قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا معشرَ من آمن بلسانه ولم يدخلِ الإيمانُ قلبَه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم؛ فإنه من اتَّبع عوراتِهم يتَّبعِ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضحْه في بيته.

البياناسمعوا النداء قبل أن تسمعوا النهي؛ فالنداء وحده موعظةٌ كاملة تهز أركان القلوب: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه»! لقد جعل الصادق المصدوق الغيبة وتتبع العورات علامةً قاطعة على إيمانٍ باردٍ وقف عند أطراف اللسان، ولم يبلغ شغاف القلب. فيا من جعل تتبع عثرات العلماء وزلاتهم صنعته: لا تسأل أحداً عن حال قلبك القاسي؛ فقد كشف لك النداء النبوي حقيقة مرضك منذ أربعة عشر قرناً!

وتأملوا بدقة قوله ﷺ: «ولا تتبعوا عوراتهم». التتبع -يا عباد الله- هو البحث والتفتيش المقصود؛ ليس أن تقع عينك على الزلة صدفة، بل أن تخرج متعمداً للتنقيب عنها احتقاراً لصاحبها، كما بيّنا من قبل أن الاحتقار هو جسر الاستحلال. وهذه هي حرفة هؤلاء الغلاة اليوم بالضبط! ينقّب أحدهم في شريطٍ سُجل منذ أربعين سنة، أو كتابٍ طُبع منذ قرون، لا يطلب علماً، ولا يبحث عن هدى.. إنما يلهث خلف عثرةٍ يفتتح بها سوق تبديعه، ويعقد بها مجلس طعنه! فسمِّ هذه الصنعة الدنيئة باسمها النبوي الصريح: "تتبُّع العورات"، وانظر في أي خندقٍ وضع النبي ﷺ أصحابها.

واسمعوا الجزاء كيف جاء من جنس العمل تماماً: «من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته». عورةٌ بعورة.. وتتبعٌ بتتبع! لكن قفوا هنا وتأملوا الفارق المرعب: أنت تتبع العورة بعجزك وضعفك البشري، والله المنتقم يتبع عورتك بقدرته وإحاطته التي لا يفلت منها مستتر! وتأملوا قوله: «في بيته»؛ أي في مأمنه ومخبأه حيث أغلق أبوابه ولا يتوقع الفضيحة أبداً! فمن أخرج زلات عباد الله من سترها ليذيعها، أخرج الله عورته من قعر بيته وفضحه على رؤوس الأشهاد.

والواقع المعاصر أصدق شاهدٍ على هذا الوعيد الإلهي. فوالله ما نصب أحدٌ نفسه لهتك أعراض العلماء إلا هتكه الله وقصمه. وقلَّ أن تروا من رؤوس هذا المنهج الإقصائي أحداً إلا وقد فُضح في خاصة أمره! وهذا ما وقع بالضبط عياناً بياناً؛ حيث خرجت فضائح رؤوس الحدادية، أمثال محمد شمس الدين، والخليفي، ودمشقية. فلما حلت بهم الفضيحة الموعودة، ما كان منهم ومن أتباعهم إلا الصياح والتشغيب وطلب الستر! يطلبون لأنفسهم ستراً مزقوه لغيرهم! ومع ذلك، ركبتهم العزة بالإثم، فلم يعتبروا بما وقع لهم، بل استمروا في إجرامهم ونهشهم لأعراض الأولياء.

وبعض هذه الفضائح والتسريبات كانت من داخلهم، فتأملوا كيف أن خصوماتهم بينهم تشهد بذلك أيضاً؛ فإذا اختلفوا وتنازعوا، نشر بعضهم أسرار بعض، وفضح بعضهم بعضاً، فنفّذوا هم بأنفسهم الوعيد النبوي بعضهم في بعض! فسبحان من جعل سياط عدله في أيدي الظالمين يقتص بها بعضهم من بعض!

يا هذا.. إن لك عوراتٍ وخبايا، لو تتبعها الله لكشفها وما قامت لك بعدها قائمة، وإنما تعيش وتتنفس في ستره الجميل! أفتأكل من مائدة الستر، ثم تمضي لتمزق ستور عباد الله وأوليائه؟

استر تُستر، وأقلل من تتبع عثرات الناس يُقلل الله من تتبع عثراتك؛ فالجزاء دائماً من جنس العمل، وأنت الذي تختار بأي الميزانين تُجازى.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ما من امرئٍ يخذُل امرأً مسلمًا في موطنٍ يُنتقص فيه من عِرضه ويُنتهك فيه من حُرمته إلا خذله الله تعالى في موطنٍ يحبّ فيه نصرته، وما من أحدٍ ينصر مسلمًا في موطنٍ يُنتقص فيه من عِرضه ويُنتهك فيه من حُرمته إلا نصره الله في موطنٍ يحبّ فيه نصرته.

البيانتأملوا هذا الميزان النبوي الدقيق، الذي يَحمِلُ في طياته وعيداً مرعباً ووعداً عظيماً، ومدارهما على شيءٍ واحد: العرض والحرمة!

فمن سكت عن نصرة مسلمٍ يُنتقص عرضه ويُمزق.. خذله الله أحوج ما يكون للنصرة. ومن انتفض غيرةً وذبّ عن عرض أخيه.. تكفل جبار السماوات والأرض بنصرته. ثم تأملوا: هذا الوعيد الشديد فيمن يخذل «امرءاً مسلماً» عادياً من آحاد الناس! فإذا كان الوعيد على مجرد "الخذلان والسكوت" بهذه الشدة، فما هو حال هذا الغالي الذي يتولى بنفسه حِمل الانتقاص والانتهاك؟! وما هو مصيره إذا كان من ينتهك عرضه ويمزق لحمه إماماً من أئمة المسلمين نفع الله به الأمة قروناً متطاولة؟!

وفي هذا الحديث البليغ، جوابٌ قاطع لمن يقول لنا مستنكراً: "لماذا تنشغلون بالدفاع عن أمواتٍ أفضوا إلى ما قدموا؟" والجواب: لأن نصرة المسلم في عرضه والذب عن حماه، ليس نافلةً أو تطوعاً نتبرع به متى شئنا؛ بل هو بابٌ عظيم من أبواب الشريعة، من تركه عوقب بالخذلان الإلهي، ومن دخله نال النصر الرباني. واعلموا أن السكوت في مجالس هتك الأعراض ليس "حياداً" كما يَظُنُّ البعض! بل جعل الحديثُ الساكتَ "خاذلاً"، ورتب عليه الخذلان. فمن عجز عن كلمة الحق، فلا أقل من أن يمسك لسانه، ولا يشاركهم إثم المجالس.

ثم انظروا إلى عجب العجاب في هؤلاء القوم، وكيف يفضحهم الله بموازينهم المختلة! يشنعون علينا دائماً ويقولون: "أنتم تدافعون عن علماء أشاعرة أخطأوا!".. فيا سبحان الله! نحن إن دافعنا، فإنما نذب عن أعراض "مسلمين"؛ أئمةٍ وعلماء من أهل القبلة، أخطأوا وتأولوا، لكنهم خدموا دين محمد ﷺ ورفعوا رايته، والحديث يأمرنا بنصرة "المرء المسلم". لكن انظروا إلى بضاعتهم هم، وإلى رأس من رؤوسهم كمحمد شمس الدين.. لقد ترك نصرة إخوانه المسلمين، ونصب نفسه محامياً ومنافحاً عن النصارى والملاحدة! يقف في خندقهم، ويرد الحجج القوية التي يوجهها إخوانه المسلمون للنصارى، وهو في رده مخطئٌ مهزوم وحقُّ المسلمين أبلج! حتى انقلبت الآية والموازين؛ فصار يُزكي الملاحدة ويدافع عن النصارى، وصار النصارى والملاحدة يمدحونه ويثنون عليه، بينما يعادي هو أهل الإسلام ويمقته المسلمون!

أفتعيبون علينا دفاعنا عن أئمة الإسلام من أهل القبلة عملاً بحديث رسول الله، ثم تسكتون عمن جعل نفسه محامياً ودرعاً للنصارى والملاحدة ضد إخوانه المسلمين؟! فبئست القسمة قسمتكم، وبئس الميزان ميزانكم! والجزاء دائماً من جنس العمل، فمن خذل أولياء الله.. سلّطه الله ليُنافح عن أعداء الله.

نعوذ بالله من الخذلان وموت القلوب.

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».

البيانانظر إلى أعجب ما في هذا الحديث: أن المخطئ مأجور. لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: فلا شيء عليه، ولم يقل: يُعفى عنه، ولم يقل: يُرجى له. بل أثبت له أجرًا مقرَّرًا على خطئه، لأنه بذل وسعه في طلب الحق. وهذا بابٌ لو فقهه الغلاة لسكنت نفوسهم.

وتأمل الشرط الذي علّق عليه الأجر: «فَاجْتَهَدَ». فليس الأجر لكل مخطئ كائنًا من كان، وإنما لمن كان أهلًا للنظر فنظر وبذل. فأما من تكلّم بلا آلةٍ ولا نظر، فليس داخلًا في الحديث أصلًا، لا في الأجرين ولا في الأجر الواحد.

ولاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل الخطأ سببًا لإسقاط الحاكم عن الحكم. فهو حاكمٌ قبل الخطأ وحاكمٌ بعده، وإنما نقص أجرُه ولم تَسقُطْ منزلتُه. فمن أين جاء هؤلاء بأن الزلّة تُخرج من الإمامة؟ هذا حكمٌ زادوه على الشرع.

واعرض هذا على ما يصنعه القوم. إمامٌ من أئمة الإسلام أفنى عمره في خدمة السنة، وحفظ الله به دينه، ثم أخطأ في مسألة. فالنبي صلى الله عليه وسلم يُثبت له أجرًا، وهم يُثبتون له التبديع والإسقاط والتحذير من كتبه. فأيُّ الحكمين نتّبع؟ حكمُ صاحب الشرع أم حكمُ صاحب القناة؟

ثم اسأله سؤالًا لا مخرج منه: هذا العالِم الذي أسقطتَه، أكان مجتهدًا طالبًا للحق فأخطأ، أم كان معاندًا يَعلَمُ الحقَّ فردّه؟ فإن قال: لا أدري، قيل: فقد حكمت بغير علم، والله ينهاك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وإن قال: كان طالبًا للحق، فقد شهد له بالأجر بلسانه وهو يسلبه الإمامة بيده!

وإن راغ فقال: الحديث في مسائل الفقه لا في العقائد، فقل له: أين القيد في الحديث؟ هاتِ لفظًا واحدًا يخصّه بالفقه. ثم انظر: الحاكم يَحكُمُ في الدماء والأموال والفروج، وهي أعظم ما يُتلف، فجعل له الأجر مع الخطأ. أفيكون الخطأ في الدم مغفورًا مأجورًا، والخطأ في تأويل صفةٍ مُخرجًا من الملة؟ هذا ميزانٌ لا يستقيم.

من أين جاءت هذه القسوة؟ جاءت من أن الرجل لم يذق تعب الطلب، فلا يَعرِفُ قدرَ من تعب. ومن جلس بين يدي العلماء وعرف كم يُنفق العالم من عمره في مسألةٍ واحدة، هابَ أن يهدم عمرًا بكلمة. فأما من أخذ علمه من شاشة، فالهدم عنده سهل، لأنه لم يبنِ شيئًا قط ليعرف ما البناء.

يا من تتبّع زلّات العلماء، تأمل في هذه القسمة العادلة: أجرٌ للمخطئ، وأجران للمصيب. فأين موضعك أنت منها؟ إن الذي يبحث عن السقطات ليهدم بها لا يدخل في هذا ولا في ذاك؛ لأنه لم يجتهد ليصيب فيؤجر أجرين، ولا اجتهد فأخطأ فيؤجر أجرًا. وإنما جلس على الطريق يعدّ عثرات السائرين.

ثم تصوّر الموقف. عالمٌ يأتي يوم القيامة يَحمِلُ أجورًا على أخطاءٍ اجتهد فيها، وأنت تأتي تحمل أوزارًا في عرضه. هو مأجورٌ على ما أنكرتَه عليه، وأنت مأخوذٌ بما أنكرتَ! فأيُّ صفقةٍ أخسر من هذه؟

وباب التوبة مفتوح. فاجعل حظّك من هذا الحديث أن تجتهد لتصيب، لا أن تفتّش لتُسقط. وردَّ الخطأ بعلمٍ وأدب، وأبقِ لصاحبه فضله وأجره.

نسأل الله أن يجعلنا من المصيبين فنُؤجَر أجرين، وأن يجعل خطأنا خطأَ المجتهد الطالب للحق فنُؤجَر أجرًا، ولا يجعلنا ممن حُرم الأجرين جميعًا.

قال أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك المسلم شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محمَلًا.

البيانتأمّل موضع القيد في كلام عمر: «وأنت تجد لها في الخير محمَلًا». فليس النهيُ عن الحكم مطلقًا، وإنما مناطُه وجودُ الاحتمال؛ فمتى احتملت الكلمةُ وجهًا حسنًا حرُم حملُها على السوء، ولو كانت تحتمله.

وحرّر شيخ الإسلام ابن تيمية الميزان بلفظٍ لا يحتمل التأويل فقال: «وليس لأحدٍ أن يَحمِلَ كلامَ أحدٍ من الناس إلا على ما عُرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كلّ أحد». فالعبرةُ بما عُرف من مراد الرجل من مجموع كلامه، لا بما يحتمله اللفظُ مجرَّدًا عن صاحبه. وعامّةُ ما يُسقَطُ به الأئمةُ اليوم ألفاظٌ محتملة، انتُزعت من سياقها، وحُملت على غير ما عُرف من مذهب أصحابها.

وسمّى ابن القيم الداءَ باسمه فقال: «ما أكثر ما يَنقُلُ الناسُ المذاهبَ الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة!». فالمذهب الباطل الذي يُنسب إلى الإمام ليس مذهبَه في الحقيقة، وإنما هو مذهبٌ ركّبه الناقلُ بفهمه القاصر ثم علّقه في عنق الإمام.

وقال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي: «ومن أعظم المحرَّمات وأشنع المفاسد إشاعةُ عثراتهم، والقدحُ فيهم وفي غلطاتهم. وأقبحُ من هذا وأقبح: إهدارُ محاسنهم عند وجود شيءٍ من ذلك. وربما يكون - وهو الواقع كثيرًا - أن الغلطات التي صدرت منهم لهم فيها تأويلٌ سائغ، ولهم اجتهادهم فيه: معذورون، والقادحُ فيهم غيرُ معذور».

فتأمّل هذه الجملة وحدها: «معذورون، والقادحُ فيهم غيرُ معذور». فالذي يَظُنُّ أنه ينتصر للسنة بتتبّع زلّاتهم، هو الواقعُ في الإثم دونهم؛ لأنّهم اجتهدوا فأخطؤوا، وهو تعمَّد القدحَ عن بصيرة.

وبهذا يفترق الفريقان كما قال السعدي: أهلُ العلم الناصحون قصدُهم «سترُ عورات المسلمين، وعدمُ إشاعة غلطاتهم، والحرصُ على تنبيههم، والذبُّ عن أعراض أهل العلم والدين»، وأهلُ البغي قصدُهم الإشاعةُ والإسقاط. ثم ختمها بسؤالٍ يُسكت كلَّ متعالم: «أيُّ عالمٍ لم يخطئ؟ وأيُّ حكيمٍ لم يعثر؟».

يا هذا إن لك عثراتٍ تحبّ أن يسترها الله، وكلماتٍ خرجت منك تحتمل الشرّ، لو أُخذت بالميزان الذي تزن به الأئمة لأهلكتك. فمن ستر مسلمًا ستره الله، ومن تتبّع عورةَ أخيه تتبّع الله عورته حتى يفضحه في جوف بيته.

فادفن عثرة أخيك كما تحبّ أن تُدفن عثرتُك، ولا تسأل ربَّك سترًا تمنعه أنت عن عباده؛ فإنك تُكال بالمكيال الذي تكيل به.

عن طارق بن شهاب قال: كنتُ عند عليٍّ حين فرغ من قتال أهل النهروان، فقيل له: أمُشركون هم؟ قال: «من الشِّرك فرُّوا». فقيل: أمنافقون؟ قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا». قيل: فما هم؟ قال: «قومٌ بغَوا علينا فقاتلناهم».

البياناستحضروا أولاً السجل الأسود للقوم الذين سُئل عنهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. هؤلاء الخوارج كفّروا عثمان، وكفّروا علياً، وكفّروا جمهور الصحابة! ومزقوا الأمة باسم الدين، واستحلوا الدماء المعصومة، حتى قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت وهو أعزل، وبقروا بطن جاريته الحامل!

فالقضية هنا ليست زلةً في حاشية كتاب لإمام خدم كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خطأً في تأويل صفةٍ في شرح حديث! القضية هنا دماءٌ، واستحلالٌ، وتكفيرٌ لأكابر الصحابة!

ثم اسمعوا الجواب العجيب من أعرف الناس بحالهم؛ حين سُئل: أمشركون هم؟ قال: «من الشرك فروا». فقيل: أمنافقون؟ قال: «إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً». قيل: فما هم؟ قال: «قومٌ بغوا علينا فقاتلناهم».

ثلاث كلماتٍ من أمير المؤمنين تُسقِطُ دعوى الشرك عنهم، وتنفي عنهم النفاق، ثم تنزلهم منزلتهم الشرعية بدقة: فلا شرك ولا نفاق، بل بغيٌ وعدوان يُقاتَل عليه.

وقوة الحجة هنا، أن القائل هو الإمام الذي سلّ سيفه وقاتلهم بنفسه، وسُئل وقد فرغ لتوّه من قتالهم! فلو كان في تكفيرهم وجهٌ مقبول، لكان أولى الناس به من رفع عليهم السيف وتأذى بضلالهم وسفكهم للدماء. ولكنه قاتلهم ولم يكفّرهم؛ فجمع رضي الله عنه بين الحزم في نصرة الحق، والعدل في الحكم على المخالف.. وهما خصلتان يَظُنُّ الغالي الحدادي أنهما لا يجتمعان أبداً!

وهنا يبرز تشابهٌ عجيب تقشعر منه الأبدان بين الخوارج والحدادية! فالخوارج الأوائل رفعوا شعار "إنِ الحكم إلا لله"، وهي كلمة حقٍ أرادوا بها باطلاً؛ فكفّروا بها خيار الأمة واستباحوا دماءهم. والحدادية اليوم يرفعون شعار "صيانة العقيدة والتوحيد"، وهي كلمة حقٍ جعلوها مقصلةً لتمزيق أعراض أئمة الدين، وإسقاط علمائه، وتضليل من حفظ الله بهم السنة! فالأولون استباحوا الدماء باسم الدين، والآخرون استباحوا الأعراض باسم العقيدة.

بل والله إن الخوارج -على عظيم ضلالهم وفساد مذهبهم- كانوا أحسن حالاً من هؤلاء! فقد شهد لهم النبي ﷺ بكثرة الصلاة والصيام وتلاوة القرآن، فكانوا أصحاب عبادةٍ وصدقٍ في تمسكهم بظواهر النصوص وإن ضلوا في فهمها. أما حدادية اليوم المفتونون؛ فلا أخلاق الإسلام أبقوا، ولا عبادة الخوارج حصّلوا، ولا علم السلف أو الخلف أدركوا! بل إنهم لا يحسنون قراءة القرآن وتلاوته فضلاً عن تفسيره، ولا يقيمون ألسنتهم بقراءة الأحاديث النبوية بشكل صحيح -والمقاطع المبثوثة توثق فضائحهم وعجمتهم في ذلك-؛ لجهلهم المدقع بلغة العرب التي هي مفتاح الفهم. ناهيك عن تعطيلهم لآلة الفهم الكبرى وهي "العقول"، فعقولهم معطلةٌ عن القياس والتدبر والاعتبار! فلم يجمعوا إلا قسوة القلب، وسوء الخلق، وبذاءة اللسان، والجهل المركب!

فالمنبع للفرقتين واحد: غلوٌ أعمى، وجهلٌ مركب، وقسوةٌ طاغية لا تَعرِفُ فقهَ الرحمة ولا ميزان العدل.

ثم طبقوا هذا القياس القاهر على من شئتم: إذا كان الخارجي مستحل الدماء ومكفِّر الصحابة لم يخرج من الإسلام عند علي رضي الله عنه.. فبأي ميزانٍ شيطاني يخرج من الملة أو يُسقَطُ من السنة إمامٌ من أئمة الدين، تأول صفةً وهو يَظُنُّ -خطأً- أنه ينزه الله بها؟!

وهذا قياسٌ لا مهرب للحدادية منه؛ إذ لا يستطيع أجرأهم أن يقول: الخوارج أهون حالاً وأقرب للسنة من النووي وابن حجر!

وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الواقعة شرحاً يحسم النزاع، فقال مبيّناً الدليل العملي القاطع على عدم كفرهم: «ولهذا لم يَسْبِ حريمهم ولم يغنم أموالهم».

فلو كانوا كفاراً مرتدين لجرت عليهم أحكام الردة في المال والذرية، ولكن السيف الذي رُفع عليهم كان سيف "دفع البغي والعدوان" لا سيف "تكفير وردة".. وهو فرقٌ دقيق يعرفه الفقهاء الراسخون، ويجهله الغلاة المتعالمون، فيظنون أن كل من ضلَّ وقوتل فقد كُفِّر!

ولاحظوا أنه لم يقاتلهم على مجرد مقالتهم البدعية، وإنما قاتلهم لما تجاوزوا إلى سفك الدم الحرام؛ فالمقالة تُرَدُّ بالحجة والبرهان، والاعتداء يُدفع بالسيف والسنان.

ثم ختم شيخ الإسلام كلامه بقاصمة الظهر التي لا جواب عنها، فقال: «وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالُهم بالنصّ والإجماع لم يُكفَّروا.. فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحقُّ في مسائلَ غلِط فيها من هو أعلمُ منهم؟».

وأدق ما في هذه العبارة الجليلة قوله: «غلِط فيها من هو أعلم منهم»؛ فالمسائل التي يُسقِطُ بها الغلاةُ أئمة الأمة اليوم، قد زل فيها وأخطأ من هو أعلم وأجلّ من المبدِّع والمبدَّع جميعاً!

فإن أراد الحدادي المراوغة والهرب من هذا الإلزام الخانق، فقال: "حسناً! إذا كان الخوارج معذورين ولم يكفرهم الصحابة.. فاعتبرونا نحن أيضاً متأولين مجتهدين، واعذرونا كما عُذر الخوارج ولا تشنعوا علينا!"

فيقال له: يا سبحان الله! ما أوقح هذا الهرب وما أشد فضيحته!

أولاً: أتعلم ما معنى أن نعتبركم كالخوارج؟! إن عليّاً رضي الله عنه لم يكفرهم، نعم، ولكنه لم يتركهم يفسدون في الأرض! بل جند الجنود، وسل السيف، وقاتلهم، واستأصل شأفتهم، وحذر الأمة من ضلالهم، وسماهم النبي ﷺ "كلاب أهل النار"! فهل تريدون منا أن نعذركم هذا العذر ونسكت عنكم وأنتم كلاب أهل النار؟! فعدم التكفير شيء، وإقرار الباطل والسكوت عنه شيء آخر تماماً!

ثانياً -وهو المقتل الذي ينسفكم-: إنكم بمراوغتكم هذه تطالبوننا بأن نعاملكم بميزان "أهل السنة" (الذي يَعذُرُ المتأول والمخطئ لحسن قصده)، بينما تعاملون أنتم أئمة الإسلام بميزان "الخوارج" (الذي لا يَعذُرُ أحداً، ويستبيح الأعراض بالظنون)!

تطلبون الرحمة والاعتذار لأنفسكم في بغيكم وطعنكم للأئمة، وتمنعون الرحمة عن الأئمة في زلة تأويل! فأنتم تناقضون أنفسكم من حيث لا تشعرون.

فإن كان ميزانكم (الذي لا يَعذُرُ المخطئ) حقاً.. فأنتم أولى بالتكفير والتبديع والهلاك لسوء صنيعكم وتطاولكم على العلماء!

وإن كان ميزاننا (الذي يَعذُرُ المجتهد المخطئ) حقاً.. فقد بطل مذهبكم من أساسه، وحرم عليكم إسقاط العلماء بالأخطاء والزلات!

فأنتم بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تحكموا على أنفسكم بالضلال والكفر بميزانكم، أو تُقروا ببطلان مذهبكم بميزاننا!

فاعتبروا يا أولي الأبصار: أيفعل الحدادية بأئمة السنة وعلمائها، ما لم يفعله علي بن أبي طالب بمن كفروه وقتلوا أصحابه؟!

فلينظر هذا الغالي المفتون: أهو أشد غيرةً على دين الله من علي بن أبي طالب؟ أم أن ميزان العدل قد تحطم في قلبه؟!

قال الإمام سعيد بن المسيّب: ليس من عالمٍ ولا شريفٍ ولا ذي فضلٍ إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضلُه أكثرَ من نقصه ذهب نقصُه لفضله، كما أن من غلب عليه نقصانُه ذهب فضلُه.

البيانقفوا وتأملوا هذا الميزان النبوي الدقيق، الذي ورثه سيد التابعين عن جيل الصحابة رضوان الله عليهم. إنه الميزان الذي تُحفظ به مقامات الرجال، ويُعصم به الدين من الهوى، وتُرد به سهام الغلاة في نحورهم.

خذوا أولاً هذه المقدمة القاطعة التي يفر منها الغالي كفراره من الأسد: «ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب».

فالعيب والزلة والخطأ أمرٌ حتمي في كل بشرٍ سوى المعصوم ﷺ. فليست المسألة إذن -كما يُوهم الحدادية أتباعهم-: "هل أخطأ الإمام أم لم يخطئ؟"، فهذا سؤالٌ ساذج يطلب عصمةً لم تُعطَ لبشر قط! بل المسألة الحقيقية التي يدور عليها ميزان أهل السنة هي: "أين يقع هذا الخطأ من بحر حسنات الرجل وفضله؟".

ثم انظروا إلى عدل السلف في وزن هذه الزلة: «من كان فضلُه أكثرَ من نقصه ذهب نقصُه لفضله».

وليس معنى "ذهب نقصه" أن نقلب باطله حقاً، أو أن نتعامى عن خطئه فلا نردّه، حاشا وكلا! بل المعنى أن الحكم الكلي على هذا الرجل يكون بالغالب من حاله وعطائه. فإذا كان الرجل إماماً أفنى عمره في نصرة السنة وشرح الحديث والذب عن الشريعة، ثم وقعت منه زلةٌ أو خطأ؛ ذابت قطرة خطئه في بحر فضله وحسناته، كما تذوب القطرة في البحر الخضم فلا تنجسه!

وأعدل ما في ميزان سيد التابعين أنه يعمل في الاتجاهين بصرامة: «كما أن من غلب عليه نقصانُه ذهب فضلُه».

فهذا الميزان ليس باباً مفتوحاً للفوضى والتمييع كما يشنع الغلاة، ولا شفاعةً لكل زنديقٍ أو مبتدعٍ غلب فسادُه على صلاحه. بل هو التفريق العادل بين: (إمام سنة زلّ فأخطأ) و(صاحب ضلالة غلب ضرره على الإسلام). وبهذا يَسقُطُ تشنيعُ الحدادية الدائم علينا بقولهم: "قاعدتكم هذه تنجي كل ضال وساقط وتذيب الفوارق"! كلا، بل هي قاعدة تنجي أئمة الهدى، وتُسقط رؤوس الضلال!

وقوة هذه القاعدة أنها لم تصدر من رجلٍ متأخر، بل نطق بها سيد التابعين وأعلمهم بالقضاء والسنة، الذي أدرك كبار الصحابة ونهل من معينهم. فليس هذا "تمييعاً معاصراً" كما يزعم الغلاة، بل هو "منهج السلف" الأصيل الذي يتشدقون زيفاً باتباعه!

فالآن، اعرضوا على هذا الميزان السلفي صنيعَ القوم.. لتروا كيف عكسوا دين الله عكساً تاماً!

إن الحدادية اليوم يأخذون الزلة الواحدة، أو الكلمة الواحدة للإمام، فيجعلونها هي الرجل كله! ويطوون قروناً من العلم والفضل ونصرة الدين، وكأنها لم تكن أصلاً!

لقد قلبوا ميزان سعيد بن المسيب؛ فبدل أن يُذهبوا النقص القليل بالفضل الكثير.. تراهم يُذهبون الفضل العظيم بالنقص اليسير! فجعلوا البحر الطاهر ينجس بقطرة واحدة، بل وجعلوا القطرة تبتلع البحر!

فأي الفريقين أهدى سبيلاً؟ من وزن الناس بميزان الصحابة وسيد التابعين؟ أم من نصب لهم مقصلةً لا ينجو منها أحد، ولا يقبلها عقلٌ ولا شرع؟!

قال أبو سنان الأسدي: إذا كان طالبُ العلم قبل أن يتعلّم مسألةً في الدين يتعلّمُ الوقيعةَ في الناس؛ متى يُفلح؟!

البيانكأن هذه الكلمة خرجت من فم هذا الإمام السلفي وهو يشاهد قنوات الحدادية اليوم! كأنه جالسٌ بيننا يرى بأم عينه داء زماننا: شابٌّ في مقتبل العمر، لم يتقن بعدُ أحكام وضوئه وطهارته، وهو يحفظ عن ظهر قلب: فلان كافر، وفلان مبتدع، وفلان ضال، وفلان لا يُؤخذ عنه العلم، وفلان مميِّع! فرماهم أبو سنان بسؤاله الصاعق الذي لا جواب له: متى يُفلح؟!

وتأملوا دقة الإمام حين قال: «يتعلّم الوقيعة»؛ فجعل تمزيق الأعراض "عِلماً" يُتعلم! وصدق رحمه الله؛ فإن للوقيعة والطعن عند الغلاة مجالسَ تُعقد، وشيوخاً يُؤخذ عنهم، ومصطلحاتٍ تُحفظ وتُلقن.

فاليوم يجلس الصغير الحَدَث إلى شيخه الحدادي؛ فلا يخرج من مجلسه بمسألةٍ يعبد الله بها، أو آيةٍ يرق بها قلبه.. بل يخرج بقائمةٍ سوداء محدَّثة بأسماء المطعون فيهم! فيتخرج المسكين في "صناعة الإسقاط" قبل أن يخطو خطوة في "صناعة العلم"، ويتقن ألقاب الجرح والتبديع والشتائم قبل أن يَعرِفَ فرائضَ دينه!

ثم انظروا بأي ميزانٍ وزن الإمام هذه الخسارة.. لم يقل: "متى يتعلم؟"، بل قال: «متى يُفلح؟!». والفلاح كلمةٌ جامعةٌ لخيري الدنيا والآخرة.

فأخبرنا أن المصيبة هنا ليست مجرد (تأخرٍ في التحصيل العلمي) يمكن تداركه؛ بل هي (فسادٌ في الطريق من أوله). لأن من وجّه قلبه إلى غير القبلة، فكلما زاد اجتهاداً وسيراً.. زاد عن الكعبة بعداً! ومن كان رأس ماله في الدنيا تتبع عورات العلماء وتمزيق أعراضهم، فربحه يوم القيامة حصالةٌ مخرومة، وحسناتٌ تُجمع طوال العمر لتُفرق في لحظة بين خصومه الذين طعن فيهم!

فيا أيها الشاب وطالب العلم.. اعرض قلبك اليوم على ميزان أبي سنان قبل أن تُعرض غداً على الميزان الأكبر:

أحصِ ما تحفظ من مسائل الفقه وأحكام الشريعة، ثم أحصِ ما تحفظ من الطعون والردود على الشيوخ والعلماء والدعاة، وانظر أي الكفتين أرجح في صدرك؟!

فإن رجحت كفة الطعون؛ فاعلم يقيناً أنك من تلاميذ هذه المدرسة الحدادية الخاسرة وإن طال شيبك وكثر ادعاؤك للسنة.

فبادر بالفرار منها والنجاة بدينك ما دام في العمر بقية؛ فوالله الذي لا إله غيره، ما دعاك أحدٌ إلى الفلاح والنجاة قط، من باب الوقيعة في أعراض المسلمين!

قال الزاهد مالك بن دينار: كفى بالمرءِ شرًّا أن لا يكونَ صالحًا، وهو يقعُ في الصالحين.

البيانهذه ليست مجرد موعظة عابرة، بل هي تشريحٌ نفسي عميق للداء الذي ينخر في قلوب هؤلاء الغلاة! لقد لخص مالك بن دينار في سطرٍ واحد، حال رجلٍ جمع على نفسه "خسارتين": حُرم الصلاح والفضل في نفسه، ثم لم يقنع بحرمانه حتى أطلق لسانه يمزق أعراض أهل الصلاح والفضل!

لو سكت هذا المسكين لستره نقصه وخموله، لكنها النفس المريضة؛ إذا فاتها اللحاق بركب الفضلاء، وعجزت عن تسلق جبال العلم، عوّضت عجزها بمحاولة هدمهم وإسقاطهم، لتسويهم بنفسها في القاع!

وهنا ينكشف السر الدفين وراء هذا الغلو: إن الشاتم والواقع في أعراض أئمة الدين، لا يقع فيهم لشيءٍ وجده "عندهم".. بل لشيءٍ فقده في "نفسه"! يفتقد العلم، ويفتقد الفهم، ويفتقد القبول في الأرض؛ ولذلك لا يشبع من الطعن والشتم أبداً.

فإذا رأيت ذلك المتعالم الحدادي، يجلس خلف الشاشات، مولعاً بإسقاط الجبال والأكابر.. فلا تسأل: "ماذا وجد فيهم ليطعن؟" بل اسأل: "ماذا فقد من نفسه ليعوض نقصه وعجزه بالصياح؟!".

واقلبوا كلمة الإمام تجدوا دواء هذا الداء العضال: اشتغل يا مسكين بإصلاح عيوبك، وأمسك لسانك عن سادات الأمة وأهل الفضل فيها.

فإن عجزت همتك أن تلحق بركب الصالحين، وقصر بك عملك عن بلوغ منازل الأئمة العاملين؛ فلا تعجز على الأقل أن "تحبهم" وتذب عن أعراضهم!

فالمرءُ يُحشر يوم القيامة مع من أحبّ.. والواقعُ فيهم لا يُحشر معهم قط، بل يُحشر مع الطعانين واللعانين والواقعين!

فليختر لنفسه أي المعسكرين أحب إليه غداً بين يدي الله!

قيل لمالك بن أنس: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلًا لو كلَّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته.

البيانتأملوا في هذا الأثر العظيم لتتعلموا كيف كانت أخلاق الجبال، وكيف كان إنصاف الأئمة لبعضهم، ثم انظروا إلى القاع الذي يتمرغ فيه غلاة اليوم!

هذه الكلمة المنصفة صدرت من إمام دار الهجرة، وهو من هو في التشدد في الرواية والتمسك المحض بالأثر. ومَن الموصوف؟ إنه إمام مدرسة "الرأي" بالكوفة!

ولو كان أبو حنيفة عند مالكٍ رجلاً ساقطاً في دينه، أو مبتدعاً ضالاً يهدم الإسلام -كما يشتهي أهل الطعن- لما وصفه بهذا الوصف المهيب، ولما أشاد بقوة حجته وذكائه أمام تلاميذه!

وتأملوا البون الشاسع؛ إن الإمام مالكاً مخالفٌ لأبي حنيفة، وبينهما ما بين مدرسة الأثر ومدرسة الرأي من تباينٍ منهجي مشهور. ومع هذا الخلاف، لم يمنع ذلك مالكاً من أن ينصف الرجل، ويعترف بقوة حجته، ويحفظ مقامه الإمامي! وهذا هو ميزان "العدل مع المخالف" الذي يفتقده الغلاة.

فيا ليت شعري! قف وسل هذا الحدادي الطعان: هل أنصفتَ مخالفاً لك في مسألةٍ واحدةٍ في عمرك، كما أنصف مالكٌ أبا حنيفة في منهجٍ كامل؟! هل ذكرتَ يوماً حسنةً واحدةً لمن تختلف معه، أم أن الخلاف عندك مبررٌ لسلخ الجلد، وهتك العرض، ونسف المنجزات والفضائل؟!

إن ميزان العدل لا يُختبر مع الموافق المقلِّد؛ فالعدل مع الموافق لا يدل على فضل، بل يفعله البر والفاجر. إنما يُبتلى دين الرجل، وتُمتحن مروءته، إذا وقف وجهاً لوجه أمام خصمه ومخالفه!

فرحم الله أئمةً اختلفوا فأنصفوا وعذروا، وعافانا الله من غلاةٍ إذا خالفوا فجروا، وإذا خاصموا نسفوا.

قال الإمام مالك بن أنس: ما منّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه، إلا صاحب هذا القبر.

البيانقفوا عند هذه الكلمة العظيمة التي أطلقها إمام دار الهجرة عند الحجرة النبوية؛ ليجعل العصمة المطلقة لصاحب القبر ﷺ وحده، ويُنزل نفسه ومن معه من الأئمة منزلةَ البشر الذين يجتهدون، فيُخطئون ويُصيبون.

وإن تعجبوا، فاعجبوا من هؤلاء الغلاة الذين يرفعون هذه الكلمة شعاراً لهم يلوكونه بألسنتهم في كل مجلس، وهم لا يفقهون أنها حجةٌ قاصمة عليهم لا لهم!

فهم يستدلون بها لتبرير وقيعتهم في الأئمة قائلين: (يجوز لنا أن نرد على النووي وابن حجر لأن مالكاً قال: ما منا إلا راد ومردود عليه)!

فنقول لهم: نعم، الرد العلمي المكتمل الشروط حق.. ولكن هذه الكلمة الذهبية تثبت أمراً يهدم أصولكم من القواعد؛ وهو أن "الرَّدَّ لا يُسقِطُ المردودَ عليه"!

فلو كان كل من رُدَّ عليه قولٌ، أو خُطِّئ في مسألةٍ وتأويل، سقط من الإمامة وبُدِّع وهُجر -كما هو ميزانكم-.. لسقط الإمام مالكٌ نفسُه! ولَسقط من قبله ومن بعده! إذ هو القائل المُقِر: «ما منا إلا مردود عليه». فبموجب مذهبكم الفاسد، لم يبقَ على وجه الأرض إمامٌ ولا عالمٌ إلا وقد سقط!

إن "الرد" عند الغلاة؛ مقصلةٌ للإسقاط، وميدانٌ للتشنيع، والتبديع، وتمزيق الأعراض.

أما "الرد" عند الإمام مالك والسلف الصالح؛ فهو بابٌ من أبواب "التكامل العلمي". هذا الإمام يُبيّن ما خفي على ذاك، وذاك يستدرك ما فات الأول.. فيتكامل صرح الشريعة بمجموعهم، ولا يكتمل بواحدٍ منهم استقلالاً إلا المعصوم ﷺ.

فيا أيها الغالي: إن الرد على زلة الإمام بحجةٍ وعلم، مع حفظ مقامه وإمامته وفضله؛ هو دين أهل السنة والجماعة.

أما اتخاذ زلته حجةً لإسقاطه، ونسف جهوده، ومحو تاريخه، والطعن في عقيدته.. فهو دين الخوارج والحدادية الجدد! فضع نفسك حيث شئت من المدرستين.