قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ: وَأَفْرَطَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه، وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ فِي ذَلِك، وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِدْخَالُهُ الرَّأْيَ وَالْقِيَاسَ عَلَى الْآثَارِ وَاعْتِبَارُهُمَا... وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا وَلَهُ تَأْوِيلٌ فِي آيَةٍ، أَوْ مَذْهَبٌ فِي سُنَّةٍ، رَدَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ سُنَّةً أُخْرَى بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخ؛ إِلَّا أَنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَهُوَ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ قَلِيل.
البيانكَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ حَافِظِ الْمَغْرِبِ الْأَنْدَلُسِيِّ، تُشَخِّصُ دَاءَ الْإِفْرَاطِ، وَتَضْبِطُ مِيزَانَ الْإِنْصَافِ الدَّقِيقَ الَّذِي طَاشَ فِي أَيْدِي الْغُلَاة!
لَقَدْ شَخَّصَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَقِيقَةً تَارِيخِيَّة؛ وَهِيَ أَنَّ قِسْمًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِينَ -بِدَافِعِ الْغَيْرَةِ الْمَحْمُودَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَخَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ طُغْيَانِ مَدْرَسَةِ الرَّأْيِ فِي زَمَانِهِمْ- قَدْ (أَفْرَطُوا وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ) فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَة. وَهَذَا يُثْبِتُ لَكَ أَنَّ "الْإِفْرَاطَ فِي الذَّمِّ" مَسْأَلَةٌ قَدِيمَةٌ وَقَعَ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْفَضْلِ عَنِ اجْتِهَادٍ وَغَيْرَةٍ، فَعُذِرُوا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ لِصِدْقِهِمْ، وَسَابِقَتِهِمْ، وَظَرْفِ زَمَانِهِمْ. لَكِنَّ الْمُصِيبَةَ الْكُبْرَى هِيَ فِيمَنْ يَأْتِي الْيَوْمَ خَالِيَ الْوِفَاضِ، لِيَجْعَلَ مِنْ هَذَا التَّارِيخِ عَقِيدَةً وَدِينًا يُمَزِّقُ بِهِ صَفَّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ!
وَكَلَامُ الْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ فِقْهِ الْإِنْصَافِ الَّذِي يَفْتَقِدُهُ الْغُلَاة: أَنَّ الْخَصْلَةَ وَالزَّلَّةَ إِذَا وُجِدَتْ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ فِي كُلِّ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، لَمْ تَصْلُحْ أَبَدًا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا وَحِيدًا لِإِسْقَاطِ رَجُلٍ بِعَيْنِه! إِذْ لَوْ كَانَتْ تُسْقِطُ صَاحِبَهَا وَتُخْرِجُهُ مِنَ السُّنَّةِ، لَسَقَطَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ جَمِيعًا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، وَلَمَا بَقِيَ لَنَا دِينٌ نَعْبُدُ اللَّهَ بِه!
فَيَا أَيُّهَا الطَّعَّانُ الَّذِي جَعَلَ مِنْ زَلَّاتِ التَّأْوِيلِ سُلَّمًا لِتَكْفِيرِ الْأَئِمَّة: إِنْ كَانَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ فِي الدُّنْيَا لَهُ زَلَّةٌ بِرَدِّ سُنَّةٍ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخٍ، فَهَلْ سَتُعْمِلُ سَيْفَ التَّبْدِيعِ فِي جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَتَنْسِفُ تُرَاثَ الْإِسْلَام؟! أَمْ أَنَّكَ تَكِيلُ بِمِكْيَالَيْنِ، فَتَعْذُرُ فُلَانًا، وَتُبَدِّعُ أَبَا حَنِيفَةَ وَتَلْعَنُهُ لِمِثْلِهَا؟!
مَنْ يَبْنِي دِينَهُ الْيَوْمَ عَلَى "الْإِفْرَاطِ" الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الْحَافِظُ، وَيَتْرُكُ "الْإِنْصَافَ" الَّذِي قَرَّرَهُ، لَنْ يَحْصُدَ إِلَّا الْخَيْبَةَ يَوْمَ تُوزَنُ الْأَعْمَالُ بِالْقِسْطِ لَا بِالْأَهْوَاء.
