عُرضت 46 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأٍ أَخْطَأَهُ يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ، بَلْ وَلَا يَأْثَم؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي دُعَاءِ الْمُؤْمِنِين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ»... وَلَوْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ لَلَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالصُّوفِيَّةِ، الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين.

البياننَصٌّ قُرْآنِيٌّ قَطْعِيٌّ، وَإِلْزَامٌ تَارِيخِيٌّ مُرَوِّعٌ، يَهْدِمُ خُرَافَةَ (الْإِسْقَاطِ الْكُلِّيِّ)، وَيَفْضَحُ مَنْ يَنْقُضُ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ بِنُقُولَاتٍ شَاذَّة!

فَفِي صَدْرِ النَّصّ؛ أَبْطَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْخِيَارَ الْمُزْدَوِجَ الْخَبِيثَ الَّذِي يَطْرَحُهُ الْغُلَاةُ (إِمَّا الْقَبُولُ الْكُلِّيُّ لِكُلِّ كَلَامِ الْعَالِمِ، أَوِ الرَّفْضُ وَالْإِسْقَاطُ الْكُلِّيُّ لَه)!

فَقَرَّرَ الْقَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّة: (يُؤْخَذُ وَيُتْرَك). فَمَا تَتْرُكُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَالِمِ لِكَوْنِهِ أَخْطَأَ فِيهِ، لَا يُوجِبُ تَكْفِيرَهُ وَلَا تَبْدِيعَهُ، بَلْ وَلَا تَأْثِيمَهُ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ الثَّابِت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَبِقَوْلِ اللَّهِ: «قَدْ فَعَلْت».

فَرَفْعُ الْإِثْمِ عَنِ الْمُخْطِئِ لَيْسَ مُجَرَّدَ اجْتِهَادٍ فِقْهِيٍّ، بَلْ هُوَ اسْتِجَابَةٌ إِلَهِيَّةٌ مُخْبَرٌ بِوُقُوعِهَا.

ثُمَّ نَأْتِي إِلَى (الْإِلْزَامِ الْقَاصِمِ) فِي هَذَا النَّصّ؛ إِذْ سَرَدَ الْإِمَامُ طَوَائِفَ الْأُمَّةِ وَمَذَاهِبَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَة (الْحَنَفِيَّةُ، الْمَالِكِيَّةُ، الْأَشْعَرِيَّةُ، الصُّوفِيَّةُ..)، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى رُؤُوسِ دُعَاةِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ بِصَخْرَةِ (الْإِجْمَاعِ) قَائِلًا: «الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين».

فَتَقْرِيرُ التَّكْفِيرِ بِالْخَطَأِ يُلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ جُمْهُورِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ بَاطِلٌ فَاحِشٌ، فَالْمَذْهَبُ الْبَانِي لَهُ بَاطِلٌ مِنْ أَسَاسِه.

وَهُنَا نَقِفُ مَعَ شُبْهَةٍ سَقِيمَةٍ يَلُوكُهَا الْحَدَّادِيَّة؛ فَإِنَّكَ إِذَا وَاجَهْتَهُمْ بِهَذَا الْإِجْمَاعِ السَّاطِعِ عَلَى نَفْيِ الْكُفْرِ عَنْ تِلْكَ الطَّوَائِفِ وَعَنْ أَئِمَّةٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ، نَبَشُوا فِي بُطُونِ الْكُتُبِ، وَاسْتَخْرَجُوا لَكَ أَقْوَالًا شَدِيدَةً لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِهِم!

وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ صَمِيمِ هَذَا النَّصّ: لَقَدْ حَكَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُنَا (اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ)، وَالْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ لَا يُنْقَضُ بِكَلِمَةٍ شَاذَّةٍ لِعَالِمٍ، وَلَا بِغَضْبَةٍ فِي وَقْتِ فِتْنَةٍ أَوْ مِحْنَة!

فَالسَّلَفِيَّةُ الْحَقَّةُ هِيَ لُزُومُ (الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ) الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي النِّهَايَةِ، وَلَيْسَ تَتَبُّعَ (الشُّذُوذَاتِ) وَالْمَقَالَاتِ الْمَهْجُورَةِ وَالْمَرْدُودَةِ الَّتِي تُخَالِفُ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِين.

فَاحْذَرْ أَيُّهَا الْغَالِي مِنْ مَسْلَكِكَ الْمُهْلِك؛ أَئِمَّةُ الْهُدَى يَنْقُلُونَ (اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ) عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ وَحِفْظِ إِسْلَامِهِمْ، وَأَنْتَ تَنْبُشُ فِي مَزَابِلِ الْخِلَافِ عَنْ قَوْلٍ شَاذٍّ مَهْجُورٍ لِتُكَفِّرَهُمْ وَتَسْتَبِيحَ حُرُمَاتِهِم!

فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ بِمُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الْمُؤْمِنِين؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَذَّ عَنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فِي حِفْظِ مَقَامَاتِ الْأَئِمَّةِ شَذَّ فِي النَّارِ، وَلَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ تَعَلُّقُهُ بِنَقْلٍ شَاذٍّ مَبْتُورٍ يَوْمَ الْعَرْضِ الْأَكْبَر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّبِعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ إِلَّا بِمَا هُمْ لَهُ أَهْل؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا لِلْمُؤْمِنِينَ عَمَّا أَخْطَؤُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قَالَ اللَّه: «قَدْ فَعَلْتُ»... وَنَسْتَغْفِرُ لِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، فَنَقُول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. وَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَا كَانَ يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ، وَنُعَظِّمُ أَمْرَهُ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنَرْعَى حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ، لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُم... وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فَقَدْ عَدَلَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ إِلَى اتِّبَاعِ الْهَوَى فِي التَّقْلِيدِ، وَآذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِين.

البيانمِيزَانٌ رَبَّانِيٌّ دَقِيق، يَفْضَحُ أَدْعِيَاءَ السُّنَّة، وَيَنْزِعُ عَنْهُمْ قِنَاعَ الِاتِّبَاع؛ لِيُلْبِسَهُمْ ثَوْبَ الْمُقَلِّدَةِ الظَّالِمِين!

لَقَدْ أَرْسَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ هُنَا قَاعِدَتَيْنِ مُتَلَازِمَتَيْنِ فِي نَفَسٍ وَاحِد، مَنْ أَخَذَ إِحْدَاهُمَا وَتَرَكَ الْأُخْرَى فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الدِّين: (لَا تَتَّبِعْ زَلَّةَ الْعَالِم)؛ وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ التَّمْيِيع. وَ(لَا تَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنَ التَّوْقِير)؛ وَهَذَا يَسُدُّ بَابَ الِاسْتِطَالَةِ وَالْحَدَّادِيَّة.

ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ بَنَى الْإِمَامُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ عَلَى نُصُوصٍ قُرْآنِيَّةٍ قَاطِعَة، لَا عَلَى مُجَرَّدِ ذَوْقٍ أَوْ مَصْلَحَة!

فَاسْتَدَلَّ بِآيَةٍ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وَجَوَابُ الرَّبِّ: «قَدْ فَعَلْت». فَجَعَلَ حِفْظَ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ اسْتِجَابَةً لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي رَفَعَ عَنْهُمُ الْمُؤَاخَذَةَ أَصْلًا.

ثُمَّ ثَنَّى بِآيَةٍ فَاضِحَةٍ لِوَاقِعِ الْغُلَاة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾؛ فَاللَّهُ جَعَلَ الِاسْتِغْفَارَ لِأَسْلَافِ الْأُمَّةِ وَصْفًا وَشَرْطًا لِلنَّاجِينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ وَدِيَانَتَهُ نَبْشَ قُبُورِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قَبْلِهِ، وَاسْتِخْرَاجَ زَلَّاتِهِمْ لِتَبْدِيعِهِمْ وَإِسْقَاطِهِم؟! أَيْنَ هُوَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَة؟!

وَتَأْتِي الْخَاتِمَةُ التَّيْمِيَّةُ لِتُسْقِطَ أَثْقَلَ الصُّخُورِ عَلَى رُؤُوسِ الْغُلَاة: «وَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ... آذَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِين».

فَلَمْ يَقُلِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِيمَنْ يَطْعَنُ فِي الْأَئِمَّة: (لَقَدْ أَخْطَأَ وَتَسَرَّعَ)، بَلْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الْوَعِيدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾!

ثُمَّ كَشَفَ الْإِمَامُ عَنِ الْبَاعِثِ الْخَفِيِّ لِهَذَا الطَّعْنِ، بِكَلِمَةٍ نَفِيسَةٍ تُزَلْزِلُ ادِّعَاءَاتِهِمْ، فَقَال: «عَدَلَ عَنِ الْحُجَّةِ إِلَى الْهَوَى فِي التَّقْلِيد»!

يَا لَهَا مِنْ صَفْعَة! فَالْقَوْمُ يَصْرُخُونَ لَيْلَ نَهَارٍ بِأَنَّهُمْ (أَهْلُ الدَّلِيلِ الْأَثَرِيُّون)، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ يُجَرِّدُهُمْ مِنَ الدَّلِيلِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يُقَلِّدُونَ رَأْسًا وَاحِدًا مِنْ رُؤُوسِهِمْ فِي إِنْزَالِ أَحْكَامِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى الْأَشْخَاصِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ تَقْلِيدَهُمُ الْأَعْمَى هَذَا: اتِّبَاعًا لِلسَّلَف!

فَتَدَبَّرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ مَقْعَدَكَ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْن؛ فَاللَّهُ أَثْنَى عَلَى مَنْ يَسْتَغْفِرُ لِمَنْ سَبَقَهُ، وَأَنْتَ تُفْنِي عُمُرَكَ فِي اسْتِخْرَاجِ زَلَّاتِهِمْ لِتُسْقِطَهُم!

وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ الَّذِي تَرْفَعُ رَايَتَهُ يَصِفُكَ نَصًا بِأَنَّكَ (مُقَلِّدٌ مُتَّبِعٌ لِلْهَوَى، وَظَالِمٌ مُؤْذٍ لِلْمُؤْمِنِين).

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَتْرُسَ خَلْفَ دَعْوَى (حِمَايَةِ السُّنَّة) لَنْ يَقِيَكَ مِنْ عُقُوبَةِ الْإِيذَاءِ وَالظُّلْمِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَاد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ دَفْعَ التَّكْفِيرِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَؤُوا: هُوَ مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة.

البيانوَثِيقَةٌ تَيْمِيَّةٌ تَقْلِبُ الْمَوَازِينَ، وَتَجْعَلُ الذَّبَّ عَنْ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ قِمَّةً فِي تَحْقِيقِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، لَا تَمْيِيعًا لَهَا!

انْظُرْ إِلَى الرُّتْبَةِ السَّامِيَةِ الَّتِي أَنْزَلَ فِيهَا الْإِمَامُ هَذِهِ الْقَضِيَّة: «مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة». فَلَمْ يَجْعَلِ الدِّفَاعَ عَنِ الْعُلَمَاءِ (تَقْدِيسًا لِلْأَشْخَاصِ) أَوْ (مَنْهَجًا فَاسِدًا) كَمَا يُرْجِفُ بِهِ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم!

وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَتَّى مُجَرَّدَ فِعْلٍ (مُبَاحٍ) أَوْ (مَنْدُوبٍ)؛ بَلِ ارْتَقَى بِهِ لِيَكُونَ (قَصْدًا شَرْعِيًّا وَغَرَضًا رَبَّانِيًّا) فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّين.

وَهُنَا مَرْبِطُ الْفَرَسِ الَّذِي يَفْضَحُ إِرْهَابَ الْغُلَاةِ؛ فَالْقَوْمُ يُمَارِسُونَ تَرْهِيبًا نَفْسِيًّا لِيُصَوِّرُوا الذَّبَّ عَنِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَكَأَنَّهُ (تَنَازُلٌ وَتَمْيِيعٌ وَتَسَاهُلٌ) يَجِبُ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنْهُ وَتَعْتَذِرَ عَنْهُ!

بَيْنَمَا يَجْعَلُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (مَقْصِدًا شَرْعِيًّا) يُطْلَبُ لِذَاتِهِ، يُنَافِحُ عَنْهُ أَئِمَّةُ السُّنَّة. فَالْقَضِيَّةُ عِنْدَهُ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، لَا مُجَرَّدَ مَسْأَلَةٍ ذَوْقِيَّة.

ثُمَّ تَأَمَّلِ الْقَيْدَ التَّيْمِيَّ الْعَبْقَرِيَّ: «وَإِنْ أَخْطَؤُوا»! فَالدِّفَاعُ عَنِ الْأَئِمَّةِ وَالذَّبُّ عَنْهُمْ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَتِهِمْ مِنَ الْأَخْطَاءِ، وَإِلَّا بَطَلَ مَعْنَى النَّصِّ أَصْلًا؛ فَالْعَالِمُ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَمْ يُخْطِئْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ غَائِلَةَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيع!

وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ مَسْلَكِ الْحَدَّادِيَّةِ فِي تَرْهِيبِ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ وَإِسْكَاتِهِمْ حَتَّى لَا يُدَافِعُوا عَنْ أَئِمَّتِهِم.

فَهُمْ يَبْتَزُّونَكَ بِـ "الْخَطَأ" لِيَمْنَعُوكَ مِنَ الدِّفَاعِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ يُقَرِّرُ أَنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْعَالِمِ (وَاجِبٌ وَغَرَضٌ شَرْعِيٌّ) حَتَّى مَعَ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْخَطَأ!

فَلَا تَسْتَوْحِشْ أَيُّهَا السُّنِّيُّ الصَّادِقُ مِنْ نَعِيقِ الْغُلَاةِ، وَلَا تُرْهِبْكَ أَلْسِنَتُهُمُ الْحِدَادُ؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ ذَبَّكَ عَنْ أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ تَمْيِيعًا، بَلْ هُوَ تَحْقِيقٌ لِأَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة.

وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ بِالْإِسْقَاطِ؛ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِصَنِيعِكَ هَذَا إِنَّمَا تُصَادِمُ (مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ) وَجْهًا لِوَجْهٍ، فَكَيْفَ تَرْجُو النَّجَاةَ غَدًا وَأَنْتَ تَهْدِمُ بِعَمَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِحِفْظِهِ وَصِيَانَتِهِ؟!

قال الإمام ابن القيم: فَهَذَانِ طَرَفَانِ جَائِرَانِ عَنِ الْقَصْدِ، وَقَصْدُ السَّبِيلِ بَيْنَهُمَا، فَلَا نُؤَثِّمُ وَلَا نَعْصِم. وَإِنَّمَا يَتَنَافَيَانِ عِنْدَ أَحَدِ رَجُلَيْن: جَاهِلٍ بِمِقْدَارِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ، أَوْ جَاهِلٍ بِحَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَه.

البيانتَشْخِيصٌ سَلَفِيٌّ بَالِغُ الدِّقَّةِ، يَضَعُ الْإِصْبَعَ عَلَى الْجُرْحِ الدَّامِي، وَيُفَكِّكُ الْعَقْلِيَّةَ الْحَدَّادِيَّةَ تَحْلِيلًا يَقْطَعُ دَابِرَ الشُّبْهَة!

فَالْغُلَاةُ الْيَوْمَ يَعِيشُونَ فِي وَهْمِ (التَّضَادِّ الْمَوْهُومِ)؛ فَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ نُصْرَةَ الْحَقِّ وَالْغَيْرَةَ عَلَيْهِ لَا تَجْتَمِعُ أَبَدًا مَعَ حِفْظِ مَقَامَاتِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ، وَأَنَّكَ مُضْطَرٌّ حَتْمًا لِاخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا: فَإِمَّا أَنْ تُهْدِرَ كَرَامَةَ الْعَالِمِ لِتَنْصُرَ السُّنَّةَ، وَإِمَّا أَنْ تَحْفَظَ مَقَامَهُ لِتَكُونَ مُمَيِّعًا مُدَاهِنًا!

فَجَاءَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِيَهْدِمَ هَذَا الْوَهْمَ قَائِلًا: «وَإِنَّمَا يَتَنَافَيَانِ عِنْدَ أَحَدِ رَجُلَيْنِ...»، فَالتَّنَاقُضُ بَيْنَ نُصْرَةِ السُّنَّةِ وَعُذْرِ الْإِمَامِ لَا يُوجَدُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، بَلْ يُوجَدُ فَقَطْ فِي عَقْلِ (الْجَاهِل).

ثُمَّ فَصَّلَ الْإِمَامُ هَذَا الْجَهْلَ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَكِلَاهُمَا وَاللَّهِ تَرَاهُ مُتَجَسِّدًا بِعَيْنِكَ الْيَوْم: الْأَوَّل: جَاهِلٌ بِمِقْدَارِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ وَعَنَائِهِمْ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ؛ وَلِهَذَا يَسْهُلُ عَلَى لِسَانِهِ الطَّعْنُ فِي كِبَارِ الْأُمَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْ قَدْرِهِمْ إِلَّا مَا قَرَأَهُ فِي قُصَاصَاتِ الْجَرْحِ وَالتَّبْدِيعِ الْمَبْتُورَة. وَالثَّانِي: جَاهِلٌ بِحَقِيقَةِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ وَمَقَاصِدِهَا؛ فَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الشَّرِيعَةَ بُنِيَتْ عَلَى الْقَسْوَةِ وَالتَّنْكِيلِ بِالْمُخْطِئِ، فَيَحْسَبُ أَنَّ (الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ) تَمْيِيعٌ، وَأَنَّ (الظُّلْمَ وَالتَّشْنِيعَ) غَيْرَةٌ وَسَلَفِيَّة!

فَاعْرِضْ نَفْسَكَ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ عَلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنَ الْجَهْلِ قَبْلَ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِمَا غَيْرَكَ؛ فَإِنَّ أَنْفَعَ النَّظَرِ مَا بَدَأَ بِهِ الْعَبْدُ فِي إِصْلَاحِ سَرِيرَتِه. فَسَلْ نَفْسَكَ: هَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ بِحُقُوقِ الْأَئِمَّةِ وَفَضْلِهِمْ، أَمْ جَاهِلٌ بِرَحْمَةِ الشَّرِيعَةِ وَعَدْلِهَا؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَوَاضَعْ لِمَعْرِفَةِ قَدْرِ مَنْ سَبَقَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الشَّرِيعَةِ أَوْسَعُ وَأَرْحَمُ مِنْ صَدْرِكَ الضَّيِّقِ، وَأَنَّ الْجَهْلَ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْهَوَى وَالْغُرُورِ أَهْلَكَ صَاحِبَه.

قال الإمام ابن القيم: اسْتَشْهَدَ سُبْحَانَهُ بِأُولِي الْعِلْمِ عَلَى أَجَلِّ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ وَهُوَ تَوْحِيدُه، فَقَال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ مِنْ وُجُوه: أَحَدُهَا: اسْتِشْهَادُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْبَشَر. وَالثَّانِي: اقْتِرَانُ شَهَادَتِهِمْ بِشَهَادَتِه. وَالثَّالِثُ: اقْتِرَانُهَا بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِه. وَالرَّابِعُ: أَنَّ فِي ضِمْنِ هَذَا تَزْكِيَتَهُمْ وَتَعْدِيلَهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَشْهِدُ مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا الْعُدُول... فَالْأَئِمَّةُ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا عِنْدَ الْأُمَّةِ بِنَقْلِ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ وَمِيرَاثِهِ كُلُّهُمْ عُدُولٌ بِتَعْدِيلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض.

البيانتَزْكِيَةٌ قُرْآنِيَّةٌ قَاطِعَة، تُغْلِقُ أَوْسَعَ أَبْوَابِ الْفِتْنَة، وَتَعْصِمُ الْأُمَّةَ مِنْ عَبَثِ النَّبَّاشِينَ فِي كَلَامِ الْأَقْرَان!

تَأَمَّلْ كَيْفَ اسْتَنْبَطَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا الشَّرَفَ الْعَظِيمَ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ قَلْبِ الْقُرْآن؛ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لَمْ يَسْتَشْهِدْ عَلَى أَعْظَمِ مَشْهُودٍ بِهِ (وَهُوَ التَّوْحِيدُ) إِلَّا بِالْعُدُول. فَتَعْدِيلُهُمْ وَتَزْكِيَتُهُمْ جَاءَتْ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِشْهَادِ الْإِلَهِيّ، بَلْ وَقُرِنَتْ بِشَهَادَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَشَهَادَةِ مَلَائِكَتِهِ الْكِرَام. فَمَنْ طَعَنَ فِي عَدَالَتِهِمْ وَأَسْقَطَهُمْ مُجْتَمِعِين، فَقَدْ جَعَلَ ذِكْرَ شَهَادَتِهِمْ فِي الْآيَةِ مَعَ شَهَادَةِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ كَلَامًا بِلَا مَعْنَى!

ثُمَّ قِفْ طَوِيلًا عِنْدَ الْجُمْلَةِ الْخَاتِمَةِ الَّتِي تَنْسِفُ مَنْهَجَ الْغُلَاةِ مِنَ الْقَوَاعِد: «وَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَدْحُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض».

إِنَّ صِنَاعَةَ الْحَدَّادِيَّةِ الْهَدْمِيَّةَ لَا تَقُومُ الْيَوْمَ إِلَّا عَلَى هَذَا الْبَابِ الْمُظْلِمِ (بَابِ كَلَامِ الْأَقْرَان)؛ فَهُمْ يُفْنُونَ أَعْمَارَهُمْ فِي نَبْشِ مَا قَالَهُ عَالِمٌ فِي عَالِمٍ آخَرَ إِبَّانَ مِحْنَةٍ أَوْ غَضْبَةٍ أَوْ خِلَاف، ثُمَّ يَبْنُونَ عَلَى هَذَا الْقَدْحِ التَّارِيخِيِّ الْمَبْتُورِ صَرْحًا لِإِسْقَاطِ الْإِمَام!

فَجَاءَ ابْنُ الْقَيِّمِ لِيُغْلِقَ هَذَا الْبَابَ بِالضَّبَّةِ وَالْمِفْتَاح، مُقَرِّرًا أَنَّ التَّزْكِيَةَ الْقُرْآنِيَّةَ الْقَطْعِيَّةَ لِأَئِمَّةِ الدِّينِ تَمْنَعُ قَبُولَ طَعْنِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْض.

وَلِكَيْ لَا يَتَسَلَّلَ الْغُلَاةُ مِنْ بَابِ الْمِثَالِيَّةِ الْكَاذِبَة؛ دَفَعَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهْمًا خَبِيثًا يَقَعُونَ فِيه؛ إِذْ يَظُنُّونَ أَنَّ (الْعَالِمَ الْعَدْلَ) هُوَ الْمَلَكُ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَا يَقَعُ فِي خَطَأٍ وَلَا زَلَّة! فَقَرَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ الْعَالِمَ عَدْلٌ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الدِّين، وَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ أَوْ زَلَّة؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ لَا يُنَافِي أَصْلَ (الْعَدَالَة)، كَمَا أَنَّهُ لَا يُنَافِي (الْإِيمَانَ وَالْوِلَايَة).

فَيَا أَيُّهَا النَّبَّاشُ فِي خُصُومَاتِ الْأَقْرَان؛ اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ يَرْفَعُ ذِكْرَ الْعُلَمَاءِ وَيَقْرِنُ شَهَادَتَهُمْ بِشَهَادَةِ مَلَائِكَتِه، وَأَنْتَ تُمَرِّغُ أَسْمَاءَهُمْ فِي وَحْلِ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاط!

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُزَكِّيهِمْ ثُمَّ يَكِلُ إِلَيْكَ إِسْقَاطَهُمْ بِنُقُولَاتٍ عَفَا عَلَيْهَا الزَّمَن؟!

اتَّقِ اللَّهَ فِي شُهُودِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَاعْلَمْ أَنَّ نَبْشَكَ فِي كَلَامِ الْأَقْرَانِ لَنْ يُسْقِطَ مَقْعَدًا لِعَالِمٍ رَفَعَهُ الْقُرْآن، بَلْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ وَالنَّدَامَةِ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قال الإمام ابن القيم: لَوْ كَانَ كُلُّ مَنْ أَخْطَأَ أَوْ غَلِطَ تُرِكَ جُمْلَةً وَأُهْدِرَتْ مَحَاسِنُهُ، لَفَسَدَتِ الْعُلُومُ وَالصِّنَاعَاتُ وَالْحِكَمُ، وَتَعَطَّلَتْ مَعَالِمُهَا.

البيانقَاعِدَةٌ عَقْلِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ، وَإِلْزَامٌ حَتْمِيٌّ مُرْعِبٌ، يُعَرِّي مَنْهَجَ الْإِسْقَاطِ وَيُثْبِتُ أَنَّهُ مِعْوَلُ هَدْمٍ لِلْحَيَاةِ وَالدِّين!

فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، صَاغَ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا (الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ)؛ وَهُوَ مِنْ أَشَدِّ الْحُجَجِ فَتْكًا بِالْغُلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاقِشُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ جُزْئِيَّةٍ أَوْ خَطَأٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ يَعْرِضُ لَهُمُ الْعَاقِبَةَ الْكَارِثِيَّةَ لِمَنْهَجِهِمْ!

فَلَوْ طُبِّقَتْ (قَاعِدَةُ الْإِسْقَاطِ بِالْخَطَأِ) بِاطِّرَادٍ، لَمْ يَفْسُدِ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ فَحَسْبُ، بَلْ لَفَسَدَتْ كُلُّ عُلُومِ الْأَرْضِ وَصِنَاعَاتِهَا وَحِكَمِهَا؛ إِذْ لَا يَخْلُو عَالِمٌ وَلَا طَبِيبٌ وَلَا صَانِعٌ مِنْ غَلْطَة.

وَتَأَمَّلِ الدِّقَّةَ الْبَالِغَةَ فِي قَوْلِهِ: «تُرِكَ جُمْلَةً»؛ فَالْإِمَامُ لَمْ يُنْكِرْ (تَرْكَ الْخَطَأِ)، بَلْ أَنْكَرَ (تَرْكَ الْعَالِمِ وَرَدَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ) لِأَجْلِ خَطَئِهِ!

وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي (تَصْحِيحِ الْمَسْأَلَةِ وَرَدِّ الْخَطَأِ)، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي (إِسْقَاطِ صَاحِبِهَا وَمَسْحِ تَارِيخِهِ).

ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ: «وَأُهْدِرَتْ مَحَاسِنُهُ» هُوَ التَّشْخِيصُ الْأَدَقُّ وَالْأَوْجَزُ لِصِنَاعَةِ الْغُلُوِّ الْيَوْم!

فَهُمْ يَطْوُونَ حَسَنَاتِ الْإِمَامِ كُلَّهَا، وَيَمْحُونَ جِهَادَهُ وَكُتُبَهُ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، وَلَا يَرْفَعُونَ عَقِيرَتَهُمْ إِلَّا بِمَوْضِعِ زَلَّتِه!

بَلْ وَيُزَايِدُونَ، فَيُسَمُّونَ ذِكْرَ مَحَاسِنِ الْأَئِمَّةِ (بِدْعَةَ الْمُوَازَنَاتِ وَالتَّمْيِيع)! بَيْنَمَا ابْنُ الْقَيِّمِ يُقَرِّرُ أَنَّ إِهْدَارَ الْمَحَاسِنِ هُوَ طَرِيقُ تَعْطِيلِ الدِّينِ وَإِفْسَادِ مَعَالِمِهِ.

فَاعْرِضْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ الْإِسْقَاطِيَّةَ الْمُدَمِّرَةَ عَلَى نَفْسِكَ أَوَّلًا قَبْلَ أَنْ تُسَلِّطَهَا عَلَى الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَام: لَوْ أَنَّكَ طَرَدْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَطَبَّقْتَهَا بِصِدْقٍ؛ فَهَلْ سَيَبْقَى فِي بَيْتِكَ كِتَابٌ فِقْهِيٌّ تَقْرَؤُهُ؟!

هَلْ سَيَبْقَى لَكَ شَيْخٌ تَتَلَقَّى عَنْه؟! بَلْ هَلْ سَتَبْقَى أَنْتَ نَفْسُكَ بِلَا إِسْقَاط؟! إِنَّ اطِّرَادَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يُفْنِي كُلَّ أَحَدٍ، وَيَهْدِمُ مَعَالِمَ الشَّرِيعَةِ؛ وَفِي فَنَاءِ الْجَمِيعِ بِهَا، أَعْظَمُ دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ عَلَى بُطْلَانِهَا وَمُخَالَفَتِهَا لِشَرْعِ اللَّه.

فَعُدْ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَادِيَكَ فِي إِهْدَارِ مَحَاسِنِ الْعُلَمَاءِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخَيْبَةِ، وَيُورِثُكَ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ تُنْصَبُ مَوَازِينُ الْقِسْطِ.

قال الإمام ابن القيم: وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَالْحِكْمَةِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ وَعَظُمَتْ، وَكَانَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ لَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ لِغَيْرِهِ، وَيُعْفَى عَنْهُ مَا لَا يُعْفَى عَنْ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ خُبْثٌ، وَالْمَاءُ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ، بِخِلَافِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ أَدْنَى خُبْث.

البيانقَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ قَاطِعَة، وَقِيَاسٌ فِقْهِيٌّ مُبْهِر، يُفَكِّكُ مِيزَانَ الْحَدَّادِيَّةِ الْأَعْوَجَ وَيُعِيدُ الْأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا!

أَوَّلُ مَا يَسْتَوْقِفُكَ فِي هَذَا النَّصِّ الْعَظِيمِ هُوَ تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ لَهُ: «مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَالْحِكْمَة». فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْهُ مُجَرَّدَ ذَوْقٍ شَخْصِيٍّ أَوْ مُجَامَلَة، بَلْ جَعَلَهُ (قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً مُطَّرِدَة).

فَمَنْ أَرَادَ رَدَّهَا فَلْيَرُدَّهَا بِمَا تُرَدُّ بِهِ الْقَوَاعِدُ (أَيْ بِالْبُرْهَانِ وَالدَّلِيلِ)، لَا بِالصُّرَاخِ وَالتَّشْنِيعِ وَاتِّهَامِ الْمُخَالِفِ بِالتَّمْيِيعِ!

وَأَجْمَلُ مَا فِي هَذَا التَّأْصِيلِ هُوَ الْمِثَالُ الْفِقْهِيُّ الَّذِي ضَرَبَهُ؛ إِذْ نَقَلَ النِّزَاعَ بِعَبْقَرِيَّةٍ مِنْ فَوْضَى الْعَوَاطِفِ إِلَى انْضِبَاطِ الْفِقْه! فَمِقْدَارُ الْمَاءِ (الْقُلَّتَانِ) يُغَيِّرُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةِ فِيه، مَعَ أَنَّ النَّجَاسَةَ هِيَ ذَاتُهَا فِي الْحَالَيْنِ.

وَكَذَلِكَ (الزَّلَّة)؛ فَهِيَ زَلَّةٌ وَخَطَأٌ فِي الْحَالَيْنِ، لَكِنَّ حُكْمَهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي بَحْرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَمِيرَاثٍ مِنَ الْعِلْمِ، غَيْرُ حُكْمِهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي قَطْرَة!

وَهُنَا تَنْكَشِفُ عَوْرَةُ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ؛ فَهُمْ يَزِنُونَ (الزَّلَّةَ) مَعْزُولَةً تَمَامًا عَنْ صَاحِبِهَا وَتَارِيخِهِ؛ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُمْ عَالِمٌ كَبِيرٌ زَلَّ وَلَهُ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ، وَمُبْتَدِعٌ زَلَّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الدِّينِ سَابِقَةٌ وَلَا لَاحِقَة!

وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ عَيْنُ مَنْ يَزِنُ (حَجْمَ النَّجَاسَةِ) وَيَغْفُلُ تَمَامًا عَنِ النَّظَرِ فِي (حَجْمِ الْمَاء)!

وَلَاحِظِ الدِّقَّةَ السَّلَفِيَّةَ الْمُتَنَاهِيَةَ؛ فَابْنُ الْقَيِّمِ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الزَّلَّةَ تَنْقَلِبُ حَسَنَةً، بَلْ قَالَ: «يُحْتَمَلُ لَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ لِغَيْرِه». فَالْخَطَأُ بَاقٍ عَلَى وَصْفِهِ وَيُرَدّ، وَالْمُتَغَيِّرُ الْوَحِيدُ هُوَ (الْعَفْوُ عَنْ صَاحِبِهِ) لِسَابِقَةِ فَضْلِهِ. وَهَذَا هُوَ مَفْرِقُ الطُّرُقِ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي تَصْحِيحِ الْخَطَأِ، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي إِسْقَاطِ صَاحِبِهِ.

ثُمَّ اقْرَأِ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فَإِنَّهُ يَرْتَدُّ عَلَى الْغُلَاةِ لَا لَهُمْ: «بِخِلَافِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ أَدْنَى خُبْث». فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ وَلَا حَسَنَاتٌ عِظَامٌ؛ فَأَدْنَى خُبْثٍ يُفْسِدُهُ وَيُسْقِطُهُ!

فَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ؛ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ الَّذِينَ تَطْعَنُ فِيهِمْ هُمُ (الْبَحْرُ الْمُحِيطُ) الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ الْخَبَثُ، فَانْظُرْ إِلَى رَصِيدِكَ أَنْتَ فِي الْإِسْلَام: أَأَنْتَ الْبَحْر، أَمْ أَنْتَ (الْمَاءُ الْقَلِيلُ) الَّذِي أَفْسَدَتْهُ أَدْنَى نَجَاسَةٍ بِظُلْمِكَ وَتَطَاوُلِكَ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَوَاضَعْ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَادِيَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى بُحُورِ الْعِلْمِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ، يَوْمَ تَجِفُّ قَطَرَاتُ مَائِكَ الْقَلِيل.

قال الإمام ابن القيم: وَمَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرْعِ وَالْوَاقِعِ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ الَّذِي لَهُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمٌ صَالِحٌ وَآثَارٌ حَسَنَةٌ، وَهُوَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِمَكَانٍ، قَدْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ، هُوَ فِيهَا مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُورٌ لِاجْتِهَادِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ وَإِمَامَتُهُ وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِين.

البيانوَثِيقَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ، تَجْمَعُ الْمَجْدَ مِنْ طَرَفَيْهِ، وَتَنْسِفُ خُرَافَةَ (التَّضَادِّ الْمَوْهُومِ) فِي عُقُولِ الْحَدَّادِيَّة!

فَهُنَا يُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ (الْجَمْعَ السَّلَفِيَّ) الَّذِي يَزْعُمُ الْغُلَاةُ أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ؛ فَصَاغَهُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ وَبِنَفَسٍ وَاحِدٍ: «فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُه». نَهْيَانِ مُتَقَابِلَانِ، وَكِلَاهُمَا جَازِمٌ حَاسِم!

فَالنَّهْيُ الْأَوَّلُ (فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا) يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى التَّمْيِيعِ؛ فَلَا مُدَاهَنَةَ فِي الْحَقِّ، وَلَا مُتَابَعَةَ عَلَى الزَّلَّة. وَالنَّهْيُ الثَّانِي (وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ) يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى الْإِسْقَاطِ وَالْحَدَّادِيَّةِ؛ فَلَا طَعْنَ فِي الْإِمَامِ الْمُخْطِئِ وَلَا مَسْحَ لِتَارِيخِه. فَمَنْ أَخَذَ بِأَحَدِهِمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ، فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الْحَقِّ، وَشَوَّهَ النِّصْفَ الْآخَر.

ثُمَّ تَأَمَّلْ تَدَرُّجَ الْإِمَامِ الْمُذْهِلَ فِي بَيَانِ حَقِّ الْمُخْطِئِ: «مَعْذُورٌ، بَلْ وَمَأْجُورٌ لِاجْتِهَادِه». فَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ (رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْعَتْبِ) عَنْهُ، بَلْ تَرَقَّى لِيُثْبِتَ لَهُ (الْأَجْر)!

وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الْمَحْضُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئ. فَبَيْنَمَا يُشَنِّعُ الْغَالِي عَلَى الْإِمَامِ الْمُخْطِئِ وَيُسْقِطُه.. يَكُونُ الْعَالِمُ فِي ذَاتِ اللَّحْظَةِ مَعْذُورًا مَأْجُورًا عِنْدَ رَبِّه!

وَلَعَلَّ أَنْفَسَ مَا فِي هَذَا النَّصِّ هُوَ قَوْلُهُ: «وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِين»!

وَهُنَا يُكْشَفُ السِّرُّ الْخَطِير.. فَحَرْبُ الْغُلَاةِ لَيْسَتْ حَرْبًا عَلَى الْأَوْرَاقِ وَالْمُصَنَّفَاتِ، بَلْ هِيَ حَرْبٌ ضَرُوسٌ عَلَى (الْقُلُوب)! إِنَّهُمْ يَهْدِفُونَ بِمَشْرُوعِهِمُ الْإِسْقَاطِيِّ إِلَى انْتِزَاعِ "هَيْبَةِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ" مِنْ قَلْبِ الشَّابِّ الْمُسْلِمِ؛ فَإِذَا سَقَطَ الْأَئِمَّةُ مِنْ قَلْبِهِ، سَقَطَ الدِّينُ الَّذِي يَحْمِلُونَهُ وَسَهُلَ التَّلَاعُبُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْهَدْمُ الْخَبِيثُ الَّذِي لَا يُبْنَى بَعْدَهُ حَقّ.

فَاحْذَرْ أَيُّهَا الشَّابُّ مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ؛ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ لِتَفْرِيغِ قَلْبِكَ مِنْ إِجْلَالِ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى. فَوَاللَّهِ إِنَّ بَقَاءَ مَنْزِلَتِهِمْ فِي قَلْبِكَ، هُوَ بَقَاءٌ لِتَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي نَقَلُوهَا إِلَيْك.

وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الطَّاعِنُ؛ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَاعِيَكَ فِي إِهْدَارِ مَنْزِلَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ سَتَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَلَنْ تُسْقِطَ عَالِمًا رَفَعَهُ اللَّهُ، بَلْ سَتُورِدُكَ الْمَهَالِكَ، وَتُثْقِلُ مِيزَانَكَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر.

قال الحافظ الذهبي: الْإِمَامُ، فَقِيهُ الْمِلَّةِ، عَالِمُ الْعِرَاقِ، أَبُو حَنِيفَة... وَعُنِيَ بِطَلَبِ الْآثَارِ، وَارْتَحَلَ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الْفِقْهُ وَالتَّدْقِيقُ فِي الرَّأْيِ وَغَوَامِضِهِ فَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ عِيَالٌ فِي ذَلِك. الْإِمَامَةُ فِي الْفِقْهِ وَدَقَائِقِهِ مُسَلَّمَةٌ إِلَى هَذَا الْإِمَامِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا شَكَّ فِيه: وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيل.

البيانشَهَادَةٌ سَاطِعَةٌ كَشَمْسِ النَّهَارِ، مِنْ (أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ)، تَدُكُّ حُصُونَ الْحَدَّادِيَّةِ، وَتَكْشِفُ عَوَارَ مِيزَانِهِمُ الِانْتِقَائِيِّ الْمَرِيض!

لَقَدْ سَطَّرَ الذَّهَبِيُّ -وَهُوَ الْخَبِيرُ النَّاقِدُ الْعَارِفُ بِكُلِّ مَا قِيلَ فِي حَقِّ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَمَقَالَاتِ أَقْرَانٍ- هَذِهِ التَّزْكِيَةَ الْبَاذِخَةَ، فَسَمَّاهُ: (الْإِمَامُ، فَقِيهُ الْمِلَّة). وَهُنَا يُطْرَحُ الْإِلْزَامُ الْقَاصِم: إِمَّا أَنْ تَقْبَلُوا حُكْمَ الذَّهَبِيِّ هُنَا كَمَا تَتَتَرَّسُونَ بِهِ وَتُعَظِّمُونَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى، وَإِمَّا أَنْ تَعْتَرِفُوا بِأَنَّكُمْ تَنْتَقُونَ مِنْ أَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَكُمْ وَتَرُدُّونَ مَا خَالَفَهَا!

وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَأْزِقِ التَّارِيخِيِّ، صِرْنَا نَرَى بَعْضَ رُؤُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ يَطْعَنُونَ فِي الْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ الذَّهَبِيَّ الْمَوْزُونَ قَدْ نَسَفَ صَنَمَ غُلُوِّهِمْ.

ثُمَّ تَأَمَّلْ كَيْفَ اقْتَلَعَ الذَّهَبِيُّ أَشْهَرَ فِرْيَةٍ يُرْمَى بِهَا الْإِمَامُ؛ وَهِيَ زَعْمُ الْغُلَاةِ أَنَّهُ رَجُلُ "رَأْيٍ مُجَرَّدٍ" لَا يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَلَا يُعَظِّمُه!

فَقَالَ الذَّهَبِيّ: «وَعُنِيَ بِطَلَبِ الْآثَارِ وَارْتَحَلَ فِي ذَلِك».

وَهَذِهِ شَهَادَةُ بَرَاءَةٍ وَحَصَانَةٍ، لَا تَأْتِي مِنْ فَقِيهٍ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبِهِ فَالذَّهَبِيُّ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ، بَلْ مِنْ إِمَامٍ جِهْبِذٍ فِي (عِلْمِ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ وَالتَّرَاجِمِ) بِعَيْنِه.

ثُمَّ خَتَمَ الذَّهَبِيُّ تَرْجَمَتَهُ بِبَيْتٍ شِعْرِيٍّ يُلَخِّصُ الْمَأْسَاةَ الْعَقْلِيَّةَ لِمُنْتَقِصِي الْإِمَام: وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ *** إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ أَيْ إِنَّ (إِمَامَةَ أَبِي حَنِيفَةَ) مِنَ الْوُضُوحِ وَالْجَلَاءِ كَشَمْسِ النَّهَارِ؛ بِحَيْثُ إِنَّ (طَلَبَ الدَّلِيلِ) عَلَيْهَا لِإِثْبَاتِهَا، يُعَدُّ قَدْحًا وَمَرَضًا فِي عَقْلِ طَالِبِه!

فَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ (طَلَبِ الدَّلِيلِ) عَلَى إِمَامَتِهِ سَقَمٌ فِي الْعَقْلِ؛ فَمَا ظَنُّكَ بِخَبَالِ مَنْ لَا يَطْلُبُ الدَّلِيلَ عَلَيْهَا، بَلْ يَسْعَى حَثِيثًا لِنَقْضِهَا وَإِسْقَاطِهَا وَإِقْنَاعِ النَّاسِ بِأَنَّ شَمْسَ النَّهَارِ ظَلَامٌ دَامِس؟!

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَطَاوِلُ عَلَى قَامَاتِ الْإِسْلَامِ؛ اقْرَأْ شَهَادَةَ حُفَّاظِ الْأُمَّةِ فِي حَقِّ فَقِيهِ الْمِلَّةِ، وَاتَّهِمْ عَقْلَكَ الْمَرِيضَ إِنْ رَأَيْتَ النَّهَارَ لَيْلًا!

فَوَاللَّهِ إِنَّ شَمْسَ إِمَامَةِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّتِي أَشْرَقَتْ فِي سَمَاءِ الْأُمَّةِ قُرُونًا، لَنْ يَحْجُبَهَا غِرْبَالُ طُعُونِكَ، وَإِنَّ تَمَادِيَكَ فِي إِنْكَارِ هَذَا النَّهَارِ الْوَاضِحِ وَمُحَارَبَةِ أَئِمَّةِ الدِّينِ لَنْ يَضُرَّ الشَّمْسَ فِي شَيْء.

بَلْ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْعَمَى وَالْخُسْرَانِ يَوْمَ تُنْصَبُ مَوَازِينُ الْقِسْطِ وَالْإِنْصَاف.

قال الحافظ الذهبي: وَبِكُلِّ حَالٍ هُوَ - مَعَ بِدْعَةٍ فِيهِ - مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ؛ فَلَوْ أَنَّنَا أَهْدَرْنَا كُلَّ عَالِمٍ زَلَّ لَمَا سَلِمَ مَعَنَا إِلَّا الْقَلِيل. فَلَا تَحُطَّ يَا أَخِي عَلَى الْعُلَمَاءِ مُطْلَقًا، وَلَا تُبَالِغْ فِي تَقْرِيظِهِمْ مُطْلَقًا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيد.

البيانوَثِيقَةٌ نَادِرَةٌ مِنْ حَافِظِ الْإِسْلَامِ، تَقْطَعُ دَابِرَ الْإِسْقَاطِ، وَتَرْسُمُ مَنْهَجَ الْعَدْلِ فِي كَلِمَاتٍ وَجِيزَات!

هَذَا النَّصُّ قَالَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الَّذِي نُسِبَ إِلَى (الِاعْتِزَال)! فَلَمْ يَكْتُمِ الذَّهَبِيُّ تُهْمَتَهُ بَلْ أَثْبَتَهَا قَائِلًا: «مَعَ بِدْعَةٍ فِيه»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا فَوْرًا دُونَ فَاصِل: «مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاء». فَهُنَا مَصْرَعُ دَعْوَى الْغُلَاةِ؛ إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْبِدْعَةِ يَسْتَلْزِمُ حَتْمًا إِسْقَاطَ الْعَالِم! فَهَا هُوَ الذَّهَبِيُّ يُثْبِتُ الْبِدْعَةَ وَلَا يُسْقِطُ صَاحِبَهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْجَمْعُ تَمْيِيعًا، فَالذَّهَبِيُّ -وَهُوَ أَمِيرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ- أَوَّلُ الْمُمَيِّعِين!

ثُمَّ صَاغَ الْإِمَامُ الْمِيزَانَ السَّلَفِيَّ بِطَرَفَيْهِ: «فَلَا تَحُطّ... وَلَا تُبَالِغ». فَالنَّهْيُ عَنِ الطَّعْنِ وَالْإِسْقَاطِ، لَيْسَ إِقْرَارًا بِالْعِصْمَة. وَالنَّهْيُ عَنِ الْعِصْمَةِ، لَيْسَ إِذْنًا بِالْإِسْقَاط.

وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي ضَاعَ الْيَوْمَ بَيْنَ طَائِفَتَيْن: طَائِفَةٍ تَهْدِمُ، وَطَائِفَةٍ تَعْصِم.

وَلَعَلَّ أَرَقَّ مَا فِي النَّصِّ نِدَاءَه: «يَا أَخِي»، وَخِتَامَهُ بِالدُّعَاءِ: «وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيد». فَصَاحِبُ السُّنَّةِ يَنْصَحُ الشَّابَّ الْمَفْتُونَ بِشَفَقَةِ الْمُعَلِّمِ الَّذِي يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْهَلَكَةِ، لَا بِتَشَفِّي الْخَصْمِ وَاسْتِعْلَائِه.

فَيَا أَخِي وَطَالِبَ الْحَقِّ؛ خُذْ بِوَصِيَّةِ إِمَامِ الصَّنْعَة: لَا تَحُطَّ عَلَى الْعُلَمَاءِ فَتَظْلِمَ، وَلَا تُبَالِغْ فِي تَقْدِيسِهِمْ فَتَغْلُو.

وَأَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي قَذَفَ حُبَّ السُّنَّةِ فِي قَلْبِكَ أَنْ يُعِيذَكَ مِنْ قَسْوَةِ الْحَدَّادِيَّةِ، وَأَنْ يَتَوَفَّاكَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ السَّلَفِيِّ الصَّافِي.