بصائر

الوحيُ يحكم، وأئمّةُ الإسلام يشهدون

يا من يعدُّ نفسه على السنة: لا نبدأ معك بخصومة، ولا نسألك أن تُحسِن الظنَّ بنا. نبدأ بما لا يملك مسلمٌ ردَّه: آيةٌ من كتاب الله، ثم حديثٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم شهادةُ أئمة الإسلام قرنًا بعد قرن. فإن سلّمتَ لها أغنتك عمّا بعدها، وإن رددتَها لم ينفعك ما بعدها.

89 نقلًا43 مصدرًا

هذا البابُ درجتان: كلامُ الله وكلامُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو النورُ الحاكم على الخلق كلِّهم؛ ثم أقوالُ أئمة الإسلام تُساق شاهدةً له، كاشفةً عن فقهه، ومبيّنةً أن هذا الميزان لم يكن رأيًا طارئًا، بل هو ما توارثته الأمة جيلًا بعد جيل.

وتحت كل نقلٍ «بيان»؛ لا يزاحم النصَّ ولا يستطيل عليه، وإنما يفتح موضعَ الدلالة، ويجمع أطرافَ الحجة، ويردُّ القارئ من ضجيج الخصومة إلى نور الوحي وفقه الأئمة. فالنقل هو الأصل، والبيان مصباحٌ يكشف ما فيه؛ لا يزيد في سلطانه، ولكنه يمنع أن تمرَّ دلالته على العين وقلبُها غافل.

لا تقوم الحجة هنا على تقديس الأشخاص؛ فصاحب الهوى يُعظّم الرجال ما وافقوه ويطرحهم إذا خالفوه! إنما عُمدتنا الوحي المعصوم (الكتاب والسنة) مشفوعاً بإجماع علماء الأمة قرناً بعد قرن، حتى لا تُرمى الحقائق بـ «التمييع»؛ فإن سلّم الخصم لزمه الحق، وإن زعم ضلال الأئمة وانفراده بالصواب فقد حارب ميراث الإسلام كله!

واعلم يقيناً أن «طالب الحق يكفيه دليلٌ واحد، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل».

عُرضت 15 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

البيانقف عند هذا البيان الرباني؛ فقد ضمّ الله تعالى إلى مشاقّة الرسول ﷺ جريمةً أخرى، ألا وهي اتباعُ غير سبيل المؤمنين، فقال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

ومن هذه المشكاة استنبط الأئمة حجية الإجماع؛ فمتى اجتمعت الأمة على أمرٍ صار إجماعها هو «السبيل»، فمن تنكبه فقد حاد عن الجادة، واصطفّ في خندق المشاققين للدين.

ثم أمعن النظر في وعيد الختام: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾؛ أي نَكِلُه إلى ما اختاره لنفسه.

ولعمري، إن هذا لأشدُّ خذلانٍ يُبتلى به عبدٌ؛ أن يتركه الله لرأيه.

فمن شذّ عن جماعة المسلمين مستبدّاً بفهمه، تخلى الله عنه وتركه مع غُروره الذي فارق به سواد الأمة، ليكون المآل المفجع: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾.

فزِنْ -رعاك الله- حال هؤلاء الغلاة بهذا الميزان القرآني، واعرضهم على هذه الآية في مسألة أحدثوا بها جلبةً وضجيجاً؛ ألا وهي الطعن في الإمام النووي وتبديعه وتضليله وتسويغ تكفيره.

ويحك يا مسلم! أمةٌ بأكملها، بعلمائها الأثبات، تُقرّ بفضله وإمامته، لم يشذّ عن ذلك عالمٌ معتبر طيلة سبعة قرون، ثم ينبُت نابتٌ يشن الغارة عليه، ويضلّله، ويسوّغ تكفيره!

سَلْهُ: بأي سبيلٍ مشيت؟ إن ادّعى أنه «سبيل المؤمنين»، فاقمعه بقولك: سَمِّ لنا إماماً واحداً سبقك إلى هذا السبيل في هذه القرون السبعة!

فإن أُبلِسَ وعجز، فقد دان نفسه بلسانه.

فإن تترس بشبهته قائلاً: «العبرة بالدليل لا بكثرة الموافقين!»، فادفع في صدره وقل: كلمة حقٍّ يراد بها باطل؛ نعم، العبرة بالدليل، ولكن من ذا الذي يفهم الدليل؟ أأنت وحدك الذي هُديت إليه وعمي عنه علماء الأمة وأئمتها؟!

إن الله جل ثناؤه قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والسبيل إنما هو طريقٌ مُعَبَّدٌ مطروق. لقد سلك المسلمون سبيلاً بيّناً، وشقّ غلاة «الحدادية» لأنفسهم طريقاً معوجاً، ثم عجزوا أن يسمّوا سلفاً لهم في هذا المنهج الخبيث.

ودعني أكشف لك الباعث الدفين وراء هذا الشذوذ لتعرف حقيقة الداء.

وايمُ الله، ما حملهم على ذلك الغيرةُ على التوحيد كما يزعمون؛ فلو صدقوا لبدأوا بأنفسهم.

إنما هي آفةٌ نفسية؛ فالنفوس الصغار إذا قصرت هممها عن بلوغ منازل الأكابر، تعزّت عن نقصها بتحطيم أهل الفضل. فمن عجز عن الارتقاء إليهم، اشتفى بإنزالهم إليه!

وهو داءٌ قديمٌ، يتلوّن في كل زمان بثوب، وثوبُه اليوم: ادّعاء الدفاع عن العقيدة؛ تماماً كما فعل سلفهم من الخوارج حين رفعوا المصاحف في وجوه أصحاب رسول الله ﷺ، فكفّروهم وقاتلوهم باسم الدين.

فيا أيها المفتون، اعلم أن الله لم يجعل النجاة في ذلاقة اللسان، ولا في كثرة الأتباع، ولا في براعة الجدل وتزويق المرئيات (فلاتر الفيديو). إنما جعل النجاة في أن تضع قدمك حيث وضع المؤمنون أقدامهم. فتبصّر في أي الصفين تقف: أفي صفٍّ يزخر بأمثال ابن تيمية، والذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وابن عبد الهادي، وابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وسائر الجبال الرواسي من أئمة العلم؟

أم في صفِّ غلاةٍ حيارى، لا شيخ يربيهم، ولا عالم يرجعون إليه، بل مقاليدهم بيد صُنّاع المحتوى وثُلةٍ من الأغمار غلاظ الأكباد قساة القلوب؟!

إن الخطب ليس مجرد نزاعٍ في مسألةٍ تُطوى وتُنسى، بل هو موقفٌ جلل ستُسأل عنه بين يدي ديان السماوات والأرض.

فتخيّل وقوفك غداً بين يدي الله، وقد سألك: بأي سبيلٍ مشيت؟ فإن تذرّعت بأنك على «سبيل المؤمنين»، قيل لك: فأين هم؟ فإن التفتَّ فلم تجد إماماً واحداً يقف في صفك، فقد تجلى لك اليوم من الخذلان ما ستلقاه غداً.

غير أن باب التوبة والأوبة مشرعٌ ما دام في العُمُر متسع. فليس المراد إحراجك بالإقرار بالخطأ أمام الخلق، بل غاية المراد أن تفيء إلى الصفّ المبارك الذي فارقته.

فمن آب إلى جماعة المسلمين فقد أدرك النجاة ولو في الرمق الأخير. فنسأل الله العافية والسلامة من مضلات الفتن.

محمد بن شمس الدين يقرّر حجّية الإجماع بلسانه، والمقطع قبل نحو خمس سنين

نسأل الله أن يجعلنا ممن اتبع سبيل المؤمنين فوُلِّي معهم، ولا يجعلنا ممن وُكِل إلى نفسه فهلك.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابه، فأيِس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلّها قد أيِس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك. أخطأ من شدّة الفرح.

البيانتأملوا يرحمكم الله هذه الكلمة المفزعة، وجردوها تماماً من قائلها ومن حاله، ثم ضعوها وحدها في كفة الميزان: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك».

والله لو وُزنت بموازين الأرض كلها لكانت أشنع لفظٍ وأفحش مقالة، ولرُجحت بكفر الأولين والآخرين! فهل ثمة فظاعةٌ وجرأةٌ تفوق ادعاء الربوبية؟!

ومع هذا.. كيف ساقها النبي ﷺ في حديثه؟ وكيف حاسب قائلها؟

لقد محا المشرّع الحكيم ﷺ هذه الجريمة اللفظية العظمى بأربع كلماتٍ لا غير: «أخطأ من شدّة الفرح».

قفوا هنا طويلاً.. فالنبي ﷺ لم يقف عند بشاعة اللفظ المنطوق، ولم يقل: "الكلمة كفر فقائلها كافر"، ولم يقل: "ألزموه بلازم قوله الصريح"، ولم يطالب بامتحانه واستتابته! بل غاص ﷺ إلى أعماق القلب، فرأى نيةً طاهرة طاشت بها شدة الفرح، فأسقط اللفظ الكفري بحال صاحبه الصادق.

وهنا يتهشم صنم الغلو الحدادي الذي ينصبونه للناس! فمذهبهم الفاسد يقوم على أصلٍ واحد: "أن مجرد النطق باللفظ الخطأ، يوجب إسقاط القائل والحكم عليه، دون نظر لقصده وتأويله".

فلو كان مذهبهم حقاً، لما وسع النبيَّ ﷺ أن يَعذُرَ هذا الرجل أصلاً؛ إذ ليس بعد ادعاء الربوبية ذنبٌ يُغتفر! ولكن بان لكم أن ميزان النبوة يرى ما لا يراه هؤلاء القساة؛ فهو يفرق بين بشاعة الكلمة، وبين عذر القلب الذي أخرجها.

ثم تأملوا ما هو أعجب وألطف!

في أي سياقٍ ساق النبي ﷺ قصة هذا الرجل؟ هل ساقها محذراً ومشنعاً؟ لا والله! بل حكى زلته الشنيعة في أرفع مقامٍ لبيان سعة رحمة الله وفرحه بتوبة عبده!

فجاءت أعظم زلة، مذكورةً في أعظم سياق للرحمة. فمن اتخذ من زلات الأئمة وعثراتهم بضاعةً يجمعها للتشنيع، والتحذير، والتبديع، فقد حاد عن طريقة النبوة وضل عن سواء السبيل.

فيا للعقول المقلوبة! إذا كان سبق اللسان بأفظع كفرٍ، يُعذَرُ به صاحبه لسلامة قلبه.. فما بالكم بإمامٍ من جبال العلم، أفنى عمره في الذب عن دين الله، ثم اجتهد وأخطأ!

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يَحمِلُ هذا العلمَ من كل خلفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

البيانتأملوا هذا الميزان النبوي العظيم، لتعرفوا كيف حُفظ هذا الدين، وكيف تتكسر أمامه نصال الغلو.

فهذا هو أصل الباب؛ تعديلٌ نبويٌّ عام لحملة العلم في كل جيل. ومن زكّاه رسول الله ﷺ وعدّله، فهل يضره بعد ذلك طعن طاعن أو نبز غالي؟ ويعضد هذا أصلان عظيمان من الوحي: الأول، أن الله تكفل بحفظ الذكر، وحفظ الذكر لا يكون إلا بحفظ صدور الرجال الذين ينقلونه. والثاني، أن الله جل جلاله استشهد أهل العلم على أعظم حقيقة في الوجود: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾.. وربك لا يستشهد من خلقه إلا العدول الأثبات.

ثم انظروا إلى أعجب مفارقة، مشهدٌ يبكي القلب ويضحك العقل في آن واحد! تأملوا أول مهمة كلف بها الحديث هؤلاء العدول: «ينفون عنه تحريف الغالين». أي أن أول عمل للعالم في كل قرن أن يطرد الغلو عن الدين. والعجيب -ورب الكعبة- أن هذا "الحدادي" الغالي، الذي نص الحديث على أن العلماء يطردونه، قام هو اليوم ليطرد العلماء أنفسهم! لقد قلب الموازين؛ جعل الحرّاس لصوصاً وألقى بهم خارج الأسوار، ثم تربع هو على الباب حارساً!

فإذا انتفخ هذا الغالي أمامكم وقال: "لقد أخطأ الأئمة قرناً بعد قرن، فعدّلوا من لا يستحق، وشهدوا بالإمامة لمن ليس أهلاً لها!".. فقولوا له: رويداً يا مسكين! ما حال هؤلاء الشهود من علماء الأمة عندك؟ أنت الآن محاصرٌ بين خمسة جدران لا مخرج لك منها، فاختر لنفسك:

إما أنهم لم يعرفوا حال الرجل فشهدوا بغير علم.

أو أنهم عرفوا حقيقته فشهدوا بالزور.

أو أنه قد خفي عليهم ما وصل إليك أنت.. فصرت أعلم بالرجل من تلاميذه ومعاصريه!

أو أنهم اتفقوا جميعاً على كتمان الحق، فصاروا كأحبار اليهود!

أو أنهم لم يفهموا كلام من قبلهم ففاتهم الصواب.

أي بابٍ من هذه الأبواب فتحت، وأي جوابٍ اخترت، فقد طعنت في حملة العلم جميعاً، ورددت التعديل النبوي في وجوههم!

ثم اكشفوا له عن حقيقة جنايته البشعة.. قولوا له: إذا جاز على أئمة الإسلام مجتمعين أن يعدّلوا من يستحق الجرح، جاز عليهم بالضرورة أن يجرحوا من يستحق التعديل. وما النتيجة؟ تَسقُطُ الثقةُ بجرحهم وتعديلهم معاً! وعلى هذين العلمين الجليلين قامت صناعة الأسانيد التي وصل بها الدين كله إليك، وبها تحتج أنت وتخاصم! فسهمك الطائش لم يصب الإمام النووي ولا الحافظ ابن حجر وحدهما، بل هدمت به السُّلَّم الذي تقف عليه!

والقرآن العظيم يقرر أن تكذيب الواحد تكذيب للجميع: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهم لم يكذبوا إلا نوحاً وحده. فمن أسقط إماماً شهدت له قرون الأمة كلها، فقد طعن في الشهود كلهم، شاء ذلك أم أبى.

ولسنا ندعي عصمة أحد. فالعالم يخطئ، وخطؤه مغفور، وهو فيه معذور بل ومأجور، ويُقيّض الله له من إخوانه من يبيّن الصواب، فيُكمّل بعضهم بعضاً. المستحيل -والذي نأباه ونرده- أن تجتمع الأمة كلها على باطل. نحن نقول: يخطئ العالم الواحد، ولا تضل الأمة كلها. وهذا الغالي المغرور يقول بلسان حاله: ضلت القرون كلها، وعميت الأمة بأسرها، وأصبت أنا!

فانظروا بعين البصيرة.. أي القولين يصدق حديث رسول الله، وأيهما يرده وينسفه؟

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم - على ضلالة. وفي لفظٍ: إن أمتي لا تجتمع على ضلالة.

البيانقف أيها الموفق متأملاً هذا الحديث العظيم؛ فإنه يهدم مذهب هؤلاء القوم من أساسه لا من أعلاه، ويقتلع جذور غلوهم من أرض الشريعة اقتلاعاً!

قال النبي ﷺ: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة»، وفي لفظٍ: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة».

إن قول هؤلاء الغلاة في إسقاط أئمة الإسلام عبر القرون (كالنووي وابن حجر وغيرهما) وتبديعهم لهم، يلزم منه طامةٌ كبرى! يلزم منه أن الأمة الإسلامية بعلمائها قد اجتمعت قروناً طويلة على تعظيم قومٍ هم في حقيقتهم "مبتدعة ضلال"، وعلى أخذ دينها وفقهها وحديثها عنهم، بل وتزكيتهم وجعلهم أئمة للإسلام! فإن كان طعن هؤلاء الغلاة صحيحاً؛ فقد اجتمعت الأمة إذن على ضلالةٍ وتوقيرٍ لأهل البدع! وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ في هذا الحديث أن هذا لا يكون أبدًا، ولا يقع البتة!

فضعوا الغالي أمام هذا الإلزام الصارم، فليس أمامه إلا مخرجان أحلاهما مر: إما أن يهرب ويقول: "لم تجتمع الأمة على إمامتهم، بل عظمهم طائفة فقط".. فنقول له: أخرج لنا إذن الطائفة الأخرى! أرنا الطائفة التي بدّعت النووي وابن حجر وأسقطتهما في القرون التي بيننا وبينهم؟ سَمِّ لنا رجالها إن كنت صادقاً! ولن يجد. وإما أن يتجرأ ويقول: "نعم اجتمعت الأمة على إمامتهم، ولكنها اجتمعت وأخطأت".. فهذا تكذيبٌ صريحٌ وردٌّ وقحٌ لحديث رسول الله ﷺ!

ثم اعلموا -يا رعاكم الله- أن هذا الحديث هو العمود الذي بنى عليه أهل العلم "حجية الإجماع"، وهؤلاء القوم يحتجون بالإجماع إذا وافق أهواءهم، فإذا خالفهم صار إجماعاً لا قيمة له! وقد قال الإمام الشاطبي: «ولا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع العوام». فالمقصود بالأمة في الحديث: علماؤها الذين يحملون الشريعة. فإذا اتفق جبال العلم قرناً بعد قرنٍ على إمامة رجلٍ في الدين، فمن المحال شرعاً وعقلاً أن يكون مبتدعاً ضالاً يفسد الدين، ثم تعمى الأمة كلها عن ضلاله، ولا ينتبه له أحد، حتى يكتشفه متأخرٌ نكرةٌ بعد سبعة قرون!

وليس تقريرنا هذا ادعاءً لعصمة الأمة عن الخطأ في آحاد المسائل؛ فالخطأ والزلة تقع من الأفراد بل ومن الجماعات. وإنما المنفيُّ والمستحيل أن تتفق الأمة كلها -بعلمائها وطبقاتها- على باطلٍ أو تضلّ في تزكية إمام، ثم يبقى هذا الباطل مخيماً عليها قروناً حتى يكتشفه غالي اليوم! فتجويز هذا معناه ضياع شيءٍ من حفظ الدين، واتهامٌ للأمة المحمدية بالعمى والضلال، وهو من أفسد الأقوال وأبطلها!

فيا لله! أيهما نصدق: حديث رسول الله المبرئ لأمته من الاجتماع على الضلالة، أم ميزان الحدادية الذي جعل الأمة كلها في ضلالة وعمى حتى جاؤوا هم لينقذوها؟!

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يجدّد لها دينَها.

البيانتأملوا في صيغة هذا الحديث؛ فهو ليس أمراً يُفعَلُ أو يُتْرَكُ، بل هو "خبرٌ" قاطع على لسان الصادق المصدوق: «يبعث الله». ومن أنكر وقوع ما أخبر الله بوقوعه، أو ادعى انقطاعه، فقد ردّ الخبر النبوي وكذّبه!

وهنا إلزامٌ قاهرٌ لا مهرب منه، ألقاه الشيخ أبو عمر الباحث في وجوه رؤوس الحدادية كمحمد شمس الدين، ودمشقية، والخليفي، ومن سار في ركبهم، فقال: سَمُّوا لنا مجدد القرن الذي عاش فيه النووي! ثم مجدد القرن الذي يليه، ثم الذي يليه.. حتى تصلوا إلى زماننا! فإن تجرأتم وسميتم أحداً؛ لزمكم تعظيمه والاعتراف بإمامته، وأكثر من سمّتهم الأمة للريادة والتجديد في تلك القرون، جميعهم يوقرون الإمام النووي ويعظمونه! وإن قلتم: "لا نعلم أحداً"، أو "انقطع التجديد ولم يُبعث في تلك القرون مجدد".. فقد كذّبتم حديث رسول الله جهاراً نهاراً!

ولهذا ترى الغالي يتخبط ويرتبك إذا سُئل عن إمامٍ أو مجدد. فإن زكّى عالماً معاصراً، ثم استبان له أن هذا العالم يُجلّ علماء الأمة ويرفض الطعن فيهم، انقلب عليه وسحب منه كل وصف! وما أبشع ما صنع شمس الدين مع الشيخ محمد صالح المنجد؛ فقد كان يثني عليه ويعظمه، فلما ظهر مقطعٌ للشيخ يشنع فيه على الحدادية ويستنكر طعنهم في أئمة الإسلام، ثارت ثائرة هذا الغالي وسحب منه لقب المجدد! فيا لها من كارثة! صار وصف الإمامة والتجديد عندهم صكاً يُعطى ويُسحب بحسب موافقة الهوى، لا بحسب العلم وميزان الشرع.

ثم انظروا إلى شناعة لازم قولهم.. إذ يلزم منه أن أمة محمد ﷺ انقطع عنها الهدى قروناً متطاولة، وجُردت من علمائها ومجدديها، وظلت تتخبط في ظلام البدعة، حتى نبت في زماننا هذا "غالي" وصله علم السلف صافياً من السماء بلا واسطة! فيا مسكين، من أين وصلك هذا الدين؟ أليس من متون هؤلاء الأئمة الذين تسقطهم؟ ومن رواياتهم وشروحهم وتصانيفهم وحفظهم للسنن؟ إنك والله كالأحمق الذي يتسلق شجرةً، ثم يجلس على غصنها ليمسك منشاراً يقطع به الغصن الذي يحمله!

واجمعوا الآن هذا الحديث إلى ما قبله؛ تجدوا ثلاثة أخبار نبوية لا تتخلف، يشد بعضها بعضاً ويدق بعضها عنق الغلو:

الأول: أمةٌ لا تجتمع على ضلالة.

والثاني: عدولٌ يحملون العلم في كل جيل بلا انقطاع.

والثالث: مجددٌ يُبعث على رأس كل مائة سنة.

فمذهب الحدادية يلزم منه الكفر برد هذه الأخبار الثلاثة جميعاً! فإما أن يؤمنوا بكلام نبيهم فتسقط بدعتهم ودعواهم، وإما أن يثبتوا على طعنهم فتسقط من قلوبهم هذه الأحاديث.. فاختاروا لأنفسكم أي الفريقين أنتم!

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وإنَّ العالمَ ليستغفرُ له مَن في السماوات ومَن في الأرض، حتى الحيتانُ في الماء، وفضلُ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ على سائرِ الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، وإنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلمَ؛ فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر.

البيانقفوا وتأملوا هذا المشهد المهيب الذي ترتجف له القلوب:

انظروا بعين البصيرة إلى هذه المفارقة: أهل السماوات يستغفرون للعالم، وأهل الأرض يستغفرون له، حتى الحيتان في أعماق المحيطات المظلمة تلهج بالاستغفار له! الخلائق كلها، من العرش إلى الفرش، تطلب من الله أن يغفر للعالم زلته ويتجاوز عن خطيئته. ثم يأتي هذا "الحدادي" الغالي، فلا يجد عملاً في حياته إلا أن يجعل زلة العالم حبل مشنقةٍ يخنقه به! فيا سبحان الله! حيتان البحر وبهيمة الأنعام أعرفُ بحق العالم وحرمته من إنسانٍ امتلأ رأسه بألقاب الجرح والتعديل ولم يفقه يوماً معناها!

وتأملوا هذا الوصف النبوي البديع: «كفضل القمر على سائر الكواكب». العابد نجمٌ مشع، نعم.. لكن ضوءه محصورٌ لنفسه. أما العالم فقمرٌ منير يمشي الناس في ضيائه وسط دياجير الظلمات. وفي هذا التشبيه سرٌّ لطيف: ألا ترون القمر يصيبه الخسوف فيُظلم قليلاً، ثم سرعان ما يعود بدراً ساطعاً كما كان؟ كذلك العالم؛ تقع منه الزلة والوهم، ثم يعود نوره ويبقى فضله. فمن حكم على القمر ساعة خسوفه، وألغى نوره في بقية لياليه، فقد جاره وظلمه وأعمى بصره!

ثم قفوا عند قوله ﷺ: «ورثة الأنبياء». هنا إلزامٌ قاصم لا مهرب منه: الميراث لا يصل إلى الناس إلا عن طريق ورثته! فمن طعن في الورثة جميعاً، وأسقط أئمة الدين، فقد زعم بلسان حاله أن ميراث النبوة قد ضاع وانقطع. ومن زعم هذا فقد كذب وردّ قول الصادق المصدوق: «فمن أخذه أخذ بحظ وافر». وهنا ينكشف هؤلاء القوم وتُفضح سرائرهم: يزعمون أنهم يغارون على ميراث النبوة، وهم في الحقيقة يقطعون الأيدي الطاهرة التي حملته إلينا قرناً بعد قرن! فبالله عليكم.. هل وصلنا القرآن والسنة إلا على أكتاف هؤلاء الأطواد الذين يسقطونهم ويبدّعونهم اليوم؟

فإن انتفخ هذا الغالي وقال معتذراً: "أنا لا أطعن في كلهم، بل في بعضهم!" فقولوا له: انظر يا مسكين فيمن تطعن! إنهم شرّاح الصحيحين، وحفّاظ العلل، ونقلة الإجماع، وأصحاب الدواوين التي بين يديك والتي لا تفهم دينك إلا بها! فإذا أسقطت حملة الميراث، فمن أين وصلك الميراث؟ إن هذا الطاعن في ورثة الأنبياء كمثل أحمق يجلس على غصن شجرة فيقطعه بمنشاره.. يَظُنُّ بجهله أنه يُصلِّح الشجرة، وهو يهوي بنفسه إلى الهاوية!

أيها المغرور بهواه.. الحيتان في الماء تستغفر لمن تحاربه أنت! فانظر في أي الصفين اخترت أن تقف: في صف المستغفرين له، أم في صف الشانئين الطاعنين؟ ومن نام والخلائق كلها تستغفر لخصمه.. فهو المهزوم المخذول لا محالة.

فتداركوا أنفسكم أيها الناس، واجعلوا حظكم من علماء الأمة الاستغفار لهم، لا العدوان عليهم. فالاستغفار دأب الملائكة والحيتان، والطعن والتكفير والتبديع دأب إبليس وجنده.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا، ويعرفْ لعالمِنا حقَّه.

البيانأدنوا قليلاً وتأملوا هذا الوعيد النبوي الشديد، الذي ترتجف منه القلوب السليمة وتطير منه الألباب:

قال النبي ﷺ: «ليس من أمتي من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحمْ صغيرَنا، ويعرفْ لعالمِنا حقَّه».

فيا سبحان الله! ما سمع هذا الغالي وعيداً أشد ولا أقسى من هذا اللفظ القاطع: «ليس من أمتي». تأملوا.. لم يقل النبي ﷺ: قد أخطأ، ولا قال: أساء الأدب، بل نفى عنه شرف الانتساب إلى أمته! والعلماء يحملون هذا النفي على نفي الكمال الواجب الذي يُخاف على تاركه الهلاك. وأياً كان معناه؛ فليس بعد أن يتبرأ منك رسول الله ﷺ منزلةٌ يفرح بها عاقل، أو يرجوها مؤمن.

وانظروا كيف جمع الحديث بين خصالٍ ثلاث: إجلال الكبير، ورحمة الصغير، ومعرفة حق العالم. فجعل معرفة حق العالم قرينةً لرحمة الصغير وإجلال الكبير. فكما لا تقوم أمةٌ يأكل كبارها صغارها، لا تقوم أمةٌ يأكل جُهّالها علماءها! الأمة جسدٌ واحد، والعلماء رأس هذا الجسد.. والعجيب أن هؤلاء القوم لا يرون أنهم يقطعون في الرأس، بل يحسبون بجهلهم أن قطع الرأس حمايةٌ للجسد!

وتأملوا بدقة قوله ﷺ: «ويعرفْ لعالمنا حقه». لم يقل: يوافق عالمنا في كل مسألة! ولم يقل: يسكت عن زلته وخطئه! بل جعل الأساس "معرفة الحق"، والمعرفة عملُ قلبٍ يثمر توقيراً في اللسان وإجلالاً في الجوارح. فللعالم حقٌّ ثابت لا تسقطه زلة، كما أن للوالد حقاً محفوظاً لا يسقطه خطأٌ في التربية. ومن لم يَعرِفْ لأهل الفضل والإحسان إحسانهم، فتلك والله علامة لؤمٍ ومرضٍ في الطبع، لا علامة قوةٍ في المنهج ولا غيرةٍ على الدين!

والعجيب من قومٍ نصبوا أنفسهم حراساً للسنة، وأول ما نقضوا من السنة ومزقوه هو هذا الحديث ذاته! يجلس أحدهم في مجالس التبديع، فيحفظ من الطعون في الشيوخ والعلماء أكثر مما يحفظ من أذكار الصباح والمساء! ويتعلم كيف يُسقِطُ العالمَ ويهدمه، قبل أن يتعلم كيف يَعرِفُ له حقه وقدره! فأي انتسابٍ بقي لهؤلاء إلى أمةٍ، علّق نبيُّها ﷺ الانتساب إليها على خصلةٍ جعلوا هم نقضها وهدمها ديناً يُتقرب به؟

فإن انتفخ هذا الغالي وقال: "وهل يدخل في هذا الوعيد من ردَّ على عالمٍ خطأه وبيّن زلته لحماية الدين؟"

فالجواب القاطع: لا وحاشا! فقد ردَّ الأئمة والعلماء بعضهم على بعض منذ الصدر الأول، وما نقص ذلك من حقوقهم مثقال ذرة، لأن الرد بعلمٍ وإنصاف هو من أصل معرفة الحق. إنما ينزل الوعيد الشديد على من جعل الرد وسيلةً إلى الإسقاط، واتخذ "النصيحة" غطاءً للشماتة والتجريح.

فالفرق شاسعٌ والبون واسع.. بين طبيبٍ مشفقٍ ينظف الجرح ليلتئم ويبرأ، وشامتٍ حقودٍ يمزق الجرح ليتسع ويهلك أمة محمد ﷺ!

قال الإمام سعيد بن المسيّب: ليس من عالمٍ ولا شريفٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضلُه أكثرَ من نقصه ذهب نقصُه لفضله، كما أن من غلب عليه نقصانُه ذهب فضلُه.

البيانقفوا وتأملوا هذا الميزان النبوي الدقيق، الذي ورثه سيد التابعين عن جيل الصحابة رضوان الله عليهم. إنه الميزان الذي تُحفظ به مقامات الرجال، ويُعصم به الدين من الهوى، وتُرد به سهام الغلاة في نحورهم.

خذوا أولاً هذه المقدمة القاطعة التي يفر منها الغالي كفراره من الأسد: «ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب».

فالعيب والزلة والخطأ أمرٌ حتمي في كل بشرٍ سوى المعصوم ﷺ. فليست المسألة إذن -كما يُوهم الحدادية أتباعهم-: "هل أخطأ الإمام أم لم يخطئ؟"، فهذا سؤالٌ ساذج يطلب عصمةً لم تُعطَ لبشر قط! بل المسألة الحقيقية التي يدور عليها ميزان أهل السنة هي: "أين يقع هذا الخطأ من بحر حسنات الرجل وفضله؟".

ثم انظروا إلى عدل السلف في وزن هذه الزلة: «من كان فضلُه أكثرَ من نقصه ذهب نقصُه لفضله».

وليس معنى "ذهب نقصه" أن نقلب باطله حقاً، أو أن نتعامى عن خطئه فلا نردّه، حاشا وكلا! بل المعنى أن الحكم الكلي على هذا الرجل يكون بالغالب من حاله وعطائه. فإذا كان الرجل إماماً أفنى عمره في نصرة السنة وشرح الحديث والذب عن الشريعة، ثم وقعت منه زلةٌ أو خطأ؛ ذابت قطرة خطئه في بحر فضله وحسناته، كما تذوب القطرة في البحر الخضم فلا تنجسه!

وأعدل ما في ميزان سيد التابعين أنه يعمل في الاتجاهين بصرامة: «كما أن من غلب عليه نقصانُه ذهب فضلُه».

فهذا الميزان ليس باباً مفتوحاً للفوضى والتمييع كما يشنع الغلاة، ولا شفاعةً لكل زنديقٍ أو مبتدعٍ غلب فسادُه على صلاحه. بل هو التفريق العادل بين: (إمام سنة زلّ فأخطأ) و(صاحب ضلالة غلب ضرره على الإسلام). وبهذا يَسقُطُ تشنيعُ الحدادية الدائم علينا بقولهم: "قاعدتكم هذه تنجي كل ضال وساقط وتذيب الفوارق"! كلا، بل هي قاعدة تنجي أئمة الهدى، وتُسقط رؤوس الضلال!

وقوة هذه القاعدة أنها لم تصدر من رجلٍ متأخر، بل نطق بها سيد التابعين وأعلمهم بالقضاء والسنة، الذي أدرك كبار الصحابة ونهل من معينهم. فليس هذا "تمييعاً معاصراً" كما يزعم الغلاة، بل هو "منهج السلف" الأصيل الذي يتشدقون زيفاً باتباعه!

فالآن، اعرضوا على هذا الميزان السلفي صنيعَ القوم.. لتروا كيف عكسوا دين الله عكساً تاماً!

إن الحدادية اليوم يأخذون الزلة الواحدة، أو الكلمة الواحدة للإمام، فيجعلونها هي الرجل كله! ويطوون قروناً من العلم والفضل ونصرة الدين، وكأنها لم تكن أصلاً!

لقد قلبوا ميزان سعيد بن المسيب؛ فبدل أن يُذهبوا النقص القليل بالفضل الكثير.. تراهم يُذهبون الفضل العظيم بالنقص اليسير! فجعلوا البحر الطاهر ينجس بقطرة واحدة، بل وجعلوا القطرة تبتلع البحر!

فأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ من وزن الناس بميزان الصحابة وسيد التابعين؟ أم من نصب لهم مقصلةً لا ينجو منها أحد، ولا يقبلها عقلٌ ولا شرع؟!

قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إيّاك أن تتكلّم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام.

البيانهذه كلمةٌ من إمام أهل السنة، وهي ميزانُ سلامةٍ لا ميزانُ تقليد. فليس مرادُه أن تُعطّل النظر، ولا أن تُقفل باب الاجتهاد؛ وإنما أن تعلم أن انفرادك بقولٍ لم يسبقك إليه أحدٌ من أهل العلم علامةُ خطرٍ لا علامةُ تحقيق. فإن الله لم يَترُكْ هذه الأمة قرونًا في ضلالةٍ حتى يأتي المتأخّر فيهتدي وحده.

وقُلْ لي بالله: أيُّ مسألةٍ أعظمُ من إخراج مسلمٍ من الملّة بل والتألي على الله بأنه لن يغفر له؟! أخرج إمامًا من أئمة الإسلام تلقّت الأمةُ كتبه بالقبول خمسة قرون وباهل على ذلك بكل جرأة ولعن نفسه وأهله! فإذا كان أحمدُ يحذّرك من الكلام بلا إمامٍ في مسألةٍ من مسائل الفقه، فكيف بمن يجلس فيُصدر حكمًا بالردّة على معيَّنٍ لم يسبقه إليه أحد من علماء الإسلام؟

وقد سُئل محمد بن شمس الدين: من كفّر السيوطي غيرك؟ فقال: «والله ما أدري، ولا يهمّني أن يكفّره غيري أو لا يكفّره». فتأمّل: جوابُه هذا وحده حكمٌ عليه بميزان أحمد، لا يحتاج بعده إلى مناظرة. فأحمدُ يقول: «إيّاك»، وهو يقول: «لا يهمّني».

والقاعدة عند أهل السنة أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأنّ الإجماع العمليّ المتوارث شهادةٌ مركّبة لا تُنقض بفهم جاهل متصدر. فالسيوطيُّ مات وأقبلت الأمةُ على كتبه تدرسها وتحقّقها وتترحّم عليه، ولم يُعرَفْ عالمٌ معتبرٌ واحدٌ كفّره. فإمّا أن تكون الأمةُ كلُّها غفلت خمسة قرون، وإمّا أن يكون المنفردُ هو الغافل. وأحدهما محال.

ولا يُقالُ: أحمدُ نفسه انفرد بأقوال. فإنّ الفرق بيّن: أحمدُ إمامٌ مجتهدٌ شهد له أهل زمانه بالإمامة، وإنما كان انفرادُه في مسائل نظرٍ لا في تنزيل أحكام الردّة على أعيان الأئمة. ثم إنّ الذي يحتجّ بأحمد ينبغي أن يبدأ بالأخذ بوصيّته لا بمخالفتها.

ثم إنّ هذا الأصل يقصم أصلَ الفرقة كلَّه: فإنّ عمدتهم أنّ الحقّ معهم وحدهم، وأنّ العلماء إمّا جاهلٌ أو مداهن. فإذا قيل لهم: سمّوا لنا إمامًا واحدًا سبقكم، لم يجدوا، فانتقلوا إلى الطعن في العلماء كلِّهم. وهذا هو الدليل على أن الميزان مكسور؛ فإن الميزان الذي لا يبقى معه في الأمة إمامٌ، ميزانٌ يُرَدُّ ولا يُتَّبَعُ.

يا هذا، إنّ الله لم يُوكِل إليك دينَ الأمة، ولم يجعلك آخرَ العصور علمًا وأولَها فهمًا. فتواضعْ لسلفك، واعلم أنّ من مشى في طريقٍ ولم يجد فيه أثرَ قدمٍ واحدة فليتّهم طريقه لا الناس.

وسَلْ نفسك سؤالًا واحدًا في خلوتك: لو مُتَّ الليلة على قولٍ شنيع كهذا لم يقله أحدٌ قبلك في إمامٍ من أئمة المسلمين، بمن تحتجّ بين يدي الله؟ فإن العبد يُسأل عن كلمته، ولا يُسأل عن سكوته.

قال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد القطان: إن عبد الرحمن بن مهدي قال: أنا أترك من أهل الحديث كلَّ من كان رأسًا في بدعة. فضحك يحيى وقال: كيف يصنع بقتادة؟ كيف يصنع بعمرو بن ذرّ الهمداني؟ كيف يصنع بابن أبي رَوّاد؟ - وعدّ قومًا - ثم قال: إن ترك عبدُ الرحمن هذا الضربَ ترك كثيرًا. وقال ابن المديني: لو تركتُ أهل البصرة لحال القدر، ولو تركتُ أهل الكوفة لذلك الرأي، خربت الكتب.

البيانقفوا يرحمكم الله عند هذه المحاكمة التاريخية القاطعة! فهنا تُعرض أعظم قواعد الغلاة اليوم (إسقاط كل من وقع في بدعة أو خطأ) على كبار جهابذة الجرح والتعديل، لتسقط سقوطاً مدوياً.

انظروا أولاً إلى ردة فعل يحيى بن سعيد القطان: «فضحك يحيى»! لم يُطل في المناظرة، ولم يتشنج ليرد، بل ضحك مستخفاً بهذه القاعدة الخيالية التي تنهار بمجرد محاولة تطبيقها على أرض الواقع. وهذه الضحكة من إمام المحدثين هي أبلغ ردٍّ على كل قاعدةٍ يبتكرها الغلاة؛ يبدو ظاهرها "الحزم والغيرة على العقيدة"، وحقيقتها وباطنها "هدمٌ للدين وتضييعٌ للسنة".

ثم ألقى يحيى بحجته الدامغة قائلاً: «كيف يصنع بقتادة؟!». وقتادة هو حافظ العصر ومفتيه، ولكنه رُمي بالقدر! وهكذا يحيى يسوق أسماء الجبال الذين تلبسوا ببعض البدع، ثم يختمها بقوله: «إن ترك عبد الرحمن هذا الضرب، ترك كثيراً». وهذا هو ما يسميه العلماء "الإلزام بالنتيجة المدمّرة"؛ فلو أسقطنا كل مَن أخطأ في التأويل أو وقع في بدعة، لما بقي لنا من تراث الأمة وحفاظها أحد!

وتكتمل الضربة القاضية بكلمة الإمام علي بن المديني التي ترتجف لها القلوب: «خربت الكتب!» أي لضاع الحديث، ولاندرست السنن، ولتمزق الدين. فإن نقلة الشريعة وحفّاظ الأسانيد؛ فيهم من رُمي بالقدر، وفيهم من رُمي بالإرجاء، وفيهم من رُمي بالتشيع! فلو طُبقت قاعدة الحدادية اليوم في إسقاط المخالف، لضاع دين الإسلام وانقطع سنده!

وهنا نقف لنلجم الحدادي بحجةٍ لا قِبَل له بردها: يا هذا! إن كل حديثٍ صحيحٍ تحتج به اليوم لتبدّعنا به، وكل آيةٍ تقرأ تفسيرها، إنما وصلتك عبر أسانيد هؤلاء الرجال وهذه الطبقات. فإن أسقطت كل من أخطأ وتلبس ببدعة (كما تقتضي قاعدتك)، فقد هدمت أسانيدك، وخربت كتبك، وأضعت دينك بيدك! وإن أبقيتهم ورويت عنهم وقبلت علمهم، فقد أقررت رغماً عن أنفك بـ "قاعدة العذر والتكامل" التي بُني عليها منهج السلف، وسقط منهجك!

فيا أيها المتعالم المفتون: حينما تحاكم أئمة الإسلام بقاعدة الإسقاط والتبديع، فتذكر ضحكة يحيى بن سعيد، واعلم أنك لا تهدم الأشخاص كما تتوهم، بل تسعى -بجهلك وغلظتك- إلى أن (تخرب الكتب) وتهدم الدين.

والحمد لله الذي حفظ دينه بأئمة العدل والإنصاف.