كَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَاب. فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِد، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه».
البيانيَا طَالِبَ الْحَقّ، قِفْ عِنْدَ هَذَا الْمَشْهَدِ وَقْفَةَ الْمُتَأَمِّل، فَإِنَّ فِيهِ هَدْمَ الْآلَةِ الَّتِي يُسْقَطُ بِهَا الْيَوْمَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَام، هَدْمًا بِلَفْظِ النُّبُوَّةِ لَا بِقَاعِدَةٍ اسْتَنْبَطَهَا مُتَأَخِّر.
انْظُرْ إِلَى الرَّجُل: مُجَاهِرٌ بِشُرْبِ الْخَمْر، مُقَامٌ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة، حَتَّى ضَجَّ مِنْهُ الْحَاضِرُونَ فَقَالُوا: مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! ثُمَّ انْظُرْ إِلَى اللَّافِظِ بِاللَّعْن: لَمْ يَخْتَرِعْهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهَوًى، بَلْ مَعَهُ نَصٌّ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لُعِنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةٌ»، وَهَذَا الرَّجُلُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ بِظَاهِرِ حَالِه. فَالْوَصْفُ ثَابِت، وَالْعُمُومُ صَحِيح، وَالْمَنَاطُ مُتَحَقِّقٌ فِي الْعَيْنِ تَحَقُّقًا يَرَاهُ كُلُّ نَاظِر.
وَمَعَ ذَلِكَ مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ «لَا تَلْعَنُوه». وَلَمْ يَقُلْ: لَيْسَ بِشَارِب. وَلَمْ يَقُلْ: الْحَدِيثُ فِي اللَّعْنِ لَا يَصِحّ. وَلَمْ يُنْكِرِ الْعُمُومَ وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِه. وَإِنَّمَا مَنَعَ تَنْزِيلَ الْحُكْمِ الْعَامِّ عَلَى هَذَا الْمُعَيَّن، وَعَلَّلَ بِمَا هُوَ أَعْجَب: «فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه». فَجَعَلَ مَا فِي قَلْبِ الرَّجُلِ مِنْ مَحَبَّةٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَانِعًا يَحُولُ بَيْنَ الْعُمُومِ الثَّابِتِ وَبَيْنَ هَذَا الشَّخْصِ بِعَيْنِه.
فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ حُكْمِ الْمَقَالَةِ وَحُكْمِ الْقَائِل، مُقَرَّرًا لَا بِلِسَانِ مُمَيِّعٍ وَلَا بِقَلَمِ مُتَأَخِّرٍ مُتَسَاهِل، بَلْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ حَاضَرَهُ الصَّحَابَة. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَلْيَقِفْ هُنَا، فَمَا بَعْدَ هَذَا بَيَان.
ثُمَّ أَقْبِلْ عَلَى الْمِيزَانِ الَّذِي يَزِنُونَ بِهِ النَّاسَ الْيَوْم، وَقَابِلْهُ بِهَذَا: الْحَدَّادِيُّ كُلُّ آلَتِهِ أَنْ يَجِدَ لَفْظًا عَامًّا فِي ذَمِّ مَقَالَةٍ، ثُمَّ يُنَزِّلَهُ عَلَى مُعَيَّن. يَجِدُ فِي كَلَامِ السَّلَفِ ذَمَّ الْجَهْمِيَّة، فَيُنَزِّلُهُ عَلَى إِمَامٍ تَأَوَّلَ صِفَةً وَاحِدَة. وَيَجِدُ ذَمَّ الْمُبْتَدِعَة، فَيُنَزِّلُهُ عَلَى مَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ السُّنَّة. وَيَقُولُ لَكَ: الْعُمُومُ ثَابِت، فَالْحُكْمُ لَازِم! وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي مَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فَأَيُّ عُمُومٍ تَحْتَجُّ بِهِ أَثْبَتُ مِنْ عُمُومٍ نَطَقَ بِهِ الْمَعْصُوم؟ وَأَيُّ مَنَاطٍ أَظْهَرُ مِنْ مُجَاهِرٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِرَارًا؟
فَيَا هَذَا، إِنْ كَانَ الْمُجَاهِرُ بِالْكَبِيرَة، الْمُتَكَرِّرُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لَا يُلْعَنُ لِأَجْلِ مَحَبَّةٍ فِي قَلْبِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا؛ فَبِأَيِّ مِيزَانٍ يُلْعَنُ وَيُبَدَّعُ وَيُكَفَّرُ إِمَامٌ قَضَى عُمُرَهُ فِي نَشْرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْرَأَ النَّاسَ الْقُرْآن، وَحَرَّرَ السُّنَّةَ وَشَرَحَهَا، وَمَلَأَ الْأَرْضَ عِلْمًا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَى الْيَوْم؟ إِنْ كَانَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَانِعَةً هُنَاك، فَهِيَ فِي هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ وَأَثْبَتُ وَأَكْثَرُ شَوَاهِد.
ثُمَّ تَأَمَّلْ مَوْضِعًا آخَرَ يَفُوتُ الْغَافِل: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَلَمْ يَلْعَنْه. فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْن: إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ بِلَا تَهَاوُن، وَحِفْظُ الرَّجُلِ مِنَ الْإِسْقَاط. وَهَذَا هُوَ الْمِيزَانُ الَّذِي ضَاعَ عِنْدَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مَنْزِلَةً: إِمَّا أَنْ تُقِرَّ الْخَطَأ، وَإِمَّا أَنْ تُسْقِطَ صَاحِبَهُ بِالْكُلِّيَّة. وَالسُّنَّةُ أَنْ تُقِيمَ الْحَدَّ وَتَمْنَعَ اللَّعْنَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِد.
فَيَا مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ عَلَى أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ يُوَزِّعُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ التَّبْدِيعِ وَالتَّكْفِير: قَدْ سَبَقَكَ إِلَى مَقَامِكَ رَجُلٌ فِي مَجْلِسِ النُّبُوَّة، فَقَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً بِمُقْتَضَى نَصٍّ ثَابِت، فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي الْحَال. فَإِنْ كَانَ ذَاكَ رُدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ يَلْعَنُ مُجَاهِرًا بِشَهَادَةِ الْحَدّ، فَمَاذَا أَنْتَ قَائِلٌ يَوْمَ تُسْأَلُ عَمَّنْ لَعَنْتَ وَبَدَّعْتَ وَكَفَّرْتَ مِنْ أَئِمَّةٍ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِمْ حَدٌّ، وَلَمْ يُجَاهِرُوا بِكَبِيرَة، وَإِنَّمَا أَخْطَؤُوا وَهُمْ يَطْلُبُونَ الْحَقّ؟
اللَّهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ مِيزَانٍ يُسْقِطُ أَوْلِيَاءَك، وَنَشْهَدُ أَنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ نَبِيُّك، وَأَنَّ كُلَّ مِيزَانٍ خَالَفَهُ فَهُوَ مِيزَانٌ مَكْسُور.
