قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأٍ أَخْطَأَهُ يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ، بَلْ وَلَا يَأْثَم؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي دُعَاءِ الْمُؤْمِنِين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ»... وَلَوْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ لَلَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالصُّوفِيَّةِ، الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين.
البياننَصٌّ قُرْآنِيٌّ قَطْعِيٌّ، وَإِلْزَامٌ تَارِيخِيٌّ مُرَوِّعٌ، يَهْدِمُ خُرَافَةَ (الْإِسْقَاطِ الْكُلِّيِّ)، وَيَفْضَحُ مَنْ يَنْقُضُ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ بِنُقُولَاتٍ شَاذَّة!
فَفِي صَدْرِ النَّصّ؛ أَبْطَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْخِيَارَ الْمُزْدَوِجَ الْخَبِيثَ الَّذِي يَطْرَحُهُ الْغُلَاةُ (إِمَّا الْقَبُولُ الْكُلِّيُّ لِكُلِّ كَلَامِ الْعَالِمِ، أَوِ الرَّفْضُ وَالْإِسْقَاطُ الْكُلِّيُّ لَه)!
فَقَرَّرَ الْقَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّة: (يُؤْخَذُ وَيُتْرَك). فَمَا تَتْرُكُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَالِمِ لِكَوْنِهِ أَخْطَأَ فِيهِ، لَا يُوجِبُ تَكْفِيرَهُ وَلَا تَبْدِيعَهُ، بَلْ وَلَا تَأْثِيمَهُ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ الثَّابِت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَبِقَوْلِ اللَّهِ: «قَدْ فَعَلْت».
فَرَفْعُ الْإِثْمِ عَنِ الْمُخْطِئِ لَيْسَ مُجَرَّدَ اجْتِهَادٍ فِقْهِيٍّ، بَلْ هُوَ اسْتِجَابَةٌ إِلَهِيَّةٌ مُخْبَرٌ بِوُقُوعِهَا.
ثُمَّ نَأْتِي إِلَى (الْإِلْزَامِ الْقَاصِمِ) فِي هَذَا النَّصّ؛ إِذْ سَرَدَ الْإِمَامُ طَوَائِفَ الْأُمَّةِ وَمَذَاهِبَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَة (الْحَنَفِيَّةُ، الْمَالِكِيَّةُ، الْأَشْعَرِيَّةُ، الصُّوفِيَّةُ..)، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى رُؤُوسِ دُعَاةِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ بِصَخْرَةِ (الْإِجْمَاعِ) قَائِلًا: «الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين».
فَتَقْرِيرُ التَّكْفِيرِ بِالْخَطَأِ يُلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ جُمْهُورِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ بَاطِلٌ فَاحِشٌ، فَالْمَذْهَبُ الْبَانِي لَهُ بَاطِلٌ مِنْ أَسَاسِه.
وَهُنَا نَقِفُ مَعَ شُبْهَةٍ سَقِيمَةٍ يَلُوكُهَا الْحَدَّادِيَّة؛ فَإِنَّكَ إِذَا وَاجَهْتَهُمْ بِهَذَا الْإِجْمَاعِ السَّاطِعِ عَلَى نَفْيِ الْكُفْرِ عَنْ تِلْكَ الطَّوَائِفِ وَعَنْ أَئِمَّةٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ، نَبَشُوا فِي بُطُونِ الْكُتُبِ، وَاسْتَخْرَجُوا لَكَ أَقْوَالًا شَدِيدَةً لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِهِم!
وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ صَمِيمِ هَذَا النَّصّ: لَقَدْ حَكَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُنَا (اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ)، وَالْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ لَا يُنْقَضُ بِكَلِمَةٍ شَاذَّةٍ لِعَالِمٍ، وَلَا بِغَضْبَةٍ فِي وَقْتِ فِتْنَةٍ أَوْ مِحْنَة!
فَالسَّلَفِيَّةُ الْحَقَّةُ هِيَ لُزُومُ (الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ) الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي النِّهَايَةِ، وَلَيْسَ تَتَبُّعَ (الشُّذُوذَاتِ) وَالْمَقَالَاتِ الْمَهْجُورَةِ وَالْمَرْدُودَةِ الَّتِي تُخَالِفُ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِين.
فَاحْذَرْ أَيُّهَا الْغَالِي مِنْ مَسْلَكِكَ الْمُهْلِك؛ أَئِمَّةُ الْهُدَى يَنْقُلُونَ (اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ) عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ وَحِفْظِ إِسْلَامِهِمْ، وَأَنْتَ تَنْبُشُ فِي مَزَابِلِ الْخِلَافِ عَنْ قَوْلٍ شَاذٍّ مَهْجُورٍ لِتُكَفِّرَهُمْ وَتَسْتَبِيحَ حُرُمَاتِهِم!
فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ بِمُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الْمُؤْمِنِين؟!
اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَذَّ عَنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فِي حِفْظِ مَقَامَاتِ الْأَئِمَّةِ شَذَّ فِي النَّارِ، وَلَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ تَعَلُّقُهُ بِنَقْلٍ شَاذٍّ مَبْتُورٍ يَوْمَ الْعَرْضِ الْأَكْبَر.
