قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ: فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ بَاغُونَ بِالْخَطَأ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُعْصَمُونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ.
البيانتَشْخِيصٌ تَيْمِيٌّ عَبْقَرِيّ، يَضَعُ الْمِبْضَعَ عَلَى شِرْيَانِ الْغُلُوِّ، وَيُفَكِّكُ الْعُقْدَةَ الْمَنْهَجِيَّةَ الَّتِي صَنَعَتِ الْحَدَّادِيَّة!
فِي سَطْرٍ وَاحِد، كَشَفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ جِذْرَ الْمَرَضِ الَّذِي يَجْمَعُ طَوَائِفَ الِانْحِرَافِ (الْغَالِيَةَ وَالْجَافِيَةَ)؛ وَهُوَ اعْتِقَادُهُمُ الْفَاسِدُ بـ (التَّلَازُمِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْإِثْمِ)؛ أَيْ ظَنُّهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَعَ فِي الْخَطَأِ فَهُوَ آثِمٌ وَمُبْتَدِعٌ قَطْعًا!
فَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا التَّلَازُمَ، وَقَعَ حَتْمًا فِي أَحَدِ مُسْتَنْقَعَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَنْفِيَ الْخَطَأَ عَنْ إِمَامِهِ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الْإِثْمَ (فَيَغْلُوَ وَيَجْعَلَهُ مَعْصُومًا)، وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ الْإِثْمَ وَالتَّبْدِيعَ عَلَى الْعَالِمِ لِثُبُوتِ خَطَئِهِ (فَيَجْفُوَ وَيَجْعَلَهُ بَاغِيًا).
وَهُنَا تَجَلَّتْ عَبْقَرِيَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ إِذْ كَسَرُوا هَذَا التَّلَازُمَ الْفَاسِدَ مِنْ جُذُورِه! فَقَرَّرُوا: أَنَّ (الْخَطَأَ) قَدْ يَثْبُتُ، وَ(الْإِثْمَ) قَدْ يَنْتَفِي كُلِّيًا.
وَبِهَذَا الْفِقْهِ النَّيِّرِ وَحْدَه، يَسْتَقِيمُ لَكَ أَنْ تَقُولَ بِثِقَة: "أَخْطَأَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي التَّأْوِيلِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِه". هَذِهِ الْعِبَارَةُ السُّنِّيَّةُ الْمَوْزُونَةُ الَّتِي لَوْ تَفَوَّهْتَ بِهَا الْيَوْمَ فِي مَجَالِسِ الْغُلَاةِ لَرَمَوْكَ بِالتَّمْيِيعِ وَالضَّلَالِ؛ هِيَ عَيْنُ تَقْرِيرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حِينَ حَسَمَ الْمَوْقِفَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فَقَالَ: «لَا يُعْصَمُونَ، وَلَا يُؤَثَّمُونَ».
وَتَأَمَّلْ كَيْفَ سَاوَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْوَصْفِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَأَسْمَاهُمَا مَعًا: (أَهْلَ الضَّلَال)! فَلَمْ يَجْعَلْ تَقْدِيسَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِشُيُوخِهِمْ، بِأَهْوَنَ مِنْ طَعْنِ الْحَدَّادِيَّةِ وَإِسْقَاطِهِمْ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَام.
فَالَّذِي يَكْسُو إِمَامَهُ بُرْدَةَ الْعِصْمَةِ، وَالَّذِي يَنْصِبُ الْمَشَانِقَ لِعَالِمٍ مُجْتَهِدٍ أَخْطَأَ؛ كِلَاهُمَا عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ضَالٌّ عَنْ قَصْدِ السَّبِيل.
فَزِنْ نَفْسَكَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ بِهَذَا الْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ: مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ أَبْيَضُ يَقُولُ: «الْمُجْتَهِدُ إِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ مَغْفُور»، وَمَنْهَجٌ حَدَّادِيٌّ أَسْوَدُ يَقُولُ: «مَتَى مَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ يُسْقَطُ وَيُهْجَر»!
فَأَيُّ الْمَنْهَجَيْنِ وَصَفَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ (أَهْلِ الضَّلَال)؟!
اتَّقِ اللَّهَ، وَرَاجِعْ أُصُولَكَ؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ الْبَقَاءَ مَعَ (أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ) فِي عُذْرِ الْمُجْتَهِدِينَ وَحِفْظِ مَقَامَاتِهِمْ، خَيْرٌ لَكَ وَأَسْلَمُ لِدِينِكَ مِنْ تَصَدُّرِ مَجَالِسِ الضَّلَالِ الَّتِي لَا تُبْقِي لِعَالِمٍ حُرْمَة، وَلَا تَتْرُكُ لِلْإِسْلَامِ إِمَامًا.
