بصائر

الوحيُ يحكم، وأئمّةُ الإسلام يشهدون

يا من يعدُّ نفسه على السنة: لا نبدأ معك بخصومة، ولا نسألك أن تُحسِن الظنَّ بنا. نبدأ بما لا يملك مسلمٌ ردَّه: آيةٌ من كتاب الله، ثم حديثٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم شهادةُ أئمة الإسلام قرنًا بعد قرن. فإن سلّمتَ لها أغنتك عمّا بعدها، وإن رددتَها لم ينفعك ما بعدها.

89 نقلًا43 مصدرًا

هذا البابُ درجتان: كلامُ الله وكلامُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو النورُ الحاكم على الخلق كلِّهم؛ ثم أقوالُ أئمة الإسلام تُساق شاهدةً له، كاشفةً عن فقهه، ومبيّنةً أن هذا الميزان لم يكن رأيًا طارئًا، بل هو ما توارثته الأمة جيلًا بعد جيل.

وتحت كل نقلٍ «بيان»؛ لا يزاحم النصَّ ولا يستطيل عليه، وإنما يفتح موضعَ الدلالة، ويجمع أطرافَ الحجة، ويردُّ القارئ من ضجيج الخصومة إلى نور الوحي وفقه الأئمة. فالنقل هو الأصل، والبيان مصباحٌ يكشف ما فيه؛ لا يزيد في سلطانه، ولكنه يمنع أن تمرَّ دلالته على العين وقلبُها غافل.

لا تقوم الحجة هنا على تقديس الأشخاص؛ فصاحب الهوى يُعظّم الرجال ما وافقوه ويطرحهم إذا خالفوه! إنما عُمدتنا الوحي المعصوم (الكتاب والسنة) مشفوعاً بإجماع علماء الأمة قرناً بعد قرن، حتى لا تُرمى الحقائق بـ «التمييع»؛ فإن سلّم الخصم لزمه الحق، وإن زعم ضلال الأئمة وانفراده بالصواب فقد حارب ميراث الإسلام كله!

واعلم يقيناً أن «طالب الحق يكفيه دليلٌ واحد، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل».

عُرضت 6 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

لما قيل للإمام أحمد: إن قومًا يكتبون هذه الأحاديث الرديئة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حكَوا عنك أنك قلتَ: أنا لا أُنكر أن يكون صاحبُ حديثٍ يكتب هذا الحديث يعرفها - فغضب وأنكره إنكارًا شديدًا وقال: باطل، معاذ الله! أنا لا أُنكر هذا؟! لو كان هذا في آحاد الناس لأنكرتُه، فكيف في أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟

البيانهذا موقفٌ مهيب من إمام أهل السنة تجاه (صناعة جمع المثالب والزلات)، وهي الصناعة البائسة التي يعتاش عليها الحدادية وغلاة زماننا! تأملوا كيف لم يقابل الإمام أحمد هذه الفرية بنقاشٍ هادئ بارد، بل غضب غضباً شديداً وقال: «باطل، معاذ الله!». فالغضب في موضعه الشرعي ليس دليلاً على ضعف الحجة، بل هو علامةٌ على تعظيم المنكر في القلب، والغيرة على أعراض المسلمين.

وقوة الحجة البالغة هنا تكمن في التدرج المنهجي للإمام؛ حيث قال: «لو كان هذا في آحاد الناس لأنكرتُه، فكيف في أصحاب محمد؟». يا الله! لقد قرر الإمام أولاً أن تتبع الزلات وجمع المثالب هو "منكرٌ عظيم" حتى لو مُورس ضد عوام المسلمين (آحاد الناس)! ثم استعظم هذا المنكر وضاعفه إذا تم تسليطه على خيار الأمة وأكابرها.

وهذا التأصيل يهدم أصلاً من أصول القوم اليوم؛ فالحدادية جعلوا تتبع زلات الأئمة، وجمع عثراتهم في ملفات ومقاطع، وتصنيف الكتب في أخطائهم.. جعلوه "عِلماً" يُدرس، و"نصيحةً" يُتقرب بها إلى الله! فإن كان هذا الصنيع البشع منكراً في حق العوام والمجاهيل من المسلمين، فكيف بمن يفعله مع حملة الشريعة وأئمة الدين؟!

ثم انظروا إلى داءٍ قديمٍ يتجدد؛ وهو التقول على العلماء: (حكَوا عنك أنك قلت)! نعم، لقد كذبوا على الإمام أحمد ونسبوا إليه زوراً أنه يقر جمع الزلات، فانتفض وكذّبهم. وهذا دأب الحدادية في كل زمان؛ يبترون نصوص الأئمة السالفين، وينسبون إليهم قواعد الغلو الباطلة، ليُشرعنوا بها مناهجهم الفاسدة في الإسقاط.

فيا أيها المتلبس بلباس الجرح والتعديل: إن الإمام أحمد يرى أن جمع زلات (العوام) منكرٌ يُستعاذ بالله منه، وأنت تملأ أدراجك وأجهزتك بملفاتٍ ضخمة لا تحوي إلا زلات أئمة الإسلام كأبي حنيفة وابن حجر والنووي وغيرهم، لتخرجها للناس متفاخراً وكأنك ترفع راية السنة! فهل أنت على عقيدة الإمام أحمد وورعه، أم أنك امتدادٌ للمنهج الخبيث الذي غضب عليه الإمام وأنكره؟!

لقد جعلتَ رأس مالك الذي تلقى به الله تتبع العورات، وبئست البضاعة يوم تُنشر الدواوين.

قال قوام السنة الأصبهاني: أخطأ ابنُ خزيمة في حديث الصورة، ولا يُطعَنُ عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب.

البيانقاعدةٌ سلفية تزن بالذهب، كُتبت في نصف سطر، لتكون دستوراً ربانياً يحكمنا في معاملة الكبار متى ما زلّوا! تأملوا هذا النص العظيم الذي تضمن ثلاثة أمورٍ علمية رُتبت بدقةٍ لا يعرفها الغلاة: (إثباتُ الخطأ بلا تعصب، ثم منعُ الطعن في الإمام، ثم تحديدُ الأثر المترتّب على خطئه).

فالمنهج السلفي هنا يقرر بوضوح: أن المطلوب عند زلة العالِم السني هو تركُ المسألة التي أخطأ فيها فقط (لا يؤخذ عنه هذا فحسب)، وليس هجرَ العالِم، ولا تمزيق عرضه، ولا إحراقَ كتبه، ولا إسقاطه من سجلات أهل السنة كما تفعل الحدادية اليوم! وهذا هو التنزيل العملي الدقيق لقول الإمام مالك: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردّ».

ثم انظروا من هو المُخطئ هنا؟ إنه الإمام (ابن خزيمة)؛ إمام الأئمة، وصاحب الكتاب العظيم «التوحيد»، وعلمٌ من أعلام أهل السنة في باب (الصفات) تحديداً!

ومع ذلك فقد أخطأ في تأويل دقيق في (حديث الصورة)، فهل أسقطه السلف؟!

هل قالوا: هذا مميّعٌ تلوّث ببدع الجهمية؟!

كلا، بل صانوا مقامه، وحفظوا إمامته، وردوا زلته. فإذا كان هذا هو عذر السلف لإمام الأئمة، فكيف لا يُعذَرُ من هو دونه من كبار علماء الإسلام؟!

وانظروا من هو الرادّ والمقيّم؟ إنه الإمام الأصبهاني المُلقب بـ (قَوَام السنة)، وهو من هو في الجلالة والصلابة ونصرة الاعتقاد! فالصلابةُ في العقيدة لم تمنعه من كمال العدل والإنصاف مع المخالف، فهما خصلتان لا تتنافيان قط إلا في عقول الغلاة الضيقة.

فيا أيها الحدادي الذي ينصب المشانق للعلماء على الزلة الواحدة: لو خرج الإمام ابن خزيمة في زمانكم هذا، ووزنتموه بميزانكم الأسود، لبدّعتموه وأسقطتموه وحذرتم من كتابه!

فبأي دينٍ تتعبدون لله؟! إن قوام السنة يعلمنا اليوم أن (الغيرة على العقيدة) لا تعني استباحة لحوم المسلمين، وأن حراسة الدين لا تتم بظلم العباد وإسقاط الأئمة.

فمتى تدرك أيها المتعالم أن لسانك الذي تلوكه في أعراض أئمة الدين بحجة "الغيرة على السنة"، هو سيفٌ من سيوف الظلم والبدعة الخوارجية!

قال الإمام ابن القيم: لو كان كلُّ من أخطأ أو غلِط تُرك جملةً وأُهدرت محاسنُه، لفسدت العلومُ والصناعاتُ والحِكَم، وتعطّلت معالمُها.

البيانقاعدةٌ عقلية وشرعية، وإلزامٌ حتميٌ مرعب، يعري منهج الإسقاط ويثبت أنه معول هدمٍ للحياة والدين!

في سطرٍ واحد، صاغ ابن القيم هذا (الإلزام بالنتيجة)؛ وهو من أشد الحجج فتكاً بالغلاة؛ لأنه لا يناقشهم في مسألةٍ جزئية أو خطأ معين، بل يعرض لهم العاقبة الكارثية لمنهجهم!

فلو طُبقت (قاعدة الإسقاط بالخطأ) باطراد، لم يفسد العلم الشرعي فحسب، بل لفسدت كل علوم الأرض وصناعاتها وحِكَمها؛ إذ لا يخلو عالمٌ ولا طبيبٌ ولا صانعٌ من غلطة.

وتأمل الدقة البالغة في قوله: «تُرك جملةً»؛ فالإمام لم يُنكر (ترك الخطأ)، بل أنكر (ترك العالِم ورده بالكلية) لأجل خطئه!

وهذا هو الفارق الجوهري بين المنهج السلفي في (تصحيح المسألة ورد الخطأ)، وبين المنهج الحدادي في (إسقاط صاحبها ومسح تاريخه).

ثم إن قوله: «وأُهدرت محاسنُه» هو التشخيص الأدق والأوجز لصناعة الغلو اليوم!

فهم يطوون حسنات الإمام كلها، ويمحون جهاده وكتبه في نصرة السنة، ولا يرفعون عقيرتهم إلا بموضع زلته!

بل ويزايدون، فيسمون ذِكر محاسن الأئمة (بدعة الموازنات والتمييع)! بينما ابن القيم يقرر أن إهدار المحاسن هو طريق تعطيل الدين وإفساد معالمه.

فاعرض هذه القاعدة الإسقاطية المدمرة على نفسك أولاً قبل أن تسلطها على الأئمة الأعلام: لو أنك طردت هذه القاعدة وطبقتها بصدق؛ فهل سيبقى في بيتك كتابٌ فقهي تقرؤه؟!

هل سيبقى لك شيخٌ تتلقى عنه؟! بل هل ستبقى أنت نفسك بلا إسقاط؟! إن اطراد هذه القاعدة يُفني كل أحد، ويهدم معالم الشريعة؛ وفي فناء الجميع بها، أعظمُ دليلٍ قطعيٍّ على بطلانها ومخالفتها لشرع الله.

فعد إلى عدل الإسلام، واعلم أن تماديك في إهدار محاسن العلماء سيعود عليك بالخيبة، ويورثك حسرةً وندامةً يوم تُنصب موازين القسط.

قال الحافظ ابن رجب: يأبى اللهُ العصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابه، والمنصفُ من اغتفر قليلَ خطأ المرء في كثير صوابه.

البيانقاعدةٌ حنبليةٌ أثرية، تُعَرِّفُ (الإنصاف) الحقيقي، وتنسف خرافة المثالية الكاذبة التي تتستر بها الحدادية!

في سطرٍ واحد، أرسى الإمام أصلين عظيمين:

الأول: أن العصمة للقرآن وحده لا لكتابٍ سواه.

والثاني: أن الإنصاف هو (اغتفار) الخطأ القليل في بحر الصواب الكثير. فمن جمع هذين الأصلين استقام له منهج التعامل مع التراث الإسلامي كله.

والتفاتةٌ بديعةٌ في الأصل الأول؛ أنه جعله في (الكتب) والمصنفات، لا في الرجال فحسب! فما من كتابٍ بشري -مهما جَلّ مؤلفه- إلا وفيه موضعُ استدراك؛ فهذه سنة الله في خلقه.

فمن اشترط ألا يقرأ كتاباً للإمام النووي أو ابن حجر وغيرهما من أئمة الإسلام إلا إذا خلا من الخطأ تماماً؛ فقد اشترط لبشرٍ ما لم يجعله الله إلا لكتابه الكريم!

ثم انظر الدقة البالغة في تعريفه لـ (الإنصاف): «المنصف من اغتفر». فقد جعل الإمام (الاغتفار والتجاوز) هو عين الإنصاف ذاته، لا أنه تنازلٌ أو تمييع! بينما الحدادية اليوم يقلبون المفاهيم؛ فيسمون (الاغتفار والتجاوز) تمييعاً، ويسمون (تتبع الزلات وتكبيرها) إنصافاً وتحقيقاً!

وقيمة هذه القاعدة تتضاعف حين تعلم أن قائلها هو (ابن رجب الحنبلي الأثري)، وأنه سطرها في (مقدمة كتابه)! والمقدمات -كما هو معلوم- هي مواطن تحرير المناهج وتقرير الأصول، لا مواطن الاستطراد. فهو منهجٌ سلفيٌّ أعلنه الإمام والتزم به واشترطه على قادئه.

فيا من يطارد زلات العلماء في بطون الكتب لتبديعهم؛ إن أردت أن تزن كتاباً أو رجلاً فزنه بهذا القسطاس السلفي: (أقليلٌ خطؤه في كثير صوابه، أم العكس؟).

وأما إن كنت تبحث عن كتابٍ لا خطأ فيه البتة لترضى عن مؤلفه؛ فلن تقرأ على وجه الأرض إلا المصحف!

فاتق الله، واعلم أن حرمانك الأمة من علم الأئمة لأجل زلةٍ مغمورة؛ ليس من الغيرة على السنة في شيء، بل هو ظلمٌ وجحودٌ سيعود عليك بالخسران والندامة.

قال العلّامة عبد الله آل الشيخ: ولا نستحقّ مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحدَ لدينا يدّعيها... ثم إنّا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلِّها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصرُه لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم؛ وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرَّزين: كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير. وقال: ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار.

البيانوثيقةٌ تأصيلية تقصم ظهور الغلاة، وتكشف الفجوة العميقة بين (دعوة الأئمة) و(أهواء الأدعياء)!

أولُ ما يصفعك في هذا النص هو (تواضع العلماء) في قوله: «ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها». فالأئمة الكبار يعرفون أقدارهم، ويقرون بحاجتهم لعلوم من سبقهم. بينما نرى الحدث اليوم يتصدر المجالس، فيحاكم النوايا، ويُسقط كبار الأئمة، ويتعامل وكأنه (المجتهد المطلق) الذي وُكل إليه توزيع صكوك السنة والبدعة!

ثم تأمل الطامة الكبرى التي حلت على رؤوس الحدادية في قائمة (المراجع المعتمدة)؛ فقد سرد الإمام أسماءً يرتعد منها الغلاة اليوم: (البيضاوي، والجلالين) في التفسير، و(العسقلاني، والقسطلاني، والنووي، والمناوي) في الحديث!

هؤلاء الأعلام -الذين لا يخلو واحدهم من تأويلات- سماهم الإمام السلفي النجدي: «الأئمة المبرزين»، وصرّح بأن مدرسة الدعوة (تستعين بشروحهم) على فهم الوحيين! فهل كان أئمة الدعوة يجهلون زلاتهم؟! أم كانوا "مميعين" يداهنون أهل البدع؟! حاشاهم؛ بل كانوا على (المنهج السلفي) الذي يزن الرجال بالعدل، فيرد الزلة، ويحفظ الإمامة، ويغتفر في بحر الصواب قليل الخطأ.

ثم انظر كيف خصّ الإمام النووي بثناءٍ عاطر يقطر محبةً ووداً فقال: «ولله درُّ النووي في جمعه كتاب الأذكار». وهنا يُطرح الإلزام القاطع: القوم يتسترون بعباءة (أئمة الدعوة النجدية) ليطعنوا في ابن حجر والنووي! فها هم أئمة الدعوة يصفونهم بـ "الأئمة المبرزين"، ويدعون لهم، ويعتمدون كتبهم.

فإما أن تسيروا على منهج أئمتكم فتعظموا شرّاح السنة، وإما أن تتبرؤوا من منهج أئمة الدعوة وتعلنوا أنكم مدرسةٌ جديدةٌ شاذة قامت على الإسقاط والهدم!

فيا من يدّعي السلفية ونصرة السنة؛ هذا هو منهج سلفك وأئمتك مشرقٌ كالشمس! فبأي حجةٍ تستبيح أعراض أئمة الحديث الذين اعتمدت الأمة عليهم؟!

اتق الله، وأنزل كبرياءك قليلاً لتفهم كلام العلماء المعتبرين، واعلم أن مسعاك في إسقاط شرّاح السنة ومفاتيحها، سيعود عليك بالعمى والحرمان.

ولن تحصد من هذا الغلو يوم القيامة إلا خصومة أئمةٍ حفظوا ميراث النبوة، فبئس الخصوم هم لك بين يدي الله.

قال العلّامة ابن عثيمين: فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله سبحانه وتعالى بحوله وقوته - ولا أتألَّى على الله - قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة. فالآن كتاب رياض الصالحين يُقرأ في كل مجلس، ويُقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابًا مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته وفي مسجده. فكيف يُقالُ عن هذين: إنهما مبتدعان ضالان، لا يجوز الترحم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما، ويجب إحراق فتح الباري وشرح صحيح مسلم؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال وبلسان المقال: أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا. من كان يستطيع أن يقدّم للإسلام والمسلمين مثلما قدّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله. فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين، وأمِّنوا على ذلك.

البيانمرافعةٌ سلفيةٌ قاطعة، من إمامٍ راسخ، تكشف المآلات الفاسدة للغلو، وتضع المبتلين بالطعن في الأكابر أمام حجمهم الحقيقي!

في هذا النص، ينتقل الإمام ابن عثيمين من التقرير النظري لقواعد العذر، إلى محاكمةٍ عملية لمنهج الحدادية، كاشفاً أن اللوازم الحتمية لهذا المنهج هي تدمير تراث الأمة، والدعوة لإحراق أعظم مراجع السنة كـ (فتح الباري) و(شرح مسلم).

وأول حججه الساطعة: استدلاله بـ (القَبول العام). فانتشار كتابٍ كـ (رياض الصالحين) في كل مسجد وبيت، ليس مجرد صدفة؛ بل يقرأه العالِم الراسخ كعلامةٍ على أن الله قَبِل عملهما وتجاوز عن خطئهما. فالغالي يسعى لإسقاطهما، وابن عثيمين يرى علامات توفيق الله لهما، حتى إنه يتمنى أن يُرزق كتاباً نافعاً ككتبهما!

ثم يوجه الإمام تحدياً صريحاً للغلاة ببيت الشعر: «أقِلُّوا عليهم... أو سُدّوا المكان الذي سدّوا». وهذا هو المحك الذي يكشف حقيقة المدعين؛ فالذي يتصدر للتبديع اليوم لم يقدم للإسلام عُشر معشار ما قدمه هؤلاء الأئمة، بل غاية طموحه هدم ما بناه غيره. فجاءه التحدي واضحاً: كفّ لومك وطعنك، أو قدّم للإسلام والمسلمين مثل ما قدموا!

ثم يختم الإمام بدرسٍ عملي؛ فلم يكتفِ بنفي البدعة عنهما، بل رفع يديه يطلب لهما المغفرة هما (ومن كان على شاكلتهما)، وطلب من تلامذته (التأمين) على هذا الدعاء، ليقرر أن هذا هو الموقف السلفي الصحيح: إثبات الخطأ، وحفظ المقام، والدعاء بالمغفرة.

فيا أيها المتسرع في تبديع الأئمة؛ أنت تسعى لإسقاطهم بلسانك، والله ينشر علمهم في بيوته ويتقبل نفعهم! فهل تظن أن طعنك سيغلب قَبول الله لهم؟!

اتق الله، واعرف قدرك وقدرهم، وسُدّ مسداً ينفع الإسلام أو كُفّ أذاك عن علمائه. واعلم أنك بمنعك العذر والترحم عنهم اليوم، إنما تغلق على نفسك باب العذر غداً.