عُرضت 30 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال أبو سنان الأسدي: إِذَا كَانَ طَالِبُ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَسْأَلَةً فِي الدِّينِ يَتَعَلَّمُ الْوَقِيعَةَ فِي النَّاسِ؛ مَتَى يُفْلِح؟!

البيانكَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ خَرَجَتْ مِنْ فَمِ هَذَا الْإِمَامِ السَّلَفِيِّ وَهُوَ يُشَاهِدُ قَنَوَاتِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْم! كَأَنَّهُ جَالِسٌ بَيْنَنَا يَرَى بِأُمِّ عَيْنِهِ دَاءَ زَمَانِنَا: شَابٌّ فِي مُقْتَبَلِ الْعُمُر، لَمْ يُتْقِنْ بَعْدُ أَحْكَامَ وُضُوئِهِ وَطَهَارَتِه، وَهُوَ يَحْفَظُ عَنْ ظَهْرِ قَلْب: فُلَانٌ كَافِر، وَفُلَانٌ مُبْتَدِع، وَفُلَانٌ ضَالّ، وَفُلَانٌ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ الْعِلْم، وَفُلَانٌ مُمَيِّع! فَرَمَاهُمْ أَبُو سِنَانٍ بِسُؤَالِهِ الصَّاعِقِ الَّذِي لَا جَوَابَ لَه: مَتَى يُفْلِح؟!

وَتَأَمَّلُوا دِقَّةَ الْإِمَامِ حِينَ قَال: «يَتَعَلَّمُ الْوَقِيعَة»؛ فَجَعَلَ تَمْزِيقَ الْأَعْرَاضِ "عِلْمًا" يُتَعَلَّم! وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّه؛ فَإِنَّ لِلْوَقِيعَةِ وَالطَّعْنِ عِنْدَ الْغُلَاةِ مَجَالِسَ تُعْقَد، وَشُيُوخًا يُؤْخَذُ عَنْهُمْ، وَمُصْطَلَحَاتٍ تُحْفَظُ وَتُلَقَّن.

فَالْيَوْمَ يَجْلِسُ الصَّغِيرُ الْحَدَثُ إِلَى شَيْخِهِ الْحَدَّادِيِّ؛ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ مَجْلِسِهِ بِمَسْأَلَةٍ يَعْبُدُ اللَّهَ بِهَا، أَوْ آيَةٍ يَرِقُّ بِهَا قَلْبُه.. بَلْ يَخْرُجُ بِقَائِمَةٍ سَوْدَاءَ مُحَدَّثَةٍ بِأَسْمَاءِ الْمَطْعُونِ فِيهِم! فَيَتَخَرَّجُ الْمِسْكِينُ فِي "صِنَاعَةِ الْإِسْقَاط" قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَ خُطْوَةً فِي "صِنَاعَةِ الْعِلْم"، وَيُتْقِنُ أَلْقَابَ الْجَرْحِ وَالتَّبْدِيعِ وَالشَّتَائِمِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ فَرَائِضَ دِينِه!

ثُمَّ انْظُرُوا بِأَيِّ مِيزَانٍ وَزَنَ الْإِمَامُ هَذِهِ الْخَسَارَة.. لَمْ يَقُلْ: "مَتَى يَتَعَلَّم؟"، بَلْ قَال: «مَتَى يُفْلِح؟!». وَالْفَلَاحُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.

فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الْمُصِيبَةَ هُنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ (تَأَخُّرٍ فِي التَّحْصِيلِ الْعِلْمِيِّ) يُمْكِنُ تَدَارُكُه؛ بَلْ هِيَ (فَسَادٌ فِي الطَّرِيقِ مِنْ أَوَّلِه). لِأَنَّ مَنْ وَجَّهَ قَلْبَهُ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَكُلَّمَا زَادَ اجْتِهَادًا وَسَيْرًا.. زَادَ عَنِ الْكَعْبَةِ بُعْدًا! وَمَنْ كَانَ رَأْسُ مَالِهِ فِي الدُّنْيَا تَتَبُّعَ عَوْرَاتِ الْعُلَمَاءِ وَتَمْزِيقَ أَعْرَاضِهِمْ، فَرِبْحُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَصَّالَةٌ مَخْرُومَة، وَحَسَنَاتٌ تُجْمَعُ طَوَالَ الْعُمُرِ لِتُفَرَّقَ فِي لَحْظَةٍ بَيْنَ خُصُومِهِ الَّذِينَ طَعَنَ فِيهِم!

فَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ وَطَالِبَ الْعِلْمِ.. اعْرِضْ قَلْبَكَ الْيَوْمَ عَلَى مِيزَانِ أَبِي سِنَانٍ قَبْلَ أَنْ تُعْرَضَ غَدًا عَلَى الْمِيزَانِ الْأَكْبَر:

أَحْصِ مَا تَحْفَظُ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ أَحْصِ مَا تَحْفَظُ مِنَ الطُّعُونِ وَالرُّدُودِ عَلَى الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ، وَانْظُرْ أَيُّ الْكِفَّتَيْنِ أَرْجَحُ فِي صَدْرِك؟!

فَإِنْ رَجَحَتْ كِفَّةُ الطُّعُونِ؛ فَاعْلَمْ يَقِينًا أَنَّكَ مِنْ تَلَامِيذِ هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ الْحَدَّادِيَّةِ الْخَاسِرَةِ وَإِنْ طَالَ شَيْبُكَ وَكَثُرَ ادِّعَاؤُكَ لِلسُّنَّة.

فَبَادِرْ بِالْفِرَارِ مِنْهَا وَالنَّجَاةِ بِدِينِكَ مَا دَامَ فِي الْعُمُرِ بَقِيَّةٌ؛ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُه، مَا دَعَاكَ أَحَدٌ إِلَى الْفَلَاحِ وَالنَّجَاةِ قَطُّ، مِنْ بَابِ الْوَقِيعَةِ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِين!

قال الزاهد مالك بن دينار: كَفَى بِالْمَرْءِ شَرًّا أَنْ لَا يَكُونَ صَالِحًا، وَهُوَ يَقَعُ فِي الصَّالِحِين.

البيانهَذِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَوْعِظَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هِيَ تَشْرِيحٌ نَفْسِيٌّ عَمِيقٌ لِلدَّاءِ الَّذِي يَنْخَرُ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الْغُلَاة! لَقَدْ لَخَّصَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، حَالَ رَجُلٍ جَمَعَ عَلَى نَفْسِهِ "خَسَارَتَيْن": حُرِمَ الصَّلَاحَ وَالْفَضْلَ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ بِحِرْمَانِهِ حَتَّى أَطْلَقَ لِسَانَهُ يُمَزِّقُ أَعْرَاضَ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْفَضْل!

لَوْ سَكَتَ هَذَا الْمِسْكِينُ لَسَتَرَهُ نَقْصُهُ وَخُمُولُهُ، لَكِنَّهَا النَّفْسُ الْمَرِيضَةُ؛ إِذَا فَاتَهَا اللَّحَاقُ بِرَكْبِ الْفُضَلَاءِ، وَعَجَزَتْ عَنْ تَسَلُّقِ جِبَالِ الْعِلْمِ، عَوَّضَتْ عَجْزَهَا بِمُحَاوَلَةِ هَدْمِهِمْ وَإِسْقَاطِهِمْ، لِتُسَوِّيَهُمْ بِنَفْسِهَا فِي الْقَاع!

وَهُنَا يَنْكَشِفُ السِّرُّ الدَّفِينُ وَرَاءَ هَذَا الْغُلُوّ: إِنَّ الشَّاتِمَ وَالْوَاقِعَ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدِّينِ، لَا يَقَعُ فِيهِمْ لِشَيْءٍ وَجَدَهُ "عِنْدَهُمْ".. بَلْ لِشَيْءٍ فَقَدَهُ فِي "نَفْسِهِ"! يَفْتَقِدُ الْعِلْمَ، وَيَفْتَقِدُ الْفَهْمَ، وَيَفْتَقِدُ الْقَبُولَ فِي الْأَرْضِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعْنِ وَالشَّتْمِ أَبَدًا.

فَإِذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ الْمُتَعَالِمَ الْحَدَّادِيَّ، يَجْلِسُ خَلْفَ الشَّاشَاتِ، مُولَعًا بِإِسْقَاطِ الْجِبَالِ وَالْأَكَابِر.. فَلَا تَسْأَلْ: "مَاذَا وَجَدَ فِيهِمْ لِيَطْعَنَ؟" بَلِ اسْأَلْ: "مَاذَا فَقَدَ مِنْ نَفْسِهِ لِيُعَوِّضَ نَقْصَهُ وَعَجْزَهُ بِالصِّيَاحِ؟!".

وَاقْلِبُوا كَلِمَةَ الْإِمَامِ تَجِدُوا دَوَاءَ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَال: اشْتَغِلْ يَا مِسْكِينُ بِإِصْلَاحِ عُيُوبِكَ، وَأَمْسِكْ لِسَانَكَ عَنْ سَادَاتِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ فِيهَا.

فَإِنْ عَجَزَتْ هِمَّتُكَ أَنْ تَلْحَقَ بِرَكْبِ الصَّالِحِينَ، وَقَصَّرَ بِكَ عَمَلُكَ عَنْ بُلُوغِ مَنَازِلِ الْأَئِمَّةِ الْعَامِلِينَ؛ فَلَا تَعْجِزْ عَلَى الْأَقَلِّ أَنْ "تُحِبَّهُمْ" وَتَذُبَّ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ!

فَالْمَرْءُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبّ.. وَالْوَاقِعُ فِيهِمْ لَا يُحْشَرُ مَعَهُمْ قَطُّ، بَلْ يُحْشَرُ مَعَ الطَّعَّانِينَ وَاللَّعَّانِينَ وَالْوَاقِعِينَ!

فَلْيَخْتَرْ لِنَفْسِهِ أَيَّ الْمُعَسْكَرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْهِ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّه!

قال الإمام مالك بن أنس: مَا مِنَّا إِلَّا رَادٌّ وَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ، إِلَّا صَاحِبَ هَذَا الْقَبْر.

البيانقِفُوا عِنْدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي أَطْلَقَهَا إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ عِنْدَ الْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ لِيَجْعَلَ الْعِصْمَةَ الْمُطْلَقَةَ لِصَاحِبِ الْقَبْرِ ﷺ وَحْدَهُ، وَيُنْزِلَ نَفْسَهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ مَنْزِلَةَ الْبَشَرِ الَّذِينَ يَجْتَهِدُونَ، فَيُخْطِئُونَ وَيُصِيبُون.

وَإِنْ تَعْجَبُوا، فَاعْجَبُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ الَّذِينَ يَرْفَعُونَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ شِعَارًا لَهُمْ يَلُوكُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ، وَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أَنَّهَا حُجَّةٌ قَاصِمَةٌ عَلَيْهِمْ لَا لَهُم!

فَهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا لِتَبْرِيرِ وَقِيعَتِهِمْ فِي الْأَئِمَّةِ قَائِلِين: (يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَى النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ لِأَنَّ مَالِكًا قَال: مَا مِنَّا إِلَّا رَادٌّ وَمَرْدُودٌ عَلَيْه)!

فَنَقُولُ لَهُم: نَعَمْ، الرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الْمُكْتَمِلُ الشُّرُوطِ حَقّ.. وَلَكِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الذَّهَبِيَّةَ تُثْبِتُ أَمْرًا يَهْدِمُ أُصُولَكُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ؛ وَهُوَ أَنَّ "الرَّدَّ لَا يُسْقِطُ الْمَرْدُودَ عَلَيْه"!

فَلَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ رُدَّ عَلَيْهِ قَوْلٌ، أَوْ خُطِّئَ فِي مَسْأَلَةٍ وَتَأْوِيلٍ، سَقَطَ مِنَ الْإِمَامَةِ وَبُدِّعَ وَهُجِرَ -كَمَا هُوَ مِيزَانُكُمْ-.. لَسَقَطَ الْإِمَامُ مَالِكٌ نَفْسُهُ! وَلَسَقَطَ مَنْ قَبْلَهُ وَمَنْ بَعْدَهُ! إِذْ هُوَ الْقَائِلُ الْمُقِرّ: «مَا مِنَّا إِلَّا مَرْدُودٌ عَلَيْه». فَبِمُوجَبِ مَذْهَبِكُمُ الْفَاسِدِ، لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إِمَامٌ وَلَا عَالِمٌ إِلَّا وَقَدْ سَقَط!

إِنَّ "الرَّدَّ" عِنْدَ الْغُلَاةِ؛ مِقْصَلَةٌ لِلْإِسْقَاطِ، وَمَيْدَانٌ لِلتَّشْنِيعِ، وَالتَّبْدِيعِ، وَتَمْزِيقِ الْأَعْرَاض.

أَمَّا "الرَّدُّ" عِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ؛ فَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ "التَّكَامُلِ الْعِلْمِيّ". هَذَا الْإِمَامُ يُبَيِّنُ مَا خَفِيَ عَلَى ذَاكَ، وَذَاكَ يَسْتَدْرِكُ مَا فَاتَ الْأَوَّل.. فَيَتَكَامَلُ صَرْحُ الشَّرِيعَةِ بِمَجْمُوعِهِمْ، وَلَا يَكْتَمِلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمُ اسْتِقْلَالًا إِلَّا الْمَعْصُومُ ﷺ.

فَيَا أَيُّهَا الْغَالِي: إِنَّ الرَّدَّ عَلَى زَلَّةِ الْإِمَامِ بِحُجَّةٍ وَعِلْمٍ، مَعَ حِفْظِ مَقَامِهِ وَإِمَامَتِهِ وَفَضْلِهِ؛ هُوَ دِينُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة.

أَمَّا اتِّخَاذُ زَلَّتِهِ حُجَّةً لِإِسْقَاطِهِ، وَنَسْفُ جُهُودِهِ، وَمَحْوُ تَارِيخِهِ، وَالطَّعْنُ فِي عَقِيدَتِه.. فَهُوَ دِينُ الْخَوَارِجِ وَالْحَدَّادِيَّةِ الْجُدُد! فَضَعْ نَفْسَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْمَدْرَسَتَيْن.

قَالَ أَبُو زُرْعَة: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ - وَكَانَ مُتَّكِئًا مِنْ عِلَّة - فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَال: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَيُتَّكَأ.

البيانهَذَا الْمَوْقِفُ الْعَظِيمُ أَبْلَغُ مِنْ أَلْفِ خُطْبَة! رَجُلٌ مَرِيضٌ مُتْعَب، يَتَّكِئُ لِيُرِيحَ بَدَنَهُ الْمُنْهَك، فَمَا إِنْ يُذْكَرُ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى يَنْتَفِضَ، وَيُغَالِبَ مَرَضَه، وَيَسْتَوِيَ جَالِسًا إِجْلَالًا وَتَوْقِيرًا لِلْمَذْكُور، قَائِلًا: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَيُتَّكَأ». لَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَاحَةَ بَدَنِهِ تَابِعَةً لِحُرْمَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِم.

وَلَكِنَّ الصَّدْمَةَ الَّتِي تُخْرِسُ أَلْسِنَةَ الْغُلَاةِ وَتَفْضَحُ حَقِيقَةَ مَنْهَجِهِم، هِيَ فِي كَشْفِ هُوِيَّةِ هَذَا الْمَذْكُور.. هَلْ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان؟ إِنَّهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيث، نَعَم، وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ رُمِيَ بِبِدْعَةِ (الْإِرْجَاء)! وَمَعَ هَذَا الْخَلَلِ الْعَقَدِيّ؛ عَدَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الصَّالِحِين، وَحَفِظَ لَهُ سَابِقَتَه، وَأَجَلَّ ذِكْرَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ مِنْ مَرَضِهِ احْتِرَامًا لِاسْمِه!

وَهُنَا الْمَقْتَلُ الَّذِي يُعَرِّي الْحَدَّادِيَّةَ وَيَفْضَحُ سَوْءَاتِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَاد: بِمُوجَبِ قَوَاعِدِهِمُ الصَّارِمَةِ الْيَوْم، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُسْقِطُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيُبَدِّعُوه! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ هَذَا يُعَدُّ فِي مِيزَانِهِمْ "مُوَقِّرًا لِأَهْلِ الْبِدَع"، وَمَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا يُقَرِّرُون! فَكَيْفَ يَنْجُو الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ مِقْصَلَتِهِمْ وَقَدْ وَقَّرَ مَنْ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء؟!

وَلِكَيْ تُدْرِكُوا حَجْمَ الِانْحِطَاطِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ غُلَاةُ الْيَوْم، قَارِنُوا بَيْنَ صَنِيعِ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَعَ رَجُلٍ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء، وَبَيْنَ صَنِيعِ أَحَدِ رُؤُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُعَاصِرِينَ (مُحَمَّد شَمْس الدِّين) حِينَ خَرَجَ عَلَى شَاشَاتِ يُوتِيُوب يُبَاهِلُ عَلَى بِدْعَةِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ رَمْيِهِ بِالْإِرْجَاء! يَخْرُجُ عَلَى الْمَلَأ، بِقَلْبٍ قَاسٍ وَلِسَانٍ فَاجِر، وَيَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَلْعَنَهُ وَيُهْلِكَهُ وَيُهْلِكَ أَهْلَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ مُبْتَدِعًا ضَالًّا!

يَا اللَّه! أَيُّ فُجُورٍ فِي الْخُصُومَةِ هَذَا؟! وَأَيُّ جُرْأَةٍ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَعْرَاضِ الْأَئِمَّة؟! إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَنْتَفِضُ مِنْ مَرَضِهِ إِجْلَالًا لِعَالِمٍ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء.. وَصُعْلُوكُ الْحَدَّادِيَّةِ يُبَاهِلُ بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَهَلَاكِ أَهْلِهِ لِيُثْبِتَ أَنَّ إِمَامًا كَأَبِي حَنِيفَةَ مُبْتَدِعٌ ضَال! مَجْلِسٌ سَلَفِيٌّ نَقِيٌّ يُعْتَدَلُ فِيهِ مِنَ الِاتِّكَاءِ إِجْلَالًا لِذِكْرِ عَالِمٍ أَخْطَأ.. وَشَاشَاتٌ حَدَّادِيَّةٌ سَوْدَاءُ تُعْقَدُ فِيهَا جَلَسَاتُ اللَّعْنِ وَالْمُبَاهَلَةِ لِإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام!

فَيَا أَيُّهَا الْغَالِي الْمَفْتُون: إِذَا كَانَ مِيزَانُكَ يَقْتَضِي تَبْدِيعَ مَنْ يُوَقِّرُ مَنْ وَقَعَ فِي الْإِرْجَاء، فَابْدَأْ بِتَبْدِيعِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْقَاطِهِ إِنْ كُنْتَ تَمْلِكُ شَجَاعَةَ الْخَوَارِج! وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ -وَلَنْ تَفْعَلَ- فَاعْلَمْ أَنَّ مَنْهَجَكُمْ بَاطِلٌ مُتَنَاقِضٌ مِنْ أَسَاسِه، وَأَنَّكُمْ لَمْ تَرِثُوا مِنَ السَّلَفِ إِلَّا الْأَسْمَاء، بَيْنَمَا وَرِثْتُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ الْجُرْأَةَ عَلَى الْأَعْرَاضِ وَاسْتِبَاحَةَ الْحُرُمَات.

فَبَيْنَ مِيزَانِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمِيزَانِكُمْ كَمَا بَيْنَ الثَّرَى وَالثُّرَيَّا؛ مِيزَانُهُ مِيزَانُ الرَّحْمَةِ وَحِفْظِ الْمَقَامَات، وَمِيزَانُكُمْ مِيزَانُ اللَّعْنِ وَالْغِلِّ وَالْمُبَاهَلَةِ عَلَى إِسْقَاطِ الْأَئِمَّة.

لَمَّا قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد: إِنَّ قَوْمًا يَكْتُبُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَدْ حَكَوْا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: أَنَا لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ حَدِيثٍ يَكْتُبُ هَذَا الْحَدِيثَ يَعْرِفُهَا - فَغَضِبَ وَأَنْكَرَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا وَقَالَ: بَاطِل، مَعَاذَ اللَّه! أَنَا لَا أُنْكِرُ هَذَا؟! لَوْ كَانَ هَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ لَأَنْكَرْتُه، فَكَيْفَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟

البيانهَذَا مَوْقِفٌ مَهِيبٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ تُجَاهَ (صِنَاعَةِ جَمْعِ الْمَثَالِبِ وَالزَّلَّات)، وَهِيَ الصِّنَاعَةُ الْبَائِسَةُ الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْحَدَّادِيَّةُ وَغُلَاةُ زَمَانِنَا! تَأَمَّلُوا كَيْفَ لَمْ يُقَابِلِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذِهِ الْفِرْيَةَ بِنِقَاشٍ هَادِئٍ بَارِد، بَلْ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: «بَاطِل، مَعَاذَ اللَّه!». فَالْغَضَبُ فِي مَوْضِعِهِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ الْحُجَّةِ، بَلْ هُوَ عَلَامَةٌ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْكَرِ فِي الْقَلْبِ، وَالْغَيْرَةِ عَلَى أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ.

وَقُوَّةُ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ هُنَا تَكْمُنُ فِي التَّدَرُّجِ الْمَنْهَجِيِّ لِلْإِمَام؛ حَيْثُ قَالَ: «لَوْ كَانَ هَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ لَأَنْكَرْتُه، فَكَيْفَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّد؟». يَا اللَّه! لَقَدْ قَرَّرَ الْإِمَامُ أَوَّلًا أَنَّ تَتَبُّعَ الزَّلَّاتِ وَجَمْعَ الْمَثَالِبِ هُوَ "مُنْكَرٌ عَظِيم" حَتَّى لَوْ مُورِسَ ضِدَّ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ (آحَادِ النَّاس)! ثُمَّ اسْتَعْظَمَ هَذَا الْمُنْكَرَ وَضَاعَفَهُ إِذَا تَمَّ تَسْلِيطُهُ عَلَى خِيَارِ الْأُمَّةِ وَأَكَابِرِهَا.

وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَهْدِمُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْقَوْمِ الْيَوْم؛ فَالْحَدَّادِيَّةُ جَعَلُوا تَتَبُّعَ زَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ، وَجَمْعَ عَثَرَاتِهِمْ فِي مِلَفَّاتٍ وَمَقَاطِعَ، وَتَصْنِيفَ الْكُتُبِ فِي أَخْطَائِهِمْ.. جَعَلُوهُ "عِلْمًا" يُدْرَسُ، وَ"نَصِيحَةً" يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّه! فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّنِيعُ الْبَشِعُ مُنْكَرًا فِي حَقِّ الْعَوَامِّ وَالْمَجَاهِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَفْعَلُهُ مَعَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وَأَئِمَّةِ الدِّين؟!

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى دَاءٍ قَدِيمٍ يَتَجَدَّد؛ وَهُوَ التَّقَوُّلُ عَلَى الْعُلَمَاء: (حَكَوْا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْت)! نَعَمْ، لَقَدْ كَذَبُوا عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَنَسَبُوا إِلَيْهِ زُورًا أَنَّهُ يُقِرُّ جَمْعَ الزَّلَّاتِ، فَانْتَفَضَ وَكَذَّبَهُمْ. وَهَذَا دَأْبُ الْحَدَّادِيَّةِ فِي كُلِّ زَمَان؛ يَبْتُرُونَ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ السَّالِفِينَ، وَيَنْسُبُونَ إِلَيْهِمْ قَوَاعِدَ الْغُلُوِّ الْبَاطِلَةَ، لِيُشَرْعِنُوا بِهَا مَنَاهِجَهُمُ الْفَاسِدَةَ فِي الْإِسْقَاط.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَلَبِّسُ بِلِبَاسِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل: إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ يَرَى أَنَّ جَمْعَ زَلَّاتِ (الْعَوَامِّ) مُنْكَرٌ يُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَأَنْتَ تَمْلَأُ أَدْرَاجَكَ وَأَجْهِزَتَكَ بِمِلَفَّاتٍ ضَخْمَةٍ لَا تَحْوِي إِلَّا زَلَّاتِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ، لِتُخْرِجَهَا لِلنَّاسِ مُتَفَاخِرًا وَكَأَنَّكَ تَرْفَعُ رَايَةَ السُّنَّة! فَهَلْ أَنْتَ عَلَى عَقِيدَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَوَرَعِهِ، أَمْ أَنَّكَ امْتِدَادٌ لِلْمَنْهَجِ الْخَبِيثِ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَأَنْكَرَه؟!

لَقَدْ جَعَلْتَ رَأْسَ مَالِكَ الَّذِي تَلْقَى بِهِ اللَّهَ تَتَبُّعَ الْعَوْرَاتِ، وَبِئْسَتِ الْبِضَاعَةُ يَوْمَ تُنْشَرُ الدَّوَاوِين.

قال الإمام ابن المبارك: إِذَا غَلَبَتْ مَحَاسِنُ الرَّجُلِ عَلَى مَسَاوِئِهِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ، وَإِذَا غَلَبَتِ الْمَسَاوِئُ عَلَى الْمَحَاسِنِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِن.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا التَّأْصِيلَ الْمَنْهَجِيَّ الْفَذَّ، لِتُدْرِكُوا أَنَّ سَلَفَنَا الصَّالِحَ تَرَكُوا لَنَا قَوَاعِدَ فِي الْعَدْلِ تَزِنُ الْجِبَال! هَذِهِ الْقَاعِدَةُ السَّلَفِيَّةُ الْمُوجَزَةُ، هِيَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ لِمَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ فِي السَّاحَةِ بِمَسْأَلَةِ «الْمُوَازَنَة»؛ وَالَّتِي يُشَنِّعُ الْحَدَّادِيَّةُ عَلَى مَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَيَعُدُّونَهَا "بِدْعَةً مُحْدَثَةً وَتَمْيِيعًا لِلدِّين"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُبَارَكِ -إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْجِهَادِ- يُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِوُضُوحٍ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ سَنَة.

وَتَأَمَّلُوا دِقَّةَ الْمِيزَانِ السَّلَفِيِّ هُنَا: الْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ (تُذْكَرُ الْمَحَاسِنُ وَتُذْكَرُ الْمَسَاوِئُ مَعًا فِي كُلِّ حَال)، بَلْ جَعَلَ الْمَذْكُورَ هُوَ (الْغَالِبَ) مِنْ حَالِ الرَّجُل. فَمَنْ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُ وَفَضَائِلُهُ؛ طُوِيَتْ مَسَاوِئُهُ وَذَابَتْ فِي بَحْرِ حَسَنَاتِهِ (وَلَمْ تُذْكَرْ). وَمَنْ غَلَبَتْ مَسَاوِئُهُ وَبِدْعَتُهُ وَهَدْمُهُ لِلدِّينِ؛ سَقَطَتْ مَحَاسِنُهُ الْمَرْجُوحَةُ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهَا. فَالْمِيزَانُ السَّلَفِيُّ إِذَنْ يَعْمَلُ فِي الْجِهَتَيْنِ بِعَدْلٍ، لَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَزْعُمُ الْغُلَاة.

وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الصَّارِمَةِ، يَنْكَشِفُ عَوَارُ الْحَدَّادِيَّةِ وَتَدْلِيسُهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ مَعًا: الْأَوَّل: أَنَّهُمْ يَنْبُشُونَ مَسَاوِئَ وَزَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُمْ وَمَلَأَتِ الْآفَاق! وَهَذَا مُصَادَمَةٌ صَرِيحَةٌ لِقَوْلِ الْإِمَام: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ). الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ تَمَامًا ذِكْرَ أَيِّ حَسَنَةٍ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ بِمُجَرَّدِ الْخِلَافِ، وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْقَاط! وَهَذَا تَنْزِيلٌ خَبِيثٌ لِلشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ الْقَاعِدَةِ (لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِنُ) عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ؛ فَجَعَلُوا أَئِمَّةَ الْهُدَى الْمُتَأَوِّلِينَ فِي مَنْزِلَةِ رُؤُوسِ الضَّلَالِ الْمُعَانِدِينَ! لَقَدْ قَلَبُوا الْقَاعِدَةَ وَعَكَسُوهَا لِتَهْدِمَ الدِّين.

ثُمَّ بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ، سَلُوا أَنْفُسَكُمْ: مَنْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ تَغْلِبُ مَحَاسِنُهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَالْحَافِظَ ابْنَ حَجَر؟! رَجُلَانِ أَفْنَيَا أَعْمَارَهُمْ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَشَرَحَا دَوَاوِينَ الْإِسْلَامِ، وَانْتَفَعَ بِكُتُبِهِمَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الْأَرْض!

فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْأَكَابِرِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَك: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ)، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا؟!

قال الحافظ ابن عبد البر: وَأَفْرَطَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه، وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ فِي ذَلِك، وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِدْخَالُهُ الرَّأْيَ وَالْقِيَاسَ عَلَى الْآثَارِ وَاعْتِبَارُهُمَا... وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا وَلَهُ تَأْوِيلٌ فِي آيَةٍ، أَوْ مَذْهَبٌ فِي سُنَّةٍ، رَدَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ سُنَّةً أُخْرَى بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخ؛ إِلَّا أَنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَهُوَ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ قَلِيل.

البيانكَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ حَافِظِ الْمَغْرِبِ الْأَنْدَلُسِيِّ، تُشَخِّصُ دَاءَ الْإِفْرَاطِ، وَتَضْبِطُ مِيزَانَ الْإِنْصَافِ الدَّقِيقَ الَّذِي طَاشَ فِي أَيْدِي الْغُلَاة!

لَقَدْ شَخَّصَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَقِيقَةً تَارِيخِيَّة؛ وَهِيَ أَنَّ قِسْمًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِينَ -بِدَافِعِ الْغَيْرَةِ الْمَحْمُودَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَخَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ طُغْيَانِ مَدْرَسَةِ الرَّأْيِ فِي زَمَانِهِمْ- قَدْ (أَفْرَطُوا وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ) فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَة. وَهَذَا يُثْبِتُ لَكَ أَنَّ "الْإِفْرَاطَ فِي الذَّمِّ" مَسْأَلَةٌ قَدِيمَةٌ وَقَعَ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْفَضْلِ عَنِ اجْتِهَادٍ وَغَيْرَةٍ، فَعُذِرُوا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ لِصِدْقِهِمْ، وَسَابِقَتِهِمْ، وَظَرْفِ زَمَانِهِمْ. لَكِنَّ الْمُصِيبَةَ الْكُبْرَى هِيَ فِيمَنْ يَأْتِي الْيَوْمَ خَالِيَ الْوِفَاضِ، لِيَجْعَلَ مِنْ هَذَا التَّارِيخِ عَقِيدَةً وَدِينًا يُمَزِّقُ بِهِ صَفَّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ!

وَكَلَامُ الْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ فِقْهِ الْإِنْصَافِ الَّذِي يَفْتَقِدُهُ الْغُلَاة: أَنَّ الْخَصْلَةَ وَالزَّلَّةَ إِذَا وُجِدَتْ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ فِي كُلِّ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، لَمْ تَصْلُحْ أَبَدًا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا وَحِيدًا لِإِسْقَاطِ رَجُلٍ بِعَيْنِه! إِذْ لَوْ كَانَتْ تُسْقِطُ صَاحِبَهَا وَتُخْرِجُهُ مِنَ السُّنَّةِ، لَسَقَطَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ جَمِيعًا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، وَلَمَا بَقِيَ لَنَا دِينٌ نَعْبُدُ اللَّهَ بِه!

فَيَا أَيُّهَا الطَّعَّانُ الَّذِي جَعَلَ مِنْ زَلَّاتِ التَّأْوِيلِ سُلَّمًا لِتَكْفِيرِ الْأَئِمَّة: إِنْ كَانَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ فِي الدُّنْيَا لَهُ زَلَّةٌ بِرَدِّ سُنَّةٍ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخٍ، فَهَلْ سَتُعْمِلُ سَيْفَ التَّبْدِيعِ فِي جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَتَنْسِفُ تُرَاثَ الْإِسْلَام؟! أَمْ أَنَّكَ تَكِيلُ بِمِكْيَالَيْنِ، فَتَعْذُرُ فُلَانًا، وَتُبَدِّعُ أَبَا حَنِيفَةَ وَتَلْعَنُهُ لِمِثْلِهَا؟!

مَنْ يَبْنِي دِينَهُ الْيَوْمَ عَلَى "الْإِفْرَاطِ" الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الْحَافِظُ، وَيَتْرُكُ "الْإِنْصَافَ" الَّذِي قَرَّرَهُ، لَنْ يَحْصُدَ إِلَّا الْخَيْبَةَ يَوْمَ تُوزَنُ الْأَعْمَالُ بِالْقِسْطِ لَا بِالْأَهْوَاء.

قال الحافظ ابن عبد البر: الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَثَّقُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مَا عَابُوا الْإِغْرَاقُ فِي الرَّأْيِ وَالْقِيَاس. وَكَانَ يُقَالُ: يُسْتَدَلُّ عَلَى نَبَاهَةِ الرَّجُلِ مِنَ الْمَاضِينَ بِتَبَايُنِ النَّاسِ فِيه. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا، وَإِنَّ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، وَإِنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ يَجِبُ أَلَّا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، فِيمَنْ صَحَّتْ إِمَامَتُهُ وَعَظُمَتْ فِي الْعِلْمِ غَايَتُه.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا النَّصَّ الْمُزْدَوِجَ الْعَظِيمَ، الَّذِي يَنْسِفُ أَبْوَابَ التَّدْلِيسِ الْحَدَّادِيِّ بَابًا بَابًا!

فَأَمَّا النَّقْلُ الْأَوَّلُ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، فَهُوَ جَوَابٌ قَاصِمٌ يَفْضَحُ "صِنَاعَةَ الْمِلَفَّاتِ السَّوْدَاءِ" الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْغُلَاةُ الْيَوْمَ؛ فَهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى الْعَالِمِ، فَيَجْمَعُونَ كُلَّ حَرْفٍ قِيلَ فِيهِ مِنْ ذَمٍّ عَبْرَ التَّارِيخِ، وَيَطْوُونَ تَمَامًا مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ مَدْحٍ وَثَنَاءٍ وَتَزْكِيَة!

ثُمَّ يَعْرِضُونَ هَذِهِ الْحَصِيلَةَ الْمُشَوَّهَةَ الْمَبْتُورَةَ عَلَى الْعَوَامِّ، فَيَظُنُّ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ فِي الرَّجُل. وَهُنَا يَأْتِيهِمْ حَافِظُ الْأَنْدَلُسِ لِيَصْفَعَ تَدْلِيسَهُمْ بِالْحَقِيقَة: «الَّذِينَ وَثَّقُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ (أَكْثَرُ) مِنَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ»!

ثُمَّ كَشَفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَقِيقَةَ هَذَا الْجَرْحِ وَسَبَبَهُ، فَقَالَ: «أَكْثَرُ مَا عَابُوا الْإِغْرَاقُ فِي الرَّأْيِ وَالْقِيَاس».

وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ (صَاحِبِ السُّنَنِ)، فَهُوَ (الْقَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ) الَّتِي تَقْطَعُ دَابِرَ الْفِتْنَةِ مِنْ جُذُورِهَا: «وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ يَجِبُ أَلَّا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَرَّجَ عَلَيْهِ». فَاحْفَظُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ جَيِّدًا؛ فَإِنَّهَا تُغْلِقُ عَلَى الْحَدَّادِيَّةِ أَوْسَعَ أَبْوَابِهِمُ الَّتِي يَرْتَزِقُونَ مِنْهَا؛ أَلَا وَهُوَ بَابُ (نَبْشِ كَلَامِ الْأَقْرَان). فَإِذَا صَحَّتْ إِمَامَةُ الرَّجُلِ وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ، صَارَ نَبْشُ مَا قِيلَ فِيهِ فِي غَمْرَةِ الْخُصُومَةِ إِثْمًا وَعُدْوَانًا، وَمُخَالَفَةً صَرِيحَةً لِمَنْهَجِ أَئِمَّةِ الْحَدِيث.

فَيَا أَيُّهَا الْحَدَّادِيُّ الَّذِي مَلَأَ مَجَالِسَهُ وَحِسَابَاتِهِ بِنَبْشِ كَلَامِ الْأَقْرَان: هَلْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَقَوَاعِدِ الْجَرْحِ مِنَ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ؟!

إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا دَاوُدَ يَأْمُرُ الْأُمَّةَ بِأَنْ "لَا تَلْتَفِتَ وَلَا تُعَرِّجَ" عَلَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي بَعْضِهِمْ مَتَى مَا صَحَّتْ إِمَامَتُهُمْ.. وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْتِفَاتَكَ وَنَبْشَكَ لِهَذَا الْكَلَامِ الْمَطْوِيِّ هُوَ رَأْسَ مَالِكَ، وَعَقْدَ وَلَائِكَ وَبَرَائِكَ!

فَاعْلَمْ أَنَّكَ حِينَ تَنْبِشُ مَا أَمَرَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ بِدَفْنِهِ وَطَيِّهِ؛ فَإِنَّكَ لَا تُحْيِي السُّنَّةَ كَمَا تَزْعُمُ وَتَتَوَهَّمُ، بَلْ تُحْيِي الْفِتْنَةَ وَتُرْضِي الشَّيْطَانَ، وَمَوْعِدُكَ مَعَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَهَشْتَ أَعْرَاضَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَة، وَأَنَا كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّه، وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَحْوِهِ، الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ... مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إِلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيّ، وَلَا انْتَصَرْتُ لِذَلِك، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.

البيانشَهَادَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى نَفْسِهِ، تَنْسِفُ دَعَاوَى الْمُتَاجِرِينَ بِاسْمِهِ، وَتَكْشِفُ الْفَارِقَ الْعَظِيمَ بَيْنَ الْبِنَاءِ السَّلَفِيِّ الْأَصِيلِ وَالْهَدْمِ الْحَدَّادِيِّ الدَّخِيل!

فَهَذِهِ الْوَثِيقَةُ لَيْسَتْ رَأْيًا نَظَرِيًّا، بَلْ هِيَ (سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ وَتَزْكِيَة) يَكْتُبُهَا الْإِمَامُ عَنْ مَشْرُوعِهِ الْعَمَلِيِّ فِي الْأُمَّة.

فَلْيَقْرَأْهَا بِتَمَهُّلٍ وَإِنْصَافٍ كُلُّ مَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ تَفْرِيقَ الْمُسْلِمِينَ وَتَمْزِيقَ صُفُوفِهِمْ رَافِعًا لِوَاءَ ابْنِ تَيْمِيَّة!

تَأَمَّلُوا الْوَصْفَ الدَّقِيقَ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عُنْوَانًا لِسِيرَتِهِ: «كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ».

لَمْ يَقُلْ: (كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَرْحًا، وَتَصْنِيفًا، وَرَدًّا عَلَى الْمُخَالِفِين)! مَعَ أَنَّهُ الْإِمَامُ الَّذِي مَلَأَ الدُّنْيَا رُدُودًا وَمُنَاظَرَاتٍ؛ لَكِنَّهُ أَدْرَكَ بِفِقْهِهِ الْعَمِيقِ أَنَّ الرُّدُودَ (وَسِيلَةٌ) لِحِمَايَةِ الدِّينِ، أَمَّا (الْغَايَةُ الْعُظْمَى) فَهِيَ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ وَجَمْعُ كَلِمَةِ الْأُمَّة.

وَهَذَا عَكْسُ مَنْهَجِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْهَجْرَ وَالتَّبْدِيعَ وَإِيغَارَ الصُّدُورِ (غَايَةً) يَتَعَبَّدُونَ اللَّهَ بِهَا!

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْأَثَرِ الْعَمَلِيِّ الصَّادِقِ لِهَذَا الْمَنْهَجِ: «وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة». لَمْ يَدَّعِ مُجَرَّدَ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ مَخْفِيَّةٍ، بَلْ حَقَّقَ وَاقِعًا مَلْمُوسًا بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مُتَنَافِرَتَيْنِ (الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ).

وَكَيْفَ أَزَالَ تِلْكَ الْوَحْشَة؟ يَقُولُ: «وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد».

يَا اللَّه! لَقَدْ أَزَالَ الْوَحْشَةَ وَذَكَرَ الْحَقَّ وَالْفَضْلَ الَّذِي عِنْدَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى!

وَهُوَ نَفْسُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الَّذِي دَبَّجَ الْمُجَلَّدَاتِ الضِّخَامَ فِي نَقْضِ أُصُولِ الْمَدَارِسِ الْكَلَامِيَّةِ؛ فَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الصَّارِمُ عَلَى الْبِدْعَةِ، لَمْ يَمْنَعْهُ قَطُّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوب.

ثُمَّ تَأْتِي قَاصِمَتُهُ لِمَنْ يَتَعَصَّبُونَ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَسْمَاءِ: «لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيّ.. وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّة». وَهَذَا هُوَ التَّجَرُّدُ التَّامُّ لِلْإِجْمَاعِ، وَتَرْكُ التَّحَزُّبِ الْبَغِيض.

فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ فِي حَالِكَ؛ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَتَفَاخَرُ بِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَإِزَالَةِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْمَدَارِسِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَأَنْتَ تَتَفَاخَرُ بِتَمْزِيقِ الصَّفِّ السَّلَفِيِّ الْوَاحِدِ، وَنَشْرِ الْعَدَاوَةِ وَالْهَجْرِ وَالتَّبْدِيعِ بَيْنَ الْإِخْوَة!

لَقَدِ اتَّخَذْتَ مِنِ اسْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِعْوَلًا لِهَدْمِ مَا أَفْنَى هُوَ عُمْرَهُ فِي بِنَائِه!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَاخُرَ بِكَثْرَةِ الْهَجْرِ وَإِسْقَاطِ النَّاسِ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِيرَاثُ إِبْلِيسَ الَّذِي يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ، فَرَضِيَ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنَ الْمُصَلِّين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أَحْمَدُ لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ، وَلَا كُلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَهْمِيٌّ كَفَّرَهُ، وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَ الْجَهْمِيَّةَ فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ؛ بَلْ صَلَّى خَلْفَ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى قَوْلِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ وَعَاقَبُوا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ، لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحْمَدُ وَأَمْثَالُهُ؛ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ إِيمَانَهُمْ وَإِمَامَتَهُمْ، وَيَدْعُو لَهُمْ، وَيَرَى الِائْتِمَامَ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُمْ وَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ مَعَهُمْ... ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَحَلَّلَهُمْ مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ... تَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا جَاحِدُونَ لِمَا جَاءَ بِهِ، وَلَكِنْ تَأَوَّلُوا فَأَخْطَؤُوا، وَقَلَّدُوا مَنْ قَالَ لَهُمْ ذَلِك.

البيانقَاصِمَةُ الظُّهُورِ، وَفُرْقَانٌ يُمَزِّقُ الْغُلُوَّ، وَيَكْشِفُ عَوْرَةَ الْمُزَايِدِينَ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّين!

قِفْ هُنَا وَتَأَمَّلْ هَذِهِ النَّازِلَة: بِدْعَةُ (خَلْقِ الْقُرْآنِ) كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَأَصْحَابُهَا لَمْ يَكُونُوا مُتَأَوِّلِينَ مُسَالِمِينَ، بَلْ كَانَتْ بِيَدِهِمْ سِيَاطُ السُّلْطَةِ؛ فَدَعَوْا لِبِدْعَتِهِمْ، وَامْتَحَنُوا الْأُمَّةَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَجَلَدُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ حَتَّى غَابَ عَنِ الْوَعْيِ، وَقَطَعُوا الْأَرْزَاقَ، وَكَفَّرُوا مَنْ خَالَفَهُم.

وَمَعَ هَذَا الْبَلَاءِ الْمُرَوِّعِ، انْظُرْ إِلَى (فِقْهِ الْأَئِمَّةِ) كَيْفَ يُفَارِقُ (طَيْشَ الْخَوَارِجِ): لَمْ يُكَفِّرِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَعْيَانَهُمْ، بَلْ صَلَّى خَلْفَهُمْ، وَاعْتَقَدَ إِيمَانَهُمْ، وَدَعَا لِمَنْ جَلَدَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَحَلَّلَه!

لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَرَّقَ بِعَبْقَرِيَّةِ السُّنَّةِ بَيْنَ (الْمَقَالَةِ الْكُفْرِيَّةِ) وَبَيْنَ (الْمُعَيَّنِ الْمُتَأَوِّلِ)، فَعَذَرَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ رَغْمَ فَدَاحَةِ الْجُرْم.

وَهُنَا نَضَعُ الْحَدَّادِيَّ فِي زَاوِيَةِ الْإِلْزَامِ الصَّارِمِ، فَنَسْأَلُهُ: أَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَهَاوِنًا فِي حَقِّ اللَّهِ وَمُمَيِّعًا لِلدِّين؟!

أَكَانَتْ غَيْرَتُهُ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ أَقَلَّ مِنْ غَيْرَتِكَ أَيُّهَا الْمُتَأَخِّر؟!

إِنْ قُلْتَ: نَعَم! فَقَدْ مَرَقْتَ مِنَ السُّنَّةِ وَفَضَحْتَ حَقِيقَةَ مَنْهَجِك.

وَإِنْ قُلْتَ: لَا! فَقَدْ هَدَمْتَ مَنْهَجَكَ الْإِسْقَاطِيَّ بِلِسَانِك.

فَكَيْفَ صَارَ عُذْرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْجَهْمِيَّةِ الْجَلَّادِينَ (سُنَّةً وَوَرَعًا).. وَصَارَ عُذْرُنَا لِأَئِمَّةِ الْهُدَى فِي زَلَّاتِهِمْ (تَمْيِيعًا وَضَلَالًا)؟!

فَيَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ؛ أَفِقْ مِنْ سَكْرَتِك! الْإِمَامُ أَحْمَدُ يُجْلَدُ فِي ذَاتِ اللَّهِ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ الدَّمَ وَيَسْتَغْفِرُ لِجَلَّادِيهِ الْمُتَأَوِّلِينَ.. وَأَنْتَ تَتَّكِئُ عَلَى أَرِيكَتِكَ، تَشُقُّ قُلُوبَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْأَعْلَامِ لِتُكَفِّرَهُمْ وَتُسْقِطَهُمْ فِي زَلَّةِ اجْتِهَاد!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَيْرَةَ عَلَى الدِّينِ لَا تَكُونُ بِانْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ وَاسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ أَئِمَّتِهِ، وَتَوَاضَعْ لِمِيزَانِ السَّلَفِ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه.