عُرضت 36 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال الإمام ابن المبارك: إِذَا غَلَبَتْ مَحَاسِنُ الرَّجُلِ عَلَى مَسَاوِئِهِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ، وَإِذَا غَلَبَتِ الْمَسَاوِئُ عَلَى الْمَحَاسِنِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِن.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا التَّأْصِيلَ الْمَنْهَجِيَّ الْفَذَّ، لِتُدْرِكُوا أَنَّ سَلَفَنَا الصَّالِحَ تَرَكُوا لَنَا قَوَاعِدَ فِي الْعَدْلِ تَزِنُ الْجِبَال! هَذِهِ الْقَاعِدَةُ السَّلَفِيَّةُ الْمُوجَزَةُ، هِيَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ لِمَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ فِي السَّاحَةِ بِمَسْأَلَةِ «الْمُوَازَنَة»؛ وَالَّتِي يُشَنِّعُ الْحَدَّادِيَّةُ عَلَى مَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَيَعُدُّونَهَا "بِدْعَةً مُحْدَثَةً وَتَمْيِيعًا لِلدِّين"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُبَارَكِ -إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْجِهَادِ- يُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِوُضُوحٍ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ سَنَة.

وَتَأَمَّلُوا دِقَّةَ الْمِيزَانِ السَّلَفِيِّ هُنَا: الْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ (تُذْكَرُ الْمَحَاسِنُ وَتُذْكَرُ الْمَسَاوِئُ مَعًا فِي كُلِّ حَال)، بَلْ جَعَلَ الْمَذْكُورَ هُوَ (الْغَالِبَ) مِنْ حَالِ الرَّجُل. فَمَنْ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُ وَفَضَائِلُهُ؛ طُوِيَتْ مَسَاوِئُهُ وَذَابَتْ فِي بَحْرِ حَسَنَاتِهِ (وَلَمْ تُذْكَرْ). وَمَنْ غَلَبَتْ مَسَاوِئُهُ وَبِدْعَتُهُ وَهَدْمُهُ لِلدِّينِ؛ سَقَطَتْ مَحَاسِنُهُ الْمَرْجُوحَةُ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهَا. فَالْمِيزَانُ السَّلَفِيُّ إِذَنْ يَعْمَلُ فِي الْجِهَتَيْنِ بِعَدْلٍ، لَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَزْعُمُ الْغُلَاة.

وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الصَّارِمَةِ، يَنْكَشِفُ عَوَارُ الْحَدَّادِيَّةِ وَتَدْلِيسُهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ مَعًا: الْأَوَّل: أَنَّهُمْ يَنْبُشُونَ مَسَاوِئَ وَزَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُمْ وَمَلَأَتِ الْآفَاق! وَهَذَا مُصَادَمَةٌ صَرِيحَةٌ لِقَوْلِ الْإِمَام: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ). الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ تَمَامًا ذِكْرَ أَيِّ حَسَنَةٍ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ بِمُجَرَّدِ الْخِلَافِ، وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْقَاط! وَهَذَا تَنْزِيلٌ خَبِيثٌ لِلشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ الْقَاعِدَةِ (لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِنُ) عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ؛ فَجَعَلُوا أَئِمَّةَ الْهُدَى الْمُتَأَوِّلِينَ فِي مَنْزِلَةِ رُؤُوسِ الضَّلَالِ الْمُعَانِدِينَ! لَقَدْ قَلَبُوا الْقَاعِدَةَ وَعَكَسُوهَا لِتَهْدِمَ الدِّين.

ثُمَّ بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ، سَلُوا أَنْفُسَكُمْ: مَنْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ تَغْلِبُ مَحَاسِنُهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَالْحَافِظَ ابْنَ حَجَر؟! رَجُلَانِ أَفْنَيَا أَعْمَارَهُمْ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَشَرَحَا دَوَاوِينَ الْإِسْلَامِ، وَانْتَفَعَ بِكُتُبِهِمَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الْأَرْض!

فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْأَكَابِرِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَك: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ)، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا؟!

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيّ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ قَال: أَنَا أَتْرُكُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ كُلَّ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي بِدْعَة. فَضَحِكَ يَحْيَى وَقَال: كَيْفَ يَصْنَعُ بِقَتَادَة؟ كَيْفَ يَصْنَعُ بِعَمْرِو بْنِ ذَرٍّ الْهَمْدَانِيّ؟ كَيْفَ يَصْنَعُ بِابْنِ أَبِي رَوَّاد؟ - وَعَدَّ قَوْمًا - ثُمَّ قَال: إِنْ تَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا الضَّرْبَ تَرَكَ كَثِيرًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيّ: لَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لِحَالِ الْقَدَر، وَلَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ لِذَلِكَ الرَّأْي، خَرِبَتِ الْكُتُب.

البيانقِفُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ عِنْدَ هَذِهِ الْمُحَاكَمَةِ التَّارِيخِيَّةِ الْقَاطِعَة! فَهُنَا تُعْرَضُ أَعْظَمُ قَوَاعِدِ الْغُلَاةِ الْيَوْمَ (إِسْقَاطُ كُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ أَوْ خَطَأ) عَلَى كِبَارِ جَهَابِذَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل، لِتَسْقُطَ سُقُوطًا مُدَوِّيًا.

انْظُرُوا أَوَّلًا إِلَى رِدَّةِ فِعْلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان: «فَضَحِكَ يَحْيَى»! لَمْ يُطِلْ فِي الْمُنَاظَرَة، وَلَمْ يَتَشَنَّجْ لِيَرُدّ، بَلْ ضَحِكَ مُسْتَخِفًّا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْخَيَالِيَّةِ الَّتِي تَنْهَارُ بِمُجَرَّدِ مُحَاوَلَةِ تَطْبِيقِهَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِع. وَهَذِهِ الضَّحْكَةُ مِنْ إِمَامِ الْمُحَدِّثِينَ هِيَ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى كُلِّ قَاعِدَةٍ يَبْتَكِرُهَا الْغُلَاة؛ يَبْدُو ظَاهِرُهَا "الْحَزْمُ وَالْغَيْرَةُ عَلَى الْعَقِيدَة"، وَحَقِيقَتُهَا وَبَاطِنُهَا "هَدْمٌ لِلدِّينِ وَتَضْيِيعٌ لِلسُّنَّة".

ثُمَّ أَلْقَى يَحْيَى بِحُجَّتِهِ الدَّامِغَةِ قَائِلًا: «كَيْفَ يَصْنَعُ بِقَتَادَة؟!». وَقَتَادَةُ هُوَ حَافِظُ الْعَصْرِ وَمُفْتِيه، وَلَكِنَّهُ رُمِيَ بِالْقَدَر! وَهَكَذَا يَحْيَى يَسُوقُ أَسْمَاءَ الْجِبَالِ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِبَعْضِ الْبِدَع، ثُمَّ يَخْتِمُهَا بِقَوْلِه: «إِنْ تَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا الضَّرْبَ، تَرَكَ كَثِيرًا». وَهَذَا هُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ "الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ الْمُدَمِّرَة"؛ فَلَوْ أَسْقَطْنَا كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي التَّأْوِيلِ أَوْ وَقَعَ فِي بِدْعَة، لَمَا بَقِيَ لَنَا مِنْ تُرَاثِ الْأُمَّةِ وَحُفَّاظِهَا أَحَد!

وَتَكْتَمِلُ الضَّرْبَةُ الْقَاضِيَةُ بِكَلِمَةِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ الَّتِي تَرْتَجِفُ لَهَا الْقُلُوب: «خَرِبَتِ الْكُتُب!» أَيْ لَضَاعَ الْحَدِيث، وَلَانْدَرَسَتِ السُّنَن، وَلَتَمَزَّقَ الدِّين. فَإِنَّ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ وَحُفَّاظَ الْأَسَانِيد؛ فِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالْقَدَر، وَفِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء، وَفِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالتَّشَيُّع! فَلَوْ طُبِّقَتْ قَاعِدَةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ فِي إِسْقَاطِ الْمُخَالِف، لَضَاعَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَانْقَطَعَ سَنَدُه!

وَهُنَا نَقِفُ لِنُلْجِمَ الْحَدَّادِيَّ بِحُجَّةٍ لَا قِبَلَ لَهُ بِرَدِّهَا: يَا هَذَا! إِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ تَحْتَجُّ بِهِ الْيَوْمَ لِتُبَدِّعَنَا بِه، وَكُلَّ آيَةٍ تَقْرَأُ تَفْسِيرَهَا، إِنَّمَا وَصَلَتْكَ عَبْرَ أَسَانِيدِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ وَهَذِهِ الطَّبَقَات. فَإِنْ أَسْقَطْتَ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ وَتَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ (كَمَا تَقْتَضِي قَاعِدَتُك)، فَقَدْ هَدَمْتَ أَسَانِيدَك، وَخَرَّبْتَ كُتُبَك، وَأَضَعْتَ دِينَكَ بِيَدِك! وَإِنْ أَبْقَيْتَهُمْ وَرَوَيْتَ عَنْهُمْ وَقَبِلْتَ عِلْمَهُم، فَقَدْ أَقْرَرْتَ رَغْمًا عَنْ أَنْفِكَ بِـ "قَاعِدَةِ الْعُذْرِ وَالتَّكَامُل" الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا مَنْهَجُ السَّلَف، وَسَقَطَ مَنْهَجُك!

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ الْمَفْتُون: حِينَمَا تُحَاكِمُ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ بِقَاعِدَةِ الْإِسْقَاطِ وَالتَّبْدِيع، فَتَذَكَّرْ ضَحْكَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيد، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَهْدِمُ الْأَشْخَاصَ كَمَا تَتَوَهَّم، بَلْ تَسْعَى -بِجَهْلِكَ وَغِلْظَتِكَ- إِلَى أَنْ (تُخَرِّبَ الْكُتُب) وَتَهْدِمَ الدِّين.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَفِظَ دِينَهُ بِأَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف.

قال الحافظ ابن عبد البر: وَأَفْرَطَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه، وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ فِي ذَلِك، وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِدْخَالُهُ الرَّأْيَ وَالْقِيَاسَ عَلَى الْآثَارِ وَاعْتِبَارُهُمَا... وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا وَلَهُ تَأْوِيلٌ فِي آيَةٍ، أَوْ مَذْهَبٌ فِي سُنَّةٍ، رَدَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ سُنَّةً أُخْرَى بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخ؛ إِلَّا أَنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَهُوَ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ قَلِيل.

البيانكَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ حَافِظِ الْمَغْرِبِ الْأَنْدَلُسِيِّ، تُشَخِّصُ دَاءَ الْإِفْرَاطِ، وَتَضْبِطُ مِيزَانَ الْإِنْصَافِ الدَّقِيقَ الَّذِي طَاشَ فِي أَيْدِي الْغُلَاة!

لَقَدْ شَخَّصَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَقِيقَةً تَارِيخِيَّة؛ وَهِيَ أَنَّ قِسْمًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِينَ -بِدَافِعِ الْغَيْرَةِ الْمَحْمُودَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَخَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ طُغْيَانِ مَدْرَسَةِ الرَّأْيِ فِي زَمَانِهِمْ- قَدْ (أَفْرَطُوا وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ) فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَة. وَهَذَا يُثْبِتُ لَكَ أَنَّ "الْإِفْرَاطَ فِي الذَّمِّ" مَسْأَلَةٌ قَدِيمَةٌ وَقَعَ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْفَضْلِ عَنِ اجْتِهَادٍ وَغَيْرَةٍ، فَعُذِرُوا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ لِصِدْقِهِمْ، وَسَابِقَتِهِمْ، وَظَرْفِ زَمَانِهِمْ. لَكِنَّ الْمُصِيبَةَ الْكُبْرَى هِيَ فِيمَنْ يَأْتِي الْيَوْمَ خَالِيَ الْوِفَاضِ، لِيَجْعَلَ مِنْ هَذَا التَّارِيخِ عَقِيدَةً وَدِينًا يُمَزِّقُ بِهِ صَفَّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ!

وَكَلَامُ الْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ فِقْهِ الْإِنْصَافِ الَّذِي يَفْتَقِدُهُ الْغُلَاة: أَنَّ الْخَصْلَةَ وَالزَّلَّةَ إِذَا وُجِدَتْ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ فِي كُلِّ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، لَمْ تَصْلُحْ أَبَدًا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا وَحِيدًا لِإِسْقَاطِ رَجُلٍ بِعَيْنِه! إِذْ لَوْ كَانَتْ تُسْقِطُ صَاحِبَهَا وَتُخْرِجُهُ مِنَ السُّنَّةِ، لَسَقَطَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ جَمِيعًا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، وَلَمَا بَقِيَ لَنَا دِينٌ نَعْبُدُ اللَّهَ بِه!

فَيَا أَيُّهَا الطَّعَّانُ الَّذِي جَعَلَ مِنْ زَلَّاتِ التَّأْوِيلِ سُلَّمًا لِتَكْفِيرِ الْأَئِمَّة: إِنْ كَانَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ فِي الدُّنْيَا لَهُ زَلَّةٌ بِرَدِّ سُنَّةٍ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخٍ، فَهَلْ سَتُعْمِلُ سَيْفَ التَّبْدِيعِ فِي جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَتَنْسِفُ تُرَاثَ الْإِسْلَام؟! أَمْ أَنَّكَ تَكِيلُ بِمِكْيَالَيْنِ، فَتَعْذُرُ فُلَانًا، وَتُبَدِّعُ أَبَا حَنِيفَةَ وَتَلْعَنُهُ لِمِثْلِهَا؟!

مَنْ يَبْنِي دِينَهُ الْيَوْمَ عَلَى "الْإِفْرَاطِ" الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الْحَافِظُ، وَيَتْرُكُ "الْإِنْصَافَ" الَّذِي قَرَّرَهُ، لَنْ يَحْصُدَ إِلَّا الْخَيْبَةَ يَوْمَ تُوزَنُ الْأَعْمَالُ بِالْقِسْطِ لَا بِالْأَهْوَاء.

قال قوام السنة الأصبهاني: أَخْطَأَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ الصُّورَةِ، وَلَا يُطْعَنُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْب.

البيانقَاعِدَةٌ سَلَفِيَّةٌ تَزِنُ بِالذَّهَبِ، كُتِبَتْ فِي نِصْفِ سَطْرٍ، لِتَكُونَ دُسْتُورًا رَبَّانِيًّا يَحْكُمُنَا فِي مُعَامَلَةِ الْكِبَارِ مَتَى مَا زَلُّوا! تَأَمَّلُوا هَذَا النَّصَّ الْعَظِيمَ الَّذِي تَضَمَّنَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ عِلْمِيَّةٍ رُتِّبَتْ بِدِقَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا الْغُلَاة: (إِثْبَاتُ الْخَطَأِ بِلَا تَعَصُّبٍ، ثُمَّ مَنْعُ الطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ، ثُمَّ تَحْدِيدُ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى خَطَئِه).

فَالْمَنْهَجُ السَّلَفِيُّ هُنَا يُقَرِّرُ بِوُضُوح: أَنَّ الْمَطْلُوبَ عِنْدَ زَلَّةِ الْعَالِمِ السُّنِّيِّ هُوَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَخْطَأَ فِيهَا فَقَطْ (لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْب)، وَلَيْسَ هَجْرَ الْعَالِمِ، وَلَا تَمْزِيقَ عِرْضِهِ، وَلَا إِحْرَاقَ كُتُبِهِ، وَلَا إِسْقَاطَهُ مِنْ سِجِلَّاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا تَفْعَلُ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم! وَهَذَا هُوَ التَّنْزِيلُ الْعَمَلِيُّ الدَّقِيقُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِك: «كُلٌّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُرَدّ».

ثُمَّ انْظُرُوا مَنْ هُوَ الْمُخْطِئُ هُنَا؟ إِنَّهُ الْإِمَامُ (ابْنُ خُزَيْمَة)؛ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَصَاحِبُ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ «التَّوْحِيد»، وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَابِ (الصِّفَاتِ) تَحْدِيدًا!

وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ دَقِيقٍ فِي (حَدِيثِ الصُّورَةِ)، فَهَلْ أَسْقَطَهُ السَّلَف؟!

هَلْ قَالُوا: هَذَا مُمَيِّعٌ تَلَوَّثَ بِبِدَعِ الْجَهْمِيَّة؟!

كَلَّا، بَلْ صَانُوا مَقَامَهُ، وَحَفِظُوا إِمَامَتَهُ، وَرَدُّوا زَلَّتَه. فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ عُذْرَ السَّلَفِ لِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، فَكَيْفَ لَا يُعْذَرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؟!

وَانْظُرُوا مَنْ هُوَ الرَّادُّ وَالْمُقَيِّم؟ إِنَّهُ الْإِمَامُ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِـ (قِوَامِ السُّنَّةِ)، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي الْجَلَالَةِ وَالصَّلَابَةِ وَنُصْرَةِ الِاعْتِقَاد! فَالصَّلَابَةُ فِي الْعَقِيدَةِ لَمْ تَمْنَعْهُ مِنْ كَمَالِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ مَعَ الْمُخَالِفِ، فَهُمَا خَصْلَتَانِ لَا تَتَنَافَيَانِ قَطُّ إِلَّا فِي عُقُولِ الْغُلَاةِ الضَّيِّقَة.

فَيَا أَيُّهَا الْحَدَّادِيُّ الَّذِي يَنْصِبُ الْمَشَانِقَ لِلْعُلَمَاءِ عَلَى الزَّلَّةِ الْوَاحِدَة: لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي زَمَانِكُمْ هَذَا، وَوَزَنْتُمُوهُ بِمِيزَانِكُمُ الْأَسْوَدِ، لَبَدَّعْتُمُوهُ وَأَسْقَطْتُمُوهُ وَحَذَّرْتُمْ مِنْ كِتَابِه!

فَبِأَيِّ دِينٍ تَتَعَبَّدُونَ لِلَّه؟! إِنَّ قِوَامَ السُّنَّةِ يُعَلِّمُنَا الْيَوْمَ أَنَّ (الْغَيْرَةَ عَلَى الْعَقِيدَةِ) لَا تَعْنِي اسْتِبَاحَةَ لُحُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ حِرَاسَةَ الدِّينِ لَا تَتِمُّ بِظُلْمِ الْعِبَادِ وَإِسْقَاطِ الْأَئِمَّة.

فَمَتَى تُدْرِكُ أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ أَنَّ لِسَانَكَ الَّذِي تَلُوكُهُ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدِّينِ بِحُجَّةِ "الْغَيْرَةِ عَلَى السُّنَّةِ"، هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الظُّلْمِ وَالْبِدْعَةِ الْخَوَارِجِيَّة!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَمَنْ ظَنَّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِقِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ عَلَيْهِمْ، وَتَكَلَّمَ إِمَّا بِظَنٍّ وَإِمَّا بِهَوًى؛ فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَعْمَلُ بِحَدِيثِ التَّوَضُّؤِ بِالنَّبِيذِ فِي السَّفَرِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، وَبِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، لِاعْتِقَادِهِ صِحَّتَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا.

البيانحُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ وَنَقْلِيَّةٌ بَالِغَةٌ، تَنْفُذُ إِلَى النَّوَايَا وَالْمَقَاصِدِ، وَتَفْضَحُ أَدْعِيَاءَ نُصْرَةِ الْأَثَر!

حَصَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَالَ الطَّاعِنِ الْمُفْتَرِي فِي قِسْمَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، فَقَال: «إِمَّا بِظَنٍّ وَإِمَّا بِهَوًى». فَلْيَخْتَرِ الطَّاعِنُ أَيَّ الْقِسْمَيْنِ شَاءَ، فَلَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ ثَالِثٌ يَدَّعِي فِيهِ أَنَّهُ يَطْعَنُ (اتِّبَاعًا لِلدَّلِيلِ) أَوْ (غَيْرَةً عَلَى السُّنَّة).

ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِالتَّقْرِيرِ النَّظَرِيِّ، بَلْ سَاقَ الْبُرْهَانَ الْعَمَلِيَّ السَّاطِع: إِمَامٌ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ يُقَدِّمُ "الْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ" عَلَى "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ".. فَإِذَا بِهِ يَتْرُكُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ الصَّرِيحَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، اسْتِجَابَةً لِحَدِيثَيْنِ ضَعِيفَيْنِ (لِاعْتِقَادِهِ هُوَ صِحَّتَهُمَا)، فِي حِينِ أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا!

فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ أَيُّ مُتَّهَمٍ بِتَقْدِيمِ رَأْيِهِ وَهَوَاهُ عَلَى النَّصِّ يَفْعَلُ هَذَا الصَّنِيعَ، وَيَتْرُكُ رَأْيَهُ وَقِيَاسَهُ تَعْظِيمًا لِحَدِيثٍ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلًا؟!

وَفِي هَذَا قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ تَنْفَعُكَ فِي كُلِّ بَاب: أَنَّ الطَّعْنَ فِي نِيَّاتِ الْأَئِمَّةِ وَمَقَاصِدِهِمْ مُجَرَّدُ (دَعْوَى)، وَالدَّعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ، وَالْبُرْهَانُ هُنَا قَدِ انْقَلَبَ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَبْطَلَ فِرْيَتَهُ مِنْ أَسَاسِهَا.

وَلْتَعْلَمْ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدْ أَفْرَدَ لِهَذَا التَّأْصِيلِ الْعَظِيمِ رِسَالَةً بَدِيعَةً أَسْمَاهَا رَفْعُ الْمَلَامِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَهِيَ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى هَذَا الْمَوْقِعِ فِي قِسْمِ الْكُتُبِ.

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الْفَرْقَ الْجَلِيَّ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي (رَفْعِ الْمَلَامِ)، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي (جَمْعِ الزَّلَّاتِ).. فَلْيَقْرَأْهَا.

فَيَا أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي نَوَايَا الْأَئِمَّةِ؛ لَيْسَ لَكَ فِي طَعْنِكَ مَخْرَجٌ شَرْعِيّ؛ فَإِمَّا أَنَّكَ تَتَّبِعُ (ظَنًّا) كَاذِبًا لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، أَوْ تَتَّبِعُ (هَوًى) يُرْدِيكَ.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي مَقَاصِدِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ سَرَائِرَهُمْ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تُدَنَّسَ بِشُبُهَاتِكَ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَنِ اجْتَهَدَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَدَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَ لَمْ يُكَفَّرْ؛ بَلْ يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُه.

البيانقَاعِدَةٌ رَبَّانِيَّةٌ رَحِيمَةٌ، لَوْ فَقِهَهَا الْغُلَاةُ وَتَأَمَّلُوهَا لَنَامَتِ الْأُمَّةُ مِلْءَ جُفُونِهَا، وَلَاسْتَرَاحَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ فِتَنِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيع!

هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْمُوجَزَةُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، بُنِيَتْ عَلَى رُكْنَيْنِ وَمِيزَانَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: (الِاجْتِهَادُ) وَ(قَصْدُ الْحَقّ).

فَمَتَى مَا بَذَلَ الْعَالِمُ وُسْعَهُ وَاجْتَهَدَ، وَكَانَ قَاصِدًا فِي قَلْبِهِ الْوُصُولَ إِلَى الْحَقِّ وَمَرْضَاةِ اللَّه؛ فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ الدَّمُ وَالْعِرْضُ، وَلَا يُكَفَّرُ وَلَا يُبَدَّعُ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْخَطَأِ الْجَسِيمِ، بَلْ خَطَؤُهُ مَغْفُورٌ بِنَصِّ الْوَحْي.

وَبِهَذَا الضَّابِطِ الدَّقِيقِ، يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الصِّنْفُ الْوَحِيدُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَعِيدِ؛ وَهُوَ (الْمُعَانِدُ الْمُسْتَكْبِرُ) الَّذِي تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ كَالشَّمْسِ، ثُمَّ عَانَدَ وَشَاقَّ الرَّسُولَ اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ أَوْ دُنْيَاه.

فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسْقَطُ وَيُهْجَرُ! أَمَّا الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا وَوَقَعُوا فِي زَلَّةٍ فِقْهِيَّةٍ أَوْ لَفْظَةٍ مُخَالِفَةٍ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْوَعِيدُ بِحَال.

وَهُنَا يُطْرَحُ السُّؤَالُ الْقَاطِعُ عَلَى كُلِّ حَدَّادِيٍّ يُبَدِّعُ الْأَئِمَّةَ الْيَوْمَ: حَتَّى يَصِحَّ لَكَ تَبْدِيعُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْقَاطُهُ بِمُوجَبِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ هَلْ أَثْبَتَّ يَقِينًا (انْتِفَاءَ قَصْدِ الْحَقِّ) مِنْ قَلْبِه؟!

هَلْ تَمْلِكُ بَيِّنَةً قَطْعِيَّةً عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ مُخَالَفَةَ الرَّسُولِ ﷺ عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا وَكُرْهًا لِلسُّنَّة؟!

(قَصْدُ الْحَقِّ) عَمَلٌ خَفِيٌّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَكَيْفَ لَكَ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْه؟! وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَقَدِ ادَّعَى الْغَيْبَ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إِلَيْه.

فَتَبَصَّرْ أَيُّهَا الْمِسْكِينُ فِي حَالِكَ؛ كَيْفَ تَجَرَّأْتَ عَلَى شَقِّ قُلُوبِ الْأَئِمَّةِ لِتَدَّعِيَ سُوءَ مَقَاصِدِهِمْ وَتُعَقِّدَ عَلَيْهَا الْوَلَاءَ وَالْبَرَاء؟!

إِنَّ النَّوَايَا وَالْمَقَاصِدَ سِرٌّ مُغْلَقٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهَا لِيُحَاكِمَ النَّاسَ عَلَيْهَا فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي خَصَائِصِهِ وَتَسَوَّرَ عَلَى الْغَيْب.

فَالْزَمْ غَرْزَ السَّلَفِ فِي عُذْرِ الْمُجْتَهِدِينَ وَحِفْظِ مَقَامَاتِهِمْ، وَدَعِ السَّرَائِرَ لِعَالِمِ الْخَفِيَّاتِ، قَبْلَ أَنْ تُفْضَحَ سَرِيرَتُكَ بَيْنَ الْخَلَائِق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الْمُتَأَوِّلُ الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ لَا يُكَفَّرُ، بَلْ وَلَا يُفَسَّقُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأ. وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّة. وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَان، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِين؛ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة.

البيانوَثِيقَةٌ تَيْمِيَّةٌ حَارِقَة، تَنْسِفُ شَجَرَةَ الْغُلُوِّ مِنْ جُذُورِهَا التَّارِيخِيَّة، وَتَرُدُّ بِضَاعَةَ الْحَدَّادِيَّةِ الْفَاسِدَةَ إِلَى نُحُورِهِمْ!

فَهُنَا يَقِفُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَجْتَثَّ (بِدْعَةَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ بِالْخَطَأِ فِي الْعَقِيدَة) وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْلِهَا الْأَسْوَد.

وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ يَتَسَتَّرُ بِرِدَاءِ السَّلَف؛ إِذْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَمَنْعَ الْعُذْرِ فِي الْعَقَائِدِ لَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَة، وَلَا التَّابِعِين، وَلَا أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَطّ!

بَلْ هُوَ مِيرَاثٌ خَبِيثٌ تَلَقَّفَهُ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ الصَّافِيَةِ كَالْخَوَارِج، وَالْمُعْتَزِلَة، وَالْجَهْمِيَّة!

ثُمَّ وَضَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ عَلَى الْعَلَامَةِ الْفَارِقَةِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَع، وَهِيَ: (أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ). فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ فِي ذَاتِ الْخِلَاف، بَلْ فِي تَحْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى (مِحْنَةٍ وَمِقْصَلَة) يُعْقَدُ عَلَيْهَا الْوَلَاءُ وَالْبَرَاء، وَيُسْقَطُ بِهَا الْمُخَالِفُ الْمَعْذُور؛ وَهَذَا هُوَ دِينُ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُعَاصِرُ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّة!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ حَسَمَ الْإِمَامُ مَوْضِعَ النِّزَاعِ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَة، فَقَالَ: «وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا».

فَهُوَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ الْهَدْمِيَّ مَوْجُود، وَأَنَّ فَاعِلِيهِ (كَثِير)، وَمَعَ ذَلِكَ أَخْرَجَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ بِجُرْأَةٍ عِلْمِيَّةٍ صَرِيحَةٍ مِنْ دَائِرَةِ مَذْهَبِ السَّلَف!

وَعَلَّقَ عُذْرَ الْمُخَالِفِ عَلَى شَرْطٍ وَاحِد: «الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُول». وَالْقَصْدُ سِرٌّ مَدْفُونٌ فِي الْقَلْب؛ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْلَمُ سُوءَ قَصْدِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمْ لِيُسْقِطَهُمْ، فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إِلَيْه.

فَيَا لَلْعَجَبِ مِنْ حَالِكَ أَيُّهَا الْمَفْتُون! تَزْعُمُ أَنَّكَ تَرْفَعُ سَيْفَ الْجَرْحِ لِتَقْمَعَ الْخَوَارِجَ وَالْجَهْمِيَّة، فَإِذَا بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ يُخْبِرُكَ نَصًّا أَنَّكَ تَسْتَعْمِلُ (قَوَاعِدَ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ) ذَاتَهَا فِي قَمْعِ إِخْوَانِكَ وَإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْهُدَى!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَلَا تَهْدِمْ صَرْحَ السُّنَّةِ بِمَعَاوِلِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تُحْسِنُ صُنْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ السَّلَفِيَّ الصَّرِيحَ عَلَى عُذْرِ الْمُتَأَوِّل، لَنْ تَنْقُضَهُ قَسْوَتُكَ وَلَا كَثْرَةُ طُعُونِكَ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الْأَقْوَالُ الَّتِي يَكْفُرُ قَائِلُهَا قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَمْ تَبْلُغْهُ النُّصُوصُ الْمُوجِبَةُ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَقَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فَهْمِهَا، وَقَدْ يَكُونُ قَدْ عَرَضَتْ لَهُ شُبُهَاتٌ يَعْذِرُهُ اللَّهُ بِهَا. فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَأَخْطَأَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ كَائِنًا مَا كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّة. هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام، وَمَا قَسَّمُوا الْمَسَائِلَ إِلَى مَسَائِلِ أُصُولٍ يُكَفَّرُ بِإِنْكَارِهَا، وَمَسَائِلِ فُرُوعٍ لَا يُكَفَّرُ بِإِنْكَارِهَا.

البياندَكَّةٌ عِلْمِيَّةٌ عُظْمَى تَهْدِمُ آخِرَ حُصُونِ الْغُلُوِّ، وَتَسُدُّ مَنَافِذَ الْهَرَبِ عَلَى مَنْ يَتَسَتَّرُ بِبِدْعَةِ التَّفْرِيق!

فَإِنَّكَ مَتَى مَا حَاصَرْتَ الْغَالِيَ بِنُصُوصِ السَّلَفِ الْقَاطِعَةِ فِي (الْعُذْرِ بِالْخَطَأ)، فَرَّ إِلَى حِصْنِهِ الْأَخِيرِ قَائِلًا: "هَذَا الْعُذْرُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالْفُرُوعِ، أَمَّا الِاعْتِقَادُ وَالْأُصُولُ فَلَا عُذْرَ فِيهَا لِمُخْطِئ"!

فَجَاءَهُ نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ لِيَقْتَلِعَ هَذَا الْحِصْنَ الْمَوْهُومَ مِنْ أَسَاسِهِ، وَيُقَرِّرَ نَصًّا: «وَمَا قَسَّمُوا الْمَسَائِل..»؛ لِيُثْبِتَ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ ذَاتَهُ (تَقْسِيمٌ مُحْدَث)، لَمْ يَعْرِفْهُ الصَّحَابَةُ وَلَا جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّة.

وَتَأَمَّلِ الْحَسْمَ التَّيْمِيَّ فِي إِغْلَاقِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ؛ إِذْ قَالَ فِي خَطَأِ الْمُجْتَهِدِ: «يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ كَائِنًا مَا كَان»، ثُمَّ فَصَّلَهَا تَصْرِيحًا لَا تَلْمِيحًا: «سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّة». وَالْمَسَائِلُ النَّظَرِيَّةُ هِيَ (مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ) عَيْنُهَا الَّتِي يُكَابِرُ الْغُلَاةُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِلْمُخْطِئِ فِيهَا!

ثُمَّ قِفْ مَبْهُوتًا أَمَامَ فِقْهِ الْأَعْذَارِ؛ فَقَدْ سَرَدَ الْإِمَامُ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ رَحِيمَةٍ تَدْرَأُ الْحُكْمَ عَنِ الْمُخْطِئِ: (أَلَّا يَبْلُغَهُ النَّصُّ، أَوْ يَبْلُغَهُ وَلَا يَثْبُتَ عِنْدَهُ، أَوْ يَثْبُتَ وَلَا يَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِهِ، أَوْ تَعْرِضَ لَهُ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْذِرُهُ اللَّهُ بِهَا).

أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ سَلَفِيَّةٍ لِلْعُذْرِ، يَمُرُّ عَلَيْهَا الْغَالِي الْيَوْمَ وَهُوَ أَعْمَى الْقَلْبِ، ثُمَّ يُنْزِلُ حُكْمَ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ اللَّفْظِ مِنَ الْإِمَامِ الْمُخَالِفِ، دُونَ أَدْنَى الْتِفَاتٍ لِعُذْرٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ تَأْوِيل!

وَلْتَعْلَمْ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ لَمْ يَسُقْ هَذَا الْكَلَامَ كَرَأْيٍ يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ، بَلْ قَالَ: «هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام». فَمَنْ رَدَّ الْعُذْرَ الْيَوْمَ؛ فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يَرُدُّ اجْتِهَادَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، بَلْ يَنْقُضُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَيُفَارِقُ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ؛ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الرَّحْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ تُفْتَحُ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَأَنْتَ تُوصِدُهَا جَمِيعًا فِي وَجْهِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لِتُسْقِطَهُم!

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ أَقَامَكَ جَلَّادًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ تَمْنَعُ رَحْمَتَهُ أَنْ تَنَالَ عِبَادَهُ الْمُخْلِصِين؟!

اتَّقِ اللَّهَ فِي وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ غَدًا؛ فَقَدْ تَقَعُ فِي زَلَّةٍ أَوْ خَطَأٍ فَاحِشٍ، وَتَتَمَنَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ عَذَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، فَتَجِدُهُ قَدْ حُرِمَ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ ضَيَّقْتَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَئِمَّةِ الْخَيْر!

فَوَاللَّهِ لَوْ عَامَلَكَ دَيَّانُ السَّمَاوَاتِ غَدًا بِمِثْلِ قَسْوَتِكَ وَظُلْمِكَ الْيَوْمَ، لَهَلَكْتَ وَلَمْ يَنْفَعْكَ ادِّعَاءُ السُّنَّة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأٍ أَخْطَأَهُ يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ، بَلْ وَلَا يَأْثَم؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي دُعَاءِ الْمُؤْمِنِين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ»... وَلَوْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ لَلَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالصُّوفِيَّةِ، الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين.

البياننَصٌّ قُرْآنِيٌّ قَطْعِيٌّ، وَإِلْزَامٌ تَارِيخِيٌّ مُرَوِّعٌ، يَهْدِمُ خُرَافَةَ (الْإِسْقَاطِ الْكُلِّيِّ)، وَيَفْضَحُ مَنْ يَنْقُضُ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ بِنُقُولَاتٍ شَاذَّة!

فَفِي صَدْرِ النَّصّ؛ أَبْطَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْخِيَارَ الْمُزْدَوِجَ الْخَبِيثَ الَّذِي يَطْرَحُهُ الْغُلَاةُ (إِمَّا الْقَبُولُ الْكُلِّيُّ لِكُلِّ كَلَامِ الْعَالِمِ، أَوِ الرَّفْضُ وَالْإِسْقَاطُ الْكُلِّيُّ لَه)!

فَقَرَّرَ الْقَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّة: (يُؤْخَذُ وَيُتْرَك). فَمَا تَتْرُكُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَالِمِ لِكَوْنِهِ أَخْطَأَ فِيهِ، لَا يُوجِبُ تَكْفِيرَهُ وَلَا تَبْدِيعَهُ، بَلْ وَلَا تَأْثِيمَهُ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ الثَّابِت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَبِقَوْلِ اللَّهِ: «قَدْ فَعَلْت».

فَرَفْعُ الْإِثْمِ عَنِ الْمُخْطِئِ لَيْسَ مُجَرَّدَ اجْتِهَادٍ فِقْهِيٍّ، بَلْ هُوَ اسْتِجَابَةٌ إِلَهِيَّةٌ مُخْبَرٌ بِوُقُوعِهَا.

ثُمَّ نَأْتِي إِلَى (الْإِلْزَامِ الْقَاصِمِ) فِي هَذَا النَّصّ؛ إِذْ سَرَدَ الْإِمَامُ طَوَائِفَ الْأُمَّةِ وَمَذَاهِبَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَة (الْحَنَفِيَّةُ، الْمَالِكِيَّةُ، الْأَشْعَرِيَّةُ، الصُّوفِيَّةُ..)، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى رُؤُوسِ دُعَاةِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ بِصَخْرَةِ (الْإِجْمَاعِ) قَائِلًا: «الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين».

فَتَقْرِيرُ التَّكْفِيرِ بِالْخَطَأِ يُلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ جُمْهُورِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ بَاطِلٌ فَاحِشٌ، فَالْمَذْهَبُ الْبَانِي لَهُ بَاطِلٌ مِنْ أَسَاسِه.

وَهُنَا نَقِفُ مَعَ شُبْهَةٍ سَقِيمَةٍ يَلُوكُهَا الْحَدَّادِيَّة؛ فَإِنَّكَ إِذَا وَاجَهْتَهُمْ بِهَذَا الْإِجْمَاعِ السَّاطِعِ عَلَى نَفْيِ الْكُفْرِ عَنْ تِلْكَ الطَّوَائِفِ وَعَنْ أَئِمَّةٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ، نَبَشُوا فِي بُطُونِ الْكُتُبِ، وَاسْتَخْرَجُوا لَكَ أَقْوَالًا شَدِيدَةً لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِهِم!

وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ صَمِيمِ هَذَا النَّصّ: لَقَدْ حَكَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُنَا (اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ)، وَالْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ لَا يُنْقَضُ بِكَلِمَةٍ شَاذَّةٍ لِعَالِمٍ، وَلَا بِغَضْبَةٍ فِي وَقْتِ فِتْنَةٍ أَوْ مِحْنَة!

فَالسَّلَفِيَّةُ الْحَقَّةُ هِيَ لُزُومُ (الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ) الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي النِّهَايَةِ، وَلَيْسَ تَتَبُّعَ (الشُّذُوذَاتِ) وَالْمَقَالَاتِ الْمَهْجُورَةِ وَالْمَرْدُودَةِ الَّتِي تُخَالِفُ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِين.

فَاحْذَرْ أَيُّهَا الْغَالِي مِنْ مَسْلَكِكَ الْمُهْلِك؛ أَئِمَّةُ الْهُدَى يَنْقُلُونَ (اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ) عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ وَحِفْظِ إِسْلَامِهِمْ، وَأَنْتَ تَنْبُشُ فِي مَزَابِلِ الْخِلَافِ عَنْ قَوْلٍ شَاذٍّ مَهْجُورٍ لِتُكَفِّرَهُمْ وَتَسْتَبِيحَ حُرُمَاتِهِم!

فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ بِمُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الْمُؤْمِنِين؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَذَّ عَنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فِي حِفْظِ مَقَامَاتِ الْأَئِمَّةِ شَذَّ فِي النَّارِ، وَلَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ تَعَلُّقُهُ بِنَقْلٍ شَاذٍّ مَبْتُورٍ يَوْمَ الْعَرْضِ الْأَكْبَر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ: فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ بَاغُونَ بِالْخَطَأ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُعْصَمُونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ.

البيانتَشْخِيصٌ تَيْمِيٌّ عَبْقَرِيّ، يَضَعُ الْمِبْضَعَ عَلَى شِرْيَانِ الْغُلُوِّ، وَيُفَكِّكُ الْعُقْدَةَ الْمَنْهَجِيَّةَ الَّتِي صَنَعَتِ الْحَدَّادِيَّة!

فِي سَطْرٍ وَاحِد، كَشَفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ جِذْرَ الْمَرَضِ الَّذِي يَجْمَعُ طَوَائِفَ الِانْحِرَافِ (الْغَالِيَةَ وَالْجَافِيَةَ)؛ وَهُوَ اعْتِقَادُهُمُ الْفَاسِدُ بـ (التَّلَازُمِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْإِثْمِ)؛ أَيْ ظَنُّهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَعَ فِي الْخَطَأِ فَهُوَ آثِمٌ وَمُبْتَدِعٌ قَطْعًا!

فَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا التَّلَازُمَ، وَقَعَ حَتْمًا فِي أَحَدِ مُسْتَنْقَعَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَنْفِيَ الْخَطَأَ عَنْ إِمَامِهِ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الْإِثْمَ (فَيَغْلُوَ وَيَجْعَلَهُ مَعْصُومًا)، وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ الْإِثْمَ وَالتَّبْدِيعَ عَلَى الْعَالِمِ لِثُبُوتِ خَطَئِهِ (فَيَجْفُوَ وَيَجْعَلَهُ بَاغِيًا).

وَهُنَا تَجَلَّتْ عَبْقَرِيَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ إِذْ كَسَرُوا هَذَا التَّلَازُمَ الْفَاسِدَ مِنْ جُذُورِه! فَقَرَّرُوا: أَنَّ (الْخَطَأَ) قَدْ يَثْبُتُ، وَ(الْإِثْمَ) قَدْ يَنْتَفِي كُلِّيًا.

وَبِهَذَا الْفِقْهِ النَّيِّرِ وَحْدَه، يَسْتَقِيمُ لَكَ أَنْ تَقُولَ بِثِقَة: "أَخْطَأَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي التَّأْوِيلِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِه". هَذِهِ الْعِبَارَةُ السُّنِّيَّةُ الْمَوْزُونَةُ الَّتِي لَوْ تَفَوَّهْتَ بِهَا الْيَوْمَ فِي مَجَالِسِ الْغُلَاةِ لَرَمَوْكَ بِالتَّمْيِيعِ وَالضَّلَالِ؛ هِيَ عَيْنُ تَقْرِيرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حِينَ حَسَمَ الْمَوْقِفَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فَقَالَ: «لَا يُعْصَمُونَ، وَلَا يُؤَثَّمُونَ».

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ سَاوَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْوَصْفِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَأَسْمَاهُمَا مَعًا: (أَهْلَ الضَّلَال)! فَلَمْ يَجْعَلْ تَقْدِيسَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِشُيُوخِهِمْ، بِأَهْوَنَ مِنْ طَعْنِ الْحَدَّادِيَّةِ وَإِسْقَاطِهِمْ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

فَالَّذِي يَكْسُو إِمَامَهُ بُرْدَةَ الْعِصْمَةِ، وَالَّذِي يَنْصِبُ الْمَشَانِقَ لِعَالِمٍ مُجْتَهِدٍ أَخْطَأَ؛ كِلَاهُمَا عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ضَالٌّ عَنْ قَصْدِ السَّبِيل.

فَزِنْ نَفْسَكَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ بِهَذَا الْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ: مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ أَبْيَضُ يَقُولُ: «الْمُجْتَهِدُ إِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ مَغْفُور»، وَمَنْهَجٌ حَدَّادِيٌّ أَسْوَدُ يَقُولُ: «مَتَى مَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ يُسْقَطُ وَيُهْجَر»!

فَأَيُّ الْمَنْهَجَيْنِ وَصَفَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ (أَهْلِ الضَّلَال)؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَرَاجِعْ أُصُولَكَ؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ الْبَقَاءَ مَعَ (أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ) فِي عُذْرِ الْمُجْتَهِدِينَ وَحِفْظِ مَقَامَاتِهِمْ، خَيْرٌ لَكَ وَأَسْلَمُ لِدِينِكَ مِنْ تَصَدُّرِ مَجَالِسِ الضَّلَالِ الَّتِي لَا تُبْقِي لِعَالِمٍ حُرْمَة، وَلَا تَتْرُكُ لِلْإِسْلَامِ إِمَامًا.