عُرضت 46 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال الإمام الشاطبي: إِنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ لَا يَصِحُّ اعْتِمَادُهَا مِنْ جِهَةٍ، وَلَا الْأَخْذُ بِهَا تَقْلِيدًا لَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لِلشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ عُدَّتْ زَلَّة... كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ صَاحِبُهَا إِلَى التَّقْصِيرِ، وَلَا أَنْ يُشَنَّعَ عَلَيْهِ بِهَا، وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْلِهَا، أَوْ يُعْتَقَدَ فِيهِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ بَحْتًا؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ فِي الدِّين.

البيانوَثِيقَةٌ مَقَاصِدِيَّةٌ جَامِعَةٌ، مِنْ (إِمَامِ مُحَارَبَةِ الْبِدَعِ)، تَسُدُّ مَنَافِذَ الْغُلُوِّ، وَتُفَكِّكُ حِيَلَ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُتَسَتِّرَةِ بِالْغَيْرَة!

هَذَا النَّصُّ مِنْ أَجْمَعِ وَأَضْبَطِ مَا قِيلَ فِي الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَدَعُ لِمُبْطِلٍ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا وَيَتْرُكَ الْآخَر! فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الزَّلَّةَ تُرَدُّ وَلَا يُقَلَّدُ فِيهَا صَاحِبُهَا (وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى التَّمْيِيعِ)، ثُمَّ قَرَّرَ فَوْرًا أَنَّ صَاحِبَهَا يُعْذَرُ وَلَا يُهْدَرُ مَقَامُهُ (وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى الْإِسْقَاطِ وَالْحَدَّادِيَّة).

وَجَمَالُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ حَصَرَ صُوَرَ التَّطَاوُلِ الْحَدَّادِيِّ الْأَرْبَعَ، فَسَدَّهَا وَأَبْطَلَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَة:

1- أَلَّا يُنْسَبَ إِلَى التَّقْصِير.

2- وَلَا يُشَنَّعَ عَلَيْهِ بِهَا.

3- وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْلِهَا.

4- وَلَا يُعْتَقَدَ فِيهِ تَعَمُّدُ الْمُخَالَفَة.

لَقَدْ أَحْصَى كُلَّ مَا تَصْنَعُهُ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ مِنْ آثَامٍ، ثُمَّ حَرَّمَهُ وَمَنَعَه!

وَأَدَقُّ هَذِهِ الْمَوَانِعِ هِيَ الرَّابِعَةُ؛ فَقَدْ حَرَّمَ أَنْ يُسَاءَ الظَّنُّ بِالْعَالِمِ، فَيُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ عَنْ عَمْدٍ وَعِنَاد! وَهَذَا هُوَ (سُوءُ الظَّنِّ) الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ صِنَاعَةُ الْحَدَّادِيَّةِ كُلُّهَا؛ إِذْ لَوِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ الْعَالِمَ أَخْطَأَ (مُتَأَوِّلًا طَالِبًا لِلْحَقِّ) لَسَقَطَتْ خُصُومَتُهُمْ وَمَشَارِيعُهُمُ الْإِسْقَاطِيَّةُ، وَلَزِمَهُمُ التَّرَحُّمُ عَلَيْه.

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْعِلَّةِ الْفِقْهِيَّةِ الْعَمِيقَةِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا: «فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ فِي الدِّين». فَرَبَطَ الْمَنْعَ بِـ (رُتْبَةِ الْعَالِمِ فِي الدِّينِ)، لَا بِمُجَرَّدِ الْعَاطِفَةِ أَوِ الْمُجَامَلَة! فَالرُّتْبَةُ الْعِلْمِيَّةُ حَقٌّ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ يَقْتَضِي تَوْقِيرًا وَاغْتِفَارًا، وَمَنْ هَضَمَ هَذَا الْحَقَّ فَقَدْ بَخَسَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَظَلَم.

وَالْقَاصِمَةُ فِي هَذَا النَّصِّ هِيَ هُوِيَّةُ قَائِلِه! فَهُوَ الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ (الِاعْتِصَامِ)؛ أَشْهَرِ مَوْسُوعَةٍ سَلَفِيَّةٍ فِي كَشْفِ الْبِدَعِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا! فَلَيْسَ هَذَا كَلَامَ مُدَاهِنٍ مُمَيِّعٍ يُهَوِّنُ أَمْرَ الْبِدَعِ، بَلْ كَلَامُ إِمَامٍ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي مُحَارَبَتِهَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ يُحَرِّمُ التَّشْنِيعَ عَلَى الْعَالِمِ الْمُخْطِئِ بِزَلَّتِه!

فَيَا مَنْ يُشَنِّعُ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى بِزَلَّاتِهِمْ؛ الشَّاطِبِيُّ الْخَبِيرُ بِالْبِدَعِ يُحَذِّرُكَ مِنْ أَرْبَعِ مُوبِقَاتٍ، وَأَنْتَ تَتَعَبَّدُ اللَّهَ بِارْتِكَابِهَا جَمِيعًا فِي حَقِّ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر! فَبِأَيِّ مِيزَانٍ تَزِن؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَأَنْزِلْ حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ رُتْبَتَهُمُ الَّتِي بَوَّأَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِمْرَارَكَ فِي سُوءِ الظَّنِّ بِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَتَعَمُّدَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا عَنْ هَدْمِكَ لِرُتَبِهِمْ فِي الدِّينِ أَمَامَ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قال الإمام ابن المبرد الحنبلي: وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَة، الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ - لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا - الْكَلَامُ فِيهِمْ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوه... وَالَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ تَحْرِيمُ ذَلِك، وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الْعُلَمَاءِ وَفِي أَرْكَانِ الدِّين؛ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فَقَدْ وَقَعَ فِي إِثْمٍ عَظِيم، وَارْتَكَبَ ذَنْبًا كَبِيرًا.

البيانعَقِيدَةٌ حَنْبَلِيَّةٌ صَارِمَة، تَقْطَعُ لِسَانَ الْمُتَطَاوِلِين، وَتَجْعَلُ تَوْقِيرَ الْأَئِمَّةِ (دِينًا يُدَانُ اللَّهُ بِه)، لَا مُجَرَّدَ رَأْيٍ يَقْبَلُ النِّقَاش!

إِنَّ مَكْمَنَ الْقُوَّةِ وَالْجَلَالِ فِي هَذَا النَّصِّ يَكْمُنُ فِي صِيغَتِه؛ فَقَدْ قَالَ الْإِمَام: «الَّذِي أَعْتَقِدُهُ وَأَدِينُ اللَّهَ بِهِ»، وَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا! فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْ تَوْقِيرَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَحْرِيمَ الطَّعْنِ فِيهِمْ (اخْتِيَارًا فِقْهِيًّا) يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ وَالْمُنَازَعَة؛ بَلْ جَعَلَهُ (عَقِيدَةً وَدِيَانَةً) يَلْقَى اللَّهَ عَلَيْهَا.

وَتَتَضَاعَفُ قِيمَةُ هَذِهِ الْوَثِيقَةِ حِينَ تَعْلَمُ أَنَّ قَائِلَهَا (ابْنَ الْمِبْرَدِ) فَقِيهٌ حَنْبَلِيٌّ صُلْب! وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَدَّادِيَّةَ يَتَتَرَّسُونَ بِبَعْضِ النُّقُولَاتِ التَّارِيخِيَّةِ لِيَصْنَعُوا وَهْمًا بِأَنَّ مَدْرَسَةَ الْحَنَابِلَةِ هِيَ مَدْرَسَةُ الْعَدَاءِ لِأَبِي حَنِيفَة؛ فَجَاءَ هَذَا الْإِمَامُ الْحَنْبَلِيُّ لِيَهْدِمَ هَذَا الْوَهْم؛ بَلْ إِنَّهُ صَنَّفَ كِتَابًا مُسْتَقِلًّا فِي الذَّبِّ عَنْ أَحَادِيثِ أَبِي حَنِيفَة، وَآخَرَ فِي مَنَاقِبِه!

لِيُعَلِّمَ الْغُلَاةَ أَنَّ السَّلَفِيَّةَ إِنْصَافٌ وَاتِّبَاع، لَا تَعَصُّبٌ وَاصْطِفَاف.

ثُمَّ تَأَمَّلْ قَيْدَهُ الْبَلِيغ: «لَا سِيَّمَا فِي زَمَانِنَا»! لَقَدْ أَدْرَكَ هَذَا الْإِمَامُ أَنَّ الطَّعْنَ فِي الْأَئِمَّةِ يَزْدَادُ قُبْحًا وَخَطَرًا كُلَّمَا بَعُدَ الزَّمَانُ وَقَلَّ الْعِلْم. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْخَوْفُ فِي زَمَانِهِ الْمُتَقَدِّم؛ فَمَاذَا نَقُولُ فِي زَمَانِنَا هَذَا، الَّذِي صَارَ فِيهِ الطَّعْنُ فِي كِبَارِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ "بِضَاعَةً رَخِيصَة" يُصَوِّرُهَا حَدَثٌ مَغْرُورٌ فِي دَقَائِق، وَيَبُثُّهَا لِلْمَلَايِينِ لِيَهْدِمَ بِهَا مَا بَنَاهُ الْأَئِمَّةُ فِي قُرُون؟!

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْقَاطِعِ الَّذِي أَطْلَقَهُ عَلَى صَنِيعِ الْغُلَاة: «إِثْمٌ عَظِيم، وَذَنْبٌ كَبِير». فَالطَّعْنُ فِي الْأَئِمَّةِ عِنْدَ ابْنِ الْمِبْرَدِ لَيْسَ (اجْتِهَادًا) يُؤْجَرُ عَلَيْهِ صَاحِبُه، وَلَا (غَيْرَةً) يُمْدَحُ بِهَا، بَلْ هُوَ (مَعْصِيَةٌ وَكَبِيرَة) تُوجِبُ التَّوْبَةَ النَّصُوح، شَأْنُهَا شَأْنُ كَبَائِرِ الذُّنُوب.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَطَاوِلُ عَلَى قَامَاتِ الْأُمَّة؛ أَنْتَ تَظُنُّ أَنَّ طَعْنَكَ فِي أَبِي حَنِيفَةَ وَإِخْوَانِهِ هُوَ نُصْرَةٌ لِلسُّنَّة، وَإِمَامٌ حَنْبَلِيٌّ كَبِيرٌ يُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنَّهُ (إِثْمٌ عَظِيمٌ وَذَنْبٌ كَبِير)! فَاتَّهِمْ رَأْيَكَ الْمَرِيض، وَاعْلَمْ أَنَّ هَدْمَ أَرْكَانِ الدِّينِ لَيْسَ مَسْلَكًا لِلْمُتَّقِين، وَأَنَّ اسْتِمْرَارَكَ فِي هَذَا التَّطَاوُلِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَان.

وَسَتَقِفُ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ لِتُسْأَلَ عَنْ هَذَا الذَّنْبِ الْكَبِيرِ الَّذِي حَسِبْتَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيم.

قال العلّامة عبد الله آل الشيخ: اعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُصَنِّفِينَ يَنْسِبُ إِلَى أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ، فَيَنْسِبُونَ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ مَا لَمْ يَقُولُوه.

البيانقَاعِدَةٌ سَلَفِيَّةٌ فِي التَّثَبُّتِ، وَفَضْحٌ لِلتَّزْوِيرِ التَّارِيخِيِّ، تَسُدُّ الْبَابَ بِإِحْكَامٍ عَلَى هُوَاةِ جَمْعِ الشُّبُهَاتِ وَالطُّعُون!

فِي هَذَا النَّصِّ الْقَصِيرِ، يَضَعُ الْإِمَامُ يَدَهُ عَلَى (ظَاهِرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ خَطِيرَةٍ)؛ وَهِيَ تَسَاهُلُ أَوْ تَعَمُّدُ بَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ نِسْبَةَ (الِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ) إِلَى أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْكِبَارِ زُورًا وَبُهْتَانًا. وَهَذَا التَّقْرِيرُ السَّاطِعُ يَهْدِمُ مَنْهَجَ الْحَدَّادِيَّةِ مِنْ أَسَاسِهِ؛ إِذْ إِنَّ بِضَاعَتَهُمُ الْوَحِيدَةَ هِيَ نَبْشُ الْكُتُبِ لِالْتِقَاطِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْمَبْتُورَةِ وَالنُّقُولَاتِ الْمَكْذُوبَةِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا الْإِمَامُ، لِيَطِيرُوا بِهَا فِي الْآفَاقِ وَيُسْقِطُوا بِهَا الْأَئِمَّة!

وَتَأَمَّلِ الْإِنْصَافَ فِي هَذَا النَّصِّ؛ كَيْفَ جَمَعَ الْإِمَامُ (أَبَا حَنِيفَةَ) مَعَ (أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ) فِي سِيَاقٍ وَاحِد! فَهُوَ يُقَرِّرُ أَنَّ مَا يُنْسَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ مَقَالَاتٍ بَاطِلَةٍ وَشُبُهَاتٍ عَقَدِيَّةٍ؛ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا نُسِبَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ كَذِبًا وَزُورًا. بَيْنَمَا نَرَى الْغُلَاةَ الْيَوْمَ يُفْرِدُونَ أَبَا حَنِيفَةَ بِالطَّعْنِ، وَيُصَدِّقُونَ كُلَّ رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ أَوْ تُهْمَةٍ بَاطِلَةٍ تُنْسَبُ إِلَيْهِ فِي غَابِرِ الزَّمَانِ، مُتَجَاهِلِينَ تَحْذِيرَ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ مِنْ هَذِهِ النُّقُولَاتِ الْمُزَيَّفَة.

وَهُنَا تَتَجَلَّى مُفَارَقَةٌ مَنْهَجِيَّة: السَّلَفِيُّ الصَّادِقُ إِذَا وَقَفَ عَلَى نَقْلٍ شَاذٍّ يُنْسَبُ لِأَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، اسْتَحْضَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ (قَاعِدَةَ كَثْرَةِ الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ وَالْخَطَأِ فِي النَّقْلِ)، فَرَدَّ النَّقْلَ الْبَاطِلَ وَحَفِظَ مَقَامَ الْإِمَام. أَمَّا الْحَدَّادِيُّ الْمَرِيضُ؛ فَإِنَّهُ يَطِيرُ فَرَحًا بِالرِّوَايَةِ الْبَاطِلَةِ، وَلَا يُكَلِّفُ نَفْسَهُ عَنَاءَ التَّثَبُّتِ أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ غَايَتَهُ لَيْسَتْ (مَعْرِفَةَ الْحَقِّ)، بَلْ (إِسْقَاطَ الْإِمَامِ) بِأَيِّ ثَمَن!

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَسَرِّعُ فِي رَمْيِ الْأَئِمَّةِ بِالْبِدَعِ وَالتَّجَهُّمِ؛ إِنَّ أَئِمَّةَ الدَّعْوَةِ يُحَذِّرُونَكَ مِنَ التَّزْوِيرِ التَّارِيخِيِّ، وَيُخْبِرُونَكَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا تَقْرَؤُهُ مِنْ طُعُونٍ وَاعْتِقَادَاتٍ بَاطِلَةٍ مَنْسُوبَةٍ لِلْأَئِمَّةِ، هُوَ مَحْضُ كَذِبٍ وَافْتِرَاء!

فَهَلَّا اتَّهَمْتَ عَقْلَكَ وَمَصَادِرَكَ، وَتَثَبَّتَّ قَبْلَ أَنْ تَهْدِمَ قَامَاتِ الْإِسْلَام؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَوَرَّعْ عَنْ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ بِنَاءَ أَحْكَامِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى نُقُولَاتٍ وَمُصَنَّفَاتٍ غَيْرِ مُحَقَّقَةٍ، سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْبَوَارِ، وَسَتَقِفُ غَدًا لِتُسْأَلَ عَنِ افْتِرَاءَاتٍ رَوَّجْتَهَا، وَحَسَنَاتٍ طَمَسْتَهَا بِهَوَاكَ وَتَسَرُّعِك.

قال العلّامة ابن باز: اعْرِفُوا فَضْلَ الْعُلَمَاءِ وَاسْتَفِيدُوا مِنْهُمْ، وَاتْرُكُوا الْخَطَأَ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَلَوْ صَدَرَ مِنْ صَحَابِيٍّ، مِنْ غَيْرِ إِسَاءَةِ أَدَبٍ وَلَا ذَمٍّ لِلْعَالِمِ فِي عِرْضِه؛ بَلْ يُقَالُ: أَخْطَأَ وَغَفَرَ اللَّهُ لَه.

البيانمِيزَانٌ سَلَفِيٌّ شَامِلٌ، يَجْمَعُ بَيْنَ التَّجَرُّدِ لِلدَّلِيلِ وَحِفْظِ الْمَقَامَاتِ، وَيَرْسُمُ بِوُضُوحٍ أَدَبَ التَّعَامُلِ مَعَ زَلَّاتِ الْأَكَابِر!

فِي هَذَا النَّصِّ الْوَجِيزِ، لَخَّصَ الْإِمَامُ ابْنُ بَازٍ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ تُرَاثِ الْأُمَّةِ فِي أَرْبَعِ خُطُوَاتٍ مُتَدَرِّجَةٍ لَا تَنْفَكُّ عَنْ بَعْضِهَا: الْأُولَى: (مَعْرِفَةُ الْفَضْلِ وَالِاسْتِفَادَةِ). فَالْأَصْلُ هُوَ الِانْتِفَاعُ بِعِلْمِ الْأَئِمَّةِ وَمَعْرِفَةُ قَدْرِهِمْ، لَا إِحْرَاقُ كُتُبِهِمْ أَوْ هَجْرُهُمْ كَمَا يَفْعَلُ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ بِمُصَنَّفَاتِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَأَبِي حَنِيفَة. الثَّانِيَةُ: (تَرْكُ الْخَطَأِ وَلَوْ صَدَرَ مِنْ صَحَابِيٍّ). وَهُنَا يَتَجَلَّى التَّجَرُّدُ التَّامُّ لِلْحَقِّ؛ فَنَحْنُ لَا نَتَعَصَّبُ لِزَلَّةِ عَالِمٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ مَتَى مَا اسْتَبَانَ الدَّلِيلُ، وَهَذَا يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى "التَّمْيِيعِ أَوِ التَّقْدِيسِ" الْمَوْهُومَةِ مِنْ أَصْلِهَا.

ثُمَّ تَأْتِي الْخُطْوَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَفْضَحُ الْحَدَّادِيَّةَ وَتَكْشِفُ سَوْءَتَهُمْ: (مِنْ غَيْرِ إِسَاءَةِ أَدَبٍ وَلَا ذَمٍّ لِلْعَالِمِ فِي عِرْضِه)! فَالْغَالِي يَزْعُمُ أَنَّهُ (يَتْرُكُ الْخَطَأَ غَيْرَةً عَلَى السُّنَّةِ)، لَكِنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ إِلَّا وَقَدْ مَزَّقَ عِرْضَ الْعَالِمِ، وَأَسَاءَ الْأَدَبَ مَعَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ دَائِرَةِ السُّنَّة! بَيْنَمَا يَشْتَرِطُ إِمَامُ الْعَصْرِ أَنْ يَكُونَ رَدُّ الْخَطَأِ مَقْرُونًا بِالْأَدَبِ وَصِيَانَةِ الْعِرْض.

وَتَكْتَمِلُ اللَّوْحَةُ السَّلَفِيَّةُ بِالْخُطْوَةِ الرَّابِعَةِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تُنْقَشَ فِي قَلْبِ كُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ: «بَلْ يُقَالُ: أَخْطَأَ وَغَفَرَ اللَّهُ لَه». فَقَطْ هَكَذَا تَتَجَلَّى السَّلَفِيَّةُ: إِثْبَاتٌ لِلْخَطَأِ بِلَا مُدَاهَنَةٍ (أَخْطَأَ)، مَشْفُوعٌ بِالدُّعَاءِ لَهُ بِلَا جَفَاءٍ (وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ). أَمَّا فِي قَامُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ فَتُصَاغُ الْجُمْلَةُ هَكَذَا: "أَخْطَأَ، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ جَهْمِيٌّ ضَالٌّ يَجِبُ إِسْقَاطُه"! فَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْهَجٍ يَرْحَمُ، وَمَنْهَجٍ يَسْحَق.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَسَرِّعُ فِي ذَمِّ الْعُلَمَاءِ؛ هَذَا هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ بَازٍ الَّذِي تَحْتَجُّ بِهِ، يُعَلِّمُكَ أَبْجَدِيَّاتِ السَّلَفِيَّةِ الَّتِي تَدَّعِيهَا! يُعَلِّمُكَ أَنَّ اتِّبَاعَ الدَّلِيلِ لَا يُبِيحُ لَكَ بَذَاءَةَ اللِّسَانِ، وَأَنَّ الرَّدَّ عَلَى الْخَطَأِ لَا يَسْتَلْزِمُ الطَّعْنَ فِي الْعِرْض.

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَهَذِّبْ لِسَانَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ ذَمَّكَ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِسَاءَةَ أَدَبِكَ مَعَهُمْ بِدَعْوَى "نُصْرَةِ السُّنَّةِ"، سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ الْمُبِينِ، وَسَتَقِفُ غَدًا لِتُسْأَلَ عَنْ أَعْرَاضٍ نَهَشْتَهَا بِسُوءِ أَدَبِكَ، مُتَنَاسِيًا أَنَّ لُحُومَ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَة.

قال العلّامة ابن عثيمين: فَهَذَانِ الرَّجُلَانِ بِالذَّاتِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَنَّ أَحَدًا قَدَّمَ لِلْإِسْلَامِ فِي بَابِ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ مِثْلَمَا قَدَّمَاه، وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ - وَلَا أَتَأَلَّى عَلَى اللَّه - قَدْ قَبِلَهَا، مَا كَانَ لِمُؤَلَّفَاتِهِمَا مِنَ الْقَبُولِ لَدَى النَّاسِ؛ لَدَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ، بَلْ حَتَّى عِنْدَ الْعَامَّة. فَالْآنَ كِتَابُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ يُقْرَأُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ، وَيُقْرَأُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، وَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ انْتِفَاعًا عَظِيمًا، وَأَتَمَنَّى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي كِتَابًا مِثْلَ هَذَا الْكِتَابِ، كُلٌّ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي مَسْجِدِه. فَكَيْفَ يُقَالُ عَنْ هَذَيْنِ: إِنَّهُمَا مُبْتَدِعَانِ ضَالَّانِ، لَا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي كُتُبِهِمَا، وَيَجِبُ إِحْرَاقُ فَتْحِ الْبَارِي وَشَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِم؟! سُبْحَانَ اللَّه! فَإِنِّي أَقُولُ لِهَؤُلَاءِ بِلِسَانِ الْحَالِ وَبِلِسَانِ الْمَقَالِ: أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ لَا أَبَا لِأَبِيكُمُ مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا. مَنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَدِّمَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِثْلَمَا قَدَّمَ هَذَانِ الرَّجُلَان، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه. فَأَنَا أَقُولُ: غَفَرَ اللَّهُ لِلنَّوَوِيِّ، وَلِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَلِمَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهِمَا مِمَّنْ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمُ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَمِّنُوا عَلَى ذَلِك.

البيانمُرَافَعَةٌ سَلَفِيَّةٌ قَاطِعَة، مِنْ إِمَامٍ رَاسِخ، تَكْشِفُ الْمَآلَاتِ الْفَاسِدَةَ لِلْغُلُوّ، وَتَضَعُ الْمُبْتَلَيْنَ بِالطَّعْنِ فِي الْأَكَابِرِ أَمَامَ حَجْمِهِمُ الْحَقِيقِيّ!

فِي هَذَا النَّصّ، يَنْتَقِلُ الْإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِينَ مِنَ التَّقْرِيرِ النَّظَرِيِّ لِقَوَاعِدِ الْعُذْرِ، إِلَى مُحَاكَمَةٍ عَمَلِيَّةٍ لِمَنْهَجِ الْحَدَّادِيَّةِ، كَاشِفًا أَنَّ اللَّوَازِمَ الْحَتْمِيَّةَ لِهَذَا الْمَنْهَجِ هِيَ تَدْمِيرُ تُرَاثِ الْأُمَّةِ، وَالدَّعْوَةُ لِإِحْرَاقِ أَعْظَمِ مَرَاجِعِ السُّنَّةِ كَـ (فَتْحِ الْبَارِي) وَ(شَرْحِ مُسْلِم).

وَأَوَّلُ حُجَجِهِ السَّاطِعَةِ: اسْتِدْلَالُهُ بِـ (الْقَبُولِ الْعَامّ). فَانْتِشَارُ كِتَابٍ كَـ (رِيَاضِ الصَّالِحِينَ) فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَبَيْت، لَيْسَ مُجَرَّدَ صُدْفَة؛ بَلْ يَقْرَأُهُ الْعَالِمُ الرَّاسِخُ كَعَلَامَةٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَبِلَ عَمَلَهُمَا وَتَجَاوَزَ عَنْ خَطَئِهِمَا. فَالْغَالِي يَسْعَى لِإِسْقَاطِهِمَا، وَابْنُ عُثَيْمِينَ يَرَى عَلَامَاتِ تَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُمَا، حَتَّى إِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يُرْزَقَ كِتَابًا نَافِعًا كَكُتُبِهِمَا!

ثُمَّ يُوَجِّهُ الْإِمَامُ تَحَدِّيًا صَرِيحًا لِلْغُلَاةِ بِبَيْتِ الشِّعْرِ: «أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ... أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا». وَهَذَا هُوَ الْمِحَكُّ الَّذِي يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْمُدَّعِينَ؛ فَالَّذِي يَتَصَدَّرُ لِلتَّبْدِيعِ الْيَوْمَ لَمْ يُقَدِّمْ لِلْإِسْلَامِ عُشْرَ مِعْشَارِ مَا قَدَّمَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ، بَلْ غَايَةُ طُمُوحِهِ هَدْمُ مَا بَنَاهُ غَيْرُهُ. فَجَاءَهُ التَّحَدِّي وَاضِحًا: كُفَّ لَوْمَكَ وَطَعْنَكَ، أَوْ قَدِّمْ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا قَدَّمُوا!

ثُمَّ يَخْتِمُ الْإِمَامُ بِدَرْسٍ عَمَلِيّ؛ فَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفْيِ الْبِدْعَةِ عَنْهُمَا، بَلْ رَفَعَ يَدَيْهِ يَطْلُبُ لَهُمَا الْمَغْفِرَةَ هُمَا (وَمَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهِمَا)، وَطَلَبَ مِنْ تَلَامِذَتِهِ (التَّأْمِينَ) عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ، لِيُقَرِّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ السَّلَفِيُّ الصَّحِيحُ: إِثْبَاتُ الْخَطَأِ، وَحِفْظُ الْمَقَامِ، وَالدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَة.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَسَرِّعُ فِي تَبْدِيعِ الْأَئِمَّةِ؛ أَنْتَ تَسْعَى لِإِسْقَاطِهِمْ بِلِسَانِكَ، وَاللَّهُ يَنْشُرُ عِلْمَهُمْ فِي بُيُوتِهِ وَيَتَقَبَّلُ نَفْعَهُمْ! فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ طَعْنَكَ سَيَغْلِبُ قَبُولَ اللَّهِ لَهُمْ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْرِفْ قَدْرَكَ وَقَدْرَهُمْ، وَسُدَّ مَسَدًّا يَنْفَعُ الْإِسْلَامَ أَوْ كُفَّ أَذَاكَ عَنْ عُلَمَائِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ وَالتَّرَحُّمَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ غَدًا.

قال الشيخ عبد الله العبيد: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ جَعْلَ طَالِبِ عِلْمٍ عِبْرَةً فِي التَّارِيخ: سَلَّ لِسَانَهُ عَلَى أَكَابِرِ الْعُلَمَاء. وَهَذِهِ صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ حِفْظِ اللَّهِ لِمَنْ حَفِظَ دِينَه.

البيانتَأَمَّلُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ هَذِهِ السُّنَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ الْجَارِيَةَ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تُحَابِي أَحَدًا! كَلِمَتَانِ فِي سَطْرٍ وَاحِد، الثَّانِيَةُ مِنْهُمَا أَثْقَلُ وَأَعْمَقُ مِنَ الْأُولَى. فَالْأُولَى إِخْبَارٌ مُرْعِبٌ عَنْ عَاقِبَةِ الْغُلُوّ: (سَلُّ اللِّسَانِ لِيَكُونَ عِبْرَةً وَمَثُلَةً)، وَالثَّانِيَةُ تَعْلِيلٌ رَبَّانِيٌّ يَكْشِفُ الْحِكْمَةَ الْكُبْرَى: (أَنَّ هَذَا مِنْ حِفْظِ اللَّهِ لِمَنْ حَفِظَ دِينَه).

وَهُنَا يَتَجَلَّى الْفِقْهُ الْعَمِيق: فَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا مُجَرَّدَ تَعَصُّبٍ شَخْصِيّ، أَوِ انْتِصَارٍ لِرِجَالٍ مَاتُوا وَصَارُوا تَحْتَ التُّرَابِ لَا يَنْفَعُهُمْ مَدْحٌ وَلَا يَضُرُّهُمْ قَدْح! بَلِ الْقَضِيَّةُ الْعُظْمَى هِيَ "حِرَاسَةُ الْمِيرَاثِ النَّبَوِيّ". إِذْ لَوْ سَلِمَتْ أَعْرَاضُ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ وَالْأَعْلَامِ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يُمَزِّقَهَا؛ لَسَقَطَتْ هَيْبَتُهُمْ، وَلَانْهَارَتِ الثِّقَةُ بِمَنْ نَقَلُوا الشَّرِيعَةَ إِلَيْنَا، وَلَضَاعَ الدِّينُ بِضَيَاعِ أَوْعِيَتِهِ الَّتِي حَمَلَتْه! فَإِذَا امْتَدَّتْ يَدُ الْغَالِي لِتَثْقُبَ "وِعَاءَ الدِّينِ" بِحُجَّةِ تَصْفِيَةِ الْعَقِيدَة، قَصَمَ اللَّهُ ظَهْرَهُ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِ لِسَانَهُ لِيَفْضَحَهُ، حِفْظًا لِمَنْ حَفِظَ دِينَه.

ثُمَّ تَأَمَّلُوا الدِّقَّةَ الْبَالِغَةَ فِي قَوْلِهِ: «طَالِبِ عِلْم»؛ لَمْ يَقُلْ جَاهِلًا وَلَا عَامِّيًّا! لِأَنَّ الْعَامِّيَّ تَشْغَلُهُ دُنْيَاهُ وَمَعَاشُهُ، وَلَكِنَّ الْخَطَرَ الْعَظِيمَ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى شَابٍّ حَصَّلَ "طَرَفًا" مِنَ الْعِلْمِ، وَحَفِظَ بِضْعَةَ نُصُوصٍ وَمُصْطَلَحَاتٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّبْدِيعِ؛ فَأَغْرَاهُ هَذَا الْفُتَات، وَنَفَخَ فِيهِ شَيْطَانُ الْكِبْرِ، وَدَفَعَهُ لِلتَّصَدُّرِ وَالْحُكْمِ عَلَى الْأَئِمَّة.. قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مِنَ "الْوَرَعِ" وَ"التَّقْوَى" مَا يُمْسِكُ بِهِ لِسَانَهُ عَنْ لُحُومِ الْعُلَمَاءِ الْمَسْمُومَة! فَالْعِلْمُ إِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْوَرَعِ، صَارَ آلَةً لِدَمَارِ صَاحِبِه.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ الَّذِي سَلَقَ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ بِلِسَانٍ حِدَاد: لَا تَظُنَّ أَنَّ تَجَرُّؤَكَ عَلَى أَكَابِرِ الْأُمَّةِ وَحُفَّاظِهَا هُوَ شَجَاعَةٌ مِنْكَ، أَوْ غَيْرَةٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ كَمَا يُوَسْوِسُ لَكَ شَيْطَانُكَ! بَلْ هُوَ اسْتِدْرَاجٌ مِنَ اللَّهِ لَكَ، وَعُقُوبَةٌ خَفِيَّة، لِيَجْعَلَكَ "عِبْرَةً وَمَسْخَرَةً فِي التَّارِيخِ" كَمَا سَقَطَ مِنْ قَبْلِكَ!

فَوَاللَّهِ مَا سَلَلْتَ لِسَانَكَ سَيْفًا تَنْصُرُ بِهِ السُّنَّةَ كَمَا تَتَوَهَّمُ، بَلْ سَلَلْتَهُ خِنْجَرًا تَنْحَرُ بِهِ دِينَكَ، وَتَهْدِمُ بِهِ آخِرَتَكَ، لِتَكُونَ قُرْبَانًا لِحِفْظِ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ.