قال الإمام ابن المبارك: إِذَا غَلَبَتْ مَحَاسِنُ الرَّجُلِ عَلَى مَسَاوِئِهِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ، وَإِذَا غَلَبَتِ الْمَسَاوِئُ عَلَى الْمَحَاسِنِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِن.
البيانتَأَمَّلُوا هَذَا التَّأْصِيلَ الْمَنْهَجِيَّ الْفَذَّ، لِتُدْرِكُوا أَنَّ سَلَفَنَا الصَّالِحَ تَرَكُوا لَنَا قَوَاعِدَ فِي الْعَدْلِ تَزِنُ الْجِبَال! هَذِهِ الْقَاعِدَةُ السَّلَفِيَّةُ الْمُوجَزَةُ، هِيَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ لِمَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ فِي السَّاحَةِ بِمَسْأَلَةِ «الْمُوَازَنَة»؛ وَالَّتِي يُشَنِّعُ الْحَدَّادِيَّةُ عَلَى مَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَيَعُدُّونَهَا "بِدْعَةً مُحْدَثَةً وَتَمْيِيعًا لِلدِّين"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُبَارَكِ -إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْجِهَادِ- يُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِوُضُوحٍ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ سَنَة.
وَتَأَمَّلُوا دِقَّةَ الْمِيزَانِ السَّلَفِيِّ هُنَا: الْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ (تُذْكَرُ الْمَحَاسِنُ وَتُذْكَرُ الْمَسَاوِئُ مَعًا فِي كُلِّ حَال)، بَلْ جَعَلَ الْمَذْكُورَ هُوَ (الْغَالِبَ) مِنْ حَالِ الرَّجُل. فَمَنْ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُ وَفَضَائِلُهُ؛ طُوِيَتْ مَسَاوِئُهُ وَذَابَتْ فِي بَحْرِ حَسَنَاتِهِ (وَلَمْ تُذْكَرْ). وَمَنْ غَلَبَتْ مَسَاوِئُهُ وَبِدْعَتُهُ وَهَدْمُهُ لِلدِّينِ؛ سَقَطَتْ مَحَاسِنُهُ الْمَرْجُوحَةُ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهَا. فَالْمِيزَانُ السَّلَفِيُّ إِذَنْ يَعْمَلُ فِي الْجِهَتَيْنِ بِعَدْلٍ، لَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَزْعُمُ الْغُلَاة.
وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الصَّارِمَةِ، يَنْكَشِفُ عَوَارُ الْحَدَّادِيَّةِ وَتَدْلِيسُهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ مَعًا: الْأَوَّل: أَنَّهُمْ يَنْبُشُونَ مَسَاوِئَ وَزَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُمْ وَمَلَأَتِ الْآفَاق! وَهَذَا مُصَادَمَةٌ صَرِيحَةٌ لِقَوْلِ الْإِمَام: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ). الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ تَمَامًا ذِكْرَ أَيِّ حَسَنَةٍ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ بِمُجَرَّدِ الْخِلَافِ، وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْقَاط! وَهَذَا تَنْزِيلٌ خَبِيثٌ لِلشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ الْقَاعِدَةِ (لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِنُ) عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ؛ فَجَعَلُوا أَئِمَّةَ الْهُدَى الْمُتَأَوِّلِينَ فِي مَنْزِلَةِ رُؤُوسِ الضَّلَالِ الْمُعَانِدِينَ! لَقَدْ قَلَبُوا الْقَاعِدَةَ وَعَكَسُوهَا لِتَهْدِمَ الدِّين.
ثُمَّ بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ، سَلُوا أَنْفُسَكُمْ: مَنْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ تَغْلِبُ مَحَاسِنُهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَالْحَافِظَ ابْنَ حَجَر؟! رَجُلَانِ أَفْنَيَا أَعْمَارَهُمْ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَشَرَحَا دَوَاوِينَ الْإِسْلَامِ، وَانْتَفَعَ بِكُتُبِهِمَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الْأَرْض!
فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْأَكَابِرِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَك: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ)، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا؟!
