أوّلًا: النشأة والتَّسمية
لا تُعدّ «الحدّاديّة» فِرقةً قديمة في كُتب المِلَل والنِّحَل، بل هي نَبتةٌ خَبيثةٌ حَديثة، تُنسَب إلى مُؤسِّسها محمود أحمد الحدّاد المصري (المولود سنة 1374 هـ تَقريبًا) من مَدينة طنطا بمحافظة الغربيّة بمصر.
ومعنى هذا الكلام أمرٌ مُهمّ ينبغي أن يَتّضح من البداية. كُتب المِلَل والنِّحَل هي الكُتب التي دوَّن فيها العلماء قديمًا أسماء الفِرَق المُنحرفة وعقائدها، مثل الخوارج والمُعتزلة والرافضة. ولن تَجد فيها اسم «الحدّاديّة»، لأنّها لم تُوجَد يومئذ. فهي فِرقة وُلدت في العصر الحديث، ولم تَبلغ من العُمر إلا عُقودًا قليلة.
ثمّ إنّ اسمها ليس اسمًا لمَذهبٍ ولا لمَدرسةٍ علميّة، وإنّما هو نِسبةٌ إلى رجلٍ واحد. وهذه في نفسها علامة. فالمذاهب المُعتبَرة تُنسَب إلى أئمّة لهم تلاميذ وأُصول وكُتب ومَدارس، أمّا هذه فتُنسَب إلى شخصٍ اشتهر بشيءٍ واحد: الطعن في العلماء. وقد أطلق عليهم هذا الاسمَ العلماءُ الذين تَصدَّوا له وردّوا عليه، لأنّه هو الذي جَمع أُصولها ونَشرها.
سياق النشأة
- عَمل محمود الحدّاد في المُحاسبة، ثم انتقَل من مصر إلى السعودية، واستَقرَّ في المدينة المنوّرة.
- تَلقَّى العلم على بعض المشايخ، وتَستَّر بعَباءة السلفيّة.
اشتَغل فترةً مع الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وسُرعان ما انفَصَل عن المدخلي — لكنّه لم يَنفَصل لأنّ المدخلي مُتشدِّد، بل لأنّ المدخلي «غير مُتشدِّد كفايةً»! إذ رأى الحدّاد أنّ المدخلي يَكتفي بتَبديع الأحياء، فأراد التَّوسُّع لِيَطعن في الأموات أيضًا.
ولنَقف عند كلّ نقطة من هذه النقاط قليلًا، لأنّ فيها مِفتاح فَهم الفِرقة كلّها.
أنّه عَمل في المُحاسبة ليس عيبًا في نفسه، فالمهنة لا تُنقص من أحد. لكنّ موضع الفائدة أنّ الرجل لم يَنشأ في طلب العلم الشرعي من صِغره، ولم يَتخرّج من مَدرسةٍ علميّة، ولم يَحمل إجازةً ولا شهادةً في هذا الباب. ثمّ تَصدَّر بعد ذلك للحُكم على كِبار أئمّة الإسلام. وهذه أوّل ملاحظة ستَتكرّر مع كلّ من جاء بعده على طريقته: ضَعفٌ في التحصيل، وجُرأةٌ في الأحكام. والقاعدة أنّ الرجل كلّما قلَّ عِلمه بالمسألة زادت جُرأته عليها، لأنّه لا يَرى الصعوبات التي يَراها العالِم.
وأمّا انتقاله إلى المدينة المنوّرة فله دلالة. فقد كانت المدينة يومئذ من أنشط بِيئات طلب العلم، يَقصدها الطلاب من كلّ بلد. فوجَد فيها الرجل ما يُريد: حَلقاتٍ يَحضرها، ومُصطلحاتٍ يَحفظها، وسُمعةً يَبنيها بين الشباب. والبيئة العلميّة نافعة لمن دخلها طالبًا، ضارّة على من دخلها باحثًا عن مكانة.
وأمّا قولنا إنّه تَستَّر بعَباءة السلفيّة فمعناه بعبارة بسيطة: أنّه استعمل كلامَ أهل السنّة وألفاظهم وهَيئتهم، بينما كان يَبني شيئًا آخر تمامًا. فتكلَّم عن التوحيد والسنّة والبِدعة والاتّباع، وهذه كلّها ألفاظ صحيحة، لكنّه أفرغها من ضوابطها. وهذا أخطر أنواع الانحراف، لأنّ الشابّ الذي يَسمعه لا يَشعر أنّه أمام شيء غريب؛ بل يَظنّ أنّه يَسمع السنّة نفسها في أعلى صُورها. ولهذا كان خَطره على حَسَن النيّة أشدّ من خَطر رجلٍ يُعلن مُخالفته للسنّة صراحةً؛ فذاك يُعرَف من أوّل كلمة، وهذا لا يُعرَف إلا بعد فَوات الوقت.
وأمّا اشتغاله في مَشروع تَتبُّع زلّات العلماء المعاصرين، فهذا هو المَعمل الذي تكوَّن فيه. ومعنى «تَتبُّع الزلّات» أن يَقرأ الرجلُ كُتبَ العالِم ومَقاطعَه لا ليَستفيد منها، بل ليَبحث عن خطأ يُمسك به عليه. وهذا في نفسه عَملٌ مُنحرف، لأنّ طالب العلم يَقرأ ليَتعلَّم، فإذا وجَد خطأً بيَّنه ومضى. أمّا الذي يَقرأ ليَصطاد فهو يَنتظر الخطأ ويَفرح به، لأنّ الخطأ عنده هو المادّة التي يَعيش عليها. وشتّان بين من يُصحِّح الخطأ ليَنتفع الناس، ومن يَجمع الأخطاء ليُسقط أصحابها.
وأمّا سبب انفصاله، فهو أعجب ما في القصّة وأدلّ ما فيها على حقيقة الرجل. لم يَنفصل لأنّه رأى في المشروع تَشدُّدًا فأنكره، بل لأنّه رأى فيه تساهُلًا! رأى أنّ الاقتصار على تبديع الأحياء توقُّفٌ في منتصف الطريق، فأراد أن يَمضي إلى آخره: أن يُبدِّع الأموات أيضًا.
والفَرق بين الأمرين كبير. فالعالِم الحيّ يُمكن أن يُناقَش ويُراجَع ويَرجع عن خطئه ويُبيِّن مُراده. أمّا الميّت فقد أفضى إلى ما قدَّم، ولا يَستطيع أن يَدفع عن نفسه تُهمة، ولا أن يَشرح عبارةً أُسيء فهمها. ثمّ إنّ هؤلاء الأئمّة الذين مضوا ليسوا أشخاصًا فقط؛ إنّهم كُتبٌ يَقرؤها المسلمون منذ قُرون، وشُروحٌ للقرآن والحديث بُني عليها تعليم الأمّة كلّه. فالطعن فيهم ليس طعنًا في رجل، بل هَدمٌ لجِسر عبَر عليه الدِّين إلى الناس.
فتأمَّل: أوّل خُطوة خطاها الرجل في طريقه المستقلّ لم تكن طلبًا لعلمٍ فاته، ولا تصحيحًا لخطأ وقع فيه أصحابه؛ وإنّما كانت طلبًا لسِلاحٍ يَرى أنّهم لم يَبلغوا به مُنتهاه.
قال ربيع المدخلي نفسه: «الحدّاديّون قادهم رجلٌ صاحبُ هَوًى، صاحبُ حَسَدٍ وبُغضٍ واحتقارٍ للعلماء، حياتُه وهو في مصر قبل أن يأتي إلى البلاد معروفٌ بالطعن في العلماء والإساءة إليهم.»
وهذه الشهادة لها وزن خاصّ، ينبغي أن يَنتبه له القارئ. فالشيخ ربيع المدخلي معروف بشدّته في التبديع والتحذير، وقد نُوزع في كثير من أحكامه على المُعاصرين. فإذا كان هو يَصف الحدّاد بأنّه صاحب هوًى وحَسَد واحتقار للعلماء، فهذا يعني أنّ الرجل تجاوز الحدّ الذي يَقف عنده أشدّ الناس شِدّة. وليست هذه شهادة خصمٍ بعيد، بل شهادة من عَمل معه وعرَفه عن قُرب.
وفي الشهادة نُقطة أخرى مُهمّة: أنّ طَعنه في العلماء لم يَبدأ في السعودية، بل كان معروفًا به وهو في مصر قبل أن يَنتقل. يعني أنّ الطبع سبَق العلم، وأنّ الرجل لم يَصل إلى هذه الأحكام بعد بحثٍ ونظر، وإنّما جاء وفي نفسه ما فيها، ثمّ بحَث عمّا يُلبِسها ثوبًا شرعيًّا.
السِّمات الأساسيّة للفِرقة الحدّاديّة الأَصليّة
التَّبديع بالجزئيّات (كلّ خَطأ يُسقط صاحبه).
ومعناها بعبارة سهلة: أنّ العالِم إذا أخطأ خطأً واحدًا سقط كلّه. تُمحى سنواته في خدمة الدِّين، وتُطرح كُتبه، ويُنزع عنه لقب الإمامة، ويَصير في نظرهم مُبتدعًا لا يُؤخذ عنه. وأهل السنّة يُفرِّقون بين أمرين: بين الخطأ وبين المنهج. فالعالِم قد تَقع منه الزلّة وهو مُجتهد يُريد الحقّ، فتُردّ زلّته ويَبقى فضله. وبين هذا وبين رجلٍ جعَل الخطأ مَشروعه ودعا الناس إليه، فَرقٌ ظاهر. والحدّاديّة أزالت هذا الفرق، فصار الجميع في نظرها درجةً واحدة. ولو طُبِّقت هذه القاعدة بأمانة على تاريخ العلم لما بَقي في الأمّة إمامٌ واحد، لأنّه ما من عالِمٍ إلا وله أخطاء معروفة مُدوَّنة في كُتب التراجم.
الدعوة إلى حَرق كُتب الإمام النووي وابن حجر العَسقلاني (فَتح الباري، شرح صحيح مسلم...).
وهذه السِّمة وحدها كافية لبيان حقيقة الفِرقة. فـ«فتح الباري» شَرح الحافظ ابن حجر لصحيح البخاري، و«شرح صحيح مسلم» شَرح الإمام النووي لصحيح مسلم. وهما أشهر شَرحين للصحيحين على الإطلاق، ولا يَستغني عنهما طالب علمٍ ولا عالِم منذ قُرون. فانظر إلى المُفارقة: رجلٌ يَزعم أنّه يَحمي السنّة، فيَنتهي به الأمر إلى الدعوة لإحراق أعظم كتابين خدما السنّة! ولو استَجاب الناس له لضاع عليهم شَرح الصحيحين، وأبوابٌ واسعة من الحديث والفقه واللغة والتراجم. وأهل السنّة يَنتفعون بالحقّ من قائله، ويُبيِّنون الخطأ في موضعه، ولا يَشترطون العصمة فيمن يَأخذون عنه.
الطَّعن في الإمام أبي حنيفة، وفي ابن تيمية لعَدم تَكفيره الأشاعرة.
أمّا أبو حنيفة فأحد الأئمّة الأربعة، وقد استقرّت الأمّة على إمامته وتَلقَّت مذهبه بالقبول. وأمّا الشقّ الثاني فهو أوضح ما يَكشف الميزان: يَطعنون في شيخ الإسلام ابن تيمية — وهو الذي يَرفعون اسمه ويَنتسبون إليه — لأنّه لم يُكفِّر الأشاعرة. أي أنّ المعيار عندهم صار: من لم يُكفِّر فهو مُتَّهم. فالذي لا يُكفِّر يَقع تحت الطعن، ولو كان ابن تيمية نفسه. وهنا يَتبيّن أنّ القضيّة ليست حِمايةً للعقيدة، وإنّما هي مِسطرةٌ واحدة تُقاس عليها الأمّة كلّها، فمن قصُر عنها سقَط.
الامتحان بالأشخاص (تَبديع من لا يُوافقه في الحُكم على شَخصٍ بعَينه).
وهذه هي الآلة التي تَنتشر بها الفِرقة. ومعناها أن يَصير السؤال الأوّل: «ما موقفك من فلان؟». فيُختبر الرجل بقائمة أسماء، فإن وافَق عليها فهو من أهل السنّة، وإن توقَّف في اسمٍ واحد فهو مُتّهم. وهذا امتحان مُحدَث لم يَعرفه السلف؛ إذ لا يَجوز أن يُجعل اجتهاد شخصٍ في شخصٍ آخر شرطًا في الدِّين يُمتحن به المسلمون. ومن فعَل ذلك فقد نصَّب نفسه مُشرِّعًا فوق الأمّة.
والجامع بين هذه السمات كلّها أصلٌ واحد: أن يُسوَّى بين القول وبين قائله. فإذا ثبَت أنّ العبارة خطأ، ثبَت عندهم في اللحظة نفسها الحُكم على من قالها، بلا نظرٍ في علمه ولا قَصده ولا تأويله ولا في قيام الحُجّة عليه. ومن هذا الأصل الواحد تَتولَّد بقيّة السِّمات كلّها. فمتى فَهمت هذه النقطة فهمتَ الفِرقة كلّها، ومتى غابت عنك بَقيت تَنظر إلى فُروعٍ مُتفرِّقة لا يَجمعها جامع.
تَصدّي العلماء
تَصدَّى لمحمود الحدّاد كِبار علماء السلفيّة:
- الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
- الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
- الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله
- الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله
- الشيخ صالح الفوزان حفظه الله
- وحتى الشيخ ربيع المدخلي نفسه، رغم مَنهجه المُشدَّد في التبديع
وهذه القائمة ينبغي أن يَتأمّلها القارئ جيّدًا، لأنّها تَحسم مسألةً كثيرًا ما تُثار. فقد يَظنّ ظانّ أنّ الخلاف مع الحدّاديّة خلافٌ بين «مُتشدِّدين» و«مُتساهلين»، وأنّ الذين ردّوا عليهم قومٌ لا يَهتمّون بالعقيدة. وهذه القائمة تَنقض ذلك من أساسه.
فهؤلاء ليسوا خُصومًا من خارج البيت. إنّهم الأئمّة الذين تَنتسب إليهم الحدّاديّة الحالية نفسها، وتَستشهد بكلامهم، وتَرفع أسماءهم. فإذا كان ابن باز والعثيمين والألباني وبكر أبو زيد والفوزان قد ردّوا على هذا المنهج وحذّروا منه، فلا يَبقى للحدّادي أن يقول: خُصومنا مُميِّعون لا يَعرفون قَدر العقيدة.
وأمّا ذِكر الشيخ ربيع المدخلي في القائمة فله موضع خاصّ، وقد سبَقت الإشارة إليه. فهو أشدّ هؤلاء في باب التبديع والتحذير، وقد عمِل مع الحدّاد فترة وعرَفه عن قُرب. فإذا كان قد ردّ عليه هو أيضًا، فمعناه أنّ الأمر خرَج عن دائرة الاختلاف في درجة الشِّدّة، ودخَل في دائرة الخروج عن الميزان نفسه.
نَتيجة لذلك، طُرد محمود الحدّاد من السعودية، وعاد إلى مصر، وخَفت صَوته. لكنّ نَواةَ الفِرقة بَقيت، وانتَظرت زمنَ الإنترنت لتَتجدَّد بشَكلٍ أَخطر.
ولا بدّ من الوقوف عند كلمة «النواة». فالذي انتهى هو صوت الرجل، فلمّا جاء الإنترنت صار كلّ من مَلَك هاتفًا يَستطيع أن يُخاطب مئات الآلاف، بلا شيخ ولا إجازة ولا رقيب. وهناك وجَدت النواة القديمة تُربتها.
ثانيًا: الحدّاديّة المُهجَّنة (المعاصرة)
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في القرن الخامس عشر الهجري، ظَهرت طَبقةٌ جديدة تُجدِّد الفِكر الحدّادي بطريقةٍ أَخطر من النسخة الأَصليّة، باستخدام يوتيوب وتيليجرام وX. سُمِّيت هذه الطبقة الجديدة «الحدّاديّة المُهجَّنة»، لأنّها تَجمع بين:
- أُصول الحدّاديّة الأَصليّة (تَبديع الأموات والأحياء).
- منهج تَتبُّع زَلّات المُعاصرين والمتقدمين.
- أساليب الخوارج المُتطرِّفة في التكفير.
ولنَشرح هذه الروافد الثلاثة بعبارةٍ سهلة، لأنّ فَهمها هو مِفتاح فَهم النسخة الجديدة.
الرافد الأوّل هو ميراث الحدّاد نفسه: أن يَمتدّ الحُكم إلى الأموات، فتُفتَح كُتب الأئمّة الذين مضوا منذ قُرون، ويُحاكَموا على عباراتٍ فيها، وتُنزع عنهم إمامتهم. وهذا هو الأصل الذي انفصل الحدّاد لأجله.
الرافد الثاني هو طريقة تَتبُّع زلّات المُعاصرين والمتقدمين، أي البحث الدائم في كلام الدُّعاة والعلماء الأحياء والأموات عن عبارةٍ يُمكن الإمساك بها.
الرافد الثالث هو أسلوب الخوارج في التوسُّع بالتكفير. والخوارج فِرقة قديمة قامت على أن تُنزِل نُصوص الوعيد الشديدة على المسلم المُعيَّن بلا شروط، وتُخرجه من الدِّين بالذنب، ثمّ تُكفِّر من لم يُوافقها على تكفيره. وهذه الحلقة الأخيرة هي الأخطر، لأنّها تَجعل الحُكم سِلسلةً لا تَقف عند حدّ.
فإذا اجتمعت هذه الثلاثة في خِطابٍ واحد، خرَج منها ما نَراه اليوم: تبديعٌ للأحياء والأموات معًا، وبحثٌ لا يَنقطع عن الأخطاء، وتكفيرٌ يَمتدّ حتى يَبلغ أئمّة الإسلام.
سُمِّيت «مُهجَّنة» كما تُهجَّن بعض السلالات الحيوانية المُختَلطة — لأنّها مَزيج من فِرَق ضالّة. والتَّوصيف يَنطبق عليها تَمامًا: تَجمع أَسوأ ما في كلّ فِرقة، ولا تأخذ من السنّة الحقّ إلا الشِّعار.
والتهجين في العادة يُقصد به تحسين السُّلالة، بأخذ أفضل الصفات من كلّ أصل. أمّا هذا التهجين فمَعكوس: أخَذ من كلّ فِرقة أسوأ ما فيها. أخَذ من الحدّاديّة نَبش القبور، ومن طريقة التتبُّع شهوةَ الإسقاط، ومن الخوارج جُرأة التكفير. ولم يَأخذ من السنّة إلا الشِّعار: الألفاظ والمُصطلحات والهيئة الظاهرة، دون الضوابط التي تَحكمها.
قِيادتها الحاليّة
محمد شمس الدين (محمد العايد السليمان) — الواجهة الإعلاميّة من ألمانيا.
عبد الله بن فهد الخُليفي (أبو جعفر) — المُؤصِّل الفِكري المُتخفّي من الكويت.
عبد الرحمن دمشقية — المُنتكِس الذي التَحَق مُؤخَّرًا نزيل بريطانيا.
عادل آل حمدان الغامدي — العامل في الخفاء عبر تحقيق الكتب والدعم المالي.
وفي توزيع الأدوار بين هؤلاء فائدة كبيرة لمن أراد أن يَفهم كيف تَعمل هذه الجماعة، فليست الأسماء الأربعة على درجةٍ واحدة ولا وظيفةٍ واحدة.
فـالواجهة الإعلاميّة هي التي تُخاطب الجمهور مُباشرة وتَحمل الاسم والصورة، فتَصل إلى أوسع عدد. والمُؤصِّل الفِكري لا يَظهر كثيرًا، لكنّه يَصنع المُقدِّمات والقواعد التي تُبنى عليها تلك الأحكام؛ وهو أخطر من الواجهة، لأنّ الواجهة تُنتج حُكمًا واحدًا يَسقط بالردّ عليه، أمّا القاعدة فتُنتج أحكامًا لا تَنتهي. والمُنتكِس هو من كان له في السابق جُهدٌ في الردّ على الفِرَق ثمّ التحَق بهم مُتأخّرًا، فهدَم بآخره ما بناه بأوّله، ووظيفته أن يَمنح الجماعة رَصيدًا قديمًا يُقدَّم للناس على أنّه شهادة. والعامل في الخَفاء يَشتغل في تحقيق الكُتب، أي في المادّة العلميّة التي يُبنى عليها الاستدلال، وأثره أبطأ من غيره وأبقى.
وهذا التوزيع مَقصود ونافع لهم: تُقدَّم المُقدِّمات في مكان، وتُقال النتيجة في مكان آخر (في المجموعات السرية)، ويُترك الأتباع يَستخرجونها بأنفسهم. فإذا صرَّح صغارهم بالتكفير لم يُنكَر عليهم شيء من الإنكار الصاخب الذي يُوجَّه للمُخالفين. والشجرة تُعرَف بثَمرها.
خَصائصهم الجوهريّة
العَزل العلمي التامّ: لم يُؤيِّد منهجَهم عالمٌ مُعتبَر واحد.
وهذه أوّل ما ينبغي أن يَسأل عنه الشابّ قبل أن يَتّبع أحدًا: من من العلماء يقول بهذا؟ فإنّ المسائل الكبار في الدِّين لا يَستقلّ بها فردٌ ويُخالف فيها الأمّة كلّها. ولو كان في قولهم خير لسبَقهم إليه عالِمٌ واحد على الأقلّ في القُرون الماضية. وهم يَعلمون هذا، ولهذا لا يُجيبون عن السؤال، بل يَقلبونه فيقولون: العلماء كلّهم مُداهنون أو جاهلون. وهنا يَنتقلون إلى الخاصّية التالية.
غياب السَّند العلمي: ليس لهم شُيوخ راسخون، بل «نَبتوا من خَلف الشاشات».
ومعنى «السَّند» بعبارة سهلة: أن يكون للرجل شيوخ لازَمهم سنوات، وأخَذ عنهم، وشَهدوا له بالأهليّة وأذِنوا له بالكلام. وهذا هو الطريق الذي انتقل به العلم في هذه الأمّة جيلًا بعد جيل. وقد قال محمد بن سيرين كلمةً مشهورة: «إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم». والإمام مالك لم يَجلس للفتوى حتى شهِد له شيوخه.
فاسأل الآن: من شيوخ هؤلاء الذين لازَموهم؟ ومن أذِن لهم بالفتوى والكلام في أعيان العلماء؟ وأيّ عالِمٍ مُعتبَر قال للناس: خُذوا عنه؟ لن تَجد اسمًا واحدًا يَملأ هذا الفراغ. والمِنبر الذي صعِدوا عليه — يوتيوب وتيك توك — لا يَشترط أهليّة ولا يَسأل عن إجازة، فأعطاهم الجمهور ما لم يُعطهم العلماء: الصدارة بلا تحصيل، والحُكم على الأئمّة بلا آلة.
الاستعلاء بالعلم: يَزعمون أنّ الأمّة كُلَّها على ضَلالٍ، وأنّهم وَحدهم على الحقّ.
وهذه الدعوى تُؤدّي وظيفة ذكيّة وخبيثة في الوقت نفسه: فهي تَصنع للتابع حَصانةً من كلّ مَرجعيّة خارجيّة. فإذا ردّ عليهم عالِمٌ لم يَكن ردّه دليلًا عليهم، بل صار دليلًا جديدًا على فساد العلماء! وبهذا تُغلَق الدائرة تمامًا، ولا يَبقى للتابع بابٌ يَخرج منه. وكسر هذه الدائرة يكون بسؤال واحد بسيط: ما المِيزان الذي يَجعل من لم يَتعلَّم قاضيًا على من عَلَّموا الأمّة قُرونًا؟
السبّ والتشهير: ألفاظٌ سُوقيّة في حقّ المُخالفين (مَخانيث، فُسَقة، مُدجَّنة، أبو كرش، أبو جيفة).
وقد يَظنّ بعضهم أنّ هذه مسألة أخلاق جانبيّة لا علاقة لها بالعلم. وليس كذلك؛ فهي علامة كاشفة. لأنّ صاحب الحُجّة لا يَحتاج إلى هذا، وإنّما يَلجأ إليه من ضاقت به الحُجّة. ثمّ إنّ هذا اللسان يَنتقل إلى الأتباع، فتَرى الشابّ في مُقتبل عُمره يَسبّ كِبار الشيوخ وهو يَحسب أنّه يَتقرّب إلى الله. وأعظم من ذلك أنّ الأعراض في الشريعة لها حُرمة عظيمة، فمن استَباحها بغير حقّ فقد دخَل في وعيدٍ شديد.
التَّقيّة: يُظهرون شيئًا ويُبطنون شيئًا، خاصّةً مع الجهات الرسمية في بِلاد الغرب.
أي أنّ الخِطاب يَختلف باختلاف السامع: شِدّةٌ وتكفيرٌ أمام الجمهور المُتديِّن، ولِينٌ وتَبرُّؤٌ أمام من يُخشى منه.
كيف يَكسبون الأتباع؟
وهذا سؤال يَحتاج جوابًا، لأنّ كثيرًا من الناس يَستغرب: كيف يَتبع هؤلاءِ شبابٌ صادقون في نيّتهم؟
الجواب أنّ الخِطاب يُقدِّم للشابّ ما لا يُقدِّمه الطلب الطويل: يقينًا سريعًا وانتماءً جاهزًا. يُعطيه عالمًا بسيطًا واضحًا: نحن أهل السنّة، ومن خالَفنا مُميِّع أو مُبتدع أو كافر. فتَختفي المسافات العلميّة، ويَشعر المُبتدئ أنّه صار في أسابيع قادرًا على مُحاكمة أئمّة قضوا أعمارهم في العلم. وهذه لذّة سريعة تُغني — في ظنّه — عن مشقّة الطلب.
ثمّ يَصنع الخِطاب عدوًّا دائمًا. فإذا سقَط اسم جيء بغيره، وإذا انتهت قضيّة فُتحت أخرى؛ لأنّ بقاء الجماعة مُعلَّق ببقاء المعركة. فلا يَعيش التابع مع القرآن والعبادة والبناء، وإنّما مع مقاطع الردود وقوائم المواقف.
ثمّ تُقلَب الفضائل. فالذي يَتوقّف لأنّه لا يَعلم يُوصف بالمُميِّع، والذي يَتثبّت يُوصف بالجَبان، والذي يَحفظ مقام عالِمٍ يُتَّهم بالدفاع عن البِدعة. وبهذه الحِيلة يَصير الوَرَع تُهمة، وتَصير الجُرأة على الأعراض بُطولة.
ثمّ يَعمل ما يُشبه الباب الدوّار: يَدخل الشابّ بسبب قضيّة تَبدو مُحكَمة، ثمّ يَتلقّى قائمة أسماء، ثمّ يُمتحَن بمن يَترحَّم عليهم، ثمّ يَقطع مصادره السابقة، حتى لا يَبقى له إلا رموز الجماعة. وكلّما ازداد انعزالًا ازداد اعتمادًا عليهم، وكلّما ازداد اعتمادًا صدَّق أنّ عُزلته هي غُربة أهل الحقّ.
لازِم منهج الحدّاديّة
وَقَع هذا اللازِم عَمَليًّا حين كَفَّر «الكثيري» محمد شمس الدين نَفسه! تَحقَّق التَّسلسل اللانهائي في التبديع — الذي حَذَّر منه العلماء — على يد مُؤسِّسي الفِرقة أَنفسهم.
ولنَشرح معنى «التسلسل اللانهائي» بعبارة سهلة، فهو من أهمّ ما في هذا الملفّ.
القاعدة عندهم تقول: من لم يُبدِّع المُبتدع فهو مُبتدع. فإذا حكَم أحدهم على رجل بالبِدعة، وجَب على الجميع أن يُوافقوه؛ فمن توقَّف صار مُبتدعًا مثله. ثمّ يُطبَّق الأمر نفسه على الحلقة التالية: من لم يُبدِّع هذا المُتوقِّف صار مُبتدعًا كذلك. ثمّ الذي بعده. وهكذا بلا نهاية.
والمشكلة أنّ هذه السِّلسلة لا تَقف عند خُصومهم، بل تَعمل داخل بيتهم أيضًا. فما إن يَختلف اثنان منهم في اسمٍ واحد، أو في درجة الحُكم، أو في وقته، حتى تَبدأ الآلة نفسها في العمل بينهما. وهذا ما وقَع بالفعل: فقد بلَغ الأمر أن كُفِّر رأس الفِرقة نفسه على يد واحدٍ منهم.
وهذه أبلغ حُجّة على فساد القاعدة، لأنّها ليست حُجّةً نظريّة أوردها الخُصوم، وإنّما هي نتيجة عمليّة أنتَجها المنهج بنفسه على أصحابه. وقد حذَّر العلماء من هذا التسلسل قبل وقوعه، وقالوا إنّه لا يَقف عند حدّ؛ لأنّه لم يَبدأ بدليل أصلًا. فكلّ إنسان إنّما يُحاسَب على قوله ودليله وموقفه هو، ولا يَجوز أن يُجعل اجتهاد رجلٍ في رجلٍ آخر حُكمًا مُلزِمًا للأمّة كلّها.
وبهذا يَتبيّن أنّ الحدّاديّة ليس لها علاقة بالغَيرة على السنّة، وإنّما هي خللٌ في ميزان الحُكم نفسه. والغَيرة على الدِّين واجبة، ورَدّ الخطأ واجب، وبيان البِدعة واجب. لكنّ الفَرق بين أهل السنّة وبين هؤلاء ليس في مِقدار الغَيرة، وإنّما في الطريق الذي يُوصِّل من الخطأ إلى الحُكم. فأهل السنّة يَردّون الخطأ ويَحفظون لصاحبه قَدره، ويُفرِّقون بين القول وقائله، ويَنظرون في الشروط والموانع. والحدّاديّة تَقفز فوق هذا كلّه، فتَجعل الخطأ الواحد ممحاةً تَمحو تاريخ الرجل كلّه. وتلك القفزة هي الحدّاديّة كلّها؛ وما عداها تفاصيل.
الخاتمة
فِرقةٌ مضَت عليها عُقود، فلم تُخرِج عالِمًا، ولا كتابًا يَنتفع به الناس، ولا مدرسةً تُعلِّم. أخرجَت قوائم أسماء، وشبابًا يُحسنون إسقاط الرجال ولا يُحسنون غيره، ثمّ انقلَبت على رؤوسها فكفَّر بعضُهم بعضًا.
ونحن لا نُنكر على أحد غَيرته على السنّة؛ فرَدّ الخطأ واجب، وتسمية الباطل باسمه واجب. إنّما نُنكر على من جعَل الخطأ الواحد مِمحاةً تَمحو تاريخ صاحبه، ثمّ امتحَن الأمّة بموافقته. فمن ضاق عن العدل مع المُخالف فليس أشدّ منّا غَيرةً، وإنّما هو أضيق منّا عِلمًا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إيّاكم والغُلوّ في الدِّين، فإنّما أهلَك من كان قبلكم الغُلوّ في الدِّين».
