بصائر

الوحيُ يحكم، وأئمّةُ الإسلام يشهدون

يا من يعدُّ نفسه على السنة: لا نبدأ معك بخصومة، ولا نسألك أن تُحسِن الظنَّ بنا. نبدأ بما لا يملك مسلمٌ ردَّه: آيةٌ من كتاب الله، ثم حديثٌ عن رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم شهادةُ أئمة الإسلام قرنًا بعد قرن. فإن سلّمتَ لها أغنتك عمّا بعدها، وإن رددتَها لم ينفعك ما بعدها.

89 نقلًا43 مصدرًا

هذا البابُ درجتان: كلامُ الله وكلامُ رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو النورُ الحاكم على الخلق كلِّهم؛ ثم أقوالُ أئمة الإسلام تُساق شاهدةً له، كاشفةً عن فقهه، ومبيّنةً أن هذا الميزان لم يكن رأيًا طارئًا، بل هو ما توارثته الأمة جيلًا بعد جيل.

وتحت كل نقلٍ «بيان»؛ لا يزاحم النصَّ ولا يستطيل عليه، وإنما يفتح موضعَ الدلالة، ويجمع أطرافَ الحجة، ويردُّ القارئ من ضجيج الخصومة إلى نور الوحي وفقه الأئمة. فالنقل هو الأصل، والبيان مصباحٌ يكشف ما فيه؛ لا يزيد في سلطانه، ولكنه يمنع أن تمرَّ دلالته على العين وقلبُها غافل.

لا تقوم الحجة هنا على تقديس الأشخاص؛ فصاحب الهوى يُعظّم الرجال ما وافقوه ويطرحهم إذا خالفوه! إنما عُمدتنا الوحي المعصوم (الكتاب والسنة) مشفوعاً بإجماع علماء الأمة قرناً بعد قرن، حتى لا تُرمى الحقائق بـ «التمييع»؛ فإن سلّم الخصم لزمه الحق، وإن زعم ضلال الأئمة وانفراده بالصواب فقد حارب ميراث الإسلام كله!

واعلم يقيناً أن «طالب الحق يكفيه دليلٌ واحد، وصاحب الهوى لا يكفيه ألف دليل».

عُرضت 18 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلًا لو كلَّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.

البيانتأملوا في هذا الأثر العظيم لتتعلموا كيف كانت أخلاق الجبال، وكيف كان إنصاف الأئمة لبعضهم، ثم انظروا إلى القاع الذي يتمرغ فيه غلاة اليوم!

هذه الكلمة المنصفة صدرت من إمام دار الهجرة، وهو من هو في التشدد في الرواية والتمسك المحض بالأثر. ومَن الموصوف؟ إنه إمام مدرسة "الرأي" بالكوفة!

ولو كان أبو حنيفة عند مالكٍ رجلاً ساقطاً في دينه، أو مبتدعاً ضالاً يهدم الإسلام -كما يشتهي أهل الطعن- لما وصفه بهذا الوصف المهيب، ولما أشاد بقوة حجته وذكائه أمام تلاميذه!

وتأملوا البون الشاسع؛ إن الإمام مالكاً مخالفٌ لأبي حنيفة، وبينهما ما بين مدرسة الأثر ومدرسة الرأي من تباينٍ منهجي مشهور. ومع هذا الخلاف، لم يمنع ذلك مالكاً من أن ينصف الرجل، ويعترف بقوة حجته، ويحفظ مقامه الإمامي! وهذا هو ميزان "العدل مع المخالف" الذي يفتقده الغلاة.

فيا ليت شعري! قف وسل هذا الحدادي الطعان: هل أنصفتَ مخالفاً لك في مسألةٍ واحدةٍ في عمرك، كما أنصف مالكٌ أبا حنيفة في منهجٍ كامل؟! هل ذكرتَ يوماً حسنةً واحدةً لمن تختلف معه، أم أن الخلاف عندك مبررٌ لسلخ الجلد، وهتك العرض، ونسف المنجزات والفضائل؟!

إن ميزان العدل لا يُختبر مع الموافق المقلِّد؛ فالعدل مع الموافق لا يدل على فضل، بل يفعله البر والفاجر. إنما يُبتلى دين الرجل، وتُمتحن مروءته، إذا وقف وجهاً لوجه أمام خصمه ومخالفه!

فرحم الله أئمةً اختلفوا فأنصفوا وعذروا، وعافانا الله من غلاةٍ إذا خالفوا فجروا، وإذا خاصموا نسفوا.

قال الإمام الشافعي: الناس عيال على هؤلاء الخمسة؛ من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.

البياناقرؤوا هذه الشهادة الجليلة ممن خَبَرَ الفقه وموازينه. فالإمام الشافعي من أعرف الناس بأبي حنيفة ومدرسته؛ فقد جالس تلميذه محمد بن الحسن الشيباني وأخذ عنه، ثم خالفهم في مسائل لا تُحصى من الأصول والفروع، حتى استقر له مذهبٌ فقهي مستقل يقابل مذهبهم!

ومع هذا الخلاف الجذري والعميق.. ماذا قال الشافعي؟ قال بلسان الإنصاف الصادق الذي لا تعرفه قلوب الغلاة: «الناس كلهم عيال عليه في الفقه».

ثم تأمّلوا دقة العبارة التي تحمل أمراً صريحاً: «فليلزم أبا حنيفة وأصحابه». فالشافعي هنا لم يقتصر على الثناء المجرّد في المجالس، بل أمَرَ طالب العلم بلزوم هذا الإمام والأخذ عنه! ومن المعلوم بالضرورة؛ أن الإمام السني الناصح لأمته، لا يأمر الناس بلزوم رجلٍ يراه مبتدعاً ضالاً، ولا يُحيل طلاب العلم قط على إمامٍ يجب إسقاطه والتحذير منه!

واعلموا أن هذه الكلمة المنصفة، تُغلق باباً خبيثاً يفتحه الغلاة اليوم؛ فهم يوهمون الأتباع أن "الخلاف الشديد" في المسائل أو مناهج الاستدلال، يبيح لهم التشنيع، والتبديع، والإسقاط! فهنا خلافٌ جذري بين الشافعي وأبي حنيفة يمتد لأصل المنهج الفقهي كله.. ولم يمنع ذلك الشافعيَّ أن ينصف مخالفه، ويعظّم مقامه، ويأمر بالأخذ عنه والتلمذة على فقهه!

فأين هذا الميزان الشافعي العظيم، من ميزان الحدادية الأعمى؟! الذين يسقطون أئمة الدين وحفاظ الحديث كابن حجر والنووي لخطأٍ في تأويل، ثم يزعمون كذباً أنهم حماة السنة وأتباع السلف!

السلف الصالح اختلفوا فأحسنوا أدب الخلاف، وعذر بعضهم بعضاً، وأثنى بعضهم على بعض. أما هؤلاء الغلاة؛ فجعلوا الخلاف معولاً لهدم علماء الأمة، وسيفاً لتنقيص الأكابر، فشتان بين الباني والهدّام.

كنا عند شعبة بن الحجاج، فقيل له: مات أبو حنيفة، فقال شعبة: لقد ذهب معه فقه الكوفة، تفضّل الله علينا وعليه برحمته. وكان شعبة حسنَ الرأي في أبي حنيفة.

البيانتأملوا يرحمكم الله كيف تتجلى أخلاق الكبار، وسلامة صدورهم، وإنصافهم! انظروا إلى إمام المحدثين وأميرهم في الجرح والتعديل (شعبة بن الحجاج)، كيف تلقى خبر وفاة الإمام أبي حنيفة، إمام مدرسة الرأي المباينة لمدرسته.. لقد رثاه بكلمةٍ تُكتب بماء الذهب، وأقرّ له بالسبق والإمامة والفقه، ثم دعا له بالرحمة، وجمع نفسه معه في الدعاء متواضعاً: «تفضّل الله علينا وعليه برحمته»!

وهنا المقتل المنهجي الذي يفضح الغلاة: إن قائل هذه الكلمة المنصفة ليس رجلاً عابراً ليُتّهم بالجهل والتمييع؛ بل هو (الإمام شعبة)؛ أمير الجرح والتعديل الذي تُشد إليه الرحال، وتُبنى عليه الأحكام في علم الرجال. وبموجب قواعد الحدادية اليوم، فإن الإمام شعبة يُعدّ في ميزانهم المختل "مُوقِّراً لأهل البدع ومُمجِّداً لهم"! فكيف ينجو شعبة من مقصلتهم وقد أثنى على إمامٍ يرمونه هم بالضلال، بل ودعا له بالرحمة وضم نفسه إليه؟!

إن السلفية ليست مجرد انتقاءٍ لمواقف الشدة التاريخية لتبدّع بها الناس اليوم، وتتجاهل مواقف الرحمة والإنصاف متى ما خالفت هواك! فإن كان أمير الجرح والتعديل يَحمِلُ هذا الإنصاف وحسن الرأي، ويترحم على أبي حنيفة، فمن ذا الذي يجرؤ على تقديم رأيه العفن اليوم على ميزان الإمام شعبة؟!

فيا أيها المتعالم المفتون: إذا كان ميزانك يقتضي تبديع أو تضليل من يترحم على الأئمة المخالفين ويُقر لهم بالفقه، فابدأ بتبديع الإمام شعبة بن الحجاج وإسقاطه إن كنت تملك شجاعة الخوارج! وإن لم تفعل -ولن تفعل- فاعلم أن منهجك الإسقاطي باطلٌ متناقض من أساسه.

لقد اقتطعتم من تراث السلف قسوة الألفاظ التي اقتضتها بعض المواقف التاريخية، وتجردتم تماماً من رحمة السلف وإنصافهم الذي تجلى في أمير المحدثين.

قال الحافظ ابن عبد البر: وأفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة رحمه الله، وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما... وما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية، أو مذهب في سنة، رد من أجل ذلك المذهب سنةً أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ؛ إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا، وهو يوجد لغيره قليل.

البيانكلمةٌ جامعةٌ من حافظ المغرب الأندلسي، تشخّص داء الإفراط، وتضبط ميزان الإنصاف الدقيق الذي طاش في أيدي الغلاة!

لقد شخّص الإمام ابن عبد البر حقيقةً تاريخية؛ وهي أن قسماً من أصحاب الحديث المتقدمين -بدافع الغيرة المحمودة على السنة وخوفاً عليها من طغيان مدرسة الرأي في زمانهم- قد (أفرطوا وتجاوزوا الحد) في ذم أبي حنيفة. وهذا يثبت لك أن "الإفراط في الذم" مسألة قديمة وقع فيها بعض أهل الفضل عن اجتهاد وغيرة، فعُذروا عند الله وعند الناس لصدقهم، وسابقتهم، وظرف زمانهم. لكن المصيبة الكبرى هي فيمن يأتي اليوم خالي الوفاض، ليجعل من هذا التاريخ عقيدةً ودِيناً يمزق به صف أمة محمد ﷺ!

وكلام الإمام ابن عبد البر من فقه الإنصاف الذي يفتقده الغلاة: أن الخصلة والزلة إذا وُجدت من حيث الأصل في كل علماء الأمة، لم تصلح أبداً أن تكون سبباً وحيداً لإسقاط رجلٍ بعينه! إذ لو كانت تُسقِطُ صاحبَها وتخرجه من السنة، لسقط علماء الأمة جميعاً بلا استثناء، ولما بقي لنا دين نعبُد الله به!

فيا أيها الطعان الذي جعل من زلات التأويل سلماً لتكفير الأئمة: إن كان ابن عبد البر يقرر أن كل عالمٍ في الدنيا له زلةٌ برد سنة بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ، فهل ستُعمل سيف التبديع في جميع علماء الأمة وتنسف تراث الإسلام؟! أم أنك تكيل بمكيالين، فتعذر فلاناً، وتبدّع أبا حنيفة وتلعنه لمثلها؟!

من يبني دينه اليوم على "الإفراط" الذي حذر منه الحافظ، ويترك "الإنصاف" الذي قرره، لن يحصد إلا الخيبة يوم تُوزن الأعمال بالقسط لا بالأهواء.

قال الحافظ ابن عبد البر: الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا الإغراق في الرأي والقياس. وكان يُقالُ: يُستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه. وقال أبو داود السجستاني: إن أبا حنيفة كان إمامًا، وإن مالكًا كان إمامًا، وإن الشافعي كان إمامًا، وكلام الأئمة بعضهم في بعض يجب ألا يُلتفت إليه، ولا يُعرَّج عليه، فيمن صحت إمامته وعظمت في العلم غايته.

البيانتأملوا هذا النص المزدوج العظيم، الذي ينسف أبواب التدليس الحدادي باباً باباً!

فأما النقل الأول لابن عبد البر، فهو جوابٌ قاصمٌ يفضح "صناعة الملفات السوداء" التي يعتاش عليها الغلاة اليوم؛ فهم يعمدون إلى العالِم، فيجمعون كلَّ حرفٍ قيل فيه من ذمٍّ عبر التاريخ، ويطوون تماماً ما قيل فيه من مدحٍ وثناء وتزكية!

ثم يعرضون هذه الحصيلة المشوهة المبتورة على العوام، فيظن المسكين أن هذا هو الإجماع في الرجل. وهنا يأتيهم حافظ الأندلس ليصفع تدليسهم بالحقيقة: «الذين وثقوه وأثنوا عليه (أكثر) من الذين تكلموا فيه»!

ثم كشف ابن عبد البر حقيقة هذا الجرح وسببه، فقال: «أكثر ما عابوا الإغراق في الرأي والقياس».

وأما قول الإمام أبي داود (صاحب السنن)، فهو (القاعدة الذهبية) التي تقطع دابر الفتنة من جذورها: «وكلام الأئمة بعضهم في بعض يجب ألا يُلتفت إليه، ولا يُعرَّج عليه». فاحفظوا هذه القاعدة جيداً؛ فإنها تُغلق على الحدادية أوسع أبوابهم التي يرتزقون منها؛ ألا وهو باب (نبش كلام الأقران). فإذا صحت إمامة الرجل واستقر أمره، صار نبش ما قيل فيه في غمرة الخصومة إثماً وعدواناً، ومخالفةً صريحة لمنهج أئمة الحديث.

فيا أيها الحدادي الذي ملأ مجالسه وحساباته بنبش كلام الأقران: هل أنت أعلم بالحديث وقواعد الجرح من الإمام أبي داود السجستاني؟!

إن الإمام أبا داود يأمر الأمة بأن "لا تلتفت ولا تعرّج" على كلام الأئمة في بعضهم متى ما صحت إمامتهم.. وأنت تجعل التفاتك ونبشك لهذا الكلام المطوي هو رأس مالك، وعقد ولائك وبرائك!

فاعلم أنك حين تنبش ما أمر أئمة السنة بدفنه وطيّه؛ فإنك لا تحيي السنة كما تزعم وتتوهم، بل تحيي الفتنة وتُرضي الشيطان، وموعدك مع الأئمة الذين نهشت أعراضهم بين يدي ديان السماوات والأرض.

قال الإمام العمراني: وأنا أُشرّف أبا حنيفة عن هذه المقالة؛ لأن الله سبحانه جعله إمامًا لخلقٍ كثيرٍ من أهل الأرض، والله أكرمُ من أن يجعل الناس تابعين في الدين لرجلٍ من أهل النار.

البياناستدلالٌ بديع يلامس شغاف القلوب، وينطلق من تعظيم الحكمة الإلهية قبل الخوض في النقولات!

لقد ارتقى الإمام العُمراني هنا في مناظرة خصومه ومحاكمتهم إلى أصلٍ عظيم، وهو: (حُسن الظن بالله عز وجل).

فحجته البالغة تقرر أن الله سبحانه أرحم بعباده، وأحفظ لدينه، من أن يُقيم خَلْقاً لا يُحصون من أمة محمد ﷺ، جيلاً بعد جيل، ليجعل إمامهم ومتبوعهم في الفقه والدين رجلاً ضالاً من أهل النار!

فمن اعتقد أن الله يكل دين الأمة لمبتدع ضال، فقد أساء الظن بربه، وطعن بطريق غير مباشر في حفظ الله لدينه ورحمته بعباده.

وهذا الاستدلال العميق ينسجم تماماً مع القاعدة الكبرى التي يقررها أهلُ العلم: أن (الأمة لا تجتمع على ضلالة).

فالرجل الذي أجمعت الأمة على تلقي فقهه وعلمه بالقبول، وأثنت عليه قرناً بعد قرن، وأُلفت في مناقبه الكتب، ومُلئت بفضله كتبُ التراجم.. من المحال شرعاً وعقلاً أن يكون عالمَ ضلالةٍ أو إمامَ فتنة؛ لأن الله يضع القبول لأوليائه، ولا يضع القبول العام الدائم في الأرض للمبتدعين والضالين!

فيا أيها القارئ المنصف: اطرح هذا السؤال الواضح على كل من يسعى اليوم لإسقاط أئمة الإسلام الأعلام: هل يُتصور في حكمة الله ورحمته، أن يقيم ملايين المسلمين قروناً متطاولة، على إمامة وكتب وفقه رجالٍ هم عنده من المبتدعة الضالين أو من أهل النار؟!

فإن أجابك الغالي بـ "نعم"؛ فقد أساء الظن بربه، واتهم حفظ الله لدينه، ونسب الشريعة إلى الضياع!

وإن أجابك بـ "لا، فالله أكرم وأرحم من ذلك"؛ فقد انقطعت حجته، وبطل منهجه، وانتهى النزاع.

فدعهم في تناقضهم، وتمسك بما استقرت عليه أمةٌ مرحومةٌ حفظ الله دينها بأئمة الهدى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من كفَّر أبا حنيفة ونحوه من أئمة الإسلام الذين قالوا إن الله فوق العرش فهو أحقُّ بالتكفير؛ فإن أئمة الإسلام الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم ولهم في الأمة لسان صدق، من الصحابة والتابعين وتابعيهم، كالخلفاء الراشدين... ومثل مالك والثوري والليث بن سعد والأوزاعي وأبي حنيفة، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل... من كفَّرهم فقد خالف إجماع الأمة وفارق دينها؛ فإن المؤمنين كلهم يعظّمون هؤلاء ويحسنون القول فيهم.

البيانقفوا بنا عند أثقل كلمةٍ، وأعظم صفعةٍ علمية في هذا الباب المظلم، والتي لا يملك الغلاة أمامها مخرجاً ولا مهرباً!

فهنا يرتقي شيخ الإسلام -بحسمه وصلابته- ليقلب الطاولة على الغلاة، ويرد السهم إلى نحر صاحبه!

فلم يقل شيخ الإسلام فيمن كفّر أبا حنيفة: "لقد أخطأ"، ولم يقل: "تسرع واجتهد"، بل قال بحكمٍ صارم يهز الأبدان: «فهو أحقُّ بالتكفير»!

ولم يكتفِ ابن تيمية بهذا القلب للحكم، بل أغلق الباب بالضبة والمفتاح حين حكى (الإجماع القطعي)، فقال: «من كفرهم فقد خالف إجماع الأمة وفارق دينها».

فانظر كيف جعل شيخ الإسلام قضية توقير هؤلاء الأئمة وحفظ مقاماتهم (أصلاً من أصول الإجماع السلفي)، لا مسألةً اجتهادية قابلة للعبث والتنقير، فسدّ الباب في وجه كل طعانٍ إلى يوم القيامة.

وتتجلى قوة هذه الحجة البالغة؛ حين نعلم أن ابن تيمية قرر هذا الحكم الصارم في رسالةٍ علمية خُصصت لتقرير وإثبات عقيدة (علو الله على عرشه)، لا في مقام تساهل أو مجاملة.

فهو ينتصر للعقيدة السلفية الصافية، وفي ذات الموضع والمقام، يحرّم استباحة أعراض الأئمة كأبي حنيفة!

وبهذا التقرير يَسقُطُ الزعمُ الخبيث الذي يروجه الحدادية؛ حين يوهمون أتباعهم أن المسلم مضطرٌ للاختيار بين أمرين: إما نصرة العقيدة (بالطعن في الأئمة وتضليلهم)، أو حفظ حرمة الأئمة (بتمييع العقيدة)! فجاء ابن تيمية ليثبت أن كمال نصرة العقيدة لا يتحقق أصلاً إلا بتمام توقير أئمة الإسلام.

فيا أيها المتجرئ الذي استسهل الطعن في الإمام أبي حنيفة وتضليله: اعرض هذا الحكم على نفسك! هذا شيخ الإسلام الذي ترفع اسمه في كل مجلس، وتتترس بنقولاته، يَحكُمُ نصاً بأن صنيعك هذا "مخالفةٌ لإجماع الأمة ومفارقةٌ لدينها".. فماذا أنت قائل؟!

إن سلّمت بحكم شيخ الإسلام ورضيت به؛ فقد سقط منهجك الإسقاطي الذي بنيته وتهاوى من قواعده!

وإن كابرت ورددت كلامه؛ فقد رددتَ على إمامك الذي تحتجّ به، وهدمت مرجعيتك بيدك.

فاختر لنفسك، واعلم أن الإجماع الذي نقله ابن تيمية لا يرحم من شذ عنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن ظنَّ بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياسٍ أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلّم إما بظنٍّ وإما بهوى؛ فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر مع مخالفته للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، لاعتقاده صحتهما وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما.

البيانحجةٌ عقليةٌ ونقلية بالغة، تنفذ إلى النوايا والمقاصد، وتفضح أدعياء نصرة الأثر!

حصر شيخ الإسلام حال الطاعن المفتري في قسمين لا ثالث لهما، فقال: «إما بظنٍّ وإما بهوى». فليختر الطاعنُ أيَّ القسمين شاء، فليس له مخرجٌ ثالث يدعي فيه أنه يَطعَنُ (اتباعاً للدليل) أو (غيرةً على السنة).

ثم لم يكتفِ ابن تيمية بالتقرير النظري، بل ساق البرهان العملي الساطع: إمامٌ يُتّهم بأنه يقدم "القياس والرأي" على "الحديث الصحيح".. فإذا به يَترُكُ القياسَ الجلي الصريح في مسألتين، استجابةً لحديثين ضعيفين (لاعتقاده هو صحتهما)، في حين أن أئمة الحديث أنفسهم لم يصححوهما!

فبالله عليكم؛ أيُّ مُتّهمٍ بتقديم رأيه وهواه على النص يفعل هذا الصنيع، ويترك رأيه وقياسه تعظيماً لحديث لم يثبت أصلاً؟!

وفي هذا قاعدة ذهبية تنفعك في كل باب: أن الطعن في نيات الأئمة ومقاصدهم مجرد (دعوى)، والدعوى تحتاج إلى برهان، والبرهان هنا قد انقلب على المدّعي وأبطل فريته من أساسها.

ولتعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد أفرد لهذا التأصيل العظيم رسالةً بديعة أسماها رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وهي متوفرة على هذا الموقع في قسم الكتب.

فمن أراد أن يَعرِفَ الفرقَ الجلي بين المنهج السلفي في (رفع الملام)، وبين المنهج الحدادي في (جمع الزلات).. فليقرأها.

فيا أيها الخائض في نوايا الأئمة؛ ليس لك في طعنك مخرجٌ شرعي؛ فإما أنك تتبع (ظناً) كاذباً لا يغني من الحق شيئاً، أو تتبع (هوىً) يرديك.

فاتق الله في مقاصد العلماء، فإن سرائرهم أطهر من أن تُدنس بشبهاتك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كما أن أبا حنيفة وإن كان الناس خالفوه في أشياء وأنكروها عليه، فلا يُستراب في فقهه وفهمه وعلمه، وقد نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه وهي كذبٌ عليه قطعًا.

البياننصٌ عبقري يفكك عقلية الغلو، ويفضح صناعة (التشنيع الكاذب) التي يعتاش عليها المبطلون! لقد جمع شيخ الإسلام في هذا السطر ثلاثة أمورٍ يظنها الغلاة متناقضة: فقد أثبت أن الناس خالفوا أبا حنيفة، وأثبت أنهم أنكروا عليه أخطاءه، ومع ذلك قرر بحسم أنه (لا يُستراب في فقهه وعلمه وإمامته). فالمخالفةُ العلمية والإنكارُ الفقهي عند السلف، لا يوجبان إسقاط الرجل وتبديعه!

ثم تأتي الجملة القاصمة التي تعري الحدادية في كل زمان: «نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة، وهي كذبٌ عليه قطعاً». انظر كيف حكم الإمام عليها بالكذب، وأكد ذلك بكلمة (قطعاً)، ثم كشف الباعث وهو: (قصد الشناعة وإسقاط المقام)!

وهذا والله هو عين ما يجري اليوم؛ إذ تُجمع المرويات والقصص من بطون الكتب، ولا يُسأل عن صحة سندها، ولا عن سياقها التاريخي، ولا عما يعارضها من نصوص أو إجماع، ثم تُرصّ في منشورٍ أو مقطع فيديو، ليُقال للعوام: انظروا.. هذا ما قاله السلف!

فمن أراد نقل شناعةً أو تهمةً عن إمامٍ من أئمة المسلمين، وجب عليه أولاً أن يقف موقفَ المحدّث الناقد: من روى هذا الأثر؟ وعمّن؟ وهل صحّ السند؟ وهل فُهم النص على وجهه؟

أما أن تدعي اتباع (أهل الحديث)، ثم تطبق قواعد المحدثين الصارمة في مسائل الفقه، وتطبق قواعد (الصحافة الصفراء) في تتبع أعراض الأئمة.. فبئس المنهج منهجك!

فإن أعرضت عن التثبت ثم تكلمت لتشنع، فقد دخلت نصاً في وصف المرجفين الذي قرره ابن تيمية.

فيا أيها الخائض في النقل؛ لا تكن حاطب ليلٍ، يجمع من الأقوال ما يوافق هواه بغير تمحيص ولا تثبت؛ فإن الكذب المُشنِّع يُسقِطُ دينَك ومروءتك، ولا يضر الإمام الذي في قبره.

فاتق الله فيما تنقل، فإن ديوان أعراض المسلمين لا يُكتب بالظنون، والله سائلك عن كل حرفٍ طعنت به في مقامات أوليائه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولُ السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم: لا يؤثّمون مجتهدًا مخطئًا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية، كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره. وهذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: أنهم لا يُكَفِّرُونَ ولا يُفَسِّقُونَ ولا يُؤَثِّمُونَ أحدًا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألةٍ عملية ولا علمية.

البيانضربةٌ تيميةٌ قاضية، تنسف أضخم الشبهات التي يبني عليها الغلاة دينهم، وتسوّي صرح تدليسهم بالأرض!

فهنا يقف شيخ الإسلام ليدكّ (بدعة التفريق) التي يتترس بها الحدادية اليوم؛ فهم يزعمون أن العذر بالاجتهاد محصورٌ في الفقهيات، أما مسائل العقيدة (الأصول) فلا عذر فيها لمجتهدٍ أخطأ!

فجاءهم النص كالصاعقة: «لا يؤثّمون مجتهداً مخطئاً في المسائل الأصولية ولا في الفروعية».

ولسدّ منافذ الهرب والتأويل، كرّر الإمام تقرير القاعدة بلفظٍ حاسمٍ آخر فقال: «لا في مسألةٍ عملية ولا علمية»! والمسائل العلمية هي (مسائل الاعتقاد) نصاً وإجماعاً.

ثم تأملوا كيف حظر شيخ الإسلام ثلاث درجاتٍ متتالية تجاه المجتهد المخطئ فقال: «لا يُكَفِّرُونَ، ولا يُفَسِّقُونَ، ولا يُؤَثِّمُونَ». فلم يكتفِ بنفي الكفر والفسق، بل رفع عن العالِم المخطئ حتى أدنى الدرجات (وهي الإثم)!

فالمجتهد المخطئ مأجورٌ شرعاً غير مأزور، بينما الحدادية اليوم لا يكتفون بتأثيم الأئمة، بل يفسقونهم، ويبدّعونهم، ويخرجونهم من السنة!

وانظروا إلى من نُسبت هذه القاعدة العظيمة؟ لم يجعلها ابن تيمية اجتهاداً شخصياً له، بل حكاها إجماعاً قطعياً ناصعاً عن (الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري).

فمن خالف هذا الأصل ومنع العذر، فلم يخالف ابن تيمية وحده، بل انسلخ من مذهب الصحابة وإجماع أئمة الدين.

فيا من فرّق ما جمعه السلف، وضيّق ما وسّعه الشرع؛ تدّعي حراسة العقيدة بمنع العذر فيها، وشيخ الإسلام يَنقُلُ لك إجماعَ الصحابة على عذر المجتهد في الأصول كالفروع! فهل أنت أعلم بمذهب الصحابة من الإمامين ابن تيمية وابن حزم؟!

طأطئ رأسك لسطوة الإجماع، واتق الله في أئمة الهدى؛ فوالله إن وقوفك غداً بين يدي ديان السماوات والأرض، لتُسأل عن تبديع وإسقاط مَن (أجرهم الله وغفر لهم)، لموقفٌ تذوب منه القلوب حياءً ورعباً.