قال الإمام ابن القيم: فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصدُ السبيل بينهما، فلا نؤثّم ولا نعصم. وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهلٍ بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهلٍ بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله.

البيانتشخيصٌ سلفيٌ بالغُ الدقة، يضع الإصبع على الجرح الدامي، ويفكك العقلية الحدادية تحليلاً يقطع دابر الشبهة!

فالغلاة اليوم يعيشون في وهم (التضاد الموهوم)؛ فهم يظنون أن نصرة الحق والغيرة عليه لا تجتمع أبداً مع حفظ مقامات الأئمة المخطئين، وأنك مضطرٌ حتماً لاختيار أحدهما: فإما أن تهدر كرامة العالِم لتنصر السنة، وإما أن تحفظ مقامه لتكون مميعاً مداهناً!

فجاء ابن القيم ليهدم هذا الوهم قائلاً: «وإنما يتنافيان عند أحد رجلين...»، فالتناقض بين نصرة السنة وعذر الإمام لا يوجد في ميزان الشرع، بل يوجد فقط في عقل (الجاهل).

ثم فصّل الإمام هذا الجهل إلى قسمين، وكلاهما والله تراه متجسداً بعينك اليوم: الأول: جاهلٌ بمقدار الأئمة وفضلهم وعنائهم في نصرة الدين؛ ولهذا يسهل على لسانه الطعن في كبار الأمة لأنه لا يَعرِفُ من قَدْرهم إلا ما قرأه في قصاصات الجرح والتبديع المبتورة. والثاني: جاهلٌ بحقيقة الشريعة السمحة ومقاصدها؛ فهو يَظُنُّ أن الشريعة بُنيت على القسوة والتنكيل بالمخطئ، فيحسب أن (العدل والإنصاف) تمييع، وأن (الظلم والتشنيع) غيرةٌ وسلفية!

فاعرض نفسك أيها المتصدر للتبديع على هذين القسمين من الجهل قبل أن تعرض عليهما غيرك؛ فإن أنفع النظر ما بدأ به العبد في إصلاح سريرته. فسَل نفسك: هل أنت جاهلٌ بحقوق الأئمة وفضلهم، أم جاهلٌ برحمة الشريعة وعدلها؟!

اتق الله، وتواضع لمعرفة قَدْر من سبقك، واعلم أن حقيقة الشريعة أوسع وأرحم من صدرك الضيق، وأن الجهل إذا اقترن بالهوى والغرور أهلك صاحبه.

قال الإمام ابن القيم: استشهد سبحانه بأولي العلم على أجلّ مشهودٍ عليه وهو توحيده، فقال: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط﴾. وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر. والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته. والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته. والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول... فالأئمة الذين اشتهروا عند الأمة بنقل العلم النبوي وميراثه كلهم عدولٌ بتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا لا يُقبَلُ قدحُ بعضهم في بعض.

البيانتزكيةٌ قرآنية قاطعة، تغلق أوسع أبواب الفتنة، وتعصم الأمة من عبث النباشين في كلام الأقران!

تأمل كيف استنبط الإمام ابن القيم هذا الشرف العظيم للأئمة من قلب القرآن؛ فالله جل جلاله لم يستشهد على أعظم مشهودٍ به (وهو التوحيد) إلا بالعدول. فتعديلُهم وتزكيتهم جاءت من جهة الاستشهاد الإلهي، بل وقُرنت بشهادة رب العالمين وشهادة ملائكته الكرام. فمن طعن في عدالتهم وأسقطهم مجتمعين، فقد جعل ذِكر شهادتهم في الآية مع شهادة الله والملائكة كلاماً بلا معنى!

ثم قف طويلاً عند الجملة الخاتمة التي تنسف منهج الغلاة من القواعد: «ولهذا لا يُقبَلُ قدحُ بعضهم في بعض».

إن صناعة الحدادية الهدمية لا تقوم اليوم إلا على هذا الباب المظلم (باب كلام الأقران)؛ فهم يفنون أعمارهم في نبش ما قاله عالمٌ في عالمٍ آخر إبان محنةٍ أو غضبةٍ أو خلاف، ثم يبنون على هذا القدح التاريخي المبتور صرحاً لإسقاط الإمام!

فجاء ابن القيم ليغلق هذا الباب بالضبة والمفتاح، مقرراً أن التزكية القرآنية القطعية لأئمة الدين تمنع قبول طعن بعضهم في بعض.

ولكي لا يتسلل الغلاة من باب المثالية الكاذبة؛ دفع ابن القيم وهماً خبيثاً يقعون فيه؛ إذ يظنون أن (العالِم العدْل) هو الملك المعصوم الذي لا يقع في خطأ ولا زلة! فقرر الإمام أن العالِم عدلٌ مؤتمنٌ على الدين، وإن وقع منه خطأ أو زلة؛ فإن الخطأ في الاجتهاد لا ينافي أصل (العدالة)، كما أنه لا ينافي (الإيمان والولاية).

فيا أيها النباش في خصومات الأقران؛ الله من فوق سبع سماوات يرفع ذِكر العلماء ويقرن شهادتهم بشهادة ملائكته، وأنت تمرغ أسماءهم في وحل التبديع والإسقاط!

هل تظن أن الله يزكيهم ثم يكل إليك إسقاطهم بنقولاتٍ عفا عليها الزمن؟!

اتق الله في شهود الله في الأرض، واعلم أن نبشك في كلام الأقران لن يُسقِطَ مقعداً لعالمٍ رفعه القرآن، بل سيعود عليك بالخسران والندامة بين يدي ديان السماوات والأرض.

قال الإمام ابن القيم: لو كان كلُّ من أخطأ أو غلِط تُرك جملةً وأُهدرت محاسنُه، لفسدت العلومُ والصناعاتُ والحِكَم، وتعطّلت معالمُها.

البيانقاعدةٌ عقلية وشرعية، وإلزامٌ حتميٌ مرعب، يعري منهج الإسقاط ويثبت أنه معول هدمٍ للحياة والدين!

في سطرٍ واحد، صاغ ابن القيم هذا (الإلزام بالنتيجة)؛ وهو من أشد الحجج فتكاً بالغلاة؛ لأنه لا يناقشهم في مسألةٍ جزئية أو خطأ معين، بل يعرض لهم العاقبة الكارثية لمنهجهم!

فلو طُبقت (قاعدة الإسقاط بالخطأ) باطراد، لم يفسد العلم الشرعي فحسب، بل لفسدت كل علوم الأرض وصناعاتها وحِكَمها؛ إذ لا يخلو عالمٌ ولا طبيبٌ ولا صانعٌ من غلطة.

وتأمل الدقة البالغة في قوله: «تُرك جملةً»؛ فالإمام لم يُنكر (ترك الخطأ)، بل أنكر (ترك العالِم ورده بالكلية) لأجل خطئه!

وهذا هو الفارق الجوهري بين المنهج السلفي في (تصحيح المسألة ورد الخطأ)، وبين المنهج الحدادي في (إسقاط صاحبها ومسح تاريخه).

ثم إن قوله: «وأُهدرت محاسنُه» هو التشخيص الأدق والأوجز لصناعة الغلو اليوم!

فهم يطوون حسنات الإمام كلها، ويمحون جهاده وكتبه في نصرة السنة، ولا يرفعون عقيرتهم إلا بموضع زلته!

بل ويزايدون، فيسمون ذِكر محاسن الأئمة (بدعة الموازنات والتمييع)! بينما ابن القيم يقرر أن إهدار المحاسن هو طريق تعطيل الدين وإفساد معالمه.

فاعرض هذه القاعدة الإسقاطية المدمرة على نفسك أولاً قبل أن تسلطها على الأئمة الأعلام: لو أنك طردت هذه القاعدة وطبقتها بصدق؛ فهل سيبقى في بيتك كتابٌ فقهي تقرؤه؟!

هل سيبقى لك شيخٌ تتلقى عنه؟! بل هل ستبقى أنت نفسك بلا إسقاط؟! إن اطراد هذه القاعدة يُفني كل أحد، ويهدم معالم الشريعة؛ وفي فناء الجميع بها، أعظمُ دليلٍ قطعيٍّ على بطلانها ومخالفتها لشرع الله.

فعد إلى عدل الإسلام، واعلم أن تماديك في إهدار محاسن العلماء سيعود عليك بالخيبة، ويورثك حسرةً وندامةً يوم تُنصب موازين القسط.

قال الإمام ابن القيم: ومن قواعد الشرع والحكمة أيضًا أن من كثُرت حسناتُه وعظُمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر، فإنه يُحتمل له ما لا يُحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يُعفى عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماءُ إذا بلغ قُلَّتين لم يَحمِلِ الخبثَ، بخلاف الماء القليل فإنه يَحمِلُ أدنى خبث.

البيانقاعدةٌ شرعية قاطعة، وقياسٌ فقهي مبهر، يفكك ميزان الحدادية الأعوج ويعيد الأمور إلى نصابها!

أول ما يستوقفك في هذا النص العظيم هو تسمية الإمام له: «من قواعد الشرع والحكمة». فهو لم يجعله مجرد ذوقٍ شخصي أو مجاملة، بل جعله (قاعدة شرعية مطردة).

فمن أراد ردّها فليردّها بما تُرَدُّ به القواعد (أي بالبرهان والدليل)، لا بالصراخ والتشنيع واتهام المخالف بالتمييع!

وأجمل ما في هذا التأصيل هو المثال الفقهي الذي ضربه؛ إذ نقل النزاع بعبقرية من فوضى العواطف إلى انضباط الفقه! فمقدار الماء (القلّتان) يغير حكم النجاسة الواقعة فيه، مع أن النجاسة هي ذاتها في الحالين.

وكذلك (الزلة)؛ فهي زلةٌ وخطأ في الحالين، لكن حكمها إذا وقعت في بحرٍ من الحسنات وميراثٍ من العلم، غير حكمها إذا وقعت في قطرة!

وهنا تنكشف عورة المنهج الحدادي؛ فهم يزنون (الزلة) معزولةً تماماً عن صاحبها وتاريخه؛ فيستوي عندهم عالمٌ كبير زلّ وله في نصرة الإسلام تأثيرٌ ظاهر، ومبتدعٌ زلّ وليس له في الدين سابقة ولا لاحقة!

وهذا والله هو عينُ من يزن (حجم النجاسة) ويغفل تماماً عن النظر في (حجم الماء)!

ولاحظ الدقة السلفية المتناهية؛ فابن القيم لم يقل إن الزلة تنقلب حسنة، بل قال: «يُحْتَمَلُ له ما لا يُحتمل لغيره». فالخطأ باقٍ على وصفه ويُرَدّ، والمتغير الوحيد هو (العفو عن صاحبه) لسابقة فضله. وهذا هو مفرق الطرق بين المنهج السلفي في تصحيح الخطأ، وبين المنهج الحدادي في إسقاط صاحبه.

ثم اقرأ الشطر الأخير فإنه يرتد على الغلاة لا لهم: «بخلاف الماء القليل فإنه يَحمِلُ أدنى خبث». فمن لم يكن له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر ولا حسناتٌ عظام؛ فأدنى خبثٍ يفسده ويسقطه!

فقف مع نفسك أيها المتصدر للتبديع؛ الأئمة الأعلام الذين تطعن فيهم هم (البحر المحيط) الذي لا ينجسه الخبث، فانظر إلى رصيدك أنت في الإسلام: أأنت البحر، أم أنت (الماء القليل) الذي أفسدته أدنى نجاسةٍ بظلمك وتطاولك؟!

اتق الله، وتواضع لورثة الأنبياء، واعلم أن التمادي في الجناية على بحور العلم سيعود عليك بالخسران، يوم تجف قطرات مائك القليل.

قال الإمام ابن القيم: ومن له علمٌ بالشرع والواقع يَعلَمُ قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدمٌ صالح وآثارٌ حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوةُ والزلّة، هو فيها معذورٌ بل ومأجورٌ لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تُهدَر مكانتُه وإمامتُه ومنزلتُه من قلوب المسلمين.

البيانوثيقةٌ ذهبيةٌ محكمة، تجمع المجد من طرفيه، وتنسف خرافة (التضاد الموهوم) في عقول الحدادية!

فهنا يحقق ابن القيم (الجمع السلفي) الذي يزعم الغلاة أنه مستحيل؛ فصاغه في سطرٍ واحد وبنَفَسٍ واحد: «فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تُهدَر مكانتُه». نهيان متقابلان، وكلاهما جازمٌ حاسم!

فالنهي الأول (فلا يجوز أن يُتَّبع فيها) يقطع دابر دعوى التمييع؛ فلا مداهنة في الحق، ولا متابعة على الزلة. والنهي الثاني (ولا يجوز أن تُهدر مكانته) يقطع دابر دعوى الإسقاط والحدادية؛ فلا طعن في الإمام المخطئ ولا مسح لتاريخه. فمن أخذ بأحدهما وترك الآخر، فقد أخذ نصف الحق، وشوّه النصف الآخر.

ثم تأمل تدرج الإمام المذهل في بيان حق المخطئ: «معذورٌ، بل ومأجورٌ لاجتهاده». فلم يقف عند حدود (رفع الإثم والعتب) عنه، بل ترقى ليثبت له (الأجر)!

وهذا هو الفقه المحض لحديث النبي ﷺ في المجتهد المخطئ. فبينما يشنّع الغالي على الإمام المخطئ ويُسقطه.. يكون العالِم في ذات اللحظة معذوراً مأجوراً عند ربه!

ولعل أنفس ما في هذا النص هو قوله: «ومنزلتُه من قلوب المسلمين»!

وهنا يُكشف السر الخطير.. فحرب الغلاة ليست حرباً على الأوراق والمصنفات، بل هي حربٌ ضروس على (القلوب)! إنهم يهدفون بمشروعهم الإسقاطي إلى انتزاع "هيبة حملة الشريعة" من قلب الشاب المسلم؛ فإذا سقط الأئمة من قلبه، سقط الدين الذي يحملونه وسهُل التلاعب به، وهذا هو الهدم الخبيث الذي لا يُبنى بعده حق.

فاحذر أيها الشاب من قطّاع الطرق؛ الذين يسعون لتفريغ قلبك من إجلال أئمة الهدى ومصابيح الدجى. فوالله إن بقاء منزلتهم في قلبك، هو بقاءٌ لتعظيم الشريعة التي نقلوها إليك.

وأما أنت أيها الطاعن؛ فاتق الله، واعلم أن مساعيك في إهدار منزلة الأئمة من قلوب العباد ستعود عليك بالخذلان، ولن تُسقِطَ عالماً رفعه الله، بل ستوردك المهالك، وتثقل ميزانك بالإثم والعدوان يوم تبلى السرائر.

قال الحافظ الذهبي: النواوي: الإمام، الحافظ، الأوحد، القدوة، شيخ الإسلام، عَلَمُ الأولياء، محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف، صاحب التصانيف النافعة. وهو سيّد أهل هذه الطبقة، وإنما ذكرتُه في الطبقة العشرين لتقدُّم موته. مُفتي الأمة، شيخ الإسلام، الحافظ الفقيه الشافعي الزاهد، أحد الأعلام. وقد نفَع الله الأمة بتصانيفه وانتشرت في الأقطار. قلتُ: ولا يحتمل كتابُنا أكثر مما ذكرنا من سيرة هذا السيد رحمة الله عليه، وكان مذهبُه في الصفات السمعية السكوتَ وإمرارَها كما جاءت، وربما تأوَّل قليلًا في شرح مسلم، رحمه الله تعالى.

البيانتزكيةٌ (ذهبيةٌ) ثقيلة، تنسف ميزان الغلاة الأعوج، وتضعهم أمام إلزامٍ تاريخي لا فكاك منه!

لِفهم قوة هذا النص؛ اقرأ آخره قبل أوله؛ فإن بيت القصيد فيه هو قوله: «وربما تأوَّل قليلًا في شرح مسلم».

فالحافظ الذهبي يَعلَمُ بوقوع النووي في التأويل، وقد وضع يده عليه في نفس الترجمة، وقيّده بكلمة (قليلاً)؛ ومع علمه التام بهذا الخطأ العقدي.. هل أسقطه؟! هل حذر منه؟! كلا! بل وقّره في صدر الترجمة بأعظم الألقاب التي تغيظ الحدادية، فسماه: (شيخ الإسلام، والإمام، والقدوة، وعَلَم الأولياء، وسيّد طبقته)!

وبهذا التقرير تَسقُطُ دعوى الغلاة الساقطة: "لو عرفتم تأويلات النووي لأسقطتموه كما نسقطه"! فها هو الإمام الذهبي قد عرفها، وأحصاها، وسبرها، ثم ختم سيرته بالتعظيم والترحم. فأيُّهما أعلمُ بحال النووي وعقيدته: الحافظ الذهبي الذي قرأ كتبه ووزن عصره، أم حدثٌ مغرورٌ قرأ عنه سطرين مبتورين في منشورٍ بائس؟!

ثم تأمّل شهادة الذهبي في أصل معتقد النووي: «وكان مذهبه في الصفات السمعية السكوت وإمرارها». فهذه شهادةٌ ناصعة من إمامٍ ناقد بأن (الغالب والأصل) عند النووي هو الإمرار، وأن (التأويل) عارضٌ قليل. بينما صنيع الحدادية هو الانتكاس؛ إذ جعلوا (القليل العارض) أصلاً ينسفون به تاريخ الرجل، وتجاهلوا (الأصل الغالب) الذي قرره الذهبي!

وهنا نضع الحدادية في زاوية الإلزام القاطع: إن الحافظ الذهبي هو إمام أهل السنة في "الجرح والتعديل"، وأنتم تستشهدون بنقده وصرامته في بعض الأحيان! فإن كان ميزانه النقدي مقبولاً عندكم.. فاقبلوا ميزانه وحكمه هنا في حق النووي! وإلا.. فاعترفوا صراحةً بأنكم لا تتبعون العلماء، بل تتخذونهم أنداداً؛ فتنتقون من كلامهم ما يوافق أهواءكم، وتضربون عرض الحائط بما يخالفها!

فيا أيها الطاعن؛ اتهم رأيك وميزانك، وتواضع أمام أئمة الشأن. فوالله إن الإمام الذهبي أشد غيرةً على العقيدة السلفية منك، وأعلم بمراتب الرجال منك.

فاحذر أن تضرب إجماع أئمة الجرح والتعديل بجهلك، فتعود بالخيبة، ويكون طعنك في "عَلَم الأولياء" حسرةً ووبالاً عليك يوم الحساب.

قال الحافظ الذهبي: الإمام، فقيه الملة، عالم العراق، أبو حنيفة... وعُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك. الإمامة في الفقه ودقائقه مسلَّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه: وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل.

البيانشهادةٌ ساطعةٌ كشمس النهار، من (أمير المؤمنين في الحديث)، تدك حصون الحدادية، وتكشف عوار ميزانهم الانتقائي المريض!

لقد سطر الذهبي -وهو الخبير الناقد العارف بكل ما قيل في حق أبي حنيفة من جرحٍ وتعديل ومقالات أقران- هذه التزكية الباذخة، فسماه: (الإمام، فقيه الملة). وهنا يُطرح الإلزام القاصم: إما أن تقبلوا حكم الذهبي هنا كما تتترسون به وتُعظمونه في مواضع أخرى، وإما أن تعترفوا بأنكم تنتقون من أقوال الأئمة ما يوافق أهواءكم وتردون ما خالفها!

ولأجل هذا المأزق التاريخي، صرنا نرى بعض رؤوس الحدادية اليوم يطعنون في الإمام الذهبي نفسه؛ لأن كلامه الذهبي الموزون قد نسف صنم غلوهم.

ثم تأمل كيف اقتلع الذهبي أشهر فريةٍ يُرمى بها الإمام؛ وهي زعم الغلاة أنه رجلُ "رأي مجرد" لا يَعرِفُ الحديثَ ولا يعظمه!

فقال الذهبي: «وعُني بطلب الآثار وارتحل في ذلك».

وهذه شهادة براءةٍ وحصانة، لا تأتي من فقيهٍ متعصب لمذهبه فالذهبي شافعي المذهب، بل من إمامٍ جهبذ في (علم الحديث والأثر والتراجم) بعينه.

ثم ختم الذهبي ترجمته ببيتٍ شعريٍ يلخص المأساة العقلية لمنتقصي الإمام: وليس يصح في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ أي إن (إمامة أبي حنيفة) من الوضوح والجلاء كشمس النهار؛ بحيث إن (طلب الدليل) عليها لإثباتها، يُعد قدحاً ومرضاً في عقل طالبه!

فإذا كان مجرد (طلب الدليل) على إمامته سقمٌ في العقل؛ فما ظنك بخبال من لا يطلب الدليل عليها، بل يسعى حثيثاً لنقضها وإسقاطها وإقناع الناس بأن شمس النهار ظلامٌ دامس؟!

فيا أيها المتطاول على قامات الإسلام؛ اقرأ شهادة حُفاظ الأمة في حق فقيه الملة، واتهم عقلك المريض إن رأيت النهار ليلاً!

فوالله إن شمس إمامة أبي حنيفة التي أشرقت في سماء الأمة قروناً، لن يحجبها غربال طعونك، وإن تماديك في إنكار هذا النهار الواضح ومحاربة أئمة الدين لن يضر الشمس في شيء.

بل سيعود عليك بالعمى والخسران يوم تُنصب موازين القسط والإنصاف.

قال الحافظ الذهبي: ولو أنّا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له قمنا عليه وبدّعناه وهجرناه، لما سلِم معنا لا ابن نصرٍ ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما. والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.

البيانقاعدةٌ ذهبيةٌ مكررة، وإلزامٌ قاصم، يكشف حقيقة الغلو ويردّه إلى أصله المظلم: (الهوى والفظاظة)!

يسوق الإمام الذهبي -وهو أمير الصنعة في الجرح والتعديل- هذا (الإلزام بالنتيجة) ليهدم به صرح الحدادية؛ فلو طبّقنا قاعدتكم في (التبديع والهجر لكل زلة)، لأفنينا الأمة، ولما سلم لنا إمام قط! وتطبيق قاعدةٍ تفني أئمة الأمة هو أعظم دليلٍ قطعي على بطلانها ومخالفتها لشرع الله.

ولكي تدرك عظمة هذا الأصل السلفي؛ يجب أن تَعرِفَ (السياق) المرعب الذي قيل فيه! فقد سطر الذهبي هذه القاعدة في ترجمة الإمام (محمد بن نصر المروزي)، بعد أن نُقل عنه أنه قال بـ (خلق الإيمان) وهجره علماء وقته لأجلها!

فهذا العذر الذهبي العظيم لم يُسق في "هفوةٍ فقهية يسيرة"، بل في إمامٍ اتُّهم بأغلظ ما يُتَّهم به في أبواب الاعتقاد!

فإن راوغ الحدادي كعادته وقال: (هذه كلمةٌ عابرة قيلت في سياقٍ خاص ولا تمثل منهج الذهبي)! فاصفعه بالحقيقة العلمية: إن الذهبي لم يقلها مرةً واحدة لتُتأول، بل كرر نظيرها في ترجمة (الماوردي)، وكررها في ترجمة (قتادة)، وكررها في (تاريخ الإسلام) بلفظ: «لو أنَّنا كلَّما أخطأ إمامٌ مجتهدٌ في مسألةٍ خطأً مغفورًا له هجرناه وبدّعناه، لما سلِم أحدٌ من الأئمة»! فالقاعدة التي تُقرر في أربعة مواضع، وتُطبق على أربعةٍ من كبار الرجال المتهمين في عقائدهم.. هي (منهجٌ سلفيٌّ راسخ)، وليست كلمةً عابرة!

ثم استمع لختام الذهبي حين وضع يده على (الداء الفتاك) المحرك للحدادية قائلاً: «فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة». لقد سمى الداء باسمه، فمن غلب عليه (الهوى) في تتبع الزلات؛ غلُظ طبعُه وأصيب بـ (الفظاظة)، ومن غلظ طبعُه عُميت بصيرتُه عن إبصار مواقع العدل والرحمة والإنصاف.

فاحذر أيها الخائض في أعراض أئمة الهدى؛ فإمام الجرح والتعديل يستعيذ بالله من (الهوى والفظاظة) التي تدفعك لتبديع العلماء وهجرهم!

فهل تظن أن فظاظتك وقسوتك على ورثة الأنبياء هي غيرةٌ محمودة؟!

اتق الله، ولِنْ للمؤمنين، واعلم أن التمادي في هذه القسوة سيعود عليك بالخسران، يوم يقف الأئمة بين يدي أرحم الراحمين متسربلين بأجور اجتهادهم، وتقف أنت مثقلاً بفظاظتك وظلمك.

قال الحافظ الذهبي: وبكلِّ حالٍ هو - مع بدعةٍ فيه - من كبار العلماء؛ فلو أنَّنا أهدرنا كلَّ عالمٍ زلَّ لما سلِم معنا إلا القليل. فلا تحُطَّ يا أخي على العلماء مطلقًا، ولا تبالغْ في تقريظهم مطلقًا، وأسألُ الله أن يتوفَّاك على التوحيد.

البيانوثيقةٌ نادرة من حافظ الإسلام، تقطع دابر الإسقاط، وترسم منهج العدل في كلماتٍ وجيزات!

هذا النص قاله الذهبي في ترجمة الإمام الماوردي الذي نُسب إلى (الاعتزال)! فلم يكتم الذهبي تهمته بل أثبتها قائلاً: «مع بدعةٍ فيه»، ثم أتبعها فوراً دون فاصل: «من كبار العلماء». فهنا مصرع دعوى الغلاة؛ إذ يزعمون أن إثبات البدعة يستلزم حتماً إسقاط العالِم! فها هو الذهبي يثبت البدعة ولا يُسقِطُ صاحبَها، فإن كان هذا الجمع تمييعاً، فالذهبي -وهو أمير الجرح والتعديل- أول المميعين!

ثم صاغ الإمام الميزان السلفي بطرفيه: «فلا تحطّ... ولا تبالغ». فالنهي عن الطعن والإسقاط، ليس إقراراً بالعصمة. والنهي عن العصمة، ليس إذناً بالإسقاط.

وهذا هو العدل الذي ضاع اليوم بين طائفتين: طائفةٍ تهدم، وطائفةٍ تعصم.

ولعل أرقّ ما في النص نداءه: «يا أخي»، وختامه بالدعاء: «وأسأل الله أن يتوفاك على التوحيد». فصاحب السنة ينصح الشاب المفتون بشفقة المعلم الذي يخاف عليه من الهلكة، لا بتشفّي الخصم واستعلائه.

فيا أخي وطالب الحق؛ خذ بوصية إمام الصنعة: لا تحط على العلماء فتظلم، ولا تبالغ في تقديسهم فتغلو.

وأسأل الله الذي قذف حب السنة في قلبك أن يعيذك من قسوة الحدادية، وأن يتوفاك على التوحيد والعدل السلفي الصافي.

قال الحافظ الذهبي: ثم إنَّ الكبيرَ من أئمة العلم إذا كثُر صوابُه، وعُلم تحرّيه للحق، واتَّسع علمُه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحُه وورعُه واتّباعُه: يُغفر له زلَلُه، ولا نُضلِّله ونطرحه وننسى محاسنه. نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.

البياندستورٌ متكامل، يضبط الميزان بسبعة شروطٍ محكمة، ويغلق الطريق على الغلاة والمميعين معاً!

هذا النص من أدقّ ما قُرر في هذا الباب؛ لأنه لا يُطلق العذر كدعوى مرسلة، بل يضبطه بـ (شروطٍ سبعة): كثرةُ الصواب، وتحرّي الحق، وسعةُ العلم، وظهورُ الذكاء، والصلاحُ، والورعُ، والاتّباع. فمن اكتملت فيه غُفرت زلته، وهذا هو الأصل المطرد الذي استقر عليه عمل أهل السنة.

وبهذا التقييد الذهبي ينكسر أشهر اعتراضات الحدادية حين يصرخون: "قاعدتُكم في العذر تُدخل كل من هب ودب وتُميّع الدين!"؛ فنقول: كلا! بل هي لا تُدخل إلا من جمع هذه (الأوصاف السبعة)؛ فهاتِ رجلاً يعقل، ينازع في أن أبا حنيفة والنووي وابن حجر وغيرهم من أئمة الإسلام قد استكملوها! فالعذر حكرٌ على أئمة الدين، وليس رخصةً لكل متعالم.

ثم قف عند اللآلئ الثلاث التي نفاها الذهبي عن منهجه: «ولا نُضلِّله، ونطرحه، وننسى محاسنه». (لا تضليل، ولا إسقاط، ولا نسيان للمحاسن)! بينما الحدادية يفعلون الثلاثة جميعاً في حق الأئمة، ثم يسمون جنايتهم هذه (غيرةً وتحقيقاً)!

ولا تدع الشطر الأخير فإنه (حارس الباب): «نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه». فالخطأ مردودٌ لا يُتابع عليه، والإمام محفوظٌ لا يُسقَطُ؛ فمن أخذ بردّ الخطأ وأسقط الإمام فقد جفا وظلم، ومن حفظ الإمام وتابعه على خطئه فقد ميّع وضل.

ولعظم هذا الدستور؛ سطره الذهبي في ترجمة (قتادة)، وهو من أعمدة الإسناد رغم رميه ببدعة القدر! بل زاد الذهبي في نفس الترجمة معتذراً لقتادة: «ولعلّ الله يَعذُرُ أمثاله ممن تلبّس ببدعةٍ يريد بها تعظيم الرب وتنزيهه»؛ فاعتد بصلاح القصد.

فزِن أيها المتصدر للتبديع صنيعك بهذا الدستور الذهبي؛ فإن أئمة الإسلام قد استكملوا الشروط السبعة، فبأي حقٍ تضللهم وتطرحهم وتنسى محاسنهم؟!

اتق الله، ودع عنك مسلك الطرح والإسقاط، واعلم أن تماديك في تضليل أئمة الهدى سيعود عليك بالخذلان، وستسأل غداً بين يدي الله عن حسناتهم التي طويتها، لترفع بها راية غلوك.