِثُ فِي وُجُوهِ رُؤُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ كَمُحَمَّدٍ شَمْسِ الدِّينِ، وَدِمَشْقِيَّةَ، وَالْخَلِيفِيِّ، وَمَنْ سَارَ فِي رَكْبِهِمْ، فَقَالَ: سَمُّوا لَنَا مُجَدِّدَ الْقَرْنِ الَّذِي عَاشَ فِيهِ النَّوَوِيّ! ثُمَّ مُجَدِّدَ الْقَرْنِ الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ.. حَتَّى تَصِلُوا إِلَى زَمَانِنَا! فَإِنْ تَجَرَّأْتُمْ وَسَمَّيْتُمْ أَحَدًا؛ لَزِمَكُمْ تَعْظِيمُهُ وَالِاعْتِرَافُ بِإِمَامَتِهِ، وَأَكْثَرُ مَنْ سَمَّتْهُمُ الْأُمَّةُ لِلرِّيَادَةِ وَالتَّجْدِيدِ فِي تِلْكَ الْقُرُونِ، جَمِيعُهُمْ يُوَقِّرُونَ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَيُعَظِّمُونَه! وَإِنْ قُلْتُمْ: "لَا نَعْلَمُ أَحَدًا"، أَوْ "انْقَطَعَ التَّجْدِيدُ وَلَمْ يُبْعَثْ فِي تِلْكَ الْقُرُونِ مُجَدِّد".. فَقَدْ كَذَّبْتُمْ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ جِهَارًا نَهَارًا!

وَلِهَذَا تَرَى الْغَالِيَ يَتَخَبَّطُ وَيَرْتَبِكُ إِذَا سُئِلَ عَنْ إِمَامٍ أَوْ مُجَدِّد. فَإِنْ زَكَّى عَالِمًا مُعَاصِرًا، ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُ أَنَّ هَذَا الْعَالِمَ يُجِلُّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ وَيَرْفُضُ الطَّعْنَ فِيهِمْ، انْقَلَبَ عَلَيْهِ وَسَحَبَ مِنْهُ كُلَّ وَصْف! وَمَا أَبْشَعَ مَا صَنَعَ شَمْسُ الدِّينِ مَعَ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ صَالِحٍ الْمُنَجِّد؛ فَقَدْ كَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيُعَظِّمُهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ مَقْطَعٌ لِلشَّيْخِ يُشَنِّعُ فِيهِ عَلَى الْحَدَّادِيَّةِ وَيَسْتَنْكِرُ طَعْنَهُمْ فِي أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، ثَارَتْ ثَائِرَةُ هَذَا الْغَالِي وَسَحَبَ مِنْهُ لَقَبَ الْمُجَدِّد! فَيَا لَهَا مِنْ كَارِثَة! صَارَ وَصْفُ الْإِمَامَةِ وَالتَّجْدِيدِ عِنْدَهُمْ صَكًّا يُعْطَى وَيُسْحَبُ بِحَسَبِ مُوَافَقَةِ الْهَوَى، لَا بِحَسَبِ الْعِلْمِ وَمِيزَانِ الشَّرْع.

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى شَنَاعَةِ لَازِمِ قَوْلِهِمْ.. إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ انْقَطَعَ عَنْهَا الْهُدَى قُرُونًا مُتَطَاوِلَةً، وَجُرِّدَتْ مِنْ عُلَمَائِهَا وَمُجَدِّدِيهَا، وَظَلَّتْ تَتَخَبَّطُ فِي ظَلَامِ الْبِدْعَةِ، حَتَّى نَبَتَ فِي زَمَانِنَا هَذَا "غَالِي" وَصَلَهُ عِلْمُ السَّلَفِ صَافِيًا مِنَ السَّمَاءِ بِلَا وَاسِطَة! فَيَا مِسْكِينُ، مِنْ أَيْنَ وَصَلَكَ هَذَا الدِّين؟ أَلَيْسَ مِنْ مُتُونِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تُسْقِطُهُمْ؟ وَمِنْ رِوَايَاتِهِمْ وَشُرُوحِهِمْ وَتَصَانِيفِهِمْ وَحِفْظِهِمْ لِلسُّنَن؟ إِنَّكَ وَاللَّهِ كَالْأَحْمَقِ الَّذِي يَتَسَلَّقُ شَجَرَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ عَلَى غُصْنِهَا لِيُمْسِكَ مِنْشَارًا يَقْطَعُ بِهِ الْغُصْنَ الَّذِي يَحْمِلُه!

وَاجْمَعُوا الْآنَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى مَا قَبْلَه؛ تَجِدُوا ثَلَاثَةَ أَخْبَارٍ نَبَوِيَّةٍ لَا تَتَخَلَّفُ، يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَدُقُّ بَعْضُهَا عُنُقَ الْغُلُوّ:

الْأَوَّل: أُمَّةٌ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة.

وَالثَّانِي: عُدُولٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ فِي كُلِّ جِيلٍ بِلَا انْقِطَاع.

وَالثَّالِث: مُجَدِّدٌ يُبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَة.

فَمَذْهَبُ الْحَدَّادِيَّةِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكُفْرُ بِرَدِّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا! فَإِمَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِكَلَامِ نَبِيِّهِمْ فَتَسْقُطَ بِدْعَتُهُمْ وَدَعْوَاهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى طَعْنِهِمْ فَتَسْقُطَ مِنْ قُلُوبِهِمْ هَذِهِ الْأَحَادِيث.. فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَنْتُم!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاء، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِب، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاء، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر.

البيانقِفُوا وَتَأَمَّلُوا هَذَا الْمَشْهَدَ الْمَهِيبَ الَّذِي تَرْتَجِفُ لَهُ الْقُلُوب:

انْظُرُوا بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ إِلَى هَذِهِ الْمُفَارَقَة: أَهْلُ السَّمَاوَاتِ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْعَالِم، وَأَهْلُ الْأَرْضِ يَسْتَغْفِرُونَ لَه، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي أَعْمَاقِ الْمُحِيطَاتِ الْمُظْلِمَةِ تَلْهَجُ بِالِاسْتِغْفَارِ لَه! الْخَلَائِقُ كُلُّهَا، مِنَ الْعَرْشِ إِلَى الْفَرْش، تَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَغْفِرَ لِلْعَالِمِ زَلَّتَهُ وَيَتَجَاوَزَ عَنْ خَطِيئَتِه. ثُمَّ يَأْتِي هَذَا "الْحَدَّادِيُّ" الْغَالِي، فَلَا يَجِدُ عَمَلًا فِي حَيَاتِهِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ زَلَّةَ الْعَالِمِ حَبْلَ مِشْنَقَةٍ يَخْنُقُهُ بِه! فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! حِيتَانُ الْبَحْرِ وَبَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ أَعْرَفُ بِحَقِّ الْعَالِمِ وَحُرْمَتِهِ مِنْ إِنْسَانٍ امْتَلَأَ رَأْسُهُ بِأَلْقَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَلَمْ يَفْقَهْ يَوْمًا مَعْنَاهَا!

وَتَأَمَّلُوا هَذَا الْوَصْفَ النَّبَوِيَّ الْبَدِيع: «كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِب». الْعَابِدُ نَجْمٌ مُشِعّ، نَعَمْ.. لَكِنَّ ضَوْءَهُ مَحْصُورٌ لِنَفْسِه. أَمَّا الْعَالِمُ فَقَمَرٌ مُنِيرٌ يَمْشِي النَّاسُ فِي ضِيَائِهِ وَسْطَ دَيَاجِيرِ الظُّلُمَات. وَفِي هَذَا التَّشْبِيهِ سِرٌّ لَطِيف: أَلَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ يُصِيبُهُ الْخُسُوفُ فَيُظْلِمُ قَلِيلًا، ثُمَّ سُرْعَانَ مَا يَعُودُ بَدْرًا سَاطِعًا كَمَا كَان؟ كَذَلِكَ الْعَالِم؛ تَقَعُ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْوَهْم، ثُمَّ يَعُودُ نُورُهُ وَيَبْقَى فَضْلُه. فَمَنْ حَكَمَ عَلَى الْقَمَرِ سَاعَةَ خُسُوفِه، وَأَلْغَى نُورَهُ فِي بَقِيَّةِ لَيَالِيه، فَقَدْ جَارَهُ وَظَلَمَهُ وَأَعْمَى بَصَرَه!

ثُمَّ قِفُوا عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ: «وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاء». هُنَا إِلْزَامٌ قَاصِمٌ لَا مَهْرَبَ مِنْه: الْمِيرَاثُ لَا يَصِلُ إِلَى النَّاسِ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ وَرَثَتِه! فَمَنْ طَعَنَ فِي الْوَرَثَةِ جَمِيعًا، وَأَسْقَطَ أَئِمَّةَ الدِّين، فَقَدْ زَعَمَ بِلِسَانِ حَالِهِ أَنَّ مِيرَاثَ النُّبُوَّةِ قَدْ ضَاعَ وَانْقَطَع. وَمَنْ زَعَمَ هَذَا فَقَدْ كَذَبَ وَرَدَّ قَوْلَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوق: «فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر». وَهُنَا يَنْكَشِفُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَتُفْضَحُ سَرَائِرُهُم: يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَغَارُونَ عَلَى مِيرَاثِ النُّبُوَّة، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يَقْطَعُونَ الْأَيْدِيَ الطَّاهِرَةَ الَّتِي حَمَلَتْهُ إِلَيْنَا قَرْنًا بَعْدَ قَرْن! فَبِاللَّهِ عَلَيْكُم.. هَلْ وَصَلَنَا الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ إِلَّا عَلَى أَكْتَافِ هَؤُلَاءِ الْأَطْوَادِ الَّذِينَ يُسْقِطُونَهُمْ وَيُبَدِّعُونَهُمُ الْيَوْم؟

فَإِنِ انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي وَقَالَ مُعْتَذِرًا: "أَنَا لَا أَطْعَنُ فِي كُلِّهِم، بَلْ فِي بَعْضِهِم!" فَقُولُوا لَه: انْظُرْ يَا مِسْكِينُ فِيمَنْ تَطْعَن! إِنَّهُمْ شُرَّاحُ الصَّحِيحَيْن، وَحُفَّاظُ الْعِلَل، وَنَقَلَةُ الْإِجْمَاع، وَأَصْحَابُ الدَّوَاوِينِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْكَ وَالَّتِي لَا تَفْهَمُ دِينَكَ إِلَّا بِهَا! فَإِذَا أَسْقَطْتَ حَمَلَةَ الْمِيرَاث، فَمِنْ أَيْنَ وَصَلَكَ الْمِيرَاث؟ إِنَّ هَذَا الطَّاعِنَ فِي وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ أَحْمَقَ يَجْلِسُ عَلَى غُصْنِ شَجَرَةٍ فَيَقْطَعُهُ بِمِنْشَارِه.. يَظُنُّ بِجَهْلِهِ أَنَّهُ يُصَلِّحُ الشَّجَرَةَ، وَهُوَ يَهْوِي بِنَفْسِهِ إِلَى الْهَاوِيَة!

أَيُّهَا الْمَغْرُورُ بِهَوَاه.. الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ تَسْتَغْفِرُ لِمَنْ تُحَارِبُهُ أَنْت! فَانْظُرْ فِي أَيِّ الصَّفَّيْنِ اخْتَرْتَ أَنْ تَقِف: فِي صَفِّ الْمُسْتَغْفِرِينَ لَه، أَمْ فِي صَفِّ الشَّانِئِينَ الطَّاعِنِين؟ وَمَنْ نَامَ وَالْخَلَائِقُ كُلُّهَا تَسْتَغْفِرُ لِخَصْمِه.. فَهُوَ الْمَهْزُومُ الْمَخْذُولُ لَا مَحَالَة.

فَتَدَارَكُوا أَنْفُسَكُمْ أَيُّهَا النَّاس، وَاجْعَلُوا حَظَّكُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ الِاسْتِغْفَارَ لَهُم، لَا الْعُدْوَانَ عَلَيْهِم. فَالِاسْتِغْفَارُ دَأْبُ الْمَلَائِكَةِ وَالْحِيتَان، وَالطَّعْنُ وَالتَّكْفِيرُ وَالتَّبْدِيعُ دَأْبُ إِبْلِيسَ وَجُنْدِه.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّه.

البيانأُدْنُوا قَلِيلًا وَتَأَمَّلُوا هَذَا الْوَعِيدَ النَّبَوِيَّ الشَّدِيدَ، الَّذِي تَرْتَجِفُ مِنْهُ الْقُلُوبُ السَّلِيمَةُ وَتَطِيرُ مِنْهُ الْأَلْبَاب:

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّه».

فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! مَا سَمِعَ هَذَا الْغَالِي وَعِيدًا أَشَدَّ وَلَا أَقْسَى مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْقَاطِع: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي». تَأَمَّلُوا.. لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ أَخْطَأ، وَلَا قَال: أَسَاءَ الْأَدَب، بَلْ نَفَى عَنْهُ شَرَفَ الِانْتِسَابِ إِلَى أُمَّتِه! وَالْعُلَمَاءُ يَحْمِلُونَ هَذَا النَّفْيَ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ الَّذِي يُخَافُ عَلَى تَارِكِهِ الْهَلَاك. وَأَيًّا كَانَ مَعْنَاه؛ فَلَيْسَ بَعْدَ أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلَةٌ يَفْرَحُ بِهَا عَاقِل، أَوْ يَرْجُوهَا مُؤْمِن.

وَانْظُرُوا كَيْفَ جَمَعَ الْحَدِيثُ بَيْنَ خِصَالٍ ثَلَاث: إِجْلَالِ الْكَبِير، وَرَحْمَةِ الصَّغِير، وَمَعْرِفَةِ حَقِّ الْعَالِم. فَجَعَلَ مَعْرِفَةَ حَقِّ الْعَالِمِ قَرِينَةً لِرَحْمَةِ الصَّغِيرِ وَإِجْلَالِ الْكَبِير. فَكَمَا لَا تَقُومُ أُمَّةٌ يَأْكُلُ كِبَارُهَا صِغَارَهَا، لَا تَقُومُ أُمَّةٌ يَأْكُلُ جُهَّالُهَا عُلَمَاءَهَا! الْأُمَّةُ جَسَدٌ وَاحِد، وَالْعُلَمَاءُ رَأْسُ هَذَا الْجَسَد.. وَالْعَجِيبُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ فِي الرَّأْس، بَلْ يَحْسَبُونَ بِجَهْلِهِمْ أَنَّ قَطْعَ الرَّأْسِ حِمَايَةٌ لِلْجَسَد!

وَتَأَمَّلُوا بِدِقَّةٍ قَوْلَهُ ﷺ: «وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّه». لَمْ يَقُلْ: يُوَافِقُ عَالِمَنَا فِي كُلِّ مَسْأَلَة! وَلَمْ يَقُلْ: يَسْكُتُ عَنْ زَلَّتِهِ وَخَطَئِه! بَلْ جَعَلَ الْأَسَاسَ "مَعْرِفَةَ الْحَقّ"، وَالْمَعْرِفَةُ عَمَلُ قَلْبٍ يُثْمِرُ تَوْقِيرًا فِي اللِّسَانِ وَإِجْلَالًا فِي الْجَوَارِح. فَلِلْعَالِمِ حَقٌّ ثَابِتٌ لَا تُسْقِطُهُ زَلَّة، كَمَا أَنَّ لِلْوَالِدِ حَقًّا مَحْفُوظًا لَا يُسْقِطُهُ خَطَأٌ فِي التَّرْبِيَة. وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ إِحْسَانَهُم، فَتِلْكَ وَاللَّهِ عَلَامَةُ لُؤْمٍ وَمَرَضٍ فِي الطَّبْع، لَا عَلَامَةُ قُوَّةٍ فِي الْمَنْهَجِ وَلَا غَيْرَةٍ عَلَى الدِّين!

وَالْعَجِيبُ مِنْ قَوْمٍ نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ حُرَّاسًا لِلسُّنَّةِ، وَأَوَّلُ مَا نَقَضُوا مِنَ السُّنَّةِ وَمَزَّقُوهُ هُوَ هَذَا الْحَدِيثُ ذَاتُه! يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ فِي مَجَالِسِ التَّبْدِيع، فَيَحْفَظُ مِنَ الطُّعُونِ فِي الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا يَحْفَظُ مِنْ أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاء! وَيَتَعَلَّمُ كَيْفَ يُسْقِطُ الْعَالِمَ وَيَهْدِمُه، قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَعْرِفُ لَهُ حَقَّهُ وَقَدْرَه! فَأَيُّ انْتِسَابٍ بَقِيَ لِهَؤُلَاءِ إِلَى أُمَّةٍ، عَلَّقَ نَبِيُّهَا ﷺ الِانْتِسَابَ إِلَيْهَا عَلَى خَصْلَةٍ جَعَلُوا هُمْ نَقْضَهَا وَهَدْمَهَا دِينًا يُتَقَرَّبُ بِه؟

فَإِنِ انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي وَقَال: "وَهَلْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ مَنْ رَدَّ عَلَى عَالِمٍ خَطَأَهُ وَبَيَّنَ زَلَّتَهُ لِحِمَايَةِ الدِّين؟"

فَالْجَوَابُ الْقَاطِع: لَا وَحَاشَا! فَقَدْ رَدَّ الْأَئِمَّةُ وَالْعُلَمَاءُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مُنْذُ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَمَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِهِمْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، لِأَنَّ الرَّدَّ بِعِلْمٍ وَإِنْصَافٍ هُوَ مِنْ أَصْلِ مَعْرِفَةِ الْحَقّ. إِنَّمَا يَنْزِلُ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ جَعَلَ الرَّدَّ وَسِيلَةً إِلَى الْإِسْقَاط، وَاتَّخَذَ "النَّصِيحَةَ" غِطَاءً لِلشَّمَاتَةِ وَالتَّجْرِيح.

فَالْفَرْقُ شَاسِعٌ وَالْبَوْنُ وَاسِع.. بَيْنَ طَبِيبٍ مُشْفِقٍ يُنَظِّفُ الْجُرْحَ لِيَلْتَئِمَ وَيَبْرَأَ، وَشَامِتٍ حَقُودٍ يُمَزِّقُ الْجُرْحَ لِيَتَّسِعَ وَيُهْلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: إِنَّ اللَّهَ قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِه: «الْمُرَادُ بِوَلِيِّ اللَّه: الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه، الْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِه».

البيانلَقَدْ مَضَى مَعَنَا كَيْفَ رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي بِقَوْلِه: «قَدْ فَعَلْتُ»، وَكَيْفَ زَكَّى نَبِيُّنَا ﷺ حَمَلَةَ الْعِلْمِ وَعَدَّلَهُمْ، وَكَيْفَ تَبَرَّأَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ لِعُلَمَائِنَا حَقَّهُمْ قَائِلًا: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي». وَالْآن، بَعْدَ أَنِ اتَّضَحَتْ تِلْكَ الْأُصُول، قِفُوا وَتَأَمَّلُوا ذِرْوَةَ السَّنَام.. هَذَا الْوَعِيدُ الْإِلَهِيُّ الْمُزَلْزِل، الَّذِي تَرْتَجِفُ مِنْهُ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي:

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب». وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِه: «الْمُرَادُ بِوَلِيِّ اللَّه: الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه، الْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِه».

فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا وَعِيدٌ عَلَى ذَنْبٍ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ الْمُخِيف: أَنْ يُعْلِنَ اللَّهُ جَبَّارُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْحَرْبَ بِنَفْسِه! لَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ الْعُصَاةَ بِالْحُدُودِ وَبِالنَّارِ، أَمَّا هُنَا فَقَال: «فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب». بِرَبِّكُم.. هَلْ رَأَيْتُمْ أَوْ سَمِعْتُمْ بِأَحَدٍ حَارَبَ اللَّهَ فَغَلَب؟ إِنَّ أَكَلَةَ الرِّبَا لَمَّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِهَا فَرُّوا وَارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُم.. فَمَا بَالُ الْمُتَوَعَّدِ بِحَرْبِ اللَّهِ فِي أَوْلِيَائِهِ لَا يَفِرُّ مِنَ الْوَقِيعَةِ فِيهِمْ وَالنَّهْشِ فِي أَعْرَاضِهِم؟

ثُمَّ اسْمَعُوا جَيِّدًا مَنْ يُدْخِلُهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي اسْمِ الْوَلِيّ: «الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه...». فَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الْبَاب. وَهُنَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَجِبُ أَنْ تَقِفُوا عِنْدَه: نَحْنُ لَا نُوَزِّعُ صُكُوكَ الْوِلَايَةِ بِالتَّشَهِّي، وَلَا نُثْبِتُهَا لِكُلِّ مُدَّعٍ، بَلْ نُثْبِتُهَا لِمَنْ أَثْبَتَتْهَا لَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَهَذَا الْإِمَامُ الَّذِي يَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ الْغَالِي لَمْ يُزَكِّ نَفْسَه، بَلْ زَكَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ الثِّقَات، وَتَلَقَّتِ الْأُمَّةُ عِلْمَهُ بِالْقَبُولِ جِيلًا بَعْدَ جِيل. وَشَهَادَةُ الْأُمَّةِ الْعَدْلِ هِيَ مِيزَانُ السَّمَاءِ فِي الْأَرْض. فَمَنْ أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْهُدَى عَلَى صَلَاحِهِ وَعِلْمِه، كَيْفَ يَجْرُؤُ نَكِرَةٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى نَقْضِ تَزْكِيَةِ الْأُمَّةِ لَه؟

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْمُفَارَقَةِ الْعَجِيبَة: الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، الَّذِي شَرَحَ لِلْأُمَّةِ حَدِيثَ حُرْمَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَبَيَّنَ مَعَالِمَه، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُبَدِّعُهُ هَذَا "الْحَدَّادِيُّ" الْغَالِي وَيُسْقِطُهُ! شَرَحَ لَهُمْ سِيَاجَ الْحِمَى لِيَحْتَمُوا بِه، فَكَافَأَهُ الْجَاهِلُ بِأَنْ جَعَلَهُ أَوَّلَ مَنْ يُطْعَنُ فِيه! وَمِثْلُ هَذَا كَمَثَلِ أَحْمَقَ كَسَرَ الْمِصْبَاحَ الَّذِي يَسْتَضِيءُ بِه، ثُمَّ جَلَسَ يَشْكُو مِنَ الظَّلَام!

فَإِنِ انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي وَقَالَ يُبَرِّرُ جَرِيمَتَه: "نَحْنُ إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِيمَنْ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَ لِلَّهِ أَصْلًا!" فَقُولُوا لَه: أَتُكَذِّبُ شَهَادَةَ الْأُمَّةِ وَثِقَاتِ عُلَمَائِهَا؟ فَالْإِمَامُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ فِيهِ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَنُصْرَةِ سُنَّةِ نَبِيِّه، وَتَطَابَقَتْ شَهَادَاتُ أَئِمَّةِ زَمَانِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى فَضْلِهِ وَإِمَامَتِه. ثُمَّ جِئْتَ أَنْتَ لِتُخْرِجَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ بِزَلَّةٍ تَأَوَّلَ فِيهَا، مُتَنَاسِيًا أَنَّ الْخَالِقَ الْعَظِيمَ قَدْ رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْمُتَأَوِّلِ الْمُخْطِئ، وَمُتَجَاهِلًا أَنَّ الْعَالِمَ الْمُخْطِئَ مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُور! فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمَا، مِمَّنْ زَكَّاهُمْ ثِقَاتُ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِين، فَمَنْ هُوَ وَلِيُّ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِذَنْ؟

وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَدَاوَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَتْ رَدَّ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ بِدَلِيلِهَا؛ فَقَدْ تَعَقَّبَ الْعُلَمَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمَا صَارُوا أَعْدَاءً قَطّ، وَلَمْ يُسْقِطُوا مِنْ حُقُوقِ بَعْضِهِمْ شَيْئًا. إِنَّمَا الْعَدَاوَةُ الْحَقِيقِيَّة: بُغْضُ الْعَالِم، وَتَتَبُّعُ عَثَرَاتِهِ بِالْمِنْقَاش، وَالْفَرَحُ بِسَقْطَتِه، وَالشَّمَاتَةُ بِزَلَّتِه، وَتَحْرِيضُ الْعَوَامِّ عَلَيْه! فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صَنْعَتَه، فَقَدْ دَخَلَ فِي حَرْبٍ مَعَ قَاهِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض؛ وَالْمُحَارِبُ لِلَّهِ مَهْزُومٌ مَقْهُورٌ وَلَوْ طَالَ بِهِ الزَّمَن.

فَيَا عَبْدَ اللَّه، إِنْ عَجَزْتَ عَنْ نُصْرَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّه، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تُمْسِكَ سِهَامَكَ عَنْهُم! أَتُحَارِبُهُ سُبْحَانَهُ فِي أَحْبَابِهِ الَّذِينَ زَكَّتْهُمُ الْأُمَّة، ثُمَّ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِكَ تَسْأَلُهُ النَّصْرَ وَالتَّوْفِيق؟ مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَدْخُلْ مِنْ بَابِهَا الْأَوْسَع؛ مَحَبَّةِ أَهْلِ اللَّهِ وَوَرَثَةِ أَنْبِيَائِه.

فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَالْكَفُّ عَنْهُم. وَأَمَّا حَرْبُهُم.. فَوَاللَّهِ مَا اخْتَارَهَا أَحَدٌ قَطُّ ثُمَّ أَفْلَح!

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْه. وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِه. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك.

البيانتَدَرَّجْنَا مَعًا وَرَأَيْنَا كَيْفَ عُذِرَ الْمُخْطِئُ، وَكَيْفَ زَكَّتِ الْأُمَّةُ عُلَمَاءَهَا، وَكَيْفَ أُعْلِنَتِ الْحَرْبُ مِنْ قَاهِرِ السَّمَاوَاتِ عَلَى مَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَه. وَالْآن.. قِفُوا لِتَرَوْا هَذَا السِّلَاحَ الْفَاسِدَ الَّذِي يَشْهَرُهُ هَذَا الْغَالِي، وَكَيْفَ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَبْلَ مَشْنَقَةٍ يَلْتَفُّ عَلَى عُنُقِ صَاحِبِه.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْه. وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِه». وَقَالَ ﷺ: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك».

هَذِهِ الْكَلِمَة. إِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ فَمِ صَاحِبِهَا فَلَا تَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ أَبَدًا، وَلَا تَضِيعُ فِي الْهَوَاء.. بَلْ مَتَى أَخْطَأَتْ هَدَفَهَا، اسْتَدَارَتْ لِتُهْلِكَ مُطْلِقَهَا! لَمْ يَكْتَفِ النَّبِيُّ ﷺ بِتَحْرِيمِهَا وَتَأْجِيلِ حِسَابِ صَاحِبِهَا إِلَى الْآخِرَةِ كَبَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ، بَلْ عَجَّلَ جَزَاءَهَا فِي الدُّنْيَا. فَمَنْ أَطْلَقَ التَّكْفِيرَ أَوِ التَّفْسِيقَ فَقَدْ رَمَى بِسَهْمٍ لَا يَرْجِعُ فَارِغًا أَبَدًا؛ إِمَّا أَنْ يُصِيبَ، وَإِمَّا أَنْ يَرْتَدَّ فِي نَحْرِ صَاحِبِه!

وَتَأَمَّلُوا صِيغَةَ الْعُمُومِ: «أَيُّمَا امْرِئٍ»، ثُمَّ صِيغَةَ الْحَصْرِ الْقَاطِعَةِ: «فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا». إِنَّهَا تَعْنِي أَنَّ الْكَلِمَةَ وَاقِعَةٌ عَلَى أَحَدِ الِاثْنَيْنِ حَتْمًا وَيَقِينًا. لَيْسَ هُنَاكَ احْتِمَالٌ ثَالِث! لَيْسَ هُنَاكَ مِنْطَقَةُ فَرَاغٍ يَنْجُو فِيهَا الرَّامِي إِذَا تَسَرَّعَ وَأَخْطَأ! فَمَنْ أَطْلَقَهَا بِجَهْلٍ أَوْ هَوًى عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَزَكَّاهُ ثِقَاتُ الْأُمَّة.. فَلْيَتَصَوَّرْ بِرَبِّهِ أَيْنَ سَيَسْتَقِرُّ السَّهْمُ حِينَ يُخْطِئُ مَرْمَاه!

ثُمَّ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّمْيَ بِالْكُفْرِ شَبِيهًا بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ: «فَهُوَ كَقَتْلِه»! فَاسْتِبَاحَةُ إِيمَانِ الْمُسْلِمِ كَاسْتِبَاحَةِ دَمِهِ تَمَامًا. وَمِنْ هُنَا، أَيْقَنَ أَهْلُ الْعِلْمِ الرَّاسِخُونَ أَنَّ التَّكْفِيرَ وَالتَّبْدِيعَ بَابُ دِمَاءٍ وَأَرْوَاحٍ، لَا بَابُ مُنَاظَرَاتٍ وَثَرْثَرَةِ مَجَالِس! وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ الْقَوَاطِعِ مَا يَحْتَاجُهُ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِالْحُكْمِ بِالْقَتْل.

ثُمَّ زَادَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فَأَدْخَلَ التَّفْسِيقَ فِي الْحُكْمِ ذَاتِهِ: «لَا يَرْمِيهِ بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ.. إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْه». وَهُنَا.. يُغْلَقُ الْبَابُ الْمُحْكَمُ عَلَى الْغَالِي الَّذِي يَهْرُبُ إِذَا حُوصِرَ لِيَقُولَ: "أَنَا لَمْ أُكَفِّرْه! أَنَا بَدَّعْتُهُ فَقَطْ وَفَسَّقْتُه!" فَنَقُولُ لَهُ: لَقَدْ أَدْرَكَكَ الْوَعِيدُ النَّبَوِيُّ وَسَدَّ عَلَيْكَ مَنَافِذَ الْهَرَب؛ فَالْوَعِيدُ يَلْحَقُ الرَّمْيَ بِالْفِسْقِ وَالْبِدْعَةِ تَمَامًا كَمَا يَلْحَقُ الرَّمْيَ بِالْكُفْرِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك. وَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ الْعَالِمَ الْمُتَأَوِّلَ الْمُخْطِئَ لَيْسَ بِفَاسِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ بَلْ هُوَ مَعْذُورٌ وَمَأْجُور.

فَاعْرِضُوا هَذَا الْحَدِيثَ الْعَظِيمَ عَلَى مَنْ يُطْلِقُ التَّبْدِيعَ وَالتَّكْفِيرَ وَالتَّضْلِيلَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَقَاطِعِ، وَقُولُوا لَهُ: يَا مِسْكِين! افْتَرِضْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّكَ أَخْطَأْتَ فِي رَمْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ مِنْ آلَافِ رَمَيَاتِك! أَيْنَ تَرْجِعُ الْكَلِمَة؟ وَأَيْنَ يَسْتَقِرُّ السَّهْم؟ إِنَّهُ مُسْتَقِرٌّ فِي صَدْرِكَ وَدِينِك!

فَإِنِ اسْتَعْظَمَ أَنْ يُقَالَ لَهُ هَذَا فِي نَفْسِهِ، فَكَيْفَ اسْتَسْهَلَ أَنْ يَقُولَهُ فِي أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَوْلِيَاءِ اللَّه؟