عُرضت 15 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال قوام السنة الأصبهاني: أَخْطَأَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ الصُّورَةِ، وَلَا يُطْعَنُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْب.

البيانقَاعِدَةٌ سَلَفِيَّةٌ تَزِنُ بِالذَّهَبِ، كُتِبَتْ فِي نِصْفِ سَطْرٍ، لِتَكُونَ دُسْتُورًا رَبَّانِيًّا يَحْكُمُنَا فِي مُعَامَلَةِ الْكِبَارِ مَتَى مَا زَلُّوا! تَأَمَّلُوا هَذَا النَّصَّ الْعَظِيمَ الَّذِي تَضَمَّنَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ عِلْمِيَّةٍ رُتِّبَتْ بِدِقَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا الْغُلَاة: (إِثْبَاتُ الْخَطَأِ بِلَا تَعَصُّبٍ، ثُمَّ مَنْعُ الطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ، ثُمَّ تَحْدِيدُ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى خَطَئِه).

فَالْمَنْهَجُ السَّلَفِيُّ هُنَا يُقَرِّرُ بِوُضُوح: أَنَّ الْمَطْلُوبَ عِنْدَ زَلَّةِ الْعَالِمِ السُّنِّيِّ هُوَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَخْطَأَ فِيهَا فَقَطْ (لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْب)، وَلَيْسَ هَجْرَ الْعَالِمِ، وَلَا تَمْزِيقَ عِرْضِهِ، وَلَا إِحْرَاقَ كُتُبِهِ، وَلَا إِسْقَاطَهُ مِنْ سِجِلَّاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا تَفْعَلُ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم! وَهَذَا هُوَ التَّنْزِيلُ الْعَمَلِيُّ الدَّقِيقُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِك: «كُلٌّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُرَدّ».

ثُمَّ انْظُرُوا مَنْ هُوَ الْمُخْطِئُ هُنَا؟ إِنَّهُ الْإِمَامُ (ابْنُ خُزَيْمَة)؛ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَصَاحِبُ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ «التَّوْحِيد»، وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَابِ (الصِّفَاتِ) تَحْدِيدًا!

وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ دَقِيقٍ فِي (حَدِيثِ الصُّورَةِ)، فَهَلْ أَسْقَطَهُ السَّلَف؟!

هَلْ قَالُوا: هَذَا مُمَيِّعٌ تَلَوَّثَ بِبِدَعِ الْجَهْمِيَّة؟!

كَلَّا، بَلْ صَانُوا مَقَامَهُ، وَحَفِظُوا إِمَامَتَهُ، وَرَدُّوا زَلَّتَه. فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ عُذْرَ السَّلَفِ لِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، فَكَيْفَ لَا يُعْذَرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؟!

وَانْظُرُوا مَنْ هُوَ الرَّادُّ وَالْمُقَيِّم؟ إِنَّهُ الْإِمَامُ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِـ (قِوَامِ السُّنَّةِ)، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي الْجَلَالَةِ وَالصَّلَابَةِ وَنُصْرَةِ الِاعْتِقَاد! فَالصَّلَابَةُ فِي الْعَقِيدَةِ لَمْ تَمْنَعْهُ مِنْ كَمَالِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ مَعَ الْمُخَالِفِ، فَهُمَا خَصْلَتَانِ لَا تَتَنَافَيَانِ قَطُّ إِلَّا فِي عُقُولِ الْغُلَاةِ الضَّيِّقَة.

فَيَا أَيُّهَا الْحَدَّادِيُّ الَّذِي يَنْصِبُ الْمَشَانِقَ لِلْعُلَمَاءِ عَلَى الزَّلَّةِ الْوَاحِدَة: لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي زَمَانِكُمْ هَذَا، وَوَزَنْتُمُوهُ بِمِيزَانِكُمُ الْأَسْوَدِ، لَبَدَّعْتُمُوهُ وَأَسْقَطْتُمُوهُ وَحَذَّرْتُمْ مِنْ كِتَابِه!

فَبِأَيِّ دِينٍ تَتَعَبَّدُونَ لِلَّه؟! إِنَّ قِوَامَ السُّنَّةِ يُعَلِّمُنَا الْيَوْمَ أَنَّ (الْغَيْرَةَ عَلَى الْعَقِيدَةِ) لَا تَعْنِي اسْتِبَاحَةَ لُحُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ حِرَاسَةَ الدِّينِ لَا تَتِمُّ بِظُلْمِ الْعِبَادِ وَإِسْقَاطِ الْأَئِمَّة.

فَمَتَى تُدْرِكُ أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ أَنَّ لِسَانَكَ الَّذِي تَلُوكُهُ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدِّينِ بِحُجَّةِ "الْغَيْرَةِ عَلَى السُّنَّةِ"، هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الظُّلْمِ وَالْبِدْعَةِ الْخَوَارِجِيَّة!

قال الإمام العمراني: وَأَنَا أُشَرِّفُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَة؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُ إِمَامًا لِخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ تَابِعِينَ فِي الدِّينِ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّار.

البياناسْتِدْلَالٌ بَدِيعٌ يُلَامِسُ شِغَافَ الْقُلُوبِ، وَيَنْطَلِقُ مِنْ تَعْظِيمِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي النُّقُولَات!

لَقَدِ ارْتَقَى الْإِمَامُ الْعُمْرَانِيُّ هُنَا فِي مُنَاظَرَةِ خُصُومِهِ وَمُحَاكَمَتِهِمْ إِلَى أَصْلٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ: (حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلّ).

فَحُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ تُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ، وَأَحْفَظُ لِدِينِهِ، مِنْ أَنْ يُقِيمَ خَلْقًا لَا يُحْصَوْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، لِيَجْعَلَ إِمَامَهُمْ وَمَتْبُوعَهُمْ فِي الْفِقْهِ وَالدِّينِ رَجُلًا ضَالًّا مِنْ أَهْلِ النَّار!

فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ يَكِلُ دِينَ الْأُمَّةِ لِمُبْتَدِعٍ ضَالٍّ، فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَطَعَنَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ فِي حِفْظِ اللَّهِ لِدِينِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِه.

وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ الْعَمِيقُ يَنْسَجِمُ تَمَامًا مَعَ الْقَاعِدَةِ الْكُبْرَى الَّتِي يُقَرِّرُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ: أَنَّ (الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة).

فَالرَّجُلُ الَّذِي أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَلَقِّي فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ بِالْقَبُولِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَأُلِّفَتْ فِي مَنَاقِبِهِ الْكُتُبُ، وَمُلِئَتْ بِفَضْلِهِ كُتُبُ التَّرَاجِم.. مِنَ الْمُحَالِ شَرْعًا وَعَقْلًا أَنْ يَكُونَ عَالِمَ ضَلَالَةٍ أَوْ إِمَامَ فِتْنَة؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَضَعُ الْقَبُولَ لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَا يَضَعُ الْقَبُولَ الْعَامَّ الدَّائِمَ فِي الْأَرْضِ لِلْمُبْتَدِعِينَ وَالضَّالِّينَ!

فَيَا أَيُّهَا الْقَارِئُ الْمُنْصِف: اطْرَحْ هَذَا السُّؤَالَ الْوَاضِحَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْعَى الْيَوْمَ لِإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْأَعْلَام: هَلْ يُتَصَوَّرُ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، أَنْ يُقِيمَ مَلَايِينَ الْمُسْلِمِينَ قُرُونًا مُتَطَاوِلَةً، عَلَى إِمَامَةِ وَكُتُبِ وَفِقْهِ رِجَالٍ هُمْ عِنْدَهُ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الضَّالِّينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ النَّار؟!

فَإِنْ أَجَابَكَ الْغَالِي بِـ "نَعَمْ"؛ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَاتَّهَمَ حِفْظَ اللَّهِ لِدِينِهِ، وَنَسَبَ الشَّرِيعَةَ إِلَى الضَّيَاع!

وَإِنْ أَجَابَكَ بِـ "لَا، فَاللَّهُ أَكْرَمُ وَأَرْحَمُ مِنْ ذَلِكَ"؛ فَقَدِ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، وَبَطَلَ مَنْهَجُهُ، وَانْتَهَى النِّزَاع.

فَدَعْهُمْ فِي تَنَاقُضِهِمْ، وَتَمَسَّكْ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ حَفِظَ اللَّهُ دِينَهَا بِأَئِمَّةِ الْهُدَى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَة، وَأَنَا كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّه، وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَحْوِهِ، الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ... مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إِلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيّ، وَلَا انْتَصَرْتُ لِذَلِك، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.

البيانشَهَادَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى نَفْسِهِ، تَنْسِفُ دَعَاوَى الْمُتَاجِرِينَ بِاسْمِهِ، وَتَكْشِفُ الْفَارِقَ الْعَظِيمَ بَيْنَ الْبِنَاءِ السَّلَفِيِّ الْأَصِيلِ وَالْهَدْمِ الْحَدَّادِيِّ الدَّخِيل!

فَهَذِهِ الْوَثِيقَةُ لَيْسَتْ رَأْيًا نَظَرِيًّا، بَلْ هِيَ (سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ وَتَزْكِيَة) يَكْتُبُهَا الْإِمَامُ عَنْ مَشْرُوعِهِ الْعَمَلِيِّ فِي الْأُمَّة.

فَلْيَقْرَأْهَا بِتَمَهُّلٍ وَإِنْصَافٍ كُلُّ مَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ تَفْرِيقَ الْمُسْلِمِينَ وَتَمْزِيقَ صُفُوفِهِمْ رَافِعًا لِوَاءَ ابْنِ تَيْمِيَّة!

تَأَمَّلُوا الْوَصْفَ الدَّقِيقَ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عُنْوَانًا لِسِيرَتِهِ: «كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ».

لَمْ يَقُلْ: (كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَرْحًا، وَتَصْنِيفًا، وَرَدًّا عَلَى الْمُخَالِفِين)! مَعَ أَنَّهُ الْإِمَامُ الَّذِي مَلَأَ الدُّنْيَا رُدُودًا وَمُنَاظَرَاتٍ؛ لَكِنَّهُ أَدْرَكَ بِفِقْهِهِ الْعَمِيقِ أَنَّ الرُّدُودَ (وَسِيلَةٌ) لِحِمَايَةِ الدِّينِ، أَمَّا (الْغَايَةُ الْعُظْمَى) فَهِيَ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ وَجَمْعُ كَلِمَةِ الْأُمَّة.

وَهَذَا عَكْسُ مَنْهَجِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْهَجْرَ وَالتَّبْدِيعَ وَإِيغَارَ الصُّدُورِ (غَايَةً) يَتَعَبَّدُونَ اللَّهَ بِهَا!

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْأَثَرِ الْعَمَلِيِّ الصَّادِقِ لِهَذَا الْمَنْهَجِ: «وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة». لَمْ يَدَّعِ مُجَرَّدَ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ مَخْفِيَّةٍ، بَلْ حَقَّقَ وَاقِعًا مَلْمُوسًا بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مُتَنَافِرَتَيْنِ (الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ).

وَكَيْفَ أَزَالَ تِلْكَ الْوَحْشَة؟ يَقُولُ: «وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد».

يَا اللَّه! لَقَدْ أَزَالَ الْوَحْشَةَ وَذَكَرَ الْحَقَّ وَالْفَضْلَ الَّذِي عِنْدَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى!

وَهُوَ نَفْسُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الَّذِي دَبَّجَ الْمُجَلَّدَاتِ الضِّخَامَ فِي نَقْضِ أُصُولِ الْمَدَارِسِ الْكَلَامِيَّةِ؛ فَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الصَّارِمُ عَلَى الْبِدْعَةِ، لَمْ يَمْنَعْهُ قَطُّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوب.

ثُمَّ تَأْتِي قَاصِمَتُهُ لِمَنْ يَتَعَصَّبُونَ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَسْمَاءِ: «لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيّ.. وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّة». وَهَذَا هُوَ التَّجَرُّدُ التَّامُّ لِلْإِجْمَاعِ، وَتَرْكُ التَّحَزُّبِ الْبَغِيض.

فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ فِي حَالِكَ؛ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَتَفَاخَرُ بِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَإِزَالَةِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْمَدَارِسِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَأَنْتَ تَتَفَاخَرُ بِتَمْزِيقِ الصَّفِّ السَّلَفِيِّ الْوَاحِدِ، وَنَشْرِ الْعَدَاوَةِ وَالْهَجْرِ وَالتَّبْدِيعِ بَيْنَ الْإِخْوَة!

لَقَدِ اتَّخَذْتَ مِنِ اسْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِعْوَلًا لِهَدْمِ مَا أَفْنَى هُوَ عُمْرَهُ فِي بِنَائِه!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَاخُرَ بِكَثْرَةِ الْهَجْرِ وَإِسْقَاطِ النَّاسِ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِيرَاثُ إِبْلِيسَ الَّذِي يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ، فَرَضِيَ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنَ الْمُصَلِّين.

قال الإمام ابن القيم: اسْتَشْهَدَ سُبْحَانَهُ بِأُولِي الْعِلْمِ عَلَى أَجَلِّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ وَهُوَ تَوْحِيدُه، فَقَال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ مِنْ وُجُوه: أَحَدُهَا: اسْتِشْهَادُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَر. وَالثَّانِي: اقْتِرَانُ شَهَادَتِهِمْ بِشَهَادَتِه. وَالثَّالِثُ: اقْتِرَانُهَا بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِه. وَالرَّابِعُ: أَنَّ فِي ضِمْنِ هَذَا تَزْكِيَتَهُمْ وَتَعْدِيلَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَشْهِدُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا الْعُدُول... فَالْأَئِمَّةُ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا عِنْدَ الْأُمَّةِ بِنَقْلِ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ وَمِيرَاثِهِ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِتَعْدِيلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض.

البيانتَزْكِيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ قَاطِعَة، تُغْلِقُ أَوْسَعَ أَبْوَابِ الْفِتْنَة، وَتَعْصِمُ الْأُمَّةَ مِنْ عَبَثِ النَّبَّاشِينَ فِي كَلَامِ الْأَقْرَان!

تَأَمَّلْ كَيْفَ اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الشَّرَفَ الْعَظِيمَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ قَلْبِ الْقُرْآن؛ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لَمْ يَسْتَشْهِدْ عَلَى أَعْظَمِ مَشْهُودٍ بِهِ (وَهُوَ التَّوْحِيدُ) إِلَّا بِالْعُدُول. فَتَعْدِيلُهُمْ وَتَزْكِيَتُهُمْ جَاءَتْ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِشْهَادِ الْإِلَهِيّ، بَلْ وَقُرِنَتْ بِشَهَادَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ الْكِرَام. فَمَنْ طَعَنَ فِي عَدَالَتِهِمْ وَأَسْقَطَهُمْ مُجْتَمِعِين، فَقَدْ جَعَلَ ذِكْرَ شَهَادَتِهِمْ فِي الْآيَةِ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ كَلَامًا بِلَا مَعْنَى!

ثُمَّ قِفْ طَوِيلًا عِنْدَ الْجُمْلَةِ الْخَاتِمَةِ الَّتِي تَنْسِفُ مَنْهَجَ الْغُلَاةِ مِنَ الْقَوَاعِد: «وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض».

إِنَّ صِنَاعَةَ الْحَدَّادِيَّةِ الْهَدْمِيَّةَ لَا تَقُومُ الْيَوْمَ إِلَّا عَلَى هَذَا الْبَابِ الْمُظْلِمِ (بَابِ كَلَامِ الْأَقْرَان)؛ فَهُمْ يُفْنُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي نَبْشِ مَا قَالَهُ عَالِمٌ فِي عَالِمٍ آخَرَ إِبَّانَ مِحْنَةٍ أَوْ غَضْبَةٍ أَوْ خِلَاف، ثُمَّ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الْقَدْحِ التَّارِيخِيِّ الْمَبْتُورِ صَرْحًا لِإِسْقَاطِ الْإِمَام!

فَجَاءَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِيُغْلِقَ هَذَا الْبَابَ بِالضَّبَّةِ وَالْمِفْتَاح، مُقَرِّرًا أَنَّ التَّزْكِيَةَ الْقُرْآنِيَّةَ الْقَطْعِيَّةَ لِأَئِمَّةِ الدِّينِ تَمْنَعُ قَبُولَ طَعْنِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض.

وَلِكَيْ لَا يَتَسَلَّلَ الْغُلَاةُ مِنْ بَابِ الْمِثَالِيَّةِ الْكَاذِبَة؛ دَفَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهْمًا خَبِيثًا يَقَعُونَ فِيه؛ إِذْ يَظُنُّونَ أَنَّ (الْعَالِمَ الْعَدْلَ) هُوَ الْمَلَكُ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي خَطَأٍ وَلَا زَلَّة! فَقَرَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ الْعَالِمَ عَدْلٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الدِّين، وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ أَوْ زَلَّة؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُنَافِي أَصْلَ (الْعَدَالَة)، كَمَا أَنَّهُ لَا يُنَافِي (الْإِيمَانَ وَالْوِلَايَة).

فَيَا أَيُّهَا النَّبَّاشُ فِي خُصُومَاتِ الْأَقْرَان؛ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ يَرْفَعُ ذِكْرَ الْعُلَمَاءِ وَيَقْرِنُ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِه، وَأَنْتَ تُمَرِّغُ أَسْمَاءَهُمْ فِي وَحْلِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاط!

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُزَكِّيهِمْ ثُمَّ يَكِلُ إِلَيْكَ إِسْقَاطَهُمْ بِنُقُولَاتٍ عَفَا عَلَيْهَا الزَّمَن؟!

اتَّقِ اللَّهَ فِي شُهُودِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَاعْلَمْ أَنَّ نَبْشَكَ فِي كَلَامِ الْأَقْرَانِ لَنْ يُسْقِطَ مَقْعَدًا لِعَالِمٍ رَفَعَهُ الْقُرْآن، بَلْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ وَالنَّدَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قال الحافظ الذهبي: ثُمَّ إِنَّ الْكَبِيرَ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحَقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُه، وَعُرِفَ صَلَاحُهُ وَوَرَعُهُ وَاتِّبَاعُه: يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُه، وَلَا نُضَلِّلُهُ وَنَطْرَحُهُ وَنَنْسَى مَحَاسِنَه. نَعَمْ، وَلَا نَقْتَدِي بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وَخَطَئِه، وَنَرْجُو لَهُ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِك.

البياندُسْتُورٌ مُتَكَامِل، يَضْبِطُ الْمِيزَانَ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ مُحْكَمَة، وَيُغْلِقُ الطَّرِيقَ عَلَى الْغُلَاةِ وَالْمُمَيِّعِينَ مَعًا!

هَذَا النَّصُّ مِنْ أَدَقِّ مَا قُرِّرَ فِي هَذَا الْبَاب؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلِقُ الْعُذْرَ كَدَعْوَى مُرْسَلَة، بَلْ يَضْبِطُهُ بِـ (شُرُوطٍ سَبْعَة): كَثْرَةُ الصَّوَاب، وَتَحَرِّي الْحَقّ، وَسَعَةُ الْعِلْم، وَظُهُورُ الذَّكَاء، وَالصَّلَاحُ، وَالْوَرَعُ، وَالِاتِّبَاع. فَمَنِ اكْتَمَلَتْ فِيهِ غُفِرَتْ زَلَّتُه، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ السُّنَّة.

وَبِهَذَا التَّقْيِيدِ الذَّهَبِيِّ يَنْكَسِرُ أَشْهَرُ اعْتِرَاضَاتِ الْحَدَّادِيَّةِ حِينَ يَصْرُخُون: "قَاعِدَتُكُمْ فِي الْعُذْرِ تُدْخِلُ كُلَّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ وَتُمَيِّعُ الدِّين!"؛ فَنَقُول: كَلَّا! بَلْ هِيَ لَا تُدْخِلُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ هَذِهِ (الْأَوْصَافَ السَّبْعَة)؛ فَهَاتِ رَجُلًا يَعْقِل، يُنَازِعُ فِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ قَدِ اسْتَكْمَلُوهَا! فَالْعُذْرُ حِكْرٌ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّين، وَلَيْسَ رُخْصَةً لِكُلِّ مُتَعَالِم.

ثُمَّ قِفْ عِنْدَ اللَّآلِئِ الثَّلَاثِ الَّتِي نَفَاهَا الذَّهَبِيُّ عَنْ مَنْهَجِه: «وَلَا نُضَلِّلُه، وَنَطْرَحُه، وَنَنْسَى مَحَاسِنَه». (لَا تَضْلِيلَ، وَلَا إِسْقَاطَ، وَلَا نِسْيَانَ لِلْمَحَاسِن)! بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ يَفْعَلُونَ الثَّلَاثَةَ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْأَئِمَّة، ثُمَّ يُسَمُّونَ جِنَايَتَهُمْ هَذِهِ (غِيرَةً وَتَحْقِيقًا)!

وَلَا تَدَعِ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فَإِنَّهُ (حَارِسُ الْبَاب): «نَعَمْ، وَلَا نَقْتَدِي بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وَخَطَئِه». فَالْخَطَأُ مَرْدُودٌ لَا يُتَابَعُ عَلَيْه، وَالْإِمَامُ مَحْفُوظٌ لَا يُسْقَطُ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِرَدِّ الْخَطَأِ وَأَسْقَطَ الْإِمَامَ فَقَدْ جَفَا وَظَلَم، وَمَنْ حَفِظَ الْإِمَامَ وَتَابَعَهُ عَلَى خَطَئِهِ فَقَدْ مَيَّعَ وَضَلّ.

وَلِعِظَمِ هَذَا الدُّسْتُور؛ سَطَّرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ (قَتَادَة)، وَهُوَ مِنْ أَعْمِدَةِ الْإِسْنَادِ رَغْمَ رَمْيِهِ بِبِدْعَةِ الْقَدَر! بَلْ زَادَ الذَّهَبِيُّ فِي نَفْسِ التَّرْجَمَةِ مُعْتَذِرًا لِقَتَادَة: «وَلَعَلَّ اللَّهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَهُ مِمَّنْ تَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمَ الرَّبِّ وَتَنْزِيهَه»؛ فَاعْتَدَّ بِصَلَاحِ الْقَصْد.

فَزِنْ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ صَنِيعَكَ بِهَذَا الدُّسْتُورِ الذَّهَبِيّ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ قَدِ اسْتَكْمَلُوا الشُّرُوطَ السَّبْعَة، فَبِأَيِّ حَقٍّ تُضَلِّلُهُمْ وَتَطْرَحُهُمْ وَتَنْسَى مَحَاسِنَهُمْ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ عَنْكَ مَسْلَكَ الطَّرْحِ وَالْإِسْقَاطِ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَادِيَكَ فِي تَضْلِيلِ أَئِمَّةِ الْهُدَى سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَنْ حَسَنَاتِهِمُ الَّتِي طَوَيْتَهَا، لِتَرْفَعَ بِهَا رَايَةَ غُلُوِّك.