بصائر

الوحيُ يحكم، وأئمّةُ الإسلام يشهدون

يا من يعدُّ نفسه على السنة: لا نبدأ معك بخصومة، ولا نسألك أن تُحسِن الظنَّ بنا. نبدأ بما لا يملك مسلمٌ ردَّه: آيةٌ من كتاب الله، ثم حديثٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم شهادةُ أئمة الإسلام قرنًا بعد قرن. فإن سلّمتَ لها أغنتك عمّا بعدها، وإن رددتَها لم ينفعك ما بعدها.

89 نقلًا43 مصدرًا

هذا البابُ درجتان: كلامُ الله وكلامُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو النورُ الحاكم على الخلق كلِّهم؛ ثم أقوالُ أئمة الإسلام تُساق شاهدةً له، كاشفةً عن فقهه، ومبيّنةً أن هذا الميزان لم يكن رأيًا طارئًا، بل هو ما توارثته الأمة جيلًا بعد جيل.

وتحت كل نقلٍ «بيان»؛ لا يزاحم النصَّ ولا يستطيل عليه، وإنما يفتح موضعَ الدلالة، ويجمع أطرافَ الحجة، ويردُّ القارئ من ضجيج الخصومة إلى نور الوحي وفقه الأئمة. فالنقل هو الأصل، والبيان مصباحٌ يكشف ما فيه؛ لا يزيد في سلطانه، ولكنه يمنع أن تمرَّ دلالته على العين وقلبُها غافل.

لا تقوم الحجة هنا على تقديس الأشخاص؛ فصاحب الهوى يُعظّم الرجال ما وافقوه ويطرحهم إذا خالفوه! إنما عُمدتنا الوحي المعصوم (الكتاب والسنة) مشفوعاً بإجماع علماء الأمة قرناً بعد قرن، حتى لا تُرمى الحقائق بـ «التمييع»؛ فإن سلّم الخصم لزمه الحق، وإن زعم ضلال الأئمة وانفراده بالصواب فقد حارب ميراث الإسلام كله!

واعلم يقيناً أن «طالب الحق يكفيه دليلٌ واحد، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل».

عُرضت 6 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

يقول القاضي عبد الجبار (أحد أبرز أركان المعتزلة): «إن القرآن كلام الله ووحيه، وهو مخلوق محدث، أنزله الله على نبيه ليكون علماً ودالاً على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام». ومثله الجاحظ الذي ألف كتابين في خلق القرآن، والزمخشري صاحب الكشاف، وغيرهم من رؤوس المعتزلة الذين صرحوا بخلق القرآن، ونفي الرؤية، وتعطيل الباري عن صفاته. فهل نُقل عن أئمة الإسلام المشهورين تكفير هؤلاء الرؤوس بأعيانهم على هذه المقالات المكفرة؟

البيانقف على هذا التساؤل طويلاً؛ فوالله إنه يمثل "حجر الزاوية" الذي ينسف بنيان الغلو من قواعده، ويكشف عوار المنهج الحدادي المعاصر الذي يتدثر زيفاً بعباءة السلف.

إن هذا الإلزام يضع القوم في زاويةٍ ضيقة، لا مخرج لهم منها إلا بالاعتراف ببدعتهم، أو الطعن صراحةً في إجماع أئمة الإسلام.

تأمل -أرشدك الله- في مقالات المعتزلة؛ لقد أجمعت الأمة قاطبة على أن القول بخلق القرآن، ونفي رؤية الله في الآخرة، وتعطيل الباري عن صفاته، هو كفرٌ صُراح.

وهو بلا ريب أشد ضلالاً، وأغلظ كفراً، وأعظم خطراً مما وقع فيه أئمة الهدى وحراس السنة الذين يطعن فيهم غلاة الحدادية اليوم؛ كالإمام النووي، وابن حجر العسقلاني، والبيهقي، وأضرابهم.

فهؤلاء الأئمة الجبال -رحمهم الله- يقرون إقراراً جازماً بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويثبتون رؤية المؤمنين لربهم في الجنة، ويثبتون الصفات الذاتية، وإنما زلت أقدامهم في تأويل نزرٍ يسير من الصفات الخبرية؛ متأثرين ببعض مقررات المتكلمين، فراراً من التجسيم والتشبيه في ظنهم، وطلباً لتنزيه الخالق جل وعلا. فخطؤهم محصورٌ، وقصدهم حسن، وزلتهم مغمورةٌ في بحار حسناتهم وخدمتهم للإسلام، بينما بدعة المعتزلة أغلظ، ومصادمتهم للنصوص أشد وأقبح.

ومع هذه الشناعة البالغة للمعتزلة، هل كفّر علماء أهل السنة من السلف والخلف أعيانهم؟

الجواب الذي أجمع عليه المحققون من أئمة الإسلام: لا؛ لم يُنقل عن أئمة الهدى تكفير أعيان هؤلاء الرؤوس من المعتزلة، فضلاً عن إخراجهم من دائرة الإسلام. لقد فرّق السلف الصالح تفريقاً حاسماً بين "الحكم على المقالة" بأنها كفر، وبين "تنزيل الحكم على قائلها المعين".

فهذا الإمام أحمد بن حنبل، الذي جُلد في فتنة خلق القرآن على يد رؤوس المعتزلة والجهمية وقضاتهم، لم يُكفر أعيانهم، بل كان يدعو للخلفاء ويستغفر لهم، ويقول كلمته العظيمة وهو يسامح المعتصم: «ما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟».

وهذا الزمخشري، رأس المعتزلة وصاحب الكشاف، لما ترجم له الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، نعته بـ «العلامة، كبير المعتزلة»، وحذّر تحذيراً شديداً من بدعته، ولكنه لم يخرجه من دائرة الإسلام، بل أقر بفضله في اللغة وعامله معاملة المسلم المخطئ.

وكذلك الجاحظ، والقاضي عبد الجبار؛ تُردّ بدعهم، وتُنقض حججهم بقسوة، ولكن تُصان أعراضهم وتجري عليهم أحكام المسلمين، لعذر "التأويل" والجهل بحقيقة مآل أقوالهم.

بل دونك ما هو أصرح من ذلك وأقطع: فهذا الجاحظ نفسه قد روى من الحديث النزر اليسير، وروى عنه الإمام أبو بكر بن أبي داود، ابن صاحب السنن! فقل لي بربك: هل يُروى الحديث عن كافرٍ مرتد؟! والإسنادُ من الدين كما قال ابن المبارك، فكيف يُدخل أئمةُ الحديث في دينهم روايةَ مرتد؟! إن روايتهم عنه شهادةٌ عمليةٌ قاطعة بأنهم عاملوه معاملة المسلم المبتدع، لا الكافر المارق من الملة!

ثم اسمع ميزان الذهبي الناقد البصير حين ترجم له في سير أعلام النبلاء فقال: «كفانا الجاحظ المؤونة، فما روى من الحديث إلا النزر اليسير، ولا هو بمتهم في الحديث، بل في النفس من حكاياته ولهجته، فربما جازف، وتلطخه بغير بدعة أمر واضح، ولكنه أخباري علامة، صاحب فنون وأدب باهر، وذكاء بين، عفا الله عنه». فانظر كيف وزنه بالقسط: أثبت تلطخه بالبدع، ونفى عنه التهمة في الحديث، وأقر له بالعلم والذكاء الباهر، ثم ختم ترجمته بالدعاء له: «عفا الله عنه»! فهل يدعو إمامُ النقاد وجهبذُ الجرح والتعديل بالعفو والمغفرة لمرتدٍّ خارجٍ من الإسلام؟! أم أن الأئمة يعرفون ما جهله الغلاة: الفرقَ بين مقالة الكفر وقائلها المتأول؟

ولئلا يبقى للمكابر متعلَّق، فدونك النص الصريح من شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «وأما من يقول ببعض التجهم كالمعتزلة ونحوهم الذين يتدينون بدين الإسلام باطنا وظاهرا فهؤلاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بلا ريب. وكذلك من هو خير منهم كالكلابية والكرامية». فهذا حكمه الصريح في المعتزلة أنفسهم: من أمة محمدٍ بلا ريب؛ فبأي وجهٍ يُخرج غلاةُ اليوم من هو خيرٌ منهم بمراحل، كالنووي وابن حجر؟!

وهنا نوجه مدفع الحجة إلى صدور الغلاة (كالحدادية ومن سار على دربهم من أمثال محمد بن شمس الدين والخليفي ودمشقية) ونلزمهم إلزاما يكسر ظهورهم، فنقول بملء الفم: إذا كان أئمة السلف والخلف، كأحمد بن حنبل، وابن تيمية، والذهبي ومن سار على دربهم، قد عذروا بالتأويل رؤوس المعتزلة والجهمية -الذين نفوا الصفات، وقالوا بخلق القرآن، وامتحنوا الأمة بالسياط- فلم يُكفروهم بأعيانهم ولم يهدروا إسلامهم.. فكيف تستجيزون لأنفسكم تكفير، أو تبديع، أو إسقاط أئمةٍ جبال كالإمام النووي، وابن حجر، والبيهقي؟! وهم الذين أفنوا أعمارهم في نصرة السنة، وشرح الأحاديث، وقمع المبتدعة!

أيُعذر رؤوس المعتزلة باجتهادهم الباطل وتأويلهم الفاسد، ويكون ورثة الأنبياء وحراس السنة مهدرين مسقطين عندكم؟!

أيُّ ميزانٍ جائرٍ، وأي عقلٍ كاسدٍ هذا الذي تعاملون به سادات الأمة؟!

ثم قف متعجباً أمام هذه المفارقة المضحكة المبكية التي تفضح حقيقة القوم: هل يُعقل في ميزان العقل والدين، أن تُجنّد الطاقات، وتُعقد المجالس، وتُخصص السلاسل المرئية والمناظرات، بل وتُطلب "المباهلات" ليل نهار؛ سعياً محموماً لإسقاط جبال السنة وحراس الشريعة، والطعن في دينهم، وإخراجهم من دائرة أهل الهدى؟! في حين نرى أئمة السلف الأوائل -وهم الأشد غيرةً على التوحيد والأعلم بمقاصده- قد أعرضوا تماماً عن هذا المسلك في الحكم على الأعيان مع من هم أشنع بدعةً وأغلظ كفراً!

فلم نرهم يعقدون محاكم التفتيش، ولم يجيّشوا الأتباع لتكفير أعيان رؤوس المعتزلة والجهمية، ولا عقدوا لتبديعهم وإسقاطهم المهرجانات والمباهلات! بل اكتفوا بهدم مقالاتهم الكفرية بالحجة والبرهان، مع تورعهم التام عن سلب إسلامهم أو إهدار أعيانهم.

ومما يزيد العجب ويقصم ظهر مصداقيتهم: أنك لو نقّبت في أرشيف هؤلاء المتصدرين للفتنة اليوم -أمثال محمد بن شمس الدين، ودمشقية، وأضرابهم- لوجدت مفارقةً تصيب بالذهول! فلم يُعثر لهم على حملاتٍ تُذكر، ولا كلامٍ مستفيض، ولا مجالس تُعقد لتكفير رؤوس المعتزلة المارقين أو الحكم بردتهم البتة! بل غاية ما عندهم مرورٌ باهتٌ وإشاراتٌ عابرة، لا تتناسب أبداً مع شناعة الكفريات والطوام التي ملأت بطون كتب الاعتزال.

كل هذا السكوت المريب والتغافل العجيب يقع رغم أن مصنفات القاضي عبد الجبار، والجاحظ، والزمخشري، لا تزال مبثوثةً منتشرةً ومتداولةً بين أهل التخصص في التفسير واللغة! فكيف بردت غيرتهم المزعومة واستكانت ألسنتهم أمام من صرّح بخلق القرآن وعطّل الخالق جل وعلا، ثم التهبت حناجرهم، وسُلّت سيوفهم، واشرأبت أعناقهم حقداً وغيظاً على أئمة السنة العظام كابن حجر والنووي لمجرد زلةٍ وتأويل؟!

إن هذا التباين العجيب ليدلك دلالةً قاطعةً لا لبس فيها؛ على أن ما يمارسه غلاة الحدادية اليوم ليس من "الغيرة على العقيدة" في شيء كما يدلسون على العوام، بل هو جهلٌ مطبق بقواعد الشريعة، وهوسٌ بالتجريح، وانتفاخٌ مرضي، وغلظةٌ في القلوب، ومسلكٌ خوارجيٌّ خفي، يسعى أصحابه لتسلق أكتاف الكبار، وإسقاط رموز الأمة، وإطفاء مصابيح الهدى ليخلو لهم ظلامُ الساحة؛ فيُصبح اليوتيوبر والجاهل حاكماً على ورثة الأنبياء، وتُبنى الزعامةُ الزائفة على أنقاضهم!

لقد أخذوا شقاً من نصوص السلف (وهو تكفير المقالة) وتركوا الشق الآخر (وهو العذر للمعين بالتأويل والجهل)، فخرجوا بمنهجٍ مسخٍ مبتدع، لا هو إلى السلف يمت، ولا هو بضوابط العلم يلتزم.

فيا أيها المفتون، إن كنت تزعم اتباع السلف، فهذا صنيع السلف وتورعهم مع من أتى بما هو أشنع وأغلظ من زلات النووي وابن حجر. فإن أبيت إلا تسليط سيف التكفير والتبديع والإسقاط على أعيان أئمة السنة، فاعلم أنك قد حكمت -بمنهجك هذا- على الإمام أحمد، وابن تيمية، والذهبي، بالتمييع والإرجاء!

فاختر لنفسك: إما أن تعود إلى رحابة فقه الأئمة وعدلهم، وإما أن تعلن انشقاقك الصريح عن مسلك أهل السنة، لتنضم إلى ركب الخوارج الذين ضاق عليهم ما وسع الأمة المرحومة.

قال الحافظ الذهبي: النواوي: الإمام، الحافظ، الأوحد، القدوة، شيخ الإسلام، عَلَمُ الأولياء، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف، صاحب التصانيف النافعة. وهو سيّد أهل هذه الطبقة، وإنما ذكرتُه في الطبقة العشرين لتقدُّم موته. مُفتي الأمة، شيخ الإسلام، الحافظ الفقيه الشافعي الزاهد، أحد الأعلام. وقد نفَع الله الأمة بتصانيفه وانتشرت في الأقطار. قلتُ: ولا يحتمل كتابُنا أكثر مما ذكرنا من سيرة هذا السيد رحمة الله عليه، وكان مذهبُه في الصفات السمعية السكوتَ وإمرارَها كما جاءت، وربما تأوَّل قليلًا في شرح مسلم، رحمه الله تعالى.

البيانتزكيةٌ (ذهبيةٌ) ثقيلة، تنسف ميزان الغلاة الأعوج، وتضعهم أمام إلزامٍ تاريخي لا فكاك منه!

لِفهم قوة هذا النص؛ اقرأ آخره قبل أوله؛ فإن بيت القصيد فيه هو قوله: «وربما تأوَّل قليلًا في شرح مسلم».

فالحافظ الذهبي يَعلَمُ بوقوع النووي في التأويل، وقد وضع يده عليه في نفس الترجمة، وقيّده بكلمة (قليلاً)؛ ومع علمه التام بهذا الخطأ العقدي.. هل أسقطه؟! هل حذر منه؟! كلا! بل وقّره في صدر الترجمة بأعظم الألقاب التي تغيظ الحدادية، فسماه: (شيخ الإسلام، والإمام، والقدوة، وعَلَم الأولياء، وسيّد طبقته)!

وبهذا التقرير تَسقُطُ دعوى الغلاة الساقطة: "لو عرفتم تأويلات النووي لأسقطتموه كما نسقطه"! فها هو الإمام الذهبي قد عرفها، وأحصاها، وسبرها، ثم ختم سيرته بالتعظيم والترحم. فأيُّهما أعلمُ بحال النووي وعقيدته: الحافظ الذهبي الذي قرأ كتبه ووزن عصره، أم حدثٌ مغرورٌ قرأ عنه سطرين مبتورين في منشورٍ بائس؟!

ثم تأمّل شهادة الذهبي في أصل معتقد النووي: «وكان مذهبه في الصفات السمعية السكوت وإمرارها». فهذه شهادةٌ ناصعة من إمامٍ ناقد بأن (الغالب والأصل) عند النووي هو الإمرار، وأن (التأويل) عارضٌ قليل. بينما صنيع الحدادية هو الانتكاس؛ إذ جعلوا (القليل العارض) أصلاً ينسفون به تاريخ الرجل، وتجاهلوا (الأصل الغالب) الذي قرره الذهبي!

وهنا نضع الحدادية في زاوية الإلزام القاطع: إن الحافظ الذهبي هو إمام أهل السنة في "الجرح والتعديل"، وأنتم تستشهدون بنقده وصرامته في بعض الأحيان! فإن كان ميزانه النقدي مقبولاً عندكم.. فاقبلوا ميزانه وحكمه هنا في حق النووي! وإلا.. فاعترفوا صراحةً بأنكم لا تتبعون العلماء، بل تتخذونهم أنداداً؛ فتنتقون من كلامهم ما يوافق أهواءكم، وتضربون عرض الحائط بما يخالفها!

فيا أيها الطاعن؛ اتهم رأيك وميزانك، وتواضع أمام أئمة الشأن. فوالله إن الإمام الذهبي أشد غيرةً على العقيدة السلفية منك، وأعلم بمراتب الرجال منك.

فاحذر أن تضرب إجماع أئمة الجرح والتعديل بجهلك، فتعود بالخيبة، ويكون طعنك في "عَلَم الأولياء" حسرةً ووبالاً عليك يوم الحساب.

قال العلّامة عبد الله آل الشيخ: ولا نستحقّ مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحدَ لدينا يدّعيها... ثم إنّا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلِّها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصرُه لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم؛ وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرَّزين: كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير. وقال: ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار.

البيانوثيقةٌ تأصيلية تقصم ظهور الغلاة، وتكشف الفجوة العميقة بين (دعوة الأئمة) و(أهواء الأدعياء)!

أولُ ما يصفعك في هذا النص هو (تواضع العلماء) في قوله: «ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها». فالأئمة الكبار يعرفون أقدارهم، ويقرون بحاجتهم لعلوم من سبقهم. بينما نرى الحدث اليوم يتصدر المجالس، فيحاكم النوايا، ويُسقط كبار الأئمة، ويتعامل وكأنه (المجتهد المطلق) الذي وُكل إليه توزيع صكوك السنة والبدعة!

ثم تأمل الطامة الكبرى التي حلت على رؤوس الحدادية في قائمة (المراجع المعتمدة)؛ فقد سرد الإمام أسماءً يرتعد منها الغلاة اليوم: (البيضاوي، والجلالين) في التفسير، و(العسقلاني، والقسطلاني، والنووي، والمناوي) في الحديث!

هؤلاء الأعلام -الذين لا يخلو واحدهم من تأويلات- سماهم الإمام السلفي النجدي: «الأئمة المبرزين»، وصرّح بأن مدرسة الدعوة (تستعين بشروحهم) على فهم الوحيين! فهل كان أئمة الدعوة يجهلون زلاتهم؟! أم كانوا "مميعين" يداهنون أهل البدع؟! حاشاهم؛ بل كانوا على (المنهج السلفي) الذي يزن الرجال بالعدل، فيرد الزلة، ويحفظ الإمامة، ويغتفر في بحر الصواب قليل الخطأ.

ثم انظر كيف خصّ الإمام النووي بثناءٍ عاطر يقطر محبةً ووداً فقال: «ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار». وهنا يُطرح الإلزام القاطع: القوم يتسترون بعباءة (أئمة الدعوة النجدية) ليطعنوا في ابن حجر والنووي! فها هم أئمة الدعوة يصفونهم بـ "الأئمة المبرزين"، ويدعون لهم، ويعتمدون كتبهم.

فإما أن تسيروا على منهج أئمتكم فتعظموا شرّاح السنة، وإما أن تتبرؤوا من منهج أئمة الدعوة وتعلنوا أنكم مدرسةٌ جديدةٌ شاذة قامت على الإسقاط والهدم!

فيا من يدّعي السلفية ونصرة السنة؛ هذا هو منهج سلفك وأئمتك مشرقٌ كالشمس! فبأي حجةٍ تستبيح أعراض أئمة الحديث الذين اعتمدت الأمة عليهم؟!

اتق الله، وأنزل كبرياءك قليلاً لتفهم كلام العلماء المعتبرين، واعلم أن مسعاك في إسقاط شرّاح السنة ومفاتيحها، سيعود عليك بالعمى والحرمان.

ولن تحصد من هذا الغلو يوم القيامة إلا خصومة أئمةٍ حفظوا ميراث النبوة، فبئس الخصوم هم لك بين يدي الله.

قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: ومن أتباعه أبو بكر الباقلاني، والبيهقي، وأبو الفرج ابن الجوزي، وأبو زكريا يحيى النووي، وابن حجر العسقلاني، وأمثالهم ممن تأولوا نصوص صفات الله تعالى، أو فوضوا في أصل معناها، وهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله بهم الأمة، فرحمهم الله وجزاهم خيرًا.

البيانوثيقةٌ معاصرةٌ قاطعة، تسد أبواب المراوغة، وتثبت أن حفظ مقامات الأئمة ليس (زلة قلم) بل منهجٌ سلفيٌّ مطرد!

لا تظن أن إيراد هذه الفتوى هنا مجرد تكرارٍ تاريخي لا طائل تحته؛ بل موضع الحجة فيها بالغ الأهمية! فهي صادرة عن (أعلى هيئة إفتائية سلفية معاصرة)، وقد شملت ثلةً أخرى من كبار الأئمة (كالباقلاني والبيهقي وابن الجوزي وغيرهم).

لقد أثبتت اللجنة وقوع هؤلاء الأعلام في خطأ التأويل أو التفويض، ثم أتبعت ذلك فوراً بالحكم القطعي: «وهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين... فرحمهم الله وجزاهم خيراً».

وهنا يُسدّ الباب الذي يفر منه الحدادي دائماً؛ فحينما نُحاصره بنصوص ابن تيمية والذهبي وابن القيم، يراوغ قائلاً: (هذه كلمةٌ واحدة لها سياقٌ خاص، أو زلة قلمٍ لا يُمثل منهجهم الصارم)!

فنقول له: لو كانت زلة قلم أو كلمة عابرة قيلت في سياقٍ خاص، لَما تكررت عبر القرون، ولَما تبنتها المدارس السلفية واللجان الإفتائية المعاصرة في فتاواها المحررة! فالأمر لا يتكرر هكذا إلا إذا كان (أصلاً ومنهجاً ثابتاً) استقر عند أهل السنة والجماعة جيلاً بعد جيل.

فيا من يزعم اتّباع المنهج السلفي؛ هذه تقريرات كبار علماء السنة في عصرك، تتطابق مع نصوص ابن تيمية والذهبي والشاطبي في عذر الأئمة المتأولين وحفظ إمامتهم!

فهل أصبحت أنت وحدك على السنة وهم جميعاً مميعون مداهنون؟!

اتق الله، وتخلّ عن هذا الكبر الحدادي، واعلم أن شذوذك عن منهج أئمة الإسلام قديماً وحديثاً في هذا الباب، هو انزلاقٌ خطير نحو هاوية الخوارج، الذين لم يروا مسلماً ناجياً على وجه الأرض غيرهم!

فعد إلى جادة العلماء، قبل أن تعزلك قسوتك عن رحمة الله.

قال العلّامة الألباني: مثل النووي وابن حجر العسقلاني وأمثالهم، من الظلم أن يُقالَ عنهم إنهم من أهل البدع. أنا أعرف أنهما من الأشاعرة، لكنهما ما قصدا مخالفة الكتاب والسنة، وإنما وهِما، وظنَّا أن ما ورثاه من العقيدة الأشعرية؛ ظنَّا شيئين اثنين: أولًا: أن الإمام الأشعري يقول ذلك، وهو لا يقول ذلك إلا قديمًا؛ لأنه رجع عنه. وثانيًا: توهَّماه صوابًا، وليس بصواب.

البيانشهادةٌ حديثيةٌ قاطعة من (مُحدّث العصر)، تدمغ الغلو بوصف الظلم، وتفكك مأخذ الشبهة بعذرٍ سلفيٍّ جليل!

لقد أطلق الإمام الألباني هنا حكماً شرعياً صارماً يهز عروش الحدادية؛ إذ سمّى إطلاق وصف "أهل البدع" على النووي وابن حجر: (ظُلماً)! فالحدادي المريض يَظُنُّ أن تبديعه للنووي وابن حجر هو قمة (التحقيق والغيرة على السنة)، والألباني يصفعه بأن صنيعه هذا ليس من الغيرة السلفية في شيء، بل هو (ظلمٌ بيّن) يأباه الشرع ويرده.

وتأمل كيف قطع الألباني الطريق سلفاً على مزايدات الغلاة؛ فقد صرّح قائلاً: «أنا أعرف أنهما من الأشاعرة». فمُحدّث العصر الخبير بالسنة يَعلَمُ زلتَهما بدقة، ولكنه يُعمل القاعدة السلفية الكبرى: "ليس كل من وقع في بدعةٍ وقعت البدعة عليه وصار مبتدعاً"!

ثم غاص الإمام -كعادة الراسخين- في قلب (مأخذ الشبهة) ليُبين علة الإعذار، فبناها على أصلين: الأول: (سلامة القصد)؛ حيث جزم قائلاً: «ما قصدا مخالفة الكتاب والسنة». وهذا أصل الدين، أن الخصومة تَسقُطُ إذا علمنا أن المخطئ كان يُعظم النص ولم يتعمد مصادمته. الثاني: (عذر الوهم)؛ حيث بيّن أنهما وقعا في وهْمٍ تاريخي (بظنهم أن هذا مذهب الأشعري الأخير)، ووهْمٍ إدراكي (حين توهماه صواباً وهو خطأ). فأثبت الخطأ ليرده (وليس بصواب)، وعذر المخطئ لتوهمه وسلامة قصده لكي لا يُسقطه.

فيا من نصب نفسه حاكماً وديّاناً على أئمة الإسلام؛ هذا الإمام الألباني -مجدد السنة وقامع البدعة في عصرك- يَحكُمُ قاطعاً بأن تبديعك للنووي وابن حجر هو محض (ظلم)! فهل أصبحت أعلم بالسنة منه؟! أم هل تظن أن ظلم الأكابر يقربك إلى الله؟!

اتق الله، وأنزل الناس منازلهم، واعلم أن تماديك في هذا المسلك سيعود عليك بالخذلان، وستسأل غداً عن أئمةٍ شتمتهم، وعن ظلمٍ صراحٍ اقترفته بدعوى نصرة الدين.

قال العلّامة ابن عثيمين: فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله سبحانه وتعالى بحوله وقوته - ولا أتألَّى على الله - قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة. فالآن كتاب رياض الصالحين يُقرأ في كل مجلس، ويُقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابًا مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته وفي مسجده. فكيف يُقالُ عن هذين: إنهما مبتدعان ضالان، لا يجوز الترحم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما، ويجب إحراق فتح الباري وشرح صحيح مسلم؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال وبلسان المقال: أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا. من كان يستطيع أن يقدّم للإسلام والمسلمين مثلما قدّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله. فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين، وأمِّنوا على ذلك.

البيانمرافعةٌ سلفيةٌ قاطعة، من إمامٍ راسخ، تكشف المآلات الفاسدة للغلو، وتضع المبتلين بالطعن في الأكابر أمام حجمهم الحقيقي!

في هذا النص، ينتقل الإمام ابن عثيمين من التقرير النظري لقواعد العذر، إلى محاكمةٍ عملية لمنهج الحدادية، كاشفاً أن اللوازم الحتمية لهذا المنهج هي تدمير تراث الأمة، والدعوة لإحراق أعظم مراجع السنة كـ (فتح الباري) و(شرح مسلم).

وأول حججه الساطعة: استدلاله بـ (القَبول العام). فانتشار كتابٍ كـ (رياض الصالحين) في كل مسجد وبيت، ليس مجرد صدفة؛ بل يقرأه العالِم الراسخ كعلامةٍ على أن الله قَبِل عملهما وتجاوز عن خطئهما. فالغالي يسعى لإسقاطهما، وابن عثيمين يرى علامات توفيق الله لهما، حتى إنه يتمنى أن يُرزق كتاباً نافعاً ككتبهما!

ثم يوجه الإمام تحدياً صريحاً للغلاة ببيت الشعر: «أقِلُّوا عليهم... أو سُدّوا المكان الذي سدّوا». وهذا هو المحك الذي يكشف حقيقة المدعين؛ فالذي يتصدر للتبديع اليوم لم يقدم للإسلام عُشر معشار ما قدمه هؤلاء الأئمة، بل غاية طموحه هدم ما بناه غيره. فجاءه التحدي واضحاً: كفّ لومك وطعنك، أو قدّم للإسلام والمسلمين مثل ما قدموا!

ثم يختم الإمام بدرسٍ عملي؛ فلم يكتفِ بنفي البدعة عنهما، بل رفع يديه يطلب لهما المغفرة هما (ومن كان على شاكلتهما)، وطلب من تلامذته (التأمين) على هذا الدعاء، ليقرر أن هذا هو الموقف السلفي الصحيح: إثبات الخطأ، وحفظ المقام، والدعاء بالمغفرة.

فيا أيها المتسرع في تبديع الأئمة؛ أنت تسعى لإسقاطهم بلسانك، والله ينشر علمهم في بيوته ويتقبل نفعهم! فهل تظن أن طعنك سيغلب قَبول الله لهم؟!

اتق الله، واعرف قدرك وقدرهم، وسُدّ مسداً ينفع الإسلام أو كُفّ أذاك عن علمائه. واعلم أنك بمنعك العذر والترحم عنهم اليوم، إنما تغلق على نفسك باب العذر غداً.