عُرضت 30 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ: فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ بَاغُونَ بِالْخَطَأ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُعْصَمُونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ.

البيانتَشْخِيصٌ تَيْمِيٌّ عَبْقَرِيّ، يَضَعُ الْمِبْضَعَ عَلَى شِرْيَانِ الْغُلُوِّ، وَيُفَكِّكُ الْعُقْدَةَ الْمَنْهَجِيَّةَ الَّتِي صَنَعَتِ الْحَدَّادِيَّة!

فِي سَطْرٍ وَاحِد، كَشَفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ جِذْرَ الْمَرَضِ الَّذِي يَجْمَعُ طَوَائِفَ الِانْحِرَافِ (الْغَالِيَةَ وَالْجَافِيَةَ)؛ وَهُوَ اعْتِقَادُهُمُ الْفَاسِدُ بـ (التَّلَازُمِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْإِثْمِ)؛ أَيْ ظَنُّهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَعَ فِي الْخَطَأِ فَهُوَ آثِمٌ وَمُبْتَدِعٌ قَطْعًا!

فَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا التَّلَازُمَ، وَقَعَ حَتْمًا فِي أَحَدِ مُسْتَنْقَعَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَنْفِيَ الْخَطَأَ عَنْ إِمَامِهِ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الْإِثْمَ (فَيَغْلُوَ وَيَجْعَلَهُ مَعْصُومًا)، وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ الْإِثْمَ وَالتَّبْدِيعَ عَلَى الْعَالِمِ لِثُبُوتِ خَطَئِهِ (فَيَجْفُوَ وَيَجْعَلَهُ بَاغِيًا).

وَهُنَا تَجَلَّتْ عَبْقَرِيَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ إِذْ كَسَرُوا هَذَا التَّلَازُمَ الْفَاسِدَ مِنْ جُذُورِه! فَقَرَّرُوا: أَنَّ (الْخَطَأَ) قَدْ يَثْبُتُ، وَ(الْإِثْمَ) قَدْ يَنْتَفِي كُلِّيًا.

وَبِهَذَا الْفِقْهِ النَّيِّرِ وَحْدَه، يَسْتَقِيمُ لَكَ أَنْ تَقُولَ بِثِقَة: "أَخْطَأَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي التَّأْوِيلِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِه". هَذِهِ الْعِبَارَةُ السُّنِّيَّةُ الْمَوْزُونَةُ الَّتِي لَوْ تَفَوَّهْتَ بِهَا الْيَوْمَ فِي مَجَالِسِ الْغُلَاةِ لَرَمَوْكَ بِالتَّمْيِيعِ وَالضَّلَالِ؛ هِيَ عَيْنُ تَقْرِيرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حِينَ حَسَمَ الْمَوْقِفَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فَقَالَ: «لَا يُعْصَمُونَ، وَلَا يُؤَثَّمُونَ».

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ سَاوَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْوَصْفِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَأَسْمَاهُمَا مَعًا: (أَهْلَ الضَّلَال)! فَلَمْ يَجْعَلْ تَقْدِيسَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِشُيُوخِهِمْ، بِأَهْوَنَ مِنْ طَعْنِ الْحَدَّادِيَّةِ وَإِسْقَاطِهِمْ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

فَالَّذِي يَكْسُو إِمَامَهُ بُرْدَةَ الْعِصْمَةِ، وَالَّذِي يَنْصِبُ الْمَشَانِقَ لِعَالِمٍ مُجْتَهِدٍ أَخْطَأَ؛ كِلَاهُمَا عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ضَالٌّ عَنْ قَصْدِ السَّبِيل.

فَزِنْ نَفْسَكَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ بِهَذَا الْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ: مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ أَبْيَضُ يَقُولُ: «الْمُجْتَهِدُ إِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ مَغْفُور»، وَمَنْهَجٌ حَدَّادِيٌّ أَسْوَدُ يَقُولُ: «مَتَى مَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ يُسْقَطُ وَيُهْجَر»!

فَأَيُّ الْمَنْهَجَيْنِ وَصَفَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ (أَهْلِ الضَّلَال)؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَرَاجِعْ أُصُولَكَ؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ الْبَقَاءَ مَعَ (أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ) فِي عُذْرِ الْمُجْتَهِدِينَ وَحِفْظِ مَقَامَاتِهِمْ، خَيْرٌ لَكَ وَأَسْلَمُ لِدِينِكَ مِنْ تَصَدُّرِ مَجَالِسِ الضَّلَالِ الَّتِي لَا تُبْقِي لِعَالِمٍ حُرْمَة، وَلَا تَتْرُكُ لِلْإِسْلَامِ إِمَامًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إِلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْل؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَؤُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ اللَّه: «قَدْ فَعَلْتُ»... وَنَسْتَغْفِرُ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، فَنَقُول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. وَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ، وَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُم... وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَدْ عَدَلَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ، وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِين.

البيانمِيزَانٌ رَبَّانِيٌّ دَقِيق، يَفْضَحُ أَدْعِيَاءَ السُّنَّة، وَيَنْزِعُ عَنْهُمْ قِنَاعَ الِاتِّبَاع؛ لِيُلْبِسَهُمْ ثَوْبَ الْمُقَلِّدَةِ الظَّالِمِين!

لَقَدْ أَرْسَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ هُنَا قَاعِدَتَيْنِ مُتَلَازِمَتَيْنِ فِي نَفَسٍ وَاحِد، مَنْ أَخَذَ إِحْدَاهُمَا وَتَرَكَ الْأُخْرَى فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الدِّين: (لَا تَتَّبِعْ زَلَّةَ الْعَالِم)؛ وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ التَّمْيِيع. وَ(لَا تَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنَ التَّوْقِير)؛ وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ الِاسْتِطَالَةِ وَالْحَدَّادِيَّة.

ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ بَنَى الْإِمَامُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ عَلَى نُصُوصٍ قُرْآنِيَّةٍ قَاطِعَة، لَا عَلَى مُجَرَّدِ ذَوْقٍ أَوْ مَصْلَحَة!

فَاسْتَدَلَّ بِآيَةٍ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَجَوَابُ الرَّبِّ: «قَدْ فَعَلْت». فَجَعَلَ حِفْظَ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ اسْتِجَابَةً لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي رَفَعَ عَنْهُمُ الْمُؤَاخَذَةَ أَصْلًا.

ثُمَّ ثَنَّى بِآيَةٍ فَاضِحَةٍ لِوَاقِعِ الْغُلَاة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾؛ فَاللَّهُ جَعَلَ الِاسْتِغْفَارَ لِأَسْلَافِ الْأُمَّةِ وَصْفًا وَشَرْطًا لِلنَّاجِينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ وَدِيَانَتَهُ نَبْشَ قُبُورِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قَبْلِهِ، وَاسْتِخْرَاجَ زَلَّاتِهِمْ لِتَبْدِيعِهِمْ وَإِسْقَاطِهِم؟! أَيْنَ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَة؟!

وَتَأْتِي الْخَاتِمَةُ التَّيْمِيَّةُ لِتُسْقِطَ أَثْقَلَ الصُّخُورِ عَلَى رُؤُوسِ الْغُلَاة: «وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ... آذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِين».

فَلَمْ يَقُلِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيمَنْ يَطْعَنُ فِي الْأَئِمَّة: (لَقَدْ أَخْطَأَ وَتَسَرَّعَ)، بَلْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الْوَعِيدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾!

ثُمَّ كَشَفَ الْإِمَامُ عَنِ الْبَاعِثِ الْخَفِيِّ لِهَذَا الطَّعْنِ، بِكَلِمَةٍ نَفِيسَةٍ تُزَلْزِلُ ادِّعَاءَاتِهِمْ، فَقَال: «عَدَلَ عَنِ الْحُجَّةِ إِلَى الْهَوَى فِي التَّقْلِيد»!

يَا لَهَا مِنْ صَفْعَة! فَالْقَوْمُ يَصْرُخُونَ لَيْلَ نَهَارٍ بِأَنَّهُمْ (أَهْلُ الدَّلِيلِ الْأَثَرِيُّون)، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ يُجَرِّدُهُمْ مِنَ الدَّلِيلِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُقَلِّدُونَ رَأْسًا وَاحِدًا مِنْ رُؤُوسِهِمْ فِي إِنْزَالِ أَحْكَامِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى الْأَشْخَاصِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ تَقْلِيدَهُمُ الْأَعْمَى هَذَا: اتِّبَاعًا لِلسَّلَف!

فَتَدَبَّرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ مَقْعَدَكَ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْن؛ فَاللَّهُ أَثْنَى عَلَى مَنْ يَسْتَغْفِرُ لِمَنْ سَبَقَهُ، وَأَنْتَ تُفْنِي عُمُرَكَ فِي اسْتِخْرَاجِ زَلَّاتِهِمْ لِتُسْقِطَهُم!

وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الَّذِي تَرْفَعُ رَايَتَهُ يَصِفُكَ نَصًا بِأَنَّكَ (مُقَلِّدٌ مُتَّبِعٌ لِلْهَوَى، وَظَالِمٌ مُؤْذٍ لِلْمُؤْمِنِين).

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَتْرُسَ خَلْفَ دَعْوَى (حِمَايَةِ السُّنَّة) لَنْ يَقِيَكَ مِنْ عُقُوبَةِ الْإِيذَاءِ وَالظُّلْمِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد.

قال الإمام ابن القيم: اسْتَشْهَدَ سُبْحَانَهُ بِأُولِي الْعِلْمِ عَلَى أَجَلِّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ وَهُوَ تَوْحِيدُه، فَقَال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ مِنْ وُجُوه: أَحَدُهَا: اسْتِشْهَادُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَر. وَالثَّانِي: اقْتِرَانُ شَهَادَتِهِمْ بِشَهَادَتِه. وَالثَّالِثُ: اقْتِرَانُهَا بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِه. وَالرَّابِعُ: أَنَّ فِي ضِمْنِ هَذَا تَزْكِيَتَهُمْ وَتَعْدِيلَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَشْهِدُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا الْعُدُول... فَالْأَئِمَّةُ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا عِنْدَ الْأُمَّةِ بِنَقْلِ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ وَمِيرَاثِهِ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِتَعْدِيلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض.

البيانتَزْكِيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ قَاطِعَة، تُغْلِقُ أَوْسَعَ أَبْوَابِ الْفِتْنَة، وَتَعْصِمُ الْأُمَّةَ مِنْ عَبَثِ النَّبَّاشِينَ فِي كَلَامِ الْأَقْرَان!

تَأَمَّلْ كَيْفَ اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الشَّرَفَ الْعَظِيمَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ قَلْبِ الْقُرْآن؛ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لَمْ يَسْتَشْهِدْ عَلَى أَعْظَمِ مَشْهُودٍ بِهِ (وَهُوَ التَّوْحِيدُ) إِلَّا بِالْعُدُول. فَتَعْدِيلُهُمْ وَتَزْكِيَتُهُمْ جَاءَتْ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِشْهَادِ الْإِلَهِيّ، بَلْ وَقُرِنَتْ بِشَهَادَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ الْكِرَام. فَمَنْ طَعَنَ فِي عَدَالَتِهِمْ وَأَسْقَطَهُمْ مُجْتَمِعِين، فَقَدْ جَعَلَ ذِكْرَ شَهَادَتِهِمْ فِي الْآيَةِ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ كَلَامًا بِلَا مَعْنَى!

ثُمَّ قِفْ طَوِيلًا عِنْدَ الْجُمْلَةِ الْخَاتِمَةِ الَّتِي تَنْسِفُ مَنْهَجَ الْغُلَاةِ مِنَ الْقَوَاعِد: «وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض».

إِنَّ صِنَاعَةَ الْحَدَّادِيَّةِ الْهَدْمِيَّةَ لَا تَقُومُ الْيَوْمَ إِلَّا عَلَى هَذَا الْبَابِ الْمُظْلِمِ (بَابِ كَلَامِ الْأَقْرَان)؛ فَهُمْ يُفْنُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي نَبْشِ مَا قَالَهُ عَالِمٌ فِي عَالِمٍ آخَرَ إِبَّانَ مِحْنَةٍ أَوْ غَضْبَةٍ أَوْ خِلَاف، ثُمَّ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الْقَدْحِ التَّارِيخِيِّ الْمَبْتُورِ صَرْحًا لِإِسْقَاطِ الْإِمَام!

فَجَاءَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِيُغْلِقَ هَذَا الْبَابَ بِالضَّبَّةِ وَالْمِفْتَاح، مُقَرِّرًا أَنَّ التَّزْكِيَةَ الْقُرْآنِيَّةَ الْقَطْعِيَّةَ لِأَئِمَّةِ الدِّينِ تَمْنَعُ قَبُولَ طَعْنِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض.

وَلِكَيْ لَا يَتَسَلَّلَ الْغُلَاةُ مِنْ بَابِ الْمِثَالِيَّةِ الْكَاذِبَة؛ دَفَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهْمًا خَبِيثًا يَقَعُونَ فِيه؛ إِذْ يَظُنُّونَ أَنَّ (الْعَالِمَ الْعَدْلَ) هُوَ الْمَلَكُ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي خَطَأٍ وَلَا زَلَّة! فَقَرَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ الْعَالِمَ عَدْلٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الدِّين، وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ أَوْ زَلَّة؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُنَافِي أَصْلَ (الْعَدَالَة)، كَمَا أَنَّهُ لَا يُنَافِي (الْإِيمَانَ وَالْوِلَايَة).

فَيَا أَيُّهَا النَّبَّاشُ فِي خُصُومَاتِ الْأَقْرَان؛ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ يَرْفَعُ ذِكْرَ الْعُلَمَاءِ وَيَقْرِنُ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِه، وَأَنْتَ تُمَرِّغُ أَسْمَاءَهُمْ فِي وَحْلِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاط!

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُزَكِّيهِمْ ثُمَّ يَكِلُ إِلَيْكَ إِسْقَاطَهُمْ بِنُقُولَاتٍ عَفَا عَلَيْهَا الزَّمَن؟!

اتَّقِ اللَّهَ فِي شُهُودِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَاعْلَمْ أَنَّ نَبْشَكَ فِي كَلَامِ الْأَقْرَانِ لَنْ يُسْقِطَ مَقْعَدًا لِعَالِمٍ رَفَعَهُ الْقُرْآن، بَلْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ وَالنَّدَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قال الحافظ الذهبي: وَلَوْ أَنَّا كُلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ قُمْنَا عَلَيْهِ وَبَدَّعْنَاهُ وَهَجَرْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ مَعَنَا لَا ابْنُ نَصْرٍ وَلَا ابْنُ مَنْدَةَ وَلَا مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا. وَاللَّهُ هُوَ هَادِي الْخَلْقِ إِلَى الْحَقّ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى وَالْفَظَاظَة.

البيانقَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مُكَرَّرَة، وَإِلْزَامٌ قَاصِم، يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْغُلُوِّ وَيَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِهِ الْمُظْلِم: (الْهَوَى وَالْفَظَاظَة)!

يَسُوقُ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ -وَهُوَ أَمِيرُ الصَّنْعَةِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ- هَذَا (الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ) لِيَهْدِمَ بِهِ صَرْحَ الْحَدَّادِيَّة؛ فَلَوْ طَبَّقْنَا قَاعِدَتَكُمْ فِي (التَّبْدِيعِ وَالْهَجْرِ لِكُلِّ زَلَّةٍ)، لَأَفْنَيْنَا الْأُمَّة، وَلَمَا سَلِمَ لَنَا إِمَامٌ قَطّ! وَتَطْبِيقُ قَاعِدَةٍ تُفْنِي أَئِمَّةَ الْأُمَّةِ هُوَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلَى بُطْلَانِهَا وَمُخَالَفَتِهَا لِشَرْعِ اللَّه.

وَلِكَيْ تُدْرِكَ عَظَمَةَ هَذَا الْأَصْلِ السَّلَفِيّ؛ يَجِبُ أَنْ تَعْرِفَ (السِّيَاقَ) الْمُرْعِبَ الَّذِي قِيلَ فِيه! فَقَدْ سَطَّرَ الذَّهَبِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ (مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ)، بَعْدَ أَنْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بِـ (خَلْقِ الْإِيمَانِ) وَهَجَرَهُ عُلَمَاءُ وَقْتِهِ لِأَجْلِهَا!

فَهَذَا الْعُذْرُ الذَّهَبِيُّ الْعَظِيمُ لَمْ يُسَقْ فِي "هَفْوَةٍ فِقْهِيَّةٍ يَسِيرَةٍ"، بَلْ فِي إِمَامٍ اتُّهِمَ بِأَغْلَظِ مَا يُتَّهَمُ بِهِ فِي أَبْوَابِ الِاعْتِقَاد!

فَإِنْ رَاوَغَ الْحَدَّادِيُّ كَعَادَتِهِ وَقَالَ: (هَذِهِ كَلِمَةٌ عَابِرَةٌ قِيلَتْ فِي سِيَاقٍ خَاصٍّ وَلَا تُمَثِّلُ مَنْهَجَ الذَّهَبِيِّ)! فَاصْفَعْهُ بِالْحَقِيقَةِ الْعِلْمِيَّة: إِنَّ الذَّهَبِيَّ لَمْ يَقُلْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً لِتُتَأَوَّلَ، بَلْ كَرَّرَ نَظِيرَهَا فِي تَرْجَمَةِ (الْمَاوَرْدِيِّ)، وَكَرَّرَهَا فِي تَرْجَمَةِ (قَتَادَةَ)، وَكَرَّرَهَا فِي (تَارِيخِ الْإِسْلَامِ) بِلَفْظِ: «لَوْ أَنَّنَا كُلَّمَا أَخْطَأَ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ خَطَأً مَغْفُورًا لَهُ هَجَرْنَاهُ وَبَدَّعْنَاهُ، لَمَا سَلِمَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّة»! فَالْقَاعِدَةُ الَّتِي تُقَرَّرُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ، وَتُطَبَّقُ عَلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ كِبَارِ الرِّجَالِ الْمُتَّهَمِينَ فِي عَقَائِدِهِمْ.. هِيَ (مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ رَاسِخٌ)، وَلَيْسَتْ كَلِمَةً عَابِرَة!

ثُمَّ اسْتَمِعْ لِخِتَامِ الذَّهَبِيِّ حِينَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى (الدَّاءِ الْفَتَّاكِ) الْمُحَرِّكِ لِلْحَدَّادِيَّةِ قَائِلًا: «فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَوَى وَالْفَظَاظَة». لَقَدْ سَمَّى الدَّاءَ بِاسْمِهِ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ (الْهَوَى) فِي تَتَبُّعِ الزَّلَّاتِ؛ غَلُظَ طَبْعُهُ وَأُصِيبَ بِـ (الْفَظَاظَةِ)، وَمَنْ غَلُظَ طَبْعُهُ عُمِيَتْ بَصِيرَتُهُ عَنْ إِبْصَارِ مَوَاقِعِ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِنْصَاف.

فَاحْذَرْ أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْهُدَى؛ فَإِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ (الْهَوَى وَالْفَظَاظَةِ) الَّتِي تَدْفَعُكَ لِتَبْدِيعِ الْعُلَمَاءِ وَهَجْرِهِمْ!

فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ فَظَاظَتَكَ وَقَسْوَتَكَ عَلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ غَيْرَةٌ مَحْمُودَة؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَلِنْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَادِيَ فِي هَذِهِ الْقَسْوَةِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ، يَوْمَ يَقِفُ الْأَئِمَّةُ بَيْنَ يَدَيْ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِأُجُورِ اجْتِهَادِهِمْ، وَتَقِفُ أَنْتَ مُثْقَلًا بِفَظَاظَتِكَ وَظُلْمِكَ.

قال الحافظ الذهبي: وَبِكُلِّ حَالٍ هُوَ - مَعَ بِدْعَةٍ فِيهِ - مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ؛ فَلَوْ أَنَّنَا أَهْدَرْنَا كُلَّ عَالِمٍ زَلَّ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا إِلَّا الْقَلِيل. فَلَا تَحُطَّ يَا أَخِي عَلَى الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا، وَلَا تُبَالِغْ فِي تَقْرِيظِهِمْ مُطْلَقًا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيد.

البيانوَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ مِنْ حَافِظِ الْإِسْلَامِ، تَقْطَعُ دَابِرَ الْإِسْقَاطِ، وَتَرْسُمُ مَنْهَجَ الْعَدْلِ فِي كَلِمَاتٍ وَجِيزَات!

هَذَا النَّصُّ قَالَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الَّذِي نُسِبَ إِلَى (الِاعْتِزَال)! فَلَمْ يَكْتُمِ الذَّهَبِيُّ تُهْمَتَهُ بَلْ أَثْبَتَهَا قَائِلًا: «مَعَ بِدْعَةٍ فِيه»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا فَوْرًا دُونَ فَاصِل: «مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاء». فَهُنَا مَصْرَعُ دَعْوَى الْغُلَاةِ؛ إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْبِدْعَةِ يَسْتَلْزِمُ حَتْمًا إِسْقَاطَ الْعَالِم! فَهَا هُوَ الذَّهَبِيُّ يُثْبِتُ الْبِدْعَةَ وَلَا يُسْقِطُ صَاحِبَهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجَمْعُ تَمْيِيعًا، فَالذَّهَبِيُّ -وَهُوَ أَمِيرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ- أَوَّلُ الْمُمَيِّعِين!

ثُمَّ صَاغَ الْإِمَامُ الْمِيزَانَ السَّلَفِيَّ بِطَرَفَيْهِ: «فَلَا تَحُطّ... وَلَا تُبَالِغ». فَالنَّهْيُ عَنِ الطَّعْنِ وَالْإِسْقَاطِ، لَيْسَ إِقْرَارًا بِالْعِصْمَة. وَالنَّهْيُ عَنِ الْعِصْمَةِ، لَيْسَ إِذْنًا بِالْإِسْقَاط.

وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي ضَاعَ الْيَوْمَ بَيْنَ طَائِفَتَيْن: طَائِفَةٍ تَهْدِمُ، وَطَائِفَةٍ تَعْصِم.

وَلَعَلَّ أَرَقَّ مَا فِي النَّصِّ نِدَاءَه: «يَا أَخِي»، وَخِتَامَهُ بِالدُّعَاءِ: «وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيد». فَصَاحِبُ السُّنَّةِ يَنْصَحُ الشَّابَّ الْمَفْتُونَ بِشَفَقَةِ الْمُعَلِّمِ الَّذِي يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْهَلَكَةِ، لَا بِتَشَفِّي الْخَصْمِ وَاسْتِعْلَائِه.

فَيَا أَخِي وَطَالِبَ الْحَقِّ؛ خُذْ بِوَصِيَّةِ إِمَامِ الصَّنْعَة: لَا تَحُطَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَتَظْلِمَ، وَلَا تُبَالِغْ فِي تَقْدِيسِهِمْ فَتَغْلُو.

وَأَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي قَذَفَ حُبَّ السُّنَّةِ فِي قَلْبِكَ أَنْ يُعِيذَكَ مِنْ قَسْوَةِ الْحَدَّادِيَّةِ، وَأَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ السَّلَفِيِّ الصَّافِي.

قال الحافظ ابن رجب: يَأْبَى اللَّهُ الْعِصْمَةَ لِكِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِهِ، وَالْمُنْصِفُ مَنِ اغْتَفَرَ قَلِيلَ خَطَأِ الْمَرْءِ فِي كَثِيرِ صَوَابِه.

البيانقَاعِدَةٌ حَنْبَلِيَّةٌ أَثَرِيَّةٌ، تُعَرِّفُ (الْإِنْصَافَ) الْحَقِيقِيَّ، وَتَنْسِفُ خُرَافَةَ الْمِثَالِيَّةِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي تَتَسَتَّرُ بِهَا الْحَدَّادِيَّة!

فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، أَرْسَى الْإِمَامُ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْن:

الْأَوَّل: أَنَّ الْعِصْمَةَ لِلْقُرْآنِ وَحْدَهُ لَا لِكِتَابٍ سِوَاه.

وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِنْصَافَ هُوَ (اغْتِفَارُ) الْخَطَأِ الْقَلِيلِ فِي بَحْرِ الصَّوَابِ الْكَثِير. فَمَنْ جَمَعَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ اسْتَقَامَ لَهُ مَنْهَجُ التَّعَامُلِ مَعَ التُّرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ كُلِّه.

وَالْتِفَاتَةٌ بَدِيعَةٌ فِي الْأَصْلِ الْأَوَّل؛ أَنَّهُ جَعَلَهُ فِي (الْكُتُبِ) وَالْمُصَنَّفَاتِ، لَا فِي الرِّجَالِ فَحَسْب! فَمَا مِنْ كِتَابٍ بَشَرِيٍّ -مَهْمَا جَلَّ مُؤَلِّفُهُ- إِلَّا وَفِيهِ مَوْضِعُ اسْتِدْرَاك؛ فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ فِي خَلْقِه.

فَمَنِ اشْتَرَطَ أَلَّا يَقْرَأَ كِتَابًا لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ أَوِ ابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا إِذَا خَلَا مِنَ الْخَطَأِ تَمَامًا؛ فَقَدِ اشْتَرَطَ لِبَشَرٍ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ إِلَّا لِكِتَابِهِ الْكَرِيم!

ثُمَّ انْظُرِ الدِّقَّةَ الْبَالِغَةَ فِي تَعْرِيفِهِ لِـ (الْإِنْصَاف): «الْمُنْصِفُ مَنِ اغْتَفَرَ». فَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ (الِاغْتِفَارَ وَالتَّجَاوُزَ) هُوَ عَيْنَ الْإِنْصَافِ ذَاتِهِ، لَا أَنَّهُ تَنَازُلٌ أَوْ تَمْيِيع! بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ يَقْلِبُونَ الْمَفَاهِيم؛ فَيُسَمُّونَ (الِاغْتِفَارَ وَالتَّجَاوُزَ) تَمْيِيعًا، وَيُسَمُّونَ (تَتَبُّعَ الزَّلَّاتِ وَتَكْبِيرَهَا) إِنْصَافًا وَتَحْقِيقًا!

وَقِيمَةُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَضَاعَفُ حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهَا هُوَ (ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ الْأَثَرِيُّ)، وَأَنَّهُ سَطَّرَهَا فِي (مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ)! وَالْمُقَدِّمَاتُ -كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ- هِيَ مَوَاطِنُ تَحْرِيرِ الْمَنَاهِجِ وَتَقْرِيرِ الْأُصُولِ، لَا مَوَاطِنُ الِاسْتِطْرَاد. فَهُوَ مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ أَعْلَنَهُ الْإِمَامُ وَالْتَزَمَ بِهِ وَاشْتَرَطَهُ عَلَى قَادِئِه.

فَيَا مَنْ يُطَارِدُ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ لِتَبْدِيعِهِمْ؛ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَزِنَ كِتَابًا أَوْ رَجُلًا فَزِنْهُ بِهَذَا الْقِسْطَاسِ السَّلَفِيِّ: (أَقَلِيلٌ خَطَؤُهُ فِي كَثِيرِ صَوَابِهِ، أَمِ الْعَكْس؟).

وَأَمَّا إِنْ كُنْتَ تَبْحَثُ عَنْ كِتَابٍ لَا خَطَأَ فِيهِ الْبَتَّةَ لِتَرْضَى عَنْ مُؤَلِّفِهِ؛ فَلَنْ تَقْرَأَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِلَّا الْمُصْحَف!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حِرْمَانَكَ الْأُمَّةَ مِنْ عِلْمِ الْأَئِمَّةِ لِأَجْلِ زَلَّةٍ مَغْمُورَةٍ؛ لَيْسَ مِنَ الْغَيْرَةِ عَلَى السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ ظُلْمٌ وَجُحُودٌ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ وَالنَّدَامَة.

قال الإمام الشاطبي: إِنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ لَا يَصِحُّ اعْتِمَادُهَا مِنْ جِهَةٍ، وَلَا الْأَخْذُ بِهَا تَقْلِيدًا لَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لِلشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ عُدَّتْ زَلَّة... كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ صَاحِبُهَا إِلَى التَّقْصِيرِ، وَلَا أَنْ يُشَنَّعَ عَلَيْهِ بِهَا، وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْلِهَا، أَوْ يُعْتَقَدَ فِيهِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ بَحْتًا؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ فِي الدِّين.

البيانوَثِيقَةٌ مَقَاصِدِيَّةٌ جَامِعَةٌ، مِنْ (إِمَامِ مُحَارَبَةِ الْبِدَعِ)، تَسُدُّ مَنَافِذَ الْغُلُوِّ، وَتُفَكِّكُ حِيَلَ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُتَسَتِّرَةِ بِالْغَيْرَة!

هَذَا النَّصُّ مِنْ أَجْمَعِ وَأَضْبَطِ مَا قِيلَ فِي الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَدَعُ لِمُبْطِلٍ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا وَيَتْرُكَ الْآخَر! فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الزَّلَّةَ تُرَدُّ وَلَا يُقَلَّدُ فِيهَا صَاحِبُهَا (وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى التَّمْيِيعِ)، ثُمَّ قَرَّرَ فَوْرًا أَنَّ صَاحِبَهَا يُعْذَرُ وَلَا يُهْدَرُ مَقَامُهُ (وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى الْإِسْقَاطِ وَالْحَدَّادِيَّة).

وَجَمَالُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ حَصَرَ صُوَرَ التَّطَاوُلِ الْحَدَّادِيِّ الْأَرْبَعَ، فَسَدَّهَا وَأَبْطَلَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَة:

1- أَلَّا يُنْسَبَ إِلَى التَّقْصِير.

2- وَلَا يُشَنَّعَ عَلَيْهِ بِهَا.

3- وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْلِهَا.

4- وَلَا يُعْتَقَدَ فِيهِ تَعَمُّدُ الْمُخَالَفَة.

لَقَدْ أَحْصَى كُلَّ مَا تَصْنَعُهُ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ مِنْ آثَامٍ، ثُمَّ حَرَّمَهُ وَمَنَعَه!

وَأَدَقُّ هَذِهِ الْمَوَانِعِ هِيَ الرَّابِعَةُ؛ فَقَدْ حَرَّمَ أَنْ يُسَاءَ الظَّنُّ بِالْعَالِمِ، فَيُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ عَنْ عَمْدٍ وَعِنَاد! وَهَذَا هُوَ (سُوءُ الظَّنِّ) الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ صِنَاعَةُ الْحَدَّادِيَّةِ كُلُّهَا؛ إِذْ لَوِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ الْعَالِمَ أَخْطَأَ (مُتَأَوِّلًا طَالِبًا لِلْحَقِّ) لَسَقَطَتْ خُصُومَتُهُمْ وَمَشَارِيعُهُمُ الْإِسْقَاطِيَّةُ، وَلَزِمَهُمُ التَّرَحُّمُ عَلَيْه.

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْعِلَّةِ الْفِقْهِيَّةِ الْعَمِيقَةِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا: «فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ فِي الدِّين». فَرَبَطَ الْمَنْعَ بِـ (رُتْبَةِ الْعَالِمِ فِي الدِّينِ)، لَا بِمُجَرَّدِ الْعَاطِفَةِ أَوِ الْمُجَامَلَة! فَالرُّتْبَةُ الْعِلْمِيَّةُ حَقٌّ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ يَقْتَضِي تَوْقِيرًا وَاغْتِفَارًا، وَمَنْ هَضَمَ هَذَا الْحَقَّ فَقَدْ بَخَسَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَظَلَم.

وَالْقَاصِمَةُ فِي هَذَا النَّصِّ هِيَ هُوِيَّةُ قَائِلِه! فَهُوَ الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ (الِاعْتِصَامِ)؛ أَشْهَرِ مَوْسُوعَةٍ سَلَفِيَّةٍ فِي كَشْفِ الْبِدَعِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا! فَلَيْسَ هَذَا كَلَامَ مُدَاهِنٍ مُمَيِّعٍ يُهَوِّنُ أَمْرَ الْبِدَعِ، بَلْ كَلَامُ إِمَامٍ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي مُحَارَبَتِهَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ يُحَرِّمُ التَّشْنِيعَ عَلَى الْعَالِمِ الْمُخْطِئِ بِزَلَّتِه!

فَيَا مَنْ يُشَنِّعُ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى بِزَلَّاتِهِمْ؛ الشَّاطِبِيُّ الْخَبِيرُ بِالْبِدَعِ يُحَذِّرُكَ مِنْ أَرْبَعِ مُوبِقَاتٍ، وَأَنْتَ تَتَعَبَّدُ اللَّهَ بِارْتِكَابِهَا جَمِيعًا فِي حَقِّ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر! فَبِأَيِّ مِيزَانٍ تَزِن؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَأَنْزِلْ حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ رُتْبَتَهُمُ الَّتِي بَوَّأَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِمْرَارَكَ فِي سُوءِ الظَّنِّ بِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَتَعَمُّدَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا عَنْ هَدْمِكَ لِرُتَبِهِمْ فِي الدِّينِ أَمَامَ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قال الإمام ابن المبرد الحنبلي: وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَة، الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ - لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا - الْكَلَامُ فِيهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوه... وَالَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ تَحْرِيمُ ذَلِك، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الْعُلَمَاءِ وَفِي أَرْكَانِ الدِّين؛ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَقَدْ وَقَعَ فِي إِثْمٍ عَظِيم، وَارْتَكَبَ ذَنْبًا كَبِيرًا.

البيانعَقِيدَةٌ حَنْبَلِيَّةٌ صَارِمَة، تَقْطَعُ لِسَانَ الْمُتَطَاوِلِين، وَتَجْعَلُ تَوْقِيرَ الْأَئِمَّةِ (دِينًا يُدَانُ اللَّهُ بِه)، لَا مُجَرَّدَ رَأْيٍ يَقْبَلُ النِّقَاش!

إِنَّ مَكْمَنَ الْقُوَّةِ وَالْجَلَالِ فِي هَذَا النَّصِّ يَكْمُنُ فِي صِيغَتِه؛ فَقَدْ قَالَ الْإِمَام: «الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ»، وَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا! فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ تَوْقِيرَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَحْرِيمَ الطَّعْنِ فِيهِمْ (اخْتِيَارًا فِقْهِيًّا) يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ وَالْمُنَازَعَة؛ بَلْ جَعَلَهُ (عَقِيدَةً وَدِيَانَةً) يَلْقَى اللَّهَ عَلَيْهَا.

وَتَتَضَاعَفُ قِيمَةُ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهَا (ابْنَ الْمِبْرَدِ) فَقِيهٌ حَنْبَلِيٌّ صُلْب! وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدَّادِيَّةَ يَتَتَرَّسُونَ بِبَعْضِ النُّقُولَاتِ التَّارِيخِيَّةِ لِيَصْنَعُوا وَهْمًا بِأَنَّ مَدْرَسَةَ الْحَنَابِلَةِ هِيَ مَدْرَسَةُ الْعَدَاءِ لِأَبِي حَنِيفَة؛ فَجَاءَ هَذَا الْإِمَامُ الْحَنْبَلِيُّ لِيَهْدِمَ هَذَا الْوَهْم؛ بَلْ إِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابًا مُسْتَقِلًّا فِي الذَّبِّ عَنْ أَحَادِيثِ أَبِي حَنِيفَة، وَآخَرَ فِي مَنَاقِبِه!

لِيُعَلِّمَ الْغُلَاةَ أَنَّ السَّلَفِيَّةَ إِنْصَافٌ وَاتِّبَاع، لَا تَعَصُّبٌ وَاصْطِفَاف.

ثُمَّ تَأَمَّلْ قَيْدَهُ الْبَلِيغ: «لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا»! لَقَدْ أَدْرَكَ هَذَا الْإِمَامُ أَنَّ الطَّعْنَ فِي الْأَئِمَّةِ يَزْدَادُ قُبْحًا وَخَطَرًا كُلَّمَا بَعُدَ الزَّمَانُ وَقَلَّ الْعِلْم. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْخَوْفُ فِي زَمَانِهِ الْمُتَقَدِّم؛ فَمَاذَا نَقُولُ فِي زَمَانِنَا هَذَا، الَّذِي صَارَ فِيهِ الطَّعْنُ فِي كِبَارِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ "بِضَاعَةً رَخِيصَة" يُصَوِّرُهَا حَدَثٌ مَغْرُورٌ فِي دَقَائِق، وَيَبُثُّهَا لِلْمَلَايِينِ لِيَهْدِمَ بِهَا مَا بَنَاهُ الْأَئِمَّةُ فِي قُرُون؟!

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْقَاطِعِ الَّذِي أَطْلَقَهُ عَلَى صَنِيعِ الْغُلَاة: «إِثْمٌ عَظِيم، وَذَنْبٌ كَبِير». فَالطَّعْنُ فِي الْأَئِمَّةِ عِنْدَ ابْنِ الْمِبْرَدِ لَيْسَ (اجْتِهَادًا) يُؤْجَرُ عَلَيْهِ صَاحِبُه، وَلَا (غَيْرَةً) يُمْدَحُ بِهَا، بَلْ هُوَ (مَعْصِيَةٌ وَكَبِيرَة) تُوجِبُ التَّوْبَةَ النَّصُوح، شَأْنُهَا شَأْنُ كَبَائِرِ الذُّنُوب.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَطَاوِلُ عَلَى قَامَاتِ الْأُمَّة؛ أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّ طَعْنَكَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَإِخْوَانِهِ هُوَ نُصْرَةٌ لِلسُّنَّة، وَإِمَامٌ حَنْبَلِيٌّ كَبِيرٌ يُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنَّهُ (إِثْمٌ عَظِيمٌ وَذَنْبٌ كَبِير)! فَاتَّهِمْ رَأْيَكَ الْمَرِيض، وَاعْلَمْ أَنَّ هَدْمَ أَرْكَانِ الدِّينِ لَيْسَ مَسْلَكًا لِلْمُتَّقِين، وَأَنَّ اسْتِمْرَارَكَ فِي هَذَا التَّطَاوُلِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَان.

وَسَتَقِفُ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ لِتُسْأَلَ عَنْ هَذَا الذَّنْبِ الْكَبِيرِ الَّذِي حَسِبْتَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم.

قال العلّامة ابن باز: اعْرِفُوا فَضْلَ الْعُلَمَاءِ وَاسْتَفِيدُوا مِنْهُمْ، وَاتْرُكُوا الْخَطَأَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَلَوْ صَدَرَ مِنْ صَحَابِيٍّ، مِنْ غَيْرِ إِسَاءَةِ أَدَبٍ وَلَا ذَمٍّ لِلْعَالِمِ فِي عِرْضِه؛ بَلْ يُقَالُ: أَخْطَأَ وَغَفَرَ اللَّهُ لَه.

البيانمِيزَانٌ سَلَفِيٌّ شَامِلٌ، يَجْمَعُ بَيْنَ التَّجَرُّدِ لِلدَّلِيلِ وَحِفْظِ الْمَقَامَاتِ، وَيَرْسُمُ بِوُضُوحٍ أَدَبَ التَّعَامُلِ مَعَ زَلَّاتِ الْأَكَابِر!

فِي هَذَا النَّصِّ الْوَجِيزِ، لَخَّصَ الْإِمَامُ ابْنُ بَازٍ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ تُرَاثِ الْأُمَّةِ فِي أَرْبَعِ خُطُوَاتٍ مُتَدَرِّجَةٍ لَا تَنْفَكُّ عَنْ بَعْضِهَا: الْأُولَى: (مَعْرِفَةُ الْفَضْلِ وَالِاسْتِفَادَةِ). فَالْأَصْلُ هُوَ الِانْتِفَاعُ بِعِلْمِ الْأَئِمَّةِ وَمَعْرِفَةُ قَدْرِهِمْ، لَا إِحْرَاقُ كُتُبِهِمْ أَوْ هَجْرُهُمْ كَمَا يَفْعَلُ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ بِمُصَنَّفَاتِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَأَبِي حَنِيفَة. الثَّانِيَةُ: (تَرْكُ الْخَطَأِ وَلَوْ صَدَرَ مِنْ صَحَابِيٍّ). وَهُنَا يَتَجَلَّى التَّجَرُّدُ التَّامُّ لِلْحَقِّ؛ فَنَحْنُ لَا نَتَعَصَّبُ لِزَلَّةِ عَالِمٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ مَتَى مَا اسْتَبَانَ الدَّلِيلُ، وَهَذَا يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى "التَّمْيِيعِ أَوِ التَّقْدِيسِ" الْمَوْهُومَةِ مِنْ أَصْلِهَا.

ثُمَّ تَأْتِي الْخُطْوَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَفْضَحُ الْحَدَّادِيَّةَ وَتَكْشِفُ سَوْءَتَهُمْ: (مِنْ غَيْرِ إِسَاءَةِ أَدَبٍ وَلَا ذَمٍّ لِلْعَالِمِ فِي عِرْضِه)! فَالْغَالِي يَزْعُمُ أَنَّهُ (يَتْرُكُ الْخَطَأَ غَيْرَةً عَلَى السُّنَّةِ)، لَكِنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ إِلَّا وَقَدْ مَزَّقَ عِرْضَ الْعَالِمِ، وَأَسَاءَ الْأَدَبَ مَعَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ دَائِرَةِ السُّنَّة! بَيْنَمَا يَشْتَرِطُ إِمَامُ الْعَصْرِ أَنْ يَكُونَ رَدُّ الْخَطَأِ مَقْرُونًا بِالْأَدَبِ وَصِيَانَةِ الْعِرْض.

وَتَكْتَمِلُ اللَّوْحَةُ السَّلَفِيَّةُ بِالْخُطْوَةِ الرَّابِعَةِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُنْقَشَ فِي قَلْبِ كُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ: «بَلْ يُقَالُ: أَخْطَأَ وَغَفَرَ اللَّهُ لَه». فَقَطْ هَكَذَا تَتَجَلَّى السَّلَفِيَّةُ: إِثْبَاتٌ لِلْخَطَأِ بِلَا مُدَاهَنَةٍ (أَخْطَأَ)، مَشْفُوعٌ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِلَا جَفَاءٍ (وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ). أَمَّا فِي قَامُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ فَتُصَاغُ الْجُمْلَةُ هَكَذَا: "أَخْطَأَ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ جَهْمِيٌّ ضَالٌّ يَجِبُ إِسْقَاطُه"! فَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْهَجٍ يَرْحَمُ، وَمَنْهَجٍ يَسْحَق.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَسَرِّعُ فِي ذَمِّ الْعُلَمَاءِ؛ هَذَا هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ بَازٍ الَّذِي تَحْتَجُّ بِهِ، يُعَلِّمُكَ أَبْجَدِيَّاتِ السَّلَفِيَّةِ الَّتِي تَدَّعِيهَا! يُعَلِّمُكَ أَنَّ اتِّبَاعَ الدَّلِيلِ لَا يُبِيحُ لَكَ بَذَاءَةَ اللِّسَانِ، وَأَنَّ الرَّدَّ عَلَى الْخَطَأِ لَا يَسْتَلْزِمُ الطَّعْنَ فِي الْعِرْض.

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَهَذِّبْ لِسَانَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ ذَمَّكَ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِسَاءَةَ أَدَبِكَ مَعَهُمْ بِدَعْوَى "نُصْرَةِ السُّنَّةِ"، سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ الْمُبِينِ، وَسَتَقِفُ غَدًا لِتُسْأَلَ عَنْ أَعْرَاضٍ نَهَشْتَهَا بِسُوءِ أَدَبِكَ، مُتَنَاسِيًا أَنَّ لُحُومَ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَة.

قال الشيخ عبد الله العبيد: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ جَعْلَ طَالِبِ عِلْمٍ عِبْرَةً فِي التَّارِيخ: سَلَّ لِسَانَهُ عَلَى أَكَابِرِ الْعُلَمَاء. وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ حِفْظِ اللَّهِ لِمَنْ حَفِظَ دِينَه.

البيانتَأَمَّلُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ هَذِهِ السُّنَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ الْجَارِيَةَ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تُحَابِي أَحَدًا! كَلِمَتَانِ فِي سَطْرٍ وَاحِد، الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا أَثْقَلُ وَأَعْمَقُ مِنَ الْأُولَى. فَالْأُولَى إِخْبَارٌ مُرْعِبٌ عَنْ عَاقِبَةِ الْغُلُوّ: (سَلُّ اللِّسَانِ لِيَكُونَ عِبْرَةً وَمَثُلَةً)، وَالثَّانِيَةُ تَعْلِيلٌ رَبَّانِيٌّ يَكْشِفُ الْحِكْمَةَ الْكُبْرَى: (أَنَّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لِمَنْ حَفِظَ دِينَه).

وَهُنَا يَتَجَلَّى الْفِقْهُ الْعَمِيق: فَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا مُجَرَّدَ تَعَصُّبٍ شَخْصِيّ، أَوِ انْتِصَارٍ لِرِجَالٍ مَاتُوا وَصَارُوا تَحْتَ التُّرَابِ لَا يَنْفَعُهُمْ مَدْحٌ وَلَا يَضُرُّهُمْ قَدْح! بَلِ الْقَضِيَّةُ الْعُظْمَى هِيَ "حِرَاسَةُ الْمِيرَاثِ النَّبَوِيّ". إِذْ لَوْ سَلِمَتْ أَعْرَاضُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ وَالْأَعْلَامِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يُمَزِّقَهَا؛ لَسَقَطَتْ هَيْبَتُهُمْ، وَلَانْهَارَتِ الثِّقَةُ بِمَنْ نَقَلُوا الشَّرِيعَةَ إِلَيْنَا، وَلَضَاعَ الدِّينُ بِضَيَاعِ أَوْعِيَتِهِ الَّتِي حَمَلَتْه! فَإِذَا امْتَدَّتْ يَدُ الْغَالِي لِتَثْقُبَ "وِعَاءَ الدِّينِ" بِحُجَّةِ تَصْفِيَةِ الْعَقِيدَة، قَصَمَ اللَّهُ ظَهْرَهُ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِ لِسَانَهُ لِيَفْضَحَهُ، حِفْظًا لِمَنْ حَفِظَ دِينَه.

ثُمَّ تَأَمَّلُوا الدِّقَّةَ الْبَالِغَةَ فِي قَوْلِهِ: «طَالِبِ عِلْم»؛ لَمْ يَقُلْ جَاهِلًا وَلَا عَامِّيًّا! لِأَنَّ الْعَامِّيَّ تَشْغَلُهُ دُنْيَاهُ وَمَعَاشُهُ، وَلَكِنَّ الْخَطَرَ الْعَظِيمَ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى شَابٍّ حَصَّلَ "طَرَفًا" مِنَ الْعِلْمِ، وَحَفِظَ بِضْعَةَ نُصُوصٍ وَمُصْطَلَحَاتٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّبْدِيعِ؛ فَأَغْرَاهُ هَذَا الْفُتَات، وَنَفَخَ فِيهِ شَيْطَانُ الْكِبْرِ، وَدَفَعَهُ لِلتَّصَدُّرِ وَالْحُكْمِ عَلَى الْأَئِمَّة.. قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مِنَ "الْوَرَعِ" وَ"التَّقْوَى" مَا يُمْسِكُ بِهِ لِسَانَهُ عَنْ لُحُومِ الْعُلَمَاءِ الْمَسْمُومَة! فَالْعِلْمُ إِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْوَرَعِ، صَارَ آلَةً لِدَمَارِ صَاحِبِه.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ الَّذِي سَلَقَ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ بِلِسَانٍ حِدَاد: لَا تَظُنَّ أَنَّ تَجَرُّؤَكَ عَلَى أَكَابِرِ الْأُمَّةِ وَحُفَّاظِهَا هُوَ شَجَاعَةٌ مِنْكَ، أَوْ غَيْرَةٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ كَمَا يُوَسْوِسُ لَكَ شَيْطَانُكَ! بَلْ هُوَ اسْتِدْرَاجٌ مِنَ اللَّهِ لَكَ، وَعُقُوبَةٌ خَفِيَّة، لِيَجْعَلَكَ "عِبْرَةً وَمَسْخَرَةً فِي التَّارِيخِ" كَمَا سَقَطَ مِنْ قَبْلِكَ!

فَوَاللَّهِ مَا سَلَلْتَ لِسَانَكَ سَيْفًا تَنْصُرُ بِهِ السُّنَّةَ كَمَا تَتَوَهَّمُ، بَلْ سَلَلْتَهُ خِنْجَرًا تَنْحَرُ بِهِ دِينَكَ، وَتَهْدِمُ بِهِ آخِرَتَكَ، لِتَكُونَ قُرْبَانًا لِحِفْظِ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ.