قال قوام السنة الأصبهاني: أَخْطَأَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ الصُّورَةِ، وَلَا يُطْعَنُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْب.
البيانقَاعِدَةٌ سَلَفِيَّةٌ تَزِنُ بِالذَّهَبِ، كُتِبَتْ فِي نِصْفِ سَطْرٍ، لِتَكُونَ دُسْتُورًا رَبَّانِيًّا يَحْكُمُنَا فِي مُعَامَلَةِ الْكِبَارِ مَتَى مَا زَلُّوا! تَأَمَّلُوا هَذَا النَّصَّ الْعَظِيمَ الَّذِي تَضَمَّنَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ عِلْمِيَّةٍ رُتِّبَتْ بِدِقَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا الْغُلَاة: (إِثْبَاتُ الْخَطَأِ بِلَا تَعَصُّبٍ، ثُمَّ مَنْعُ الطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ، ثُمَّ تَحْدِيدُ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى خَطَئِه).
فَالْمَنْهَجُ السَّلَفِيُّ هُنَا يُقَرِّرُ بِوُضُوح: أَنَّ الْمَطْلُوبَ عِنْدَ زَلَّةِ الْعَالِمِ السُّنِّيِّ هُوَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَخْطَأَ فِيهَا فَقَطْ (لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْب)، وَلَيْسَ هَجْرَ الْعَالِمِ، وَلَا تَمْزِيقَ عِرْضِهِ، وَلَا إِحْرَاقَ كُتُبِهِ، وَلَا إِسْقَاطَهُ مِنْ سِجِلَّاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا تَفْعَلُ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم! وَهَذَا هُوَ التَّنْزِيلُ الْعَمَلِيُّ الدَّقِيقُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِك: «كُلٌّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُرَدّ».
ثُمَّ انْظُرُوا مَنْ هُوَ الْمُخْطِئُ هُنَا؟ إِنَّهُ الْإِمَامُ (ابْنُ خُزَيْمَة)؛ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَصَاحِبُ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ «التَّوْحِيد»، وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَابِ (الصِّفَاتِ) تَحْدِيدًا!
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ دَقِيقٍ فِي (حَدِيثِ الصُّورَةِ)، فَهَلْ أَسْقَطَهُ السَّلَف؟!
هَلْ قَالُوا: هَذَا مُمَيِّعٌ تَلَوَّثَ بِبِدَعِ الْجَهْمِيَّة؟!
كَلَّا، بَلْ صَانُوا مَقَامَهُ، وَحَفِظُوا إِمَامَتَهُ، وَرَدُّوا زَلَّتَه. فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ عُذْرَ السَّلَفِ لِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، فَكَيْفَ لَا يُعْذَرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؟!
وَانْظُرُوا مَنْ هُوَ الرَّادُّ وَالْمُقَيِّم؟ إِنَّهُ الْإِمَامُ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِـ (قِوَامِ السُّنَّةِ)، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي الْجَلَالَةِ وَالصَّلَابَةِ وَنُصْرَةِ الِاعْتِقَاد! فَالصَّلَابَةُ فِي الْعَقِيدَةِ لَمْ تَمْنَعْهُ مِنْ كَمَالِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ مَعَ الْمُخَالِفِ، فَهُمَا خَصْلَتَانِ لَا تَتَنَافَيَانِ قَطُّ إِلَّا فِي عُقُولِ الْغُلَاةِ الضَّيِّقَة.
فَيَا أَيُّهَا الْحَدَّادِيُّ الَّذِي يَنْصِبُ الْمَشَانِقَ لِلْعُلَمَاءِ عَلَى الزَّلَّةِ الْوَاحِدَة: لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي زَمَانِكُمْ هَذَا، وَوَزَنْتُمُوهُ بِمِيزَانِكُمُ الْأَسْوَدِ، لَبَدَّعْتُمُوهُ وَأَسْقَطْتُمُوهُ وَحَذَّرْتُمْ مِنْ كِتَابِه!
فَبِأَيِّ دِينٍ تَتَعَبَّدُونَ لِلَّه؟! إِنَّ قِوَامَ السُّنَّةِ يُعَلِّمُنَا الْيَوْمَ أَنَّ (الْغَيْرَةَ عَلَى الْعَقِيدَةِ) لَا تَعْنِي اسْتِبَاحَةَ لُحُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ حِرَاسَةَ الدِّينِ لَا تَتِمُّ بِظُلْمِ الْعِبَادِ وَإِسْقَاطِ الْأَئِمَّة.
فَمَتَى تُدْرِكُ أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ أَنَّ لِسَانَكَ الَّذِي تَلُوكُهُ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدِّينِ بِحُجَّةِ "الْغَيْرَةِ عَلَى السُّنَّةِ"، هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الظُّلْمِ وَالْبِدْعَةِ الْخَوَارِجِيَّة!
