عُرضت 46 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِمَامُ أَهْلِ مِصْر: أَحْصَيْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سَبْعِينَ مَسْأَلَةً كُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، مِمَّا قَالَ فِيهِ بِرَأْيِه.

البياناقْرَأْ هَذَا الْأَثَرَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ اسْأَلْ سُؤَالًا وَاحِدًا: أَيْنَ ذَهَبَتْ هَذِهِ السَّبْعُون؟ لِمَاذَا لَمْ تَصِرْ مَشْرُوعًا لِإِسْقَاطِ مَالِك؟ وَلِمَاذَا لَمْ يُبْنَ عَلَيْهَا كِتَابٌ فِي تَجْرِيحِهِ وَلَا قَائِمَةٌ يُمْتَحَنُ بِهَا النَّاس؟

وَالْقَائِلُ لَيْسَ خَصْمًا وَلَا مَجْهُولًا. هُوَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، إِمَامُ أَهْلِ مِصْرَ، الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ: «اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يَقُومُوا بِه». فَهَذَا إِمَامٌ كَبِيرٌ يُحْصِي عَلَى إِمَامٍ كَبِير، ثُمَّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِحْصَاءِ إِسْقَاطٌ وَلَا تَبْدِيع؛ بَلْ بَقِيَتْ بَيْنَهُمَا الْمُرَاسَلَةُ وَالْمَوَدَّة، وَبَقِيَ مَالِكٌ إِمَامَ دَارِ الْهِجْرَةِ فِي قُلُوبِ الْأُمَّةِ إِلَى الْيَوْم.

وَانْظُرْ إِلَى صَنِيعِ الْأُمَّةِ بِهَذَا الْإِحْصَاء: طَوَتْهُ وَلَمْ تُشِعْه. مَا صَارَ كِتَابًا يُتَدَاوَل، وَلَا مَادَّةً تُدْرَس، وَلَا سِلَاحًا يُشْهَرُ فِي وَجْهِ مَالِك؛ بَلْ بَقِيَ أَثَرًا فِي بُطُونِ الْكُتُبِ يُذْكَرُ لِبَيَانِ أَدَبِ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْض، لَا لِإِسْقَاطِ أَحَد. ثُمَّ انْظُرْ إِلَى غِلْمَانِ الْيَوْم: يُنَقِّبُونَ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ عَنِ الزَّلَّة، فَإِذَا ظَفِرُوا بِهَا بَثُّوهَا فِي الْمَقَاطِعِ وَالْمَنْشُورَاتِ وَعَدُّوا الْعُثُورَ عَلَيْهَا فَتْحًا. فَالسَّلَفُ كَانُوا يَطْوُونَ، وَهَؤُلَاءِ يَنْشُرُون؛ وَهَذِهِ وَحْدَهَا تَكْشِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْغَيْرَةِ عَلَى الدِّينِ وَالْغَيْرَةِ عَلَى الْجَمَاعَة.

وَمَوْضِعُ الْحُجَّةِ أَنَّ الْعَدَدَ بَلَغَ سَبْعِينَ، لَا وَاحِدَةً وَلَا اثْنَتَيْن. وَلَوْ أَنَّ حَدَّادِيًّا وَجَدَ الْيَوْمَ مُخَالَفَةً وَاحِدَةً لِسُنَّةٍ عِنْدَ إِمَامٍ لَجَعَلَهَا عُنْوَانَ مَقْطَعٍ وَمَادَّةَ مُبَاهَلَة. فَمَا الَّذِي مَنَعَ اللَّيْثَ وَهُوَ أَعْلَمُ وَأَتْقَى؟ مَنَعَهُ فِقْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّلَّةِ وَالْمَنْهَج: أَنَّ الْعَالِمَ يُخَالِفُ السُّنَّةَ وَهُوَ يَقْصِدُ اتِّبَاعَهَا، لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ، أَوْ بَلَغَتْهُ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَثِقْ بِه، أَوْ تَأَوَّلَهَا، أَوْ ظَنَّهَا مَنْسُوخَة.

وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ، دَقِيقٍ وَلَا جَلِيل؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُول». فَالْمُخَالَفَةُ وَاقِعَة، وَالتَّعَمُّدُ مُنْتَفٍ. وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَقَدْ جَنَى عَلَى الْأَئِمَّةِ كُلِّهِم.

ثُمَّ إِنَّ فِي الْأَثَرِ إِلْزَامًا لَا مَخْرَجَ مِنْه: إِنْ كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ لِلسُّنَّةِ تُسْقِطُ صَاحِبَهَا، فَمَالِكٌ أَوَّلُ السَّاقِطِينَ بِشَهَادَةِ اللَّيْث. فَإِنْ قُلْتَ: مَعَاذَ اللَّه، مَالِكٌ إِمَامٌ مُتَأَوِّلٌ مَعْذُور - فَقَدْ قُلْتَ بِقَوْلِنَا فِي النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءً بِسَوَاء. وَإِنْ قُلْتَ: بَلْ يَسْقُطُ - فَقَدْ هَدَمْتَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ بِيَدِك، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْأُمَّةِ إِمَام.

وَلَمْ يَبْقَ هَذَا فَرْضًا نَظَرِيًّا. فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَدَّادِيَّةِ مَنْ نَبَشَ أَخْطَاءَ الْإِمَامِ مَالِكٍ ثُمَّ طَعَنَ فِيه، فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ، وَلَا عَبْدُ اللَّهِ الْخَلِيفِيُّ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ دِمَشْقِيَّة. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَنْفَجِرُ غَيْرَتُهُمْ عَلَى مَنْ تَرَحَّمَ عَلَى النَّوَوِيِّ نَامُوا عَنِ الطَّاعِنِ فِي إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَة. وَبِمِثْلِ هَذَا الْأُسْلُوب - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ إِلَى كُتُبِ الْإِمَامِ فَيَلْتَقِطَ زَلَّاتِهِ ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهَا حُكْمًا - يَسْتَطِيعُ كُلُّ جَاهِلٍ أَنْ يُسْقِطَ مَنْ شَاءَ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؛ فَمَا مِنْ إِمَامٍ إِلَّا وَلَهُ مَا يُنْتَقَد، فَإِذَا صَارَ الِالْتِقَاطُ مِيزَانًا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْأُمَّةِ أَحَد.

يَا هَذَا، مَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا وَلَهُ زَلَّة، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَعَصَمَهُمْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَبْقَى الْعِصْمَةُ لِنَبِيِّهِ وَحْدَهُ حَتَّى لَا يُعْبَدَ أَحَدٌ مِنْ دُونِه. فَمَنْ أَسْقَطَ كُلَّ مَنْ زَلَّ فَقَدْ أَسْقَطَ نَفْسَهُ أَوَّلًا، فَإِنَّهُ أَكْثَرُهُمْ زَلَلًا وَأَقَلُّهُمْ عِلْمًا. وَسَتَقِفُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَلَيْسَ مَعَكَ مِنْ عِلْمِكَ إِلَّا مَا عَمِلْتَ بِه، فَأَيُّهُمَا تُحِبُّ أَنْ تُبْعَثَ عَلَيْه: عَلَى صَحِيفَةٍ فِيهَا ذَبٌّ عَنْ أَعْرَاضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَمْ عَلَى صَحِيفَةٍ فِيهَا إِحْصَاءُ زَلَّاتِهِم؟

قَالَ أَبُو زُرْعَة: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ - وَكَانَ مُتَّكِئًا مِنْ عِلَّة - فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَال: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَيُتَّكَأ.

البيانهَذَا الْمَوْقِفُ الْعَظِيمُ أَبْلَغُ مِنْ أَلْفِ خُطْبَة! رَجُلٌ مَرِيضٌ مُتْعَب، يَتَّكِئُ لِيُرِيحَ بَدَنَهُ الْمُنْهَك، فَمَا إِنْ يُذْكَرُ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى يَنْتَفِضَ، وَيُغَالِبَ مَرَضَه، وَيَسْتَوِيَ جَالِسًا إِجْلَالًا وَتَوْقِيرًا لِلْمَذْكُور، قَائِلًا: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَيُتَّكَأ». لَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَاحَةَ بَدَنِهِ تَابِعَةً لِحُرْمَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِم.

وَلَكِنَّ الصَّدْمَةَ الَّتِي تُخْرِسُ أَلْسِنَةَ الْغُلَاةِ وَتَفْضَحُ حَقِيقَةَ مَنْهَجِهِم، هِيَ فِي كَشْفِ هُوِيَّةِ هَذَا الْمَذْكُور.. هَلْ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان؟ إِنَّهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيث، نَعَم، وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ رُمِيَ بِبِدْعَةِ (الْإِرْجَاء)! وَمَعَ هَذَا الْخَلَلِ الْعَقَدِيّ؛ عَدَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الصَّالِحِين، وَحَفِظَ لَهُ سَابِقَتَه، وَأَجَلَّ ذِكْرَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ مِنْ مَرَضِهِ احْتِرَامًا لِاسْمِه!

وَهُنَا الْمَقْتَلُ الَّذِي يُعَرِّي الْحَدَّادِيَّةَ وَيَفْضَحُ سَوْءَاتِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَاد: بِمُوجَبِ قَوَاعِدِهِمُ الصَّارِمَةِ الْيَوْم، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُسْقِطُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيُبَدِّعُوه! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ هَذَا يُعَدُّ فِي مِيزَانِهِمْ "مُوَقِّرًا لِأَهْلِ الْبِدَع"، وَمَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا يُقَرِّرُون! فَكَيْفَ يَنْجُو الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ مِقْصَلَتِهِمْ وَقَدْ وَقَّرَ مَنْ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء؟!

وَلِكَيْ تُدْرِكُوا حَجْمَ الِانْحِطَاطِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ غُلَاةُ الْيَوْم، قَارِنُوا بَيْنَ صَنِيعِ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَعَ رَجُلٍ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء، وَبَيْنَ صَنِيعِ أَحَدِ رُؤُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُعَاصِرِينَ (مُحَمَّد شَمْس الدِّين) حِينَ خَرَجَ عَلَى شَاشَاتِ يُوتِيُوب يُبَاهِلُ عَلَى بِدْعَةِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ رَمْيِهِ بِالْإِرْجَاء! يَخْرُجُ عَلَى الْمَلَأ، بِقَلْبٍ قَاسٍ وَلِسَانٍ فَاجِر، وَيَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَلْعَنَهُ وَيُهْلِكَهُ وَيُهْلِكَ أَهْلَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ مُبْتَدِعًا ضَالًّا!

يَا اللَّه! أَيُّ فُجُورٍ فِي الْخُصُومَةِ هَذَا؟! وَأَيُّ جُرْأَةٍ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَعْرَاضِ الْأَئِمَّة؟! إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَنْتَفِضُ مِنْ مَرَضِهِ إِجْلَالًا لِعَالِمٍ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء.. وَصُعْلُوكُ الْحَدَّادِيَّةِ يُبَاهِلُ بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَهَلَاكِ أَهْلِهِ لِيُثْبِتَ أَنَّ إِمَامًا كَأَبِي حَنِيفَةَ مُبْتَدِعٌ ضَال! مَجْلِسٌ سَلَفِيٌّ نَقِيٌّ يُعْتَدَلُ فِيهِ مِنَ الِاتِّكَاءِ إِجْلَالًا لِذِكْرِ عَالِمٍ أَخْطَأ.. وَشَاشَاتٌ حَدَّادِيَّةٌ سَوْدَاءُ تُعْقَدُ فِيهَا جَلَسَاتُ اللَّعْنِ وَالْمُبَاهَلَةِ لِإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام!

فَيَا أَيُّهَا الْغَالِي الْمَفْتُون: إِذَا كَانَ مِيزَانُكَ يَقْتَضِي تَبْدِيعَ مَنْ يُوَقِّرُ مَنْ وَقَعَ فِي الْإِرْجَاء، فَابْدَأْ بِتَبْدِيعِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْقَاطِهِ إِنْ كُنْتَ تَمْلِكُ شَجَاعَةَ الْخَوَارِج! وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ -وَلَنْ تَفْعَلَ- فَاعْلَمْ أَنَّ مَنْهَجَكُمْ بَاطِلٌ مُتَنَاقِضٌ مِنْ أَسَاسِه، وَأَنَّكُمْ لَمْ تَرِثُوا مِنَ السَّلَفِ إِلَّا الْأَسْمَاء، بَيْنَمَا وَرِثْتُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ الْجُرْأَةَ عَلَى الْأَعْرَاضِ وَاسْتِبَاحَةَ الْحُرُمَات.

فَبَيْنَ مِيزَانِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمِيزَانِكُمْ كَمَا بَيْنَ الثَّرَى وَالثُّرَيَّا؛ مِيزَانُهُ مِيزَانُ الرَّحْمَةِ وَحِفْظِ الْمَقَامَات، وَمِيزَانُكُمْ مِيزَانُ اللَّعْنِ وَالْغِلِّ وَالْمُبَاهَلَةِ عَلَى إِسْقَاطِ الْأَئِمَّة.

لَمَّا قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد: إِنَّ قَوْمًا يَكْتُبُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَدْ حَكَوْا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: أَنَا لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ حَدِيثٍ يَكْتُبُ هَذَا الْحَدِيثَ يَعْرِفُهَا - فَغَضِبَ وَأَنْكَرَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا وَقَالَ: بَاطِل، مَعَاذَ اللَّه! أَنَا لَا أُنْكِرُ هَذَا؟! لَوْ كَانَ هَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ لَأَنْكَرْتُه، فَكَيْفَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟

البيانهَذَا مَوْقِفٌ مَهِيبٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ تُجَاهَ (صِنَاعَةِ جَمْعِ الْمَثَالِبِ وَالزَّلَّات)، وَهِيَ الصِّنَاعَةُ الْبَائِسَةُ الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْحَدَّادِيَّةُ وَغُلَاةُ زَمَانِنَا! تَأَمَّلُوا كَيْفَ لَمْ يُقَابِلِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذِهِ الْفِرْيَةَ بِنِقَاشٍ هَادِئٍ بَارِد، بَلْ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: «بَاطِل، مَعَاذَ اللَّه!». فَالْغَضَبُ فِي مَوْضِعِهِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ الْحُجَّةِ، بَلْ هُوَ عَلَامَةٌ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْكَرِ فِي الْقَلْبِ، وَالْغَيْرَةِ عَلَى أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ.

وَقُوَّةُ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ هُنَا تَكْمُنُ فِي التَّدَرُّجِ الْمَنْهَجِيِّ لِلْإِمَام؛ حَيْثُ قَالَ: «لَوْ كَانَ هَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ لَأَنْكَرْتُه، فَكَيْفَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّد؟». يَا اللَّه! لَقَدْ قَرَّرَ الْإِمَامُ أَوَّلًا أَنَّ تَتَبُّعَ الزَّلَّاتِ وَجَمْعَ الْمَثَالِبِ هُوَ "مُنْكَرٌ عَظِيم" حَتَّى لَوْ مُورِسَ ضِدَّ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ (آحَادِ النَّاس)! ثُمَّ اسْتَعْظَمَ هَذَا الْمُنْكَرَ وَضَاعَفَهُ إِذَا تَمَّ تَسْلِيطُهُ عَلَى خِيَارِ الْأُمَّةِ وَأَكَابِرِهَا.

وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَهْدِمُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْقَوْمِ الْيَوْم؛ فَالْحَدَّادِيَّةُ جَعَلُوا تَتَبُّعَ زَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ، وَجَمْعَ عَثَرَاتِهِمْ فِي مِلَفَّاتٍ وَمَقَاطِعَ، وَتَصْنِيفَ الْكُتُبِ فِي أَخْطَائِهِمْ.. جَعَلُوهُ "عِلْمًا" يُدْرَسُ، وَ"نَصِيحَةً" يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّه! فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّنِيعُ الْبَشِعُ مُنْكَرًا فِي حَقِّ الْعَوَامِّ وَالْمَجَاهِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَفْعَلُهُ مَعَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وَأَئِمَّةِ الدِّين؟!

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى دَاءٍ قَدِيمٍ يَتَجَدَّد؛ وَهُوَ التَّقَوُّلُ عَلَى الْعُلَمَاء: (حَكَوْا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْت)! نَعَمْ، لَقَدْ كَذَبُوا عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَنَسَبُوا إِلَيْهِ زُورًا أَنَّهُ يُقِرُّ جَمْعَ الزَّلَّاتِ، فَانْتَفَضَ وَكَذَّبَهُمْ. وَهَذَا دَأْبُ الْحَدَّادِيَّةِ فِي كُلِّ زَمَان؛ يَبْتُرُونَ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ السَّالِفِينَ، وَيَنْسُبُونَ إِلَيْهِمْ قَوَاعِدَ الْغُلُوِّ الْبَاطِلَةَ، لِيُشَرْعِنُوا بِهَا مَنَاهِجَهُمُ الْفَاسِدَةَ فِي الْإِسْقَاط.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَلَبِّسُ بِلِبَاسِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل: إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ يَرَى أَنَّ جَمْعَ زَلَّاتِ (الْعَوَامِّ) مُنْكَرٌ يُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَأَنْتَ تَمْلَأُ أَدْرَاجَكَ وَأَجْهِزَتَكَ بِمِلَفَّاتٍ ضَخْمَةٍ لَا تَحْوِي إِلَّا زَلَّاتِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ، لِتُخْرِجَهَا لِلنَّاسِ مُتَفَاخِرًا وَكَأَنَّكَ تَرْفَعُ رَايَةَ السُّنَّة! فَهَلْ أَنْتَ عَلَى عَقِيدَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَوَرَعِهِ، أَمْ أَنَّكَ امْتِدَادٌ لِلْمَنْهَجِ الْخَبِيثِ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَأَنْكَرَه؟!

لَقَدْ جَعَلْتَ رَأْسَ مَالِكَ الَّذِي تَلْقَى بِهِ اللَّهَ تَتَبُّعَ الْعَوْرَاتِ، وَبِئْسَتِ الْبِضَاعَةُ يَوْمَ تُنْشَرُ الدَّوَاوِين.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّه: إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَام.

البيانهَذِهِ كَلِمَةٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ مِيزَانُ سَلَامَةٍ لَا مِيزَانُ تَقْلِيد. فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ تُعَطِّلَ النَّظَر، وَلَا أَنْ تُقْفِلَ بَابَ الِاجْتِهَاد؛ وَإِنَّمَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ انْفِرَادَكَ بِقَوْلٍ لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَامَةُ خَطَرٍ لَا عَلَامَةُ تَحْقِيق. فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قُرُونًا فِي ضَلَالَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُتَأَخِّرُ فَيَهْتَدِيَ وَحْدَه.

وَقُلْ لِي بِاللَّهِ: أَيُّ مَسْأَلَةٍ أَعْظَمُ مِنْ إِخْرَاجِ مُسْلِمٍ مِنَ الْمِلَّةِ بَلْ وَالتَّأَلِّي عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَه؟! أَخْرَجَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تَلَقَّتِ الْأُمَّةُ كُتُبَهُ بِالْقَبُولِ خَمْسَةَ قُرُونٍ وَبَاهَلَ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ جُرْأَةٍ وَلَعَنَ نَفْسَهُ وَأَهْلَه! فَإِذَا كَانَ أَحْمَدُ يُحَذِّرُكَ مِنَ الْكَلَامِ بِلَا إِمَامٍ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَجْلِسُ فَيُصْدِرُ حُكْمًا بِالرِّدَّةِ عَلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؟

وَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ: مَنْ كَفَّرَ السُّيُوطِيَّ غَيْرُك؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، وَلَا يُهِمُّنِي أَنْ يُكَفِّرَهُ غَيْرِي أَوْ لَا يُكَفِّرَه». فَتَأَمَّلْ: جَوَابُهُ هَذَا وَحْدَهُ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِمِيزَانِ أَحْمَد، لَا يَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى مُنَاظَرَة. فَأَحْمَدُ يَقُولُ: «إِيَّاك»، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا يُهِمُّنِي».

وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْعَمَلِيَّ الْمُتَوَارَثَ شَهَادَةٌ مُرَكَّبَةٌ لَا تُنْقَضُ بِفَهْمِ جَاهِلٍ مُتَصَدِّر. فَالسُّيُوطِيُّ مَاتَ وَأَقْبَلَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كُتُبِهِ تَدْرُسُهَا وَتُحَقِّقُهَا وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَالِمٌ مُعْتَبَرٌ وَاحِدٌ كَفَّرَه. فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا غَفَلَتْ خَمْسَةَ قُرُونٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَرِدُ هُوَ الْغَافِل. وَأَحَدُهُمَا مُحَال.

وَلَا يُقَالُ: أَحْمَدُ نَفْسُهُ انْفَرَدَ بِأَقْوَال. فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيِّن: أَحْمَدُ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ زَمَانِهِ بِالْإِمَامَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ انْفِرَادُهُ فِي مَسَائِلِ نَظَرٍ لَا فِي تَنْزِيلِ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ عَلَى أَعْيَانِ الْأَئِمَّةِ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَحْتَجُّ بِأَحْمَدَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْذِ بِوَصِيَّتِهِ لَا بِمُخَالَفَتِهَا.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَصْلَ يَقْصِمُ أَصْلَ الْفِرْقَةِ كُلَّه: فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ إِمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُدَاهِن. فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: سَمُّوا لَنَا إِمَامًا وَاحِدًا سَبَقَكُمْ، لَمْ يَجِدُوا، فَانْتَقَلُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ. وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمِيزَانَ مَكْسُور؛ فَإِنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ فِي الْأُمَّةِ إِمَامٌ، مِيزَانٌ يُرَدُّ وَلَا يُتَّبَعُ.

يَا هَذَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوكِلْ إِلَيْكَ دِينَ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ آخِرَ الْعُصُورِ عِلْمًا وَأَوَّلَهَا فَهْمًا. فَتَوَاضَعْ لِسَلَفِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ مَشَى فِي طَرِيقٍ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ أَثَرَ قَدَمٍ وَاحِدَةٍ فَلْيَتَّهِمْ طَرِيقَهُ لَا النَّاس.

وَسَلْ نَفْسَكَ سُؤَالًا وَاحِدًا فِي خَلْوَتِكَ: لَوْ مُتَّ اللَّيْلَةَ عَلَى قَوْلٍ شَنِيعٍ كَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ فِي إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْ تَحْتَجُّ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُسْأَلُ عَنْ كَلِمَتِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ سُكُوتِه.

قال الإمام ابن المبارك: إِذَا غَلَبَتْ مَحَاسِنُ الرَّجُلِ عَلَى مَسَاوِئِهِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ، وَإِذَا غَلَبَتِ الْمَسَاوِئُ عَلَى الْمَحَاسِنِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِن.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا التَّأْصِيلَ الْمَنْهَجِيَّ الْفَذَّ، لِتُدْرِكُوا أَنَّ سَلَفَنَا الصَّالِحَ تَرَكُوا لَنَا قَوَاعِدَ فِي الْعَدْلِ تَزِنُ الْجِبَال! هَذِهِ الْقَاعِدَةُ السَّلَفِيَّةُ الْمُوجَزَةُ، هِيَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ لِمَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ فِي السَّاحَةِ بِمَسْأَلَةِ «الْمُوَازَنَة»؛ وَالَّتِي يُشَنِّعُ الْحَدَّادِيَّةُ عَلَى مَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَيَعُدُّونَهَا "بِدْعَةً مُحْدَثَةً وَتَمْيِيعًا لِلدِّين"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُبَارَكِ -إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْجِهَادِ- يُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِوُضُوحٍ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ سَنَة.

وَتَأَمَّلُوا دِقَّةَ الْمِيزَانِ السَّلَفِيِّ هُنَا: الْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ (تُذْكَرُ الْمَحَاسِنُ وَتُذْكَرُ الْمَسَاوِئُ مَعًا فِي كُلِّ حَال)، بَلْ جَعَلَ الْمَذْكُورَ هُوَ (الْغَالِبَ) مِنْ حَالِ الرَّجُل. فَمَنْ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُ وَفَضَائِلُهُ؛ طُوِيَتْ مَسَاوِئُهُ وَذَابَتْ فِي بَحْرِ حَسَنَاتِهِ (وَلَمْ تُذْكَرْ). وَمَنْ غَلَبَتْ مَسَاوِئُهُ وَبِدْعَتُهُ وَهَدْمُهُ لِلدِّينِ؛ سَقَطَتْ مَحَاسِنُهُ الْمَرْجُوحَةُ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهَا. فَالْمِيزَانُ السَّلَفِيُّ إِذَنْ يَعْمَلُ فِي الْجِهَتَيْنِ بِعَدْلٍ، لَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَزْعُمُ الْغُلَاة.

وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الصَّارِمَةِ، يَنْكَشِفُ عَوَارُ الْحَدَّادِيَّةِ وَتَدْلِيسُهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ مَعًا: الْأَوَّل: أَنَّهُمْ يَنْبُشُونَ مَسَاوِئَ وَزَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُمْ وَمَلَأَتِ الْآفَاق! وَهَذَا مُصَادَمَةٌ صَرِيحَةٌ لِقَوْلِ الْإِمَام: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ). الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ تَمَامًا ذِكْرَ أَيِّ حَسَنَةٍ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ بِمُجَرَّدِ الْخِلَافِ، وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْقَاط! وَهَذَا تَنْزِيلٌ خَبِيثٌ لِلشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ الْقَاعِدَةِ (لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِنُ) عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ؛ فَجَعَلُوا أَئِمَّةَ الْهُدَى الْمُتَأَوِّلِينَ فِي مَنْزِلَةِ رُؤُوسِ الضَّلَالِ الْمُعَانِدِينَ! لَقَدْ قَلَبُوا الْقَاعِدَةَ وَعَكَسُوهَا لِتَهْدِمَ الدِّين.

ثُمَّ بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ، سَلُوا أَنْفُسَكُمْ: مَنْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ تَغْلِبُ مَحَاسِنُهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَالْحَافِظَ ابْنَ حَجَر؟! رَجُلَانِ أَفْنَيَا أَعْمَارَهُمْ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَشَرَحَا دَوَاوِينَ الْإِسْلَامِ، وَانْتَفَعَ بِكُتُبِهِمَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الْأَرْض!

فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْأَكَابِرِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَك: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ)، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا؟!

قال الحافظ ابن عبد البر: الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَثَّقُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مَا عَابُوا الْإِغْرَاقُ فِي الرَّأْيِ وَالْقِيَاس. وَكَانَ يُقَالُ: يُسْتَدَلُّ عَلَى نَبَاهَةِ الرَّجُلِ مِنَ الْمَاضِينَ بِتَبَايُنِ النَّاسِ فِيه. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا، وَإِنَّ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، وَإِنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ يَجِبُ أَلَّا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، فِيمَنْ صَحَّتْ إِمَامَتُهُ وَعَظُمَتْ فِي الْعِلْمِ غَايَتُه.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا النَّصَّ الْمُزْدَوِجَ الْعَظِيمَ، الَّذِي يَنْسِفُ أَبْوَابَ التَّدْلِيسِ الْحَدَّادِيِّ بَابًا بَابًا!

فَأَمَّا النَّقْلُ الْأَوَّلُ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، فَهُوَ جَوَابٌ قَاصِمٌ يَفْضَحُ "صِنَاعَةَ الْمِلَفَّاتِ السَّوْدَاءِ" الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْغُلَاةُ الْيَوْمَ؛ فَهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى الْعَالِمِ، فَيَجْمَعُونَ كُلَّ حَرْفٍ قِيلَ فِيهِ مِنْ ذَمٍّ عَبْرَ التَّارِيخِ، وَيَطْوُونَ تَمَامًا مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ مَدْحٍ وَثَنَاءٍ وَتَزْكِيَة!

ثُمَّ يَعْرِضُونَ هَذِهِ الْحَصِيلَةَ الْمُشَوَّهَةَ الْمَبْتُورَةَ عَلَى الْعَوَامِّ، فَيَظُنُّ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ فِي الرَّجُل. وَهُنَا يَأْتِيهِمْ حَافِظُ الْأَنْدَلُسِ لِيَصْفَعَ تَدْلِيسَهُمْ بِالْحَقِيقَة: «الَّذِينَ وَثَّقُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ (أَكْثَرُ) مِنَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ»!

ثُمَّ كَشَفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَقِيقَةَ هَذَا الْجَرْحِ وَسَبَبَهُ، فَقَالَ: «أَكْثَرُ مَا عَابُوا الْإِغْرَاقُ فِي الرَّأْيِ وَالْقِيَاس».

وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ (صَاحِبِ السُّنَنِ)، فَهُوَ (الْقَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ) الَّتِي تَقْطَعُ دَابِرَ الْفِتْنَةِ مِنْ جُذُورِهَا: «وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ يَجِبُ أَلَّا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَرَّجَ عَلَيْهِ». فَاحْفَظُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ جَيِّدًا؛ فَإِنَّهَا تُغْلِقُ عَلَى الْحَدَّادِيَّةِ أَوْسَعَ أَبْوَابِهِمُ الَّتِي يَرْتَزِقُونَ مِنْهَا؛ أَلَا وَهُوَ بَابُ (نَبْشِ كَلَامِ الْأَقْرَان). فَإِذَا صَحَّتْ إِمَامَةُ الرَّجُلِ وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ، صَارَ نَبْشُ مَا قِيلَ فِيهِ فِي غَمْرَةِ الْخُصُومَةِ إِثْمًا وَعُدْوَانًا، وَمُخَالَفَةً صَرِيحَةً لِمَنْهَجِ أَئِمَّةِ الْحَدِيث.

فَيَا أَيُّهَا الْحَدَّادِيُّ الَّذِي مَلَأَ مَجَالِسَهُ وَحِسَابَاتِهِ بِنَبْشِ كَلَامِ الْأَقْرَان: هَلْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَقَوَاعِدِ الْجَرْحِ مِنَ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ؟!

إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا دَاوُدَ يَأْمُرُ الْأُمَّةَ بِأَنْ "لَا تَلْتَفِتَ وَلَا تُعَرِّجَ" عَلَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي بَعْضِهِمْ مَتَى مَا صَحَّتْ إِمَامَتُهُمْ.. وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْتِفَاتَكَ وَنَبْشَكَ لِهَذَا الْكَلَامِ الْمَطْوِيِّ هُوَ رَأْسَ مَالِكَ، وَعَقْدَ وَلَائِكَ وَبَرَائِكَ!

فَاعْلَمْ أَنَّكَ حِينَ تَنْبِشُ مَا أَمَرَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ بِدَفْنِهِ وَطَيِّهِ؛ فَإِنَّكَ لَا تُحْيِي السُّنَّةَ كَمَا تَزْعُمُ وَتَتَوَهَّمُ، بَلْ تُحْيِي الْفِتْنَةَ وَتُرْضِي الشَّيْطَانَ، وَمَوْعِدُكَ مَعَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَهَشْتَ أَعْرَاضَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِيرِ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ وَلَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، كَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ... وَمِثْلِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمِثْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ... مَنْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَفَارَقَ دِينَهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ يُعَظِّمُونَ هَؤُلَاءِ وَيُحْسِنُونَ الْقَوْلَ فِيهِمْ.

البيانقِفُوا بِنَا عِنْدَ أَثْقَلِ كَلِمَةٍ، وَأَعْظَمِ صَفْعَةٍ عِلْمِيَّةٍ فِي هَذَا الْبَابِ الْمُظْلِمِ، وَالَّتِي لَا يَمْلِكُ الْغُلَاةُ أَمَامَهَا مَخْرَجًا وَلَا مَهْرَبًا!

فَهُنَا يَرْتَقِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ -بِحَسْمِهِ وَصَلَابَتِهِ- لِيَقْلِبَ الطَّاوِلَةَ عَلَى الْغُلَاةِ، وَيَرُدَّ السَّهْمَ إِلَى نَحْرِ صَاحِبِه!

فَلَمْ يَقُلْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِيمَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ: "لَقَدْ أَخْطَأ"، وَلَمْ يَقُلْ: "تَسَرَّعَ وَاجْتَهَد"، بَلْ قَالَ بِحُكْمٍ صَارِمٍ يَهُزُّ الْأَبْدَان: «فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِيرِ»!

وَلَمْ يَكْتَفِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِهَذَا الْقَلْبِ لِلْحُكْمِ، بَلْ أَغْلَقَ الْبَابَ بِالضَّبَّةِ وَالْمِفْتَاحِ حِينَ حَكَى (الْإِجْمَاعَ الْقَطْعِيَّ)، فَقَالَ: «مَنْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَفَارَقَ دِينَهَا».

فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَضِيَّةَ تَوْقِيرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَحِفْظَ مَقَامَاتِهِمْ (أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْإِجْمَاعِ السَّلَفِيِّ)، لَا مَسْأَلَةً اجْتِهَادِيَّةً قَابِلَةً لِلْعَبَثِ وَالتَّنْقِيرِ، فَسَدَّ الْبَابَ فِي وَجْهِ كُلِّ طَعَّانٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة.

وَتَتَجَلَّى قُوَّةُ هَذِهِ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ؛ حِينَ نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَرَّرَ هَذَا الْحُكْمَ الصَّارِمَ فِي رِسَالَةٍ عِلْمِيَّةٍ خُصِّصَتْ لِتَقْرِيرِ وَإِثْبَاتِ عَقِيدَةِ (عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ)، لَا فِي مَقَامِ تَسَاهُلٍ أَوْ مُجَامَلَة.

فَهُوَ يَنْتَصِرُ لِلْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ، وَفِي ذَاتِ الْمَوْضِعِ وَالْمَقَامِ، يُحَرِّمُ اسْتِبَاحَةَ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَة!

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَسْقُطُ الزَّعْمُ الْخَبِيثُ الَّذِي يُرَوِّجُهُ الْحَدَّادِيَّةُ؛ حِينَ يُوهِمُونَ أَتْبَاعَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُضْطَرٌّ لِلِاخْتِيَارِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا نُصْرَةُ الْعَقِيدَةِ (بِالطَّعْنِ فِي الْأَئِمَّةِ وَتَضْلِيلِهِمْ)، أَوْ حِفْظُ حُرْمَةِ الْأَئِمَّةِ (بِتَمْيِيعِ الْعَقِيدَةِ)! فَجَاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِيُثْبِتَ أَنَّ كَمَالَ نُصْرَةِ الْعَقِيدَةِ لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلًا إِلَّا بِتَمَامِ تَوْقِيرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَجَرِّئُ الَّذِي اسْتَسْهَلَ الطَّعْنَ فِي الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَضْلِيلَهُ: اعْرِضْ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى نَفْسِك! هَذَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ الَّذِي تَرْفَعُ اسْمَهُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ، وَتَتَتَرَّسُ بِنُقُولَاتِهِ، يَحْكُمُ نَصًّا بِأَنَّ صَنِيعَكَ هَذَا "مُخَالَفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمُفَارَقَةٌ لِدِينِهَا".. فَمَاذَا أَنْتَ قَائِل؟!

إِنْ سَلَّمْتَ بِحُكْمِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَرَضِيتَ بِهِ؛ فَقَدْ سَقَطَ مَنْهَجُكَ الْإِسْقَاطِيُّ الَّذِي بَنَيْتَهُ وَتَهَاوَى مِنْ قَوَاعِدِه!

وَإِنْ كَابَرْتَ وَرَدَدْتَ كَلَامَهُ؛ فَقَدْ رَدَدْتَ عَلَى إِمَامِكَ الَّذِي تَحْتَجُّ بِهِ، وَهَدَمْتَ مَرْجِعِيَّتَكَ بِيَدِك.

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَا يَرْحَمُ مَنْ شَذَّ عَنْه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: كَمَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ خَالَفُوهُ فِي أَشْيَاءَ وَأَنْكَرُوهَا عَلَيْهِ، فَلَا يُسْتَرَابُ فِي فِقْهِهِ وَفَهْمِهِ وَعِلْمِهِ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ يَقْصِدُونَ بِهَا الشَّنَاعَةَ عَلَيْهِ وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا.

البياننَصٌّ عَبْقَرِيٌّ يُفَكِّكُ عَقْلِيَّةَ الْغُلُوِّ، وَيَفْضَحُ صِنَاعَةَ (التَّشْنِيعِ الْكَاذِبِ) الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْمُبْطِلُون! لَقَدْ جَمَعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا السَّطْرِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ يَظُنُّهَا الْغُلَاةُ مُتَنَاقِضَة: فَقَدْ أَثْبَتَ أَنَّ النَّاسَ خَالَفُوا أَبَا حَنِيفَة، وَأَثْبَتَ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَخْطَاءَه، وَمَعَ ذَلِكَ قَرَّرَ بِحَسْمٍ أَنَّهُ (لَا يُسْتَرَابُ فِي فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ وَإِمَامَتِه). فَالْمُخَالَفَةُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْإِنْكَارُ الْفِقْهِيُّ عِنْدَ السَّلَفِ، لَا يُوجِبَانِ إِسْقَاطَ الرَّجُلِ وَتَبْدِيعَه!

ثُمَّ تَأْتِي الْجُمْلَةُ الْقَاصِمَةُ الَّتِي تُعَرِّي الْحَدَّادِيَّةَ فِي كُلِّ زَمَان: «نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ يَقْصِدُونَ بِهَا الشَّنَاعَةَ، وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا». انْظُرْ كَيْفَ حَكَمَ الْإِمَامُ عَلَيْهَا بِالْكَذِبِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةِ (قَطْعًا)، ثُمَّ كَشَفَ الْبَاعِثَ وَهُوَ: (قَصْدُ الشَّنَاعَةِ وَإِسْقَاطُ الْمَقَام)!

وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ عَيْنُ مَا يَجْرِي الْيَوْم؛ إِذْ تُجْمَعُ الْمَرْوِيَّاتُ وَالْقِصَصُ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ صِحَّةِ سَنَدِهَا، وَلَا عَنْ سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ، وَلَا عَمَّا يُعَارِضُهَا مِنْ نُصُوصٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، ثُمَّ تُرَصُّ فِي مَنْشُورٍ أَوْ مَقْطَعِ فِيدْيُو، لِيُقَالَ لِلْعَوَامِّ: انْظُرُوا.. هَذَا مَا قَالَهُ السَّلَف!

فَمَنْ أَرَادَ نَقْلَ شَنَاعَةٍ أَوْ تُهْمَةٍ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَقِفَ مَوْقِفَ الْمُحَدِّثِ النَّاقِدِ: مَنْ رَوَى هَذَا الْأَثَر؟ وَعَمَّنْ؟ وَهَلْ صَحَّ السَّنَد؟ وَهَلْ فُهِمَ النَّصُّ عَلَى وَجْهِه؟

أَمَّا أَنْ تَدَّعِيَ اتِّبَاعَ (أَهْلِ الْحَدِيثِ)، ثُمَّ تُطَبِّقَ قَوَاعِدَ الْمُحَدِّثِينَ الصَّارِمَةَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَتُطَبِّقَ قَوَاعِدَ (الصَّحَافَةِ الصَّفْرَاءِ) فِي تَتَبُّعِ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّة.. فَبِئْسَ الْمَنْهَجُ مَنْهَجُك!

فَإِنْ أَعْرَضْتَ عَنِ التَّثَبُّتِ ثُمَّ تَكَلَّمْتَ لِتُشَنِّعَ، فَقَدْ دَخَلْتَ نَصًّا فِي وَصْفِ الْمُرْجِفِينَ الَّذِي قَرَّرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّة.

فَيَا أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي النَّقْلِ؛ لَا تَكُنْ حَاطِبَ لَيْلٍ، يَجْمَعُ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ بِغَيْرِ تَمْحِيصٍ وَلَا تَثَبُّتٍ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ الْمُشَنِّعَ يُسْقِطُ دِينَكَ وَمُرُوءَتَكَ، وَلَا يَضُرُّ الْإِمَامَ الَّذِي فِي قَبْرِه.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا تَنْقُلُ، فَإِنَّ دِيوَانَ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُكْتَبُ بِالظُّنُونِ، وَاللَّهُ سَائِلُكَ عَنْ كُلِّ حَرْفٍ طَعَنْتَ بِهِ فِي مَقَامَاتِ أَوْلِيَائِه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا فِيهِ مِنَ الدِّين. وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْض.

البيانهَذِهِ الْوَثِيقَةُ التَّيْمِيَّةُ وَحْدَهَا تَكْفِي لِقَصْمِ ظَهْرِ الْغُلُوّ! وَهِيَ صَادِرَةٌ مِنَ الْإِمَامِ الَّذِي يَتَتَرَّسُ بِهِ الْغُلَاةُ وَيَجْعَلُونَهُ رَايَةً لَهُمْ (أَحْيَانًا)، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ رَدُّ كَلَامِه.

تَأَمَّلُوا كَيْفَ ضَرَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَنْهَجَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ بِثَلَاثِ قَوَاصِمَ مُتَتَالِيَة:

الْأُولَى: أَنَّهُ سَمَّى صَنِيعَهُمْ هَذَا «مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ»، وَلَمْ يُسَمِّهِ مُجَرَّدَ غَيْرَةٍ زَائِدَةٍ أَوْ خَطَأً فِي الِاجْتِهَاد!

الثَّانِيَة: أَنَّهُ أَرْجَعَ أَصْلَ مَنْهَجِهِمْ فِي (إِسْقَاطِ وَتَكْفِيرِ الْأَئِمَّةِ لِأَجْلِ زَلَّاتِهِمْ) إِلَى طَوَائِفِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَنَفَاهُ تَمَامًا عَنْ مَذْهَبِ السَّلَف!

الثَّالِثَة: أَنَّهُ حَكَى (اتِّفَاقَ أَهْلِ السُّنَّةِ) عَلَى عُذْرِ الْعَالِمِ فِي خَطَئِهِ الْمَحْضِ، فَلَمْ يَجْعَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ رَأْيًا يُنَازَعُ فِيه.

ثُمَّ قِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عِنْدَ لَفْظَةٍ مُرْعِبَةٍ اسْتَخْدَمَهَا الْإِمَامُ وَهِيَ: «تَسْلِيطُ الْجُهَّال»! أَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ الدَّقِيقُ هُوَ التَّشْخِيصَ الْعَمَلِيَّ لِلْحَالِ الَّتِي تَرَاهَا بِعَيْنِكَ الْيَوْمَ؟!

صِبْيَانٌ وَأَحْدَاثُ أَسْنَانٍ، لَمْ يَثْنُوا رُكَبَهُمْ عِنْدَ عَالِمٍ، وَلَمْ يَضْبِطُوا شُرُوطَ الْحُكْمِ وَلَا مَوَانِعَهُ، يُطْلَقُونَ وَيُسَلَّطُونَ عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَالْمِنَصَّاتِ عَلَى أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ؛ لَا لِشَيْءٍ، إِلَّا لِأَنَّهُمْ حَفِظُوا (قَائِمَةَ جَرْحٍ وَتَكْفِيرٍ) لُقِّنُوهَا دُونَ أَنْ يَفْهَمُوا مِنْ أُصُولِهَا حَرْفًا!

لَقَدْ صَارَ (تَسْلِيطُ الْجُهَّالِ) مَشْرُوعًا حَدَّادِيًّا مُتَكَامِلًا لِتَمْزِيقِ الْأُمَّةِ بِاسْمِ السُّنَّة.

فَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ الْمَغْرُورُ بِبَعْضِ الْمَحْفُوظَاتِ الْمَبْتُورَةِ؛ احْذَرْ أَنْ تَكُونَ أَدَاةً رَخِيصَةً فِي يَدِ خَوَارِجِ الْعَصْرِ؛ فَإِنَّ تَجَرُّؤَكَ عَلَى تَكْفِيرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ إِسْقَاطِهِمْ، لَيْسَ شَجَاعَةً مِنْكَ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، بَلْ هُوَ انْقِيَادٌ صَرِيحٌ لِمَنْهَجِ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ بِشَهَادَةِ إِمَامِكَ ابْنِ تَيْمِيَّة.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي لِسَانِكَ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ لِتُرْضِيَ شُيُوخَ الْفِتْنَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَتَائِمَكَ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ سَتَكُونُ أَوَّلَ غُرَمَائِكَ بَيْنَ يَدَيِ الدَّيَّان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَة، وَأَنَا كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّه، وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَحْوِهِ، الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ... مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إِلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيّ، وَلَا انْتَصَرْتُ لِذَلِك، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.

البيانشَهَادَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى نَفْسِهِ، تَنْسِفُ دَعَاوَى الْمُتَاجِرِينَ بِاسْمِهِ، وَتَكْشِفُ الْفَارِقَ الْعَظِيمَ بَيْنَ الْبِنَاءِ السَّلَفِيِّ الْأَصِيلِ وَالْهَدْمِ الْحَدَّادِيِّ الدَّخِيل!

فَهَذِهِ الْوَثِيقَةُ لَيْسَتْ رَأْيًا نَظَرِيًّا، بَلْ هِيَ (سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ وَتَزْكِيَة) يَكْتُبُهَا الْإِمَامُ عَنْ مَشْرُوعِهِ الْعَمَلِيِّ فِي الْأُمَّة.

فَلْيَقْرَأْهَا بِتَمَهُّلٍ وَإِنْصَافٍ كُلُّ مَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ تَفْرِيقَ الْمُسْلِمِينَ وَتَمْزِيقَ صُفُوفِهِمْ رَافِعًا لِوَاءَ ابْنِ تَيْمِيَّة!

تَأَمَّلُوا الْوَصْفَ الدَّقِيقَ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عُنْوَانًا لِسِيرَتِهِ: «كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ».

لَمْ يَقُلْ: (كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَرْحًا، وَتَصْنِيفًا، وَرَدًّا عَلَى الْمُخَالِفِين)! مَعَ أَنَّهُ الْإِمَامُ الَّذِي مَلَأَ الدُّنْيَا رُدُودًا وَمُنَاظَرَاتٍ؛ لَكِنَّهُ أَدْرَكَ بِفِقْهِهِ الْعَمِيقِ أَنَّ الرُّدُودَ (وَسِيلَةٌ) لِحِمَايَةِ الدِّينِ، أَمَّا (الْغَايَةُ الْعُظْمَى) فَهِيَ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ وَجَمْعُ كَلِمَةِ الْأُمَّة.

وَهَذَا عَكْسُ مَنْهَجِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْهَجْرَ وَالتَّبْدِيعَ وَإِيغَارَ الصُّدُورِ (غَايَةً) يَتَعَبَّدُونَ اللَّهَ بِهَا!

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْأَثَرِ الْعَمَلِيِّ الصَّادِقِ لِهَذَا الْمَنْهَجِ: «وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة». لَمْ يَدَّعِ مُجَرَّدَ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ مَخْفِيَّةٍ، بَلْ حَقَّقَ وَاقِعًا مَلْمُوسًا بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مُتَنَافِرَتَيْنِ (الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ).

وَكَيْفَ أَزَالَ تِلْكَ الْوَحْشَة؟ يَقُولُ: «وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد».

يَا اللَّه! لَقَدْ أَزَالَ الْوَحْشَةَ وَذَكَرَ الْحَقَّ وَالْفَضْلَ الَّذِي عِنْدَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى!

وَهُوَ نَفْسُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الَّذِي دَبَّجَ الْمُجَلَّدَاتِ الضِّخَامَ فِي نَقْضِ أُصُولِ الْمَدَارِسِ الْكَلَامِيَّةِ؛ فَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الصَّارِمُ عَلَى الْبِدْعَةِ، لَمْ يَمْنَعْهُ قَطُّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوب.

ثُمَّ تَأْتِي قَاصِمَتُهُ لِمَنْ يَتَعَصَّبُونَ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَسْمَاءِ: «لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيّ.. وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّة». وَهَذَا هُوَ التَّجَرُّدُ التَّامُّ لِلْإِجْمَاعِ، وَتَرْكُ التَّحَزُّبِ الْبَغِيض.

فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ فِي حَالِكَ؛ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَتَفَاخَرُ بِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَإِزَالَةِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْمَدَارِسِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَأَنْتَ تَتَفَاخَرُ بِتَمْزِيقِ الصَّفِّ السَّلَفِيِّ الْوَاحِدِ، وَنَشْرِ الْعَدَاوَةِ وَالْهَجْرِ وَالتَّبْدِيعِ بَيْنَ الْإِخْوَة!

لَقَدِ اتَّخَذْتَ مِنِ اسْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِعْوَلًا لِهَدْمِ مَا أَفْنَى هُوَ عُمْرَهُ فِي بِنَائِه!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَاخُرَ بِكَثْرَةِ الْهَجْرِ وَإِسْقَاطِ النَّاسِ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِيرَاثُ إِبْلِيسَ الَّذِي يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ، فَرَضِيَ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنَ الْمُصَلِّين.