بصائر

الوحيُ يحكم، وأئمّةُ الإسلام يشهدون

يا من يعدُّ نفسه على السنة: لا نبدأ معك بخصومة، ولا نسألك أن تُحسِن الظنَّ بنا. نبدأ بما لا يملك مسلمٌ ردَّه: آيةٌ من كتاب الله، ثم حديثٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم شهادةُ أئمة الإسلام قرنًا بعد قرن. فإن سلّمتَ لها أغنتك عمّا بعدها، وإن رددتَها لم ينفعك ما بعدها.

89 نقلًا43 مصدرًا

هذا البابُ درجتان: كلامُ الله وكلامُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو النورُ الحاكم على الخلق كلِّهم؛ ثم أقوالُ أئمة الإسلام تُساق شاهدةً له، كاشفةً عن فقهه، ومبيّنةً أن هذا الميزان لم يكن رأيًا طارئًا، بل هو ما توارثته الأمة جيلًا بعد جيل.

وتحت كل نقلٍ «بيان»؛ لا يزاحم النصَّ ولا يستطيل عليه، وإنما يفتح موضعَ الدلالة، ويجمع أطرافَ الحجة، ويردُّ القارئ من ضجيج الخصومة إلى نور الوحي وفقه الأئمة. فالنقل هو الأصل، والبيان مصباحٌ يكشف ما فيه؛ لا يزيد في سلطانه، ولكنه يمنع أن تمرَّ دلالته على العين وقلبُها غافل.

لا تقوم الحجة هنا على تقديس الأشخاص؛ فصاحب الهوى يُعظّم الرجال ما وافقوه ويطرحهم إذا خالفوه! إنما عُمدتنا الوحي المعصوم (الكتاب والسنة) مشفوعاً بإجماع علماء الأمة قرناً بعد قرن، حتى لا تُرمى الحقائق بـ «التمييع»؛ فإن سلّم الخصم لزمه الحق، وإن زعم ضلال الأئمة وانفراده بالصواب فقد حارب ميراث الإسلام كله!

واعلم يقيناً أن «طالب الحق يكفيه دليلٌ واحد، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل».

عُرضت 30 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

لمّا قدِم معاذُ بن جبل رضي الله عنه من الشام سجَد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟» قال: يا رسول الله، إني أتيتُ الشام فرأيتُهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوَدِدتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا».

البيانقف عند حجم الواقعة أولًا، فإن أكثر الناس يمرّ بها ولا يتصوّرها. رجلٌ سجَد لغير الله. والسجودُ أخصُّ ما يكون من العبادة. وليس الساجد رجلًا من عامة الناس، بل معاذُ بن جبل، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلمُ أمتي بالحلال والحرام معاذ». ثم انظر ماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم.

لم يقل: كفرتَ. ولم يقل: خرجتَ من الملة. ولم يُشهِر به في الناس، ولم يجعله موضوع خطبةٍ يحذّر منه فيها. وإنما بدأ بسؤالٍ واحد: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟». فاستفصل قبل أن يَحكُمَ، وهو الذي لا ينطق عن الهوى.

فلمّا بيّن معاذٌ قصده، جاء الجواب: «فَلَا تَفْعَلُوا». نهيٌ حاسمٌ عن الفعل، بلا حكمٍ على الفاعل. ثم زاده بيانًا فقال: «فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». فسدّ الباب سدًّا محكمًا، وعلّمه ولم يهدمه.

وهذا هو الميزان الذي ضيّعه القوم. فالفعل منكرٌ عظيم لا يُقرّ عليه أحد، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُقرّه ولم يُهوّن منه. ولكنه فرّق بين تخطئة الفعل والحكم على صاحبه؛ لأن معاذًا لم يقصد العبادة، وإنما قصد التعظيم عن جهلٍ بحكمه.

ولستُ أنا المستنبِطَ لهذا من الحديث حتى يُقال: تأويلُ مُميِّع. بل هو ما فهمه أهلُ العلم منه؛ قال الشوكاني في «نيل الأوطار» معلّقًا على هذا الحديث بعينه: «فيه دليلٌ على أنّ من سجد جاهلًا لغير الله لم يُكفَّر». جملةٌ واحدةٌ لا تحتمل لفًّا ولا دورانًا: سجودٌ لغير الله، ثم جهلٌ، ثم نفيُ التكفير صريحًا. فإن كان هذا إرجاءً فالشوكانيُّ عندكم مرجئ، وإن كان فقهًا فأعيدوا النظر فيمن أسقطتم.

فتأمل: العذرُ بالجهل الذي ينكره هؤلاء ويسمّونه إرجاءً وتمييعًا، أصلٌ عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعظم باب، وهو باب السجود لغير الله. فإن كان العذرُ بالجهل تمييعًا، فإلى أين ينتهي بكم أصلُكم؟ إنه ينتهي بكم إلى صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معاذ، وحاشاه. وفسادُ اللازم دليلُ فساد الأصل الذي أنتجه؛ فراجعوا أصلَكم قبل أن يبلغ بكم ما لا تحتملونه.

ومن هنا يَسقُطُ اعتراضٌ يكرّره محمد بن شمس الدين كلّما ذُكر العذر بالجهل، فيقول ساخرًا: كيف يكون عالمًا ثم يُعذَرُ بالجهل؟ أعالِمُكم جاهل؟ فيقال له: العذر بالجهل ليس وصفًا للرجل بالجهل المطلق، وإنما هو جهلٌ بمسألةٍ بعينها؛ فليس في الأرض عالمٌ أحاط بكل شيءٍ علمًا، وكلُّ عالمٍ يَعلَمُ ويَجهَلُ. وهذا معاذُ بن جبل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلمُ أمتي بالحلال والحرام معاذ»، جهِل حكم السجود لغير الله فعُذر. أفتقول: معاذٌ جاهل؟ أم تقول: عَلِم أشياء وجهِل هذه؟

فإن كان العذر بالجهل في مسألةٍ واحدة يُسقِطُ هيبةَ العالم ويُخرجه من العلم، فقد سقطت هيبة معاذٍ في مجلسٍ واحد، وحاشاه. وإن لم تَسقُطْ، وهو الحق الذي لا يجادل فيه مسلم، فقد بطل اعتراضك من أصله. ثم إنك تستكثر على النووي وابن حجر أن يجهلا بعض المسائل، وأنت تجهل من مسائل الدين ما لا يُحصى. فمن أولى بأن يُقالَ له: هذا جاهل؟

ثم اسأل هؤلاء الغلاة: النبي صلى الله عليه وسلم استفصل من معاذٍ قبل أن يَحكُمَ، وهو حاضرٌ بين يديه يستطيع أن يسأله. وأنتم تحكمون على أئمةٍ ماتوا قبل قرون بكلمةٍ التقطتموها من صفحة، ولم تسألوهم ولا تستطيعون. فمن أين جاءكم من العلم بقصدهم ما لم يستغنِ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجلٍ ماثلٍ أمامه؟

وإن قال: معاذٌ صحابيّ وله فضله، قيل له: هذه حجةٌ عليك لا لك. فإن كان الفضل السابق يمنع من التسرّع في الحكم، فأين فضل النووي والسيوطي وأبي حنيفة؟ أَوَ لم يفنوا أعمارهم في خدمة السنة؟ فإن كنت لا ترى الفضل مانعًا فقد خالفت صنيع النبي صلى الله عليه وسلم مع معاذ، وإن رأيته مانعًا فلمَ لم تُعمله في الأئمة؟

يا هذا، لو عُرض معاذٌ على ميزانك لخرج من الملة في مجلسٍ واحد، ولقيل: سجد لغير الله فهو مشرك، وانتهت القصة. أفميزانٌ لا يثبت عليه معاذُ بن جبل يصلح أن تزن به أئمة الإسلام؟ فانظر كم إمامًا أسقطتَه به.

واكشف الباعث. إن الذي يجعل الرجل يتعجّل الحكم ليس العلم، فالعلم يورث التوقّف والتثبّت. وإنما هو ضيق العلم مع سعة الدعوى. فالمتمكّن يَعرِفُ كم في المسألة من احتمال فيتأنّى، والمتعجّل لا يرى إلا وجهًا واحدًا فيقطع به. ثم يزيّن له الشيطان أن قطعه هذا قوةٌ في الدين، وإنما هو ضعفٌ في الآلة.

وتأمل رحمة المعلّم صلى الله عليه وسلم: أخطأ أعلمُ الأمة بالحلال والحرام خطأً في أصل الأصول، فما زاده إلا تعليمًا وبيانًا. ثم بقي معاذٌ بعدها إمامًا يُبعث إلى اليمن ليعلّم الناس دينهم. فما أسقطته الزلّة، ولا حُبس عن الإمامة.

فاعرض نفسك على هذا: كم من طالب علمٍ صغيرٍ أسقطتَه بكلمة، وكم من عالمٍ كبيرٍ هدمتَ عمره بسطر. ثم تخيّل نفسك واقفًا يوم القيامة وقد جاء هؤلاء يطلبون حقوقهم، والحسنات تُقتسم.

نسأل الله أن يرزقنا حِلم المعلّم صلى الله عليه وسلم مع المخطئ، وأن يُعافينا من قسوةٍ نظنُّها غيرةً وهي هلاك.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا، ويعرفْ لعالمِنا حقَّه.

البيانأدنوا قليلاً وتأملوا هذا الوعيد النبوي الشديد، الذي ترتجف منه القلوب السليمة وتطير منه الألباب:

قال النبي ﷺ: «ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا، ويعرفْ لعالمِنا حقَّه».

فيا سبحان الله! ما سمع هذا الغالي وعيداً أشد ولا أقسى من هذا اللفظ القاطع: «ليس من أمتي». تأملوا.. لم يقل النبي ﷺ: قد أخطأ، ولا قال: أساء الأدب، بل نفى عنه شرف الانتساب إلى أمته! والعلماء يحملون هذا النفي على نفي الكمال الواجب الذي يُخاف على تاركه الهلاك. وأياً كان معناه؛ فليس بعد أن يتبرأ منك رسول الله ﷺ منزلةٌ يفرح بها عاقل، أو يرجوها مؤمن.

وانظروا كيف جمع الحديث بين خصالٍ ثلاث: إجلال الكبير، ورحمة الصغير، ومعرفة حق العالم. فجعل معرفة حق العالم قرينةً لرحمة الصغير وإجلال الكبير. فكما لا تقوم أمةٌ يأكل كبارها صغارها، لا تقوم أمةٌ يأكل جُهّالها علماءها! الأمة جسدٌ واحد، والعلماء رأس هذا الجسد.. والعجيب أن هؤلاء القوم لا يرون أنهم يقطعون في الرأس، بل يحسبون بجهلهم أن قطع الرأس حمايةٌ للجسد!

وتأملوا بدقة قوله ﷺ: «ويعرفْ لعالمنا حقه». لم يقل: يوافق عالمنا في كل مسألة! ولم يقل: يسكت عن زلته وخطئه! بل جعل الأساس "معرفة الحق"، والمعرفة عملُ قلبٍ يثمر توقيراً في اللسان وإجلالاً في الجوارح. فللعالم حقٌّ ثابت لا تسقطه زلة، كما أن للوالد حقاً محفوظاً لا يسقطه خطأٌ في التربية. ومن لم يَعرِفْ لأهل الفضل والإحسان إحسانهم، فتلك والله علامة لؤمٍ ومرضٍ في الطبع، لا علامة قوةٍ في المنهج ولا غيرةٍ على الدين!

والعجيب من قومٍ نصبوا أنفسهم حراساً للسنة، وأول ما نقضوا من السنة ومزقوه هو هذا الحديث ذاته! يجلس أحدهم في مجالس التبديع، فيحفظ من الطعون في الشيوخ والعلماء أكثر مما يحفظ من أذكار الصباح والمساء! ويتعلم كيف يُسقِطُ العالمَ ويهدمه، قبل أن يتعلم كيف يَعرِفُ له حقه وقدره! فأي انتسابٍ بقي لهؤلاء إلى أمةٍ، علّق نبيُّها ﷺ الانتساب إليها على خصلةٍ جعلوا هم نقضها وهدمها ديناً يُتقرب به؟

فإن انتفخ هذا الغالي وقال: "وهل يدخل في هذا الوعيد من ردَّ على عالمٍ خطأه وبيّن زلته لحماية الدين؟"

فالجواب القاطع: لا وحاشا! فقد ردَّ الأئمة والعلماء بعضهم على بعض منذ الصدر الأول، وما نقص ذلك من حقوقهم مثقال ذرة، لأن الرد بعلمٍ وإنصاف هو من أصل معرفة الحق. إنما ينزل الوعيد الشديد على من جعل الرد وسيلةً إلى الإسقاط، واتخذ "النصيحة" غطاءً للشماتة والتجريح.

فالفرق شاسعٌ والبون واسع.. بين طبيبٍ مشفقٍ ينظف الجرح ليلتئم ويبرأ، وشامتٍ حقودٍ يمزق الجرح ليتسع ويهلك أمة محمد ﷺ!

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافرُ، فقد باء بها أحدُهما؛ إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه. ومَن رمى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله. وقال صلى الله عليه وسلم: لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك.

البيانتدرجنا معاً ورأينا كيف عُذر المخطئ، وكيف زكّت الأمة علماءها، وكيف أُعلنت الحرب من قاهر السماوات على من عادى أولياءه. والآن.. قفوا لتروا هذا السلاح الفاسد الذي يشهره هذا الغالي، وكيف جعله النبي ﷺ حبل مشنقةٍ يلتف على عنق صاحبه.

قال النبي ﷺ: «أيُّما امرئٍ قال لأخيه: يا كافرُ، فقد باء بها أحدُهما؛ إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه. ومَن رمى مؤمنًا بكفرٍ فهو كقتله». وقال ﷺ: «لا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدّت عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك».

هذه الكلمة. إنها تخرج من فم صاحبها فلا تَسقُطُ على الأرض أبداً، ولا تضيع في الهواء.. بل متى أخطأت هدفها، استدارت لتهلك مطلقها! لم يكتفِ النبي ﷺ بتحريمها وتأجيل حساب صاحبها إلى الآخرة كبقية الكبائر، بل عجّل جزاءها في الدنيا. فمن أطلق التكفير أو التفسيق فقد رمى بسهمٍ لا يرجع فارغاً أبداً؛ إما أن يصيب، وإما أن يرتد في نحر صاحبه!

وتأملوا صيغة العموم: «أيما امرئ»، ثم صيغة الحصر القاطعة: «فقد باء بها أحدهما». إنها تعني أن الكلمة واقعةٌ على أحد الاثنين حتماً ويقيناً. ليس هناك احتمال ثالث! ليس هناك منطقة فراغ ينجو فيها الرامي إذا تسرع وأخطأ! فمن أطلقها بجهلٍ أو هوىً على إمام من أئمة المسلمين وزكّاه ثقات الأمة.. فليتصور بربه أين سيستقر السهم حين يخطئ مرماه!

ثم جعل النبي ﷺ الرمي بالكفر شبيهاً بإزهاق الروح: «فهو كقتله»! فاستباحة إيمان المسلم كاستباحة دمه تماماً. ومن هنا، أيقن أهل العلم الراسخون أن التكفير والتبديع باب دماءٍ وأرواح، لا باب مناظراتٍ وثرثرة مجالس! وأنه يحتاج من البينات القواطع ما يحتاجه القاضي قبل أن ينطق بالحكم بالقتل.

ثم زاد الصادق المصدوق ﷺ فأدخل التفسيق في الحكم ذاته: «لا يرميه بالفسوق ولا يرميه بالكفر.. إلا ارتدت عليه». وهنا.. يُغلق الباب المحكم على الغالي الذي يهرب إذا حوصر ليقول: "أنا لم أكفّره! أنا بدّعته فقط وفسّقته!" فنقول له: لقد أدركك الوعيد النبوي وسد عليك منافذ الهرب؛ فالوعيد يلحق الرمي بالفسق والبدعة تماماً كما يلحق الرمي بالكفر، إن لم يكن صاحبه كذلك. وقد علمنا يقيناً أن العالم المتأول المخطئ ليس بفاسق ولا مبتدع بل هو معذور ومأجور.

فاعرضوا هذا الحديث العظيم على من يطلق التبديع والتكفير والتضليل يمنةً ويسرة في المجالس والمقاطع، وقولوا له: يا مسكين! افترض للحظة واحدة، أنك أخطأت في رمية واحدة فقط من آلاف رمياتك! أين ترجع الكلمة؟ وأين يستقر السهم؟ إنه مستقرٌ في صدرك ودينك!

فإن استعظم أن يُقالَ له هذا في نفسه، فكيف استسهل أن يقوله في أئمة الدين وأولياء الله؟

كان رجلٌ على عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم يُلقَّب حِمارًا، وكان يُضحك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب. فأُتي به يومًا فأمر به فجُلد، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يُؤتى به! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنوه، فوالله ما علمتُ إنه يحبُّ الله ورسوله».

البيانيا طالبَ الحق، قف عند هذا المشهد وقفةَ المتأمّل، فإنّ فيه هدمَ الآلة التي يُسقَطُ بها اليوم أئمةُ الإسلام، هدمًا بلفظ النبوّة لا بقاعدةٍ استنبطها متأخّر.

انظر إلى الرجل: مجاهرٌ بشرب الخمر، مُقامٌ عليه الحدُّ مرّةً بعد مرّة، حتى ضجَّ منه الحاضرون فقالوا: ما أكثر ما يُؤتى به! ثم انظر إلى اللافظ باللعن: لم يخترعه من عنده، ولم ينطق بهوًى، بل معه نصٌّ ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لُعن في الخمر عشرةٌ»، وهذا الرجل داخلٌ في عمومه بظاهر حاله. فالوصفُ ثابت، والعمومُ صحيح، والمناطُ متحقّق في العين تحقُّقًا يراه كلُّ ناظر.

ومع ذلك ماذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ «لا تلعنوه». ولم يقل: ليس بشارب. ولم يقل: الحديثُ في اللعن لا يصحّ. ولم ينكر العمومَ ولا شكَّ في ثبوته. وإنما منع تنزيلَ الحكم العامّ على هذا المعيَّن، وعلّل بما هو أعجب: «فوالله ما علمتُ إنه يحبُّ الله ورسوله». فجعل ما في قلب الرجل من محبّةٍ لله ورسوله مانعًا يحول بين العموم الثابت وبين هذا الشخص بعينه.

فهذا هو الفرق بين حكم المقالة وحكم القائل، مقرَّرًا لا بلسان مُميِّعٍ ولا بقلم متأخّرٍ متساهل، بل بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في مجلسٍ حاضره الصحابة. ومن أراد أن يَعرِفَ مذهب أهل السنة في هذا الباب فليقف هنا، فما بعد هذا بيان.

ثم أقبِل على الميزان الذي يزنون به الناس اليوم، وقابله بهذا: الحدادي كلُّ آلته أن يجد لفظًا عامًّا في ذمّ مقالةٍ، ثم ينزله على معيَّن. يجد في كلام السلف ذمَّ الجهمية، فينزله على إمامٍ تأوّل صفةً واحدة. ويجد ذمَّ المبتدعة، فينزله على من أفنى عمره في خدمة السنة. ويقول لك: العمومُ ثابت، فالحكمُ لازم! وهذا بعينه هو الذي منعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم. فأيُّ عمومٍ تحتجّ به أثبتُ من عمومٍ نطق به المعصوم؟ وأيُّ مناطٍ أظهرُ من مجاهرٍ أُقيم عليه الحدُّ مرارًا؟

فيا هذا، إن كان المجاهر بالكبيرة، المتكرِّر عليه الحدُّ، لا يُلعن لأجل محبّةٍ في قلبه لله ورسوله لا يعلمها إلا من أطلعه الله عليها؛ فبأيّ ميزانٍ يُلعن ويُبدَّع ويُكفَّر إمامٌ قضى عمره في نشر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرأ الناس القرآن، وحرَّر السنة وشرحها، وملأ الأرض علمًا يُنتفع به إلى اليوم؟ إن كانت محبّةُ الله ورسوله مانعةً هناك، فهي في هؤلاء أظهرُ وأثبتُ وأكثرُ شواهد.

ثم تأمّل موضعًا آخر يفوت الغافل: النبيُّ صلى الله عليه وسلم أقام عليه الحدَّ ولم يلعنه. فجمع بين الأمرين: إنكارُ المنكر بلا تهاون، وحفظُ الرجل من الإسقاط. وهذا هو الميزان الذي ضاع عندهم؛ فإنهم لا يعرفون بين الأمرين منزلةً: إمّا أن تُقرّ الخطأ، وإمّا أن تُسقِطَ صاحبه بالكلّية. والسنّةُ أن تُقيم الحدَّ وتمنع اللعن في مجلسٍ واحد.

فيا من نصَّب نفسه على أعراض أئمة الإسلام يوزّع عليهم أحكامَ التبديع والتكفير: قد سبقك إلى مقامك رجلٌ في مجلس النبوّة، فقال كلمةً واحدة بمقتضى نصٍّ ثابت، فرُدَّ عليه في الحال. فإن كان ذاك رُدَّ عليه وهو يلعن مجاهرًا بشهادة الحدّ، فماذا أنت قائلٌ يوم تُسأل عمّن لعنتَ وبدَّعتَ وكفَّرتَ من أئمةٍ لم يقم عليهم حدٌّ، ولم يجاهروا بكبيرة، وإنما أخطؤوا وهم يطلبون الحقّ؟

اللهم إنّا نبرأ إليك من ميزانٍ يُسقِطُ أولياءك، ونشهد أن الحقّ ما قاله نبيُّك، وأن كلَّ ميزانٍ خالفه فهو ميزانٌ مكسور.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «كان رجلان في بني إسرائيل متآخيَين، فكان أحدهما يُذنب والآخر مجتهدٌ في العبادة، فكان لا يزال المجتهدُ يرى الآخرَ على الذنب فيقول: أقصِرْ. فوجده يومًا على ذنبٍ فقال له: أقصِرْ. فقال: خلِّني وربّي، أبُعثتَ عليَّ رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، ولا يُدخلك الله الجنة. فبعث الله إليهما ملَكًا فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده. فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظُر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا ربّ. قال: اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة رضي الله عنه: والذي نفسي بيده، لتكلَّم بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته.

البيانيا عبد الله، هذا حديثٌ إن قرأتَه على وجهه ارتجف قلبُك، فإنه يحكي عن عابدٍ مجتهدٍ لا فاسقٍ ولا زنديق، وعن ناصحٍ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ثم يُختم له بما تقشعرّ منه الجلود.

انظر إلى حال الرجل قبل الكلمة: يرى المنكر فلا يسكت، ويكرِّر النصيحة ولا يملّ، ويجتهد في العبادة ولا يفتر. ولو وُزن بميزان الظاهر لكان أرفعَ الرجلين وأقربهما إلى الله. فأيّ شيءٍ أسقطه؟ لم تُسقطه معصيةٌ ارتكبها، ولا شهوةٌ غلبته، وإنما كلمةٌ واحدة تجاوز بها حدَّه: «والله لا يغفر الله لك».

وموضعُ الداء ليس في إنكاره المنكر، فذاك حقّ. وإنما في أنه انتقل من موضع الناصح إلى موضع الحاكم على مآل عبدٍ عند ربّه. فحكم بما لا علم له به، وقطع بما لم يُطلعه الله عليه، وحجَر رحمةً هو نفسه محتاجٌ إليها.

ثم اسمع الجواب الإلهيّ فإنه أدقُّ ما في الحديث: «أتستطيع أن تحظُر على عبدي رحمتي؟» لم يقل له: أكنتَ مخطئًا في وصف ذنبه؟ ولا: أكان الذنب هيّنًا؟ بل ناقشه في الجرأة على مقام الرحمة نفسه. فالجناية ليست في الحكم على الفعل، بل في مصادرة ما هو لله وحده.

فأقبِل الآن على ما جرى في زماننا. هذا رجلٌ خرج على الناس فقال في الحافظ السيوطي: «إن رحمه الله فسيرحم النصارى»، وقال: «إن غفر الله للسيوطي فمن ذا الذي لا يغفر له؟». فوازن بين الكلمتين: كلمةُ العابد قيلت في مصرٍّ على ذنبٍ يراه بعينه، وكلمةُ هذا قيلت في إمامٍ أفنى عمره في خدمة القرآن والسنة، مضت على وفاته قرونٌ والأمة تدرس كتبه وتترحّم عليه.

فإن كان الأول أوبق دنياه وآخرته وهو في مقام النصيحة لأخيه الحاضر، فما ظنُّك بمن جلس بعد خمسة قرون يقطع على إمامٍ من أئمة الإسلام بأن الله لا يغفر له؟ والله إن القلب ليخشع، وإن العين لتدمع، وإن اللسان ليعجز.

وتأمّل فقه أبي هريرة رضي الله عنه إذ لخّص القصة كلَّها في جملة: «تكلَّم بكلمةٍ أوبقت دنياه وآخرته». كلمةٌ واحدة! لا كتابٌ ألّفه، ولا مذهبٌ نصره، ولا عمرٌ أفناه. فما بال أقوامٍ يُطلقون في اليوم الواحد من هذه الكلمات ما لا يُحصى، ثم يبيتون قريري العين؟

وهاهنا فائدةٌ لا تفوتنّك: الشرعُ يأمرك أن تنكر المنكر وتنصح، ولكنه يمنعك من الحكم على النيّات والتألّي على الله. فالنصيحةُ إليك، والخاتمةُ إلى الله. ومن خلط بين البابين فقد وقع في مقام العابد الهالك: أنكر فأحسن، ثم قطع فخسر.

فيا أيها المتألّي على الله في عباده: إن الله لم يجعل مفاتيح رحمته بيدك، ولا استشارك في قسمة مغفرته. فاحفظ لسانك عن مقامٍ لم تُجعل له، فإن الكلمة تخرج من فيك هيّنةً، وقد تكون عند الله من الموبقات.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرام: دمُه، ومالُه، وعِرضُه. بحسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم.

البيانتأملوا كيف جمع النبي ﷺ ثلاث حرماتٍ عظيمة في سلكٍ واحد: الدم، والمال، والعِرض. فجعل العرض قريناً للدم في القداسة والحرمة. وهؤلاء القوم يجلسون فينثرون أعراض العلماء في مجالسهم كما يُنثر الحصى! يمزقونها بالتكفير والتبديع والتجريح ولا يطرف لهم جفن، ولا يشعرون للحظة أنهم انتهكوا حرمةً غليظة!

ثم نقف عند تلك الكلمة الجامعة: «بحسْبِ امرئٍ من الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم».. أي: يكفيه هذا الذنب وحده من الشر ليرديه، ولو لم يكن في صحيفته غيره! فيا عجباً! إذا كان احتقار مسلمٍ واحدٍ من عامة الناس يبلغ بصاحبه هذا المبلغ المهلك من الشر.. فما ظنكم باحتقار عالمٍ نفع الله بعلمه الأمة قروناً طويلة، وزكّاه ثقات علمائها وتلقوه بالقبول؟ من كان وزنه في خدمة الإسلام بالقناطير، هل يحقره نكرةٌ لا يبلغ وزنه في العلم قيراطاً؟!

ولاحظوا بدقة بصيرتكم: لماذا ختم النبي ﷺ حديثَ الحرمات الثلاث بذكر "التحقير"؟ لأن التحقير هو الجسر الأسود الذي يُعبر منه إلى الاستحلال كله! فما استُحل دمٌ، ولا نُهب مالٌ، ولا مُزق عرضٌ، إلا بعد أن هان صاحبه في عين من استحله. والغلو كله يمشي على هذا الجسر الخبيث: يبدأ باحتقارٍ للعالم يمر كخاطرٍ في القلب، ثم ينفثه كلاماً وتطاولاً في المجلس، ثم يتدرج إلى محاولة إسقاطه أمام الناس.. ثم لا يقف هذا السيل الجارف حتى يبلغ التبديع والتفسيق، الذي بيّنا سابقاً كيف يرتد كالسهم المهلك في صدر صاحبه! فمن حرس قلبه في أول الطريق، أمن من الهلكة في آخره.

واعلموا أن أول من أسس مذهب الاحتقار هو إبليس! نظر إلى نفسه المظلمة بعين التعظيم، ونظر إلى آدم بعين الاحتقار فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. فأورثه الاحتقارُ الاعتراضَ على ربه، وأورثه الاعتراضُ الطردَ واللعنة. فكل من احتقر عبداً صالحاً وعالماً ربانياً فهو يمشي على خطى إبليس حذو القذة بالقذة. ولن تجد محتقراً لعلماء الأمة إلا وتحت احتقاره كبرٌ خفي، وإعجابٌ مريضٌ بنفسه! فالكبر هو الداء العضال، والاحتقار ليس إلا عرضاً من أعراضه.

فإذا كان يكفيك من الشر أن تحقر مسلماً واحداً يمشي في الأسواق.. فما هو جزاء من جَعَل تحقير ورثة الأنبياء دأبه وعادته، ومادة مقاطعه، وفاكهة مجالسه؟!

أمسكوا ميزانكم أيها الناس، فوالله ما استخف أحدٌ بعالمٍ ربانيّ إلا خفّ وزنه هو عند الله وعند خلقه، والجزاء دائماً من جنس العمل.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا معشرَ من آمن بلسانه ولم يدخلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم؛ فإنه من اتَّبع عوراتِهم يتَّبعِ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحْه في بيته.

البياناسمعوا النداء قبل أن تسمعوا النهي؛ فالنداء وحده موعظةٌ كاملة تهز أركان القلوب: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه»! لقد جعل الصادق المصدوق الغيبة وتتبع العورات علامةً قاطعة على إيمانٍ باردٍ وقف عند أطراف اللسان، ولم يبلغ شغاف القلب. فيا من جعل تتبع عثرات العلماء وزلاتهم صنعته: لا تسأل أحداً عن حال قلبك القاسي؛ فقد كشف لك النداء النبوي حقيقة مرضك منذ أربعة عشر قرناً!

وتأملوا بدقة قوله ﷺ: «ولا تتبعوا عوراتهم». التتبع -يا عباد الله- هو البحث والتفتيش المقصود؛ ليس أن تقع عينك على الزلة صدفة، بل أن تخرج متعمداً للتنقيب عنها احتقاراً لصاحبها، كما بيّنا من قبل أن الاحتقار هو جسر الاستحلال. وهذه هي حرفة هؤلاء الغلاة اليوم بالضبط! ينقّب أحدهم في شريطٍ سُجل منذ أربعين سنة، أو كتابٍ طُبع منذ قرون، لا يطلب علماً، ولا يبحث عن هدى.. إنما يلهث خلف عثرةٍ يفتتح بها سوق تبديعه، ويعقد بها مجلس طعنه! فسمِّ هذه الصنعة الدنيئة باسمها النبوي الصريح: "تتبُّع العورات"، وانظر في أي خندقٍ وضع النبي ﷺ أصحابها.

واسمعوا الجزاء كيف جاء من جنس العمل تماماً: «من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته». عورةٌ بعورة.. وتتبعٌ بتتبع! لكن قفوا هنا وتأملوا الفارق المرعب: أنت تتبع العورة بعجزك وضعفك البشري، والله المنتقم يتبع عورتك بقدرته وإحاطته التي لا يفلت منها مستتر! وتأملوا قوله: «في بيته»؛ أي في مأمنه ومخبأه حيث أغلق أبوابه ولا يتوقع الفضيحة أبداً! فمن أخرج زلات عباد الله من سترها ليذيعها، أخرج الله عورته من قعر بيته وفضحه على رؤوس الأشهاد.

والواقع المعاصر أصدق شاهدٍ على هذا الوعيد الإلهي. فوالله ما نصب أحدٌ نفسه لهتك أعراض العلماء إلا هتكه الله وقصمه. وقلَّ أن تروا من رؤوس هذا المنهج الإقصائي أحداً إلا وقد فُضح في خاصة أمره! وهذا ما وقع بالضبط عياناً بياناً؛ حيث خرجت فضائح رؤوس الحدادية، أمثال محمد شمس الدين، والخليفي، ودمشقية. فلما حلت بهم الفضيحة الموعودة، ما كان منهم ومن أتباعهم إلا الصياح والتشغيب وطلب الستر! يطلبون لأنفسهم ستراً مزقوه لغيرهم! ومع ذلك، ركبتهم العزة بالإثم، فلم يعتبروا بما وقع لهم، بل استمروا في إجرامهم ونهشهم لأعراض الأولياء.

وبعض هذه الفضائح والتسريبات كانت من داخلهم، فتأملوا كيف أن خصوماتهم بينهم تشهد بذلك أيضاً؛ فإذا اختلفوا وتنازعوا، نشر بعضهم أسرار بعض، وفضح بعضهم بعضاً، فنفّذوا هم بأنفسهم الوعيد النبوي بعضهم في بعض! فسبحان من جعل سياط عدله في أيدي الظالمين يقتص بها بعضهم من بعض!

يا هذا.. إن لك عوراتٍ وخبايا، لو تتبعها الله لكشفها وما قامت لك بعدها قائمة، وإنما تعيش وتتنفس في ستره الجميل! أفتأكل من مائدة الستر، ثم تمضي لتمزق ستور عباد الله وأوليائه؟

استر تُستر، وأقلل من تتبع عثرات الناس يُقلل الله من تتبع عثراتك؛ فالجزاء دائماً من جنس العمل، وأنت الذي تختار بأي الميزانين تُجازى.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما من امرئٍ يخذُل امرأً مسلمًا في موطنٍ يُنتقص فيه من عِرضه ويُنتهك فيه من حُرمته إلا خذله الله تعالى في موطنٍ يحبّ فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلمًا في موطنٍ يُنتقص فيه من عِرضه ويُنتهك فيه من حُرمته إلا نصره الله في موطنٍ يحبّ فيه نصرته.

البيانتأملوا هذا الميزان النبوي الدقيق، الذي يَحمِلُ في طياته وعيداً مرعباً ووعداً عظيماً، ومدارهما على شيءٍ واحد: العرض والحرمة!

فمن سكت عن نصرة مسلمٍ يُنتقص عرضه ويُمزق.. خذله الله أحوج ما يكون للنصرة. ومن انتفض غيرةً وذبّ عن عرض أخيه.. تكفل جبار السماوات والأرض بنصرته. ثم تأملوا: هذا الوعيد الشديد فيمن يخذل «امرءاً مسلماً» عادياً من آحاد الناس! فإذا كان الوعيد على مجرد "الخذلان والسكوت" بهذه الشدة، فما هو حال هذا الغالي الذي يتولى بنفسه حِمل الانتقاص والانتهاك؟! وما هو مصيره إذا كان من ينتهك عرضه ويمزق لحمه إماماً من أئمة المسلمين نفع الله به الأمة قروناً متطاولة؟!

وفي هذا الحديث البليغ، جوابٌ قاطع لمن يقول لنا مستنكراً: "لماذا تنشغلون بالدفاع عن أمواتٍ أفضوا إلى ما قدموا؟" والجواب: لأن نصرة المسلم في عرضه والذب عن حماه، ليس نافلةً أو تطوعاً نتبرع به متى شئنا؛ بل هو بابٌ عظيم من أبواب الشريعة، من تركه عوقب بالخذلان الإلهي، ومن دخله نال النصر الرباني. واعلموا أن السكوت في مجالس هتك الأعراض ليس "حياداً" كما يَظُنُّ البعض! بل جعل الحديثُ الساكتَ "خاذلاً"، ورتب عليه الخذلان. فمن عجز عن كلمة الحق، فلا أقل من أن يمسك لسانه، ولا يشاركهم إثم المجالس.

ثم انظروا إلى عجب العجاب في هؤلاء القوم، وكيف يفضحهم الله بموازينهم المختلة! يشنعون علينا دائماً ويقولون: "أنتم تدافعون عن علماء أشاعرة أخطأوا!".. فيا سبحان الله! نحن إن دافعنا، فإنما نذب عن أعراض "مسلمين"؛ أئمةٍ وعلماء من أهل القبلة، أخطأوا وتأولوا، لكنهم خدموا دين محمد ﷺ ورفعوا رايته، والحديث يأمرنا بنصرة "المرء المسلم". لكن انظروا إلى بضاعتهم هم، وإلى رأس من رؤوسهم كمحمد شمس الدين.. لقد ترك نصرة إخوانه المسلمين، ونصب نفسه محامياً ومنافحاً عن النصارى والملاحدة! يقف في خندقهم، ويرد الحجج القوية التي يوجهها إخوانه المسلمون للنصارى، وهو في رده مخطئٌ مهزوم وحقُّ المسلمين أبلج! حتى انقلبت الآية والموازين؛ فصار يُزكي الملاحدة ويدافع عن النصارى، وصار النصارى والملاحدة يمدحونه ويثنون عليه، بينما يعادي هو أهل الإسلام ويمقته المسلمون!

أفتعيبون علينا دفاعنا عن أئمة الإسلام من أهل القبلة عملاً بحديث رسول الله، ثم تسكتون عمن جعل نفسه محامياً ودرعاً للنصارى والملاحدة ضد إخوانه المسلمين؟! فبئست القسمة قسمتكم، وبئس الميزان ميزانكم! والجزاء دائماً من جنس العمل، فمن خذل أولياء الله.. سلّطه الله ليُنافح عن أعداء الله.

نعوذ بالله من الخذلان وموت القلوب.

قال أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محمَلًا.

البيانتأمّل موضع القيد في كلام عمر: «وأنت تجد لها في الخير محمَلًا». فليس النهيُ عن الحكم مطلقًا، وإنما مناطُه وجودُ الاحتمال؛ فمتى احتملت الكلمةُ وجهًا حسنًا حرُم حملُها على السوء، ولو كانت تحتمله.

وحرّر شيخ الإسلام ابن تيمية الميزان بلفظٍ لا يحتمل التأويل فقال: «وليس لأحدٍ أن يَحمِلَ كلامَ أحدٍ من الناس إلا على ما عُرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كلّ أحد». فالعبرةُ بما عُرف من مراد الرجل من مجموع كلامه، لا بما يحتمله اللفظُ مجرَّدًا عن صاحبه. وعامّةُ ما يُسقَطُ به الأئمةُ اليوم ألفاظٌ محتملة، انتُزعت من سياقها، وحُملت على غير ما عُرف من مذهب أصحابها.

وسمّى ابن القيم الداءَ باسمه فقال: «ما أكثر ما يَنقُلُ الناسُ المذاهبَ الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة!». فالمذهب الباطل الذي يُنسب إلى الإمام ليس مذهبَه في الحقيقة، وإنما هو مذهبٌ ركّبه الناقلُ بفهمه القاصر ثم علّقه في عنق الإمام.

وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «ومن أعظم المحرَّمات وأشنع المفاسد إشاعةُ عثراتهم، والقدحُ فيهم وفي غلطاتهم. وأقبحُ من هذا وأقبح: إهدارُ محاسنهم عند وجود شيءٍ من ذلك. وربما يكون - وهو الواقع كثيرًا - أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويلٌ سائغ، ولهم اجتهادهم فيه: معذورون، والقادحُ فيهم غيرُ معذور».

فتأمّل هذه الجملة وحدها: «معذورون، والقادحُ فيهم غيرُ معذور». فالذي يَظُنُّ أنه ينتصر للسنة بتتبّع زلّاتهم، هو الواقعُ في الإثم دونهم؛ لأنّهم اجتهدوا فأخطؤوا، وهو تعمَّد القدحَ عن بصيرة.

وبهذا يفترق الفريقان كما قال السعدي: أهلُ العلم الناصحون قصدُهم «سترُ عورات المسلمين، وعدمُ إشاعة غلطاتهم، والحرصُ على تنبيههم، والذبُّ عن أعراض أهل العلم والدين»، وأهلُ البغي قصدُهم الإشاعةُ والإسقاط. ثم ختمها بسؤالٍ يُسكت كلَّ متعالم: «أيُّ عالمٍ لم يخطئ؟ وأيُّ حكيمٍ لم يعثر؟».

يا هذا إن لك عثراتٍ تحبّ أن يسترها الله، وكلماتٍ خرجت منك تحتمل الشرّ، لو أُخذت بالميزان الذي تزن به الأئمة لأهلكتك. فمن ستر مسلمًا ستره الله، ومن تتبّع عورةَ أخيه تتبّع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته.

فادفن عثرة أخيك كما تحبّ أن تُدفن عثرتُك، ولا تسأل ربَّك سترًا تمنعه أنت عن عباده؛ فإنك تُكال بالمكيال الذي تكيل به.

عن طارق بن شهاب قال: كنتُ عند عليٍّ حين فرغ من قتال أهل النهروان، فقيل له: أمُشركون هم؟ قال: «من الشِّرك فرُّوا». فقيل: أمنافقون؟ قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا». قيل: فما هم؟ قال: «قومٌ بغَوا علينا فقاتلناهم».

البياناستحضروا أولاً السجل الأسود للقوم الذين سُئل عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. هؤلاء الخوارج كفّروا عثمان، وكفّروا علياً، وكفّروا جمهور الصحابة! ومزقوا الأمة باسم الدين، واستحلوا الدماء المعصومة، حتى قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت وهو أعزل، وبقروا بطن جاريته الحامل!

فالقضية هنا ليست زلةً في حاشية كتاب لإمام خدم كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خطأً في تأويل صفةٍ في شرح حديث! القضية هنا دماءٌ، واستحلالٌ، وتكفيرٌ لأكابر الصحابة!

ثم اسمعوا الجواب العجيب من أعرف الناس بحالهم؛ حين سُئل: أمشركون هم؟ قال: «من الشرك فروا». فقيل: أمنافقون؟ قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً». قيل: فما هم؟ قال: «قومٌ بغوا علينا فقاتلناهم».

ثلاث كلماتٍ من أمير المؤمنين تُسقِطُ دعوى الشرك عنهم، وتنفي عنهم النفاق، ثم تنزلهم منزلتهم الشرعية بدقة: فلا شرك ولا نفاق، بل بغيٌ وعدوان يُقاتَل عليه.

وقوة الحجة هنا، أن القائل هو الإمام الذي سلّ سيفه وقاتلهم بنفسه، وسُئل وقد فرغ لتوّه من قتالهم! فلو كان في تكفيرهم وجهٌ مقبول، لكان أولى الناس به من رفع عليهم السيف وتأذى بضلالهم وسفكهم للدماء. ولكنه قاتلهم ولم يكفّرهم؛ فجمع رضي الله عنه بين الحزم في نصرة الحق، والعدل في الحكم على المخالف.. وهما خصلتان يَظُنُّ الغالي الحدادي أنهما لا يجتمعان أبداً!

وهنا يبرز تشابهٌ عجيب تقشعر منه الأبدان بين الخوارج والحدادية! فالخوارج الأوائل رفعوا شعار "إنِ الحكم إلا لله"، وهي كلمة حقٍ أرادوا بها باطلاً؛ فكفّروا بها خيار الأمة واستباحوا دماءهم. والحدادية اليوم يرفعون شعار "صيانة العقيدة والتوحيد"، وهي كلمة حقٍ جعلوها مقصلةً لتمزيق أعراض أئمة الدين، وإسقاط علمائه، وتضليل من حفظ الله بهم السنة! فالأولون استباحوا الدماء باسم الدين، والآخرون استباحوا الأعراض باسم العقيدة.

بل والله إن الخوارج -على عظيم ضلالهم وفساد مذهبهم- كانوا أحسن حالاً من هؤلاء! فقد شهد لهم النبي ﷺ بكثرة الصلاة والصيام وتلاوة القرآن، فكانوا أصحاب عبادةٍ وصدقٍ في تمسكهم بظواهر النصوص وإن ضلوا في فهمها. أما حدادية اليوم المفتونون؛ فلا أخلاق الإسلام أبقوا، ولا عبادة الخوارج حصّلوا، ولا علم السلف أو الخلف أدركوا! بل إنهم لا يحسنون قراءة القرآن وتلاوته فضلاً عن تفسيره، ولا يقيمون ألسنتهم بقراءة الأحاديث النبوية بشكل صحيح -والمقاطع المبثوثة توثق فضائحهم وعجمتهم في ذلك-؛ لجهلهم المدقع بلغة العرب التي هي مفتاح الفهم. ناهيك عن تعطيلهم لآلة الفهم الكبرى وهي "العقول"، فعقولهم معطلةٌ عن القياس والتدبر والاعتبار! فلم يجمعوا إلا قسوة القلب، وسوء الخلق، وبذاءة اللسان، والجهل المركب!

فالمنبع للفرقتين واحد: غلوٌ أعمى، وجهلٌ مركب، وقسوةٌ طاغية لا تَعرِفُ فقهَ الرحمة ولا ميزان العدل.

ثم طبقوا هذا القياس القاهر على من شئتم: إذا كان الخارجي مستحل الدماء ومكفِّر الصحابة لم يخرج من الإسلام عند علي رضي الله عنه.. فبأي ميزانٍ شيطاني يخرج من الملة أو يُسقَطُ من السنة إمامٌ من أئمة الدين، تأول صفةً وهو يَظُنُّ -خطأً- أنه ينزه الله بها؟!

وهذا قياسٌ لا مهرب للحدادية منه؛ إذ لا يستطيع أجرأهم أن يقول: الخوارج أهون حالاً وأقرب للسنة من النووي وابن حجر!

وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الواقعة شرحاً يحسم النزاع، فقال مبيّناً الدليل العملي القاطع على عدم كفرهم: «ولهذا لم يَسْبِ حريمهم ولم يغنم أموالهم».

فلو كانوا كفاراً مرتدين لجرت عليهم أحكام الردة في المال والذرية، ولكن السيف الذي رُفع عليهم كان سيف "دفع البغي والعدوان" لا سيف "تكفير وردة".. وهو فرقٌ دقيق يعرفه الفقهاء الراسخون، ويجهله الغلاة المتعالمون، فيظنون أن كل من ضلَّ وقوتل فقد كُفِّر!

ولاحظوا أنه لم يقاتلهم على مجرد مقالتهم البدعية، وإنما قاتلهم لما تجاوزوا إلى سفك الدم الحرام؛ فالمقالة تُرَدُّ بالحجة والبرهان، والاعتداء يُدفع بالسيف والسنان.

ثم ختم شيخ الإسلام كلامه بقاصمة الظهر التي لا جواب عنها، فقال: «وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالُهم بالنصّ والإجماع لم يُكفَّروا.. فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحقُّ في مسائلَ غلِط فيها من هو أعلمُ منهم؟».

وأدق ما في هذه العبارة الجليلة قوله: «غلِط فيها من هو أعلم منهم»؛ فالمسائل التي يُسقِطُ بها الغلاةُ أئمة الأمة اليوم، قد زل فيها وأخطأ من هو أعلم وأجلّ من المبدِّع والمبدَّع جميعاً!

فإن أراد الحدادي المراوغة والهرب من هذا الإلزام الخانق، فقال: "حسناً! إذا كان الخوارج معذورين ولم يكفرهم الصحابة.. فاعتبرونا نحن أيضاً متأولين مجتهدين، واعذرونا كما عُذر الخوارج ولا تشنعوا علينا!"

فيقال له: يا سبحان الله! ما أوقح هذا الهرب وما أشد فضيحته!

أولاً: أتعلم ما معنى أن نعتبركم كالخوارج؟! إن عليّاً رضي الله عنه لم يكفرهم، نعم، ولكنه لم يتركهم يفسدون في الأرض! بل جند الجنود، وسل السيف، وقاتلهم، واستأصل شأفتهم، وحذر الأمة من ضلالهم، وسماهم النبي ﷺ "كلاب أهل النار"! فهل تريدون منا أن نعذركم هذا العذر ونسكت عنكم وأنتم كلاب أهل النار؟! فعدم التكفير شيء، وإقرار الباطل والسكوت عنه شيء آخر تماماً!

ثانياً -وهو المقتل الذي ينسفكم-: إنكم بمراوغتكم هذه تطالبوننا بأن نعاملكم بميزان "أهل السنة" (الذي يَعذُرُ المتأول والمخطئ لحسن قصده)، بينما تعاملون أنتم أئمة الإسلام بميزان "الخوارج" (الذي لا يَعذُرُ أحداً، ويستبيح الأعراض بالظنون)!

تطلبون الرحمة والاعتذار لأنفسكم في بغيكم وطعنكم للأئمة، وتمنعون الرحمة عن الأئمة في زلة تأويل! فأنتم تناقضون أنفسكم من حيث لا تشعرون.

فإن كان ميزانكم (الذي لا يَعذُرُ المخطئ) حقاً.. فأنتم أولى بالتكفير والتبديع والهلاك لسوء صنيعكم وتطاولكم على العلماء!

وإن كان ميزاننا (الذي يَعذُرُ المجتهد المخطئ) حقاً.. فقد بطل مذهبكم من أساسه، وحرم عليكم إسقاط العلماء بالأخطاء والزلات!

فأنتم بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تحكموا على أنفسكم بالضلال والكفر بميزانكم، أو تُقروا ببطلان مذهبكم بميزاننا!

فاعتبروا يا أولي الأبصار: أيفعل الحدادية بأئمة السنة وعلمائها، ما لم يفعله علي بن أبي طالب بمن كفروه وقتلوا أصحابه؟!

فلينظر هذا الغالي المفتون: أهو أشد غيرةً على دين الله من علي بن أبي طالب؟ أم أن ميزان العدل قد تحطم في قلبه؟!