قال الإمام الشاطبي: إِنَّ زَلَّةَ الْعَالِمِ لَا يَصِحُّ اعْتِمَادُهَا مِنْ جِهَةٍ، وَلَا الْأَخْذُ بِهَا تَقْلِيدًا لَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لِلشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ عُدَّتْ زَلَّة... كَمَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ صَاحِبُهَا إِلَى التَّقْصِيرِ، وَلَا أَنْ يُشَنَّعَ عَلَيْهِ بِهَا، وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْلِهَا، أَوْ يُعْتَقَدَ فِيهِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ بَحْتًا؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ فِي الدِّين.
البيانوَثِيقَةٌ مَقَاصِدِيَّةٌ جَامِعَةٌ، مِنْ (إِمَامِ مُحَارَبَةِ الْبِدَعِ)، تَسُدُّ مَنَافِذَ الْغُلُوِّ، وَتُفَكِّكُ حِيَلَ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُتَسَتِّرَةِ بِالْغَيْرَة!
هَذَا النَّصُّ مِنْ أَجْمَعِ وَأَضْبَطِ مَا قِيلَ فِي الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَقَامَ الْحُكْمَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَدَعُ لِمُبْطِلٍ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَهُمَا وَيَتْرُكَ الْآخَر! فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الزَّلَّةَ تُرَدُّ وَلَا يُقَلَّدُ فِيهَا صَاحِبُهَا (وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى التَّمْيِيعِ)، ثُمَّ قَرَّرَ فَوْرًا أَنَّ صَاحِبَهَا يُعْذَرُ وَلَا يُهْدَرُ مَقَامُهُ (وَهَذَا يَقْطَعُ دَعْوَى الْإِسْقَاطِ وَالْحَدَّادِيَّة).
وَجَمَالُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّهُ حَصَرَ صُوَرَ التَّطَاوُلِ الْحَدَّادِيِّ الْأَرْبَعَ، فَسَدَّهَا وَأَبْطَلَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَة:
1- أَلَّا يُنْسَبَ إِلَى التَّقْصِير.
2- وَلَا يُشَنَّعَ عَلَيْهِ بِهَا.
3- وَلَا يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْلِهَا.
4- وَلَا يُعْتَقَدَ فِيهِ تَعَمُّدُ الْمُخَالَفَة.
لَقَدْ أَحْصَى كُلَّ مَا تَصْنَعُهُ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ مِنْ آثَامٍ، ثُمَّ حَرَّمَهُ وَمَنَعَه!
وَأَدَقُّ هَذِهِ الْمَوَانِعِ هِيَ الرَّابِعَةُ؛ فَقَدْ حَرَّمَ أَنْ يُسَاءَ الظَّنُّ بِالْعَالِمِ، فَيُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ خَالَفَ الشَّرْعَ عَنْ عَمْدٍ وَعِنَاد! وَهَذَا هُوَ (سُوءُ الظَّنِّ) الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ صِنَاعَةُ الْحَدَّادِيَّةِ كُلُّهَا؛ إِذْ لَوِ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ الْعَالِمَ أَخْطَأَ (مُتَأَوِّلًا طَالِبًا لِلْحَقِّ) لَسَقَطَتْ خُصُومَتُهُمْ وَمَشَارِيعُهُمُ الْإِسْقَاطِيَّةُ، وَلَزِمَهُمُ التَّرَحُّمُ عَلَيْه.
ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْعِلَّةِ الْفِقْهِيَّةِ الْعَمِيقَةِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا: «فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ رُتْبَتُهُ فِي الدِّين». فَرَبَطَ الْمَنْعَ بِـ (رُتْبَةِ الْعَالِمِ فِي الدِّينِ)، لَا بِمُجَرَّدِ الْعَاطِفَةِ أَوِ الْمُجَامَلَة! فَالرُّتْبَةُ الْعِلْمِيَّةُ حَقٌّ شَرْعِيٌّ ثَابِتٌ يَقْتَضِي تَوْقِيرًا وَاغْتِفَارًا، وَمَنْ هَضَمَ هَذَا الْحَقَّ فَقَدْ بَخَسَ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَظَلَم.
وَالْقَاصِمَةُ فِي هَذَا النَّصِّ هِيَ هُوِيَّةُ قَائِلِه! فَهُوَ الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ (الِاعْتِصَامِ)؛ أَشْهَرِ مَوْسُوعَةٍ سَلَفِيَّةٍ فِي كَشْفِ الْبِدَعِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا! فَلَيْسَ هَذَا كَلَامَ مُدَاهِنٍ مُمَيِّعٍ يُهَوِّنُ أَمْرَ الْبِدَعِ، بَلْ كَلَامُ إِمَامٍ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي مُحَارَبَتِهَا؛ وَمَعَ ذَلِكَ يُحَرِّمُ التَّشْنِيعَ عَلَى الْعَالِمِ الْمُخْطِئِ بِزَلَّتِه!
فَيَا مَنْ يُشَنِّعُ عَلَى أَئِمَّةِ الْهُدَى بِزَلَّاتِهِمْ؛ الشَّاطِبِيُّ الْخَبِيرُ بِالْبِدَعِ يُحَذِّرُكَ مِنْ أَرْبَعِ مُوبِقَاتٍ، وَأَنْتَ تَتَعَبَّدُ اللَّهَ بِارْتِكَابِهَا جَمِيعًا فِي حَقِّ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر! فَبِأَيِّ مِيزَانٍ تَزِن؟!
اتَّقِ اللَّهَ، وَأَنْزِلْ حَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ رُتْبَتَهُمُ الَّتِي بَوَّأَهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ اسْتِمْرَارَكَ فِي سُوءِ الظَّنِّ بِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَتَعَمُّدَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا عَنْ هَدْمِكَ لِرُتَبِهِمْ فِي الدِّينِ أَمَامَ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.
