قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ: وَأَفْرَطَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّه، وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ فِي ذَلِك، وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ لِذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِدْخَالُهُ الرَّأْيَ وَالْقِيَاسَ عَلَى الْآثَارِ وَاعْتِبَارُهُمَا... وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا وَلَهُ تَأْوِيلٌ فِي آيَةٍ، أَوْ مَذْهَبٌ فِي سُنَّةٍ، رَدَّ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ سُنَّةً أُخْرَى بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخ؛ إِلَّا أَنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَهُوَ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ قَلِيل.

البيانكَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ حَافِظِ الْمَغْرِبِ الْأَنْدَلُسِيِّ، تُشَخِّصُ دَاءَ الْإِفْرَاطِ، وَتَضْبِطُ مِيزَانَ الْإِنْصَافِ الدَّقِيقَ الَّذِي طَاشَ فِي أَيْدِي الْغُلَاة!

لَقَدْ شَخَّصَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَقِيقَةً تَارِيخِيَّة؛ وَهِيَ أَنَّ قِسْمًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِينَ -بِدَافِعِ الْغَيْرَةِ الْمَحْمُودَةِ عَلَى السُّنَّةِ وَخَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ طُغْيَانِ مَدْرَسَةِ الرَّأْيِ فِي زَمَانِهِمْ- قَدْ (أَفْرَطُوا وَتَجَاوَزُوا الْحَدَّ) فِي ذَمِّ أَبِي حَنِيفَة. وَهَذَا يُثْبِتُ لَكَ أَنَّ "الْإِفْرَاطَ فِي الذَّمِّ" مَسْأَلَةٌ قَدِيمَةٌ وَقَعَ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْفَضْلِ عَنِ اجْتِهَادٍ وَغَيْرَةٍ، فَعُذِرُوا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ النَّاسِ لِصِدْقِهِمْ، وَسَابِقَتِهِمْ، وَظَرْفِ زَمَانِهِمْ. لَكِنَّ الْمُصِيبَةَ الْكُبْرَى هِيَ فِيمَنْ يَأْتِي الْيَوْمَ خَالِيَ الْوِفَاضِ، لِيَجْعَلَ مِنْ هَذَا التَّارِيخِ عَقِيدَةً وَدِينًا يُمَزِّقُ بِهِ صَفَّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ!

وَكَلَامُ الْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ فِقْهِ الْإِنْصَافِ الَّذِي يَفْتَقِدُهُ الْغُلَاة: أَنَّ الْخَصْلَةَ وَالزَّلَّةَ إِذَا وُجِدَتْ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ فِي كُلِّ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، لَمْ تَصْلُحْ أَبَدًا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا وَحِيدًا لِإِسْقَاطِ رَجُلٍ بِعَيْنِه! إِذْ لَوْ كَانَتْ تُسْقِطُ صَاحِبَهَا وَتُخْرِجُهُ مِنَ السُّنَّةِ، لَسَقَطَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ جَمِيعًا بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، وَلَمَا بَقِيَ لَنَا دِينٌ نَعْبُدُ اللَّهَ بِه!

فَيَا أَيُّهَا الطَّعَّانُ الَّذِي جَعَلَ مِنْ زَلَّاتِ التَّأْوِيلِ سُلَّمًا لِتَكْفِيرِ الْأَئِمَّة: إِنْ كَانَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ عَالِمٍ فِي الدُّنْيَا لَهُ زَلَّةٌ بِرَدِّ سُنَّةٍ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوِ ادِّعَاءِ نَسْخٍ، فَهَلْ سَتُعْمِلُ سَيْفَ التَّبْدِيعِ فِي جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَتَنْسِفُ تُرَاثَ الْإِسْلَام؟! أَمْ أَنَّكَ تَكِيلُ بِمِكْيَالَيْنِ، فَتَعْذُرُ فُلَانًا، وَتُبَدِّعُ أَبَا حَنِيفَةَ وَتَلْعَنُهُ لِمِثْلِهَا؟!

مَنْ يَبْنِي دِينَهُ الْيَوْمَ عَلَى "الْإِفْرَاطِ" الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الْحَافِظُ، وَيَتْرُكُ "الْإِنْصَافَ" الَّذِي قَرَّرَهُ، لَنْ يَحْصُدَ إِلَّا الْخَيْبَةَ يَوْمَ تُوزَنُ الْأَعْمَالُ بِالْقِسْطِ لَا بِالْأَهْوَاء.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ: الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَثَّقُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَالَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَكْثَرُ مَا عَابُوا الْإِغْرَاقُ فِي الرَّأْيِ وَالْقِيَاس. وَكَانَ يُقَالُ: يُسْتَدَلُّ عَلَى نَبَاهَةِ الرَّجُلِ مِنَ الْمَاضِينَ بِتَبَايُنِ النَّاسِ فِيه. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ إِمَامًا، وَإِنَّ مَالِكًا كَانَ إِمَامًا، وَإِنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ إِمَامًا، وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ يَجِبُ أَلَّا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَرَّجَ عَلَيْهِ، فِيمَنْ صَحَّتْ إِمَامَتُهُ وَعَظُمَتْ فِي الْعِلْمِ غَايَتُه.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا النَّصَّ الْمُزْدَوِجَ الْعَظِيمَ، الَّذِي يَنْسِفُ أَبْوَابَ التَّدْلِيسِ الْحَدَّادِيِّ بَابًا بَابًا!

فَأَمَّا النَّقْلُ الْأَوَّلُ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، فَهُوَ جَوَابٌ قَاصِمٌ يَفْضَحُ "صِنَاعَةَ الْمِلَفَّاتِ السَّوْدَاءِ" الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْغُلَاةُ الْيَوْمَ؛ فَهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى الْعَالِمِ، فَيَجْمَعُونَ كُلَّ حَرْفٍ قِيلَ فِيهِ مِنْ ذَمٍّ عَبْرَ التَّارِيخِ، وَيَطْوُونَ تَمَامًا مَا قِيلَ فِيهِ مِنْ مَدْحٍ وَثَنَاءٍ وَتَزْكِيَة!

ثُمَّ يَعْرِضُونَ هَذِهِ الْحَصِيلَةَ الْمُشَوَّهَةَ الْمَبْتُورَةَ عَلَى الْعَوَامِّ، فَيَظُنُّ الْمِسْكِينُ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ فِي الرَّجُل. وَهُنَا يَأْتِيهِمْ حَافِظُ الْأَنْدَلُسِ لِيَصْفَعَ تَدْلِيسَهُمْ بِالْحَقِيقَة: «الَّذِينَ وَثَّقُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ (أَكْثَرُ) مِنَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ»!

ثُمَّ كَشَفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَقِيقَةَ هَذَا الْجَرْحِ وَسَبَبَهُ، فَقَالَ: «أَكْثَرُ مَا عَابُوا الْإِغْرَاقُ فِي الرَّأْيِ وَالْقِيَاس».

وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ (صَاحِبِ السُّنَنِ)، فَهُوَ (الْقَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ) الَّتِي تَقْطَعُ دَابِرَ الْفِتْنَةِ مِنْ جُذُورِهَا: «وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ يَجِبُ أَلَّا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَرَّجَ عَلَيْهِ». فَاحْفَظُوا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ جَيِّدًا؛ فَإِنَّهَا تُغْلِقُ عَلَى الْحَدَّادِيَّةِ أَوْسَعَ أَبْوَابِهِمُ الَّتِي يَرْتَزِقُونَ مِنْهَا؛ أَلَا وَهُوَ بَابُ (نَبْشِ كَلَامِ الْأَقْرَان). فَإِذَا صَحَّتْ إِمَامَةُ الرَّجُلِ وَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ، صَارَ نَبْشُ مَا قِيلَ فِيهِ فِي غَمْرَةِ الْخُصُومَةِ إِثْمًا وَعُدْوَانًا، وَمُخَالَفَةً صَرِيحَةً لِمَنْهَجِ أَئِمَّةِ الْحَدِيث.

فَيَا أَيُّهَا الْحَدَّادِيُّ الَّذِي مَلَأَ مَجَالِسَهُ وَحِسَابَاتِهِ بِنَبْشِ كَلَامِ الْأَقْرَان: هَلْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَقَوَاعِدِ الْجَرْحِ مِنَ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيّ؟!

إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا دَاوُدَ يَأْمُرُ الْأُمَّةَ بِأَنْ "لَا تَلْتَفِتَ وَلَا تُعَرِّجَ" عَلَى كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي بَعْضِهِمْ مَتَى مَا صَحَّتْ إِمَامَتُهُمْ.. وَأَنْتَ تَجْعَلُ الْتِفَاتَكَ وَنَبْشَكَ لِهَذَا الْكَلَامِ الْمَطْوِيِّ هُوَ رَأْسَ مَالِكَ، وَعَقْدَ وَلَائِكَ وَبَرَائِكَ!

فَاعْلَمْ أَنَّكَ حِينَ تَنْبِشُ مَا أَمَرَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ بِدَفْنِهِ وَطَيِّهِ؛ فَإِنَّكَ لَا تُحْيِي السُّنَّةَ كَمَا تَزْعُمُ وَتَتَوَهَّمُ، بَلْ تُحْيِي الْفِتْنَةَ وَتُرْضِي الشَّيْطَانَ، وَمَوْعِدُكَ مَعَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ نَهَشْتَ أَعْرَاضَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

قَالَ قِوَامُ السُّنَّةِ الْأَصْبَهَانِيّ: أَخْطَأَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي حَدِيثِ الصُّورَةِ، وَلَا يُطْعَنُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، بَلْ لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْب.

البيانقَاعِدَةٌ سَلَفِيَّةٌ تَزِنُ بِالذَّهَبِ، كُتِبَتْ فِي نِصْفِ سَطْرٍ، لِتَكُونَ دُسْتُورًا رَبَّانِيًّا يَحْكُمُنَا فِي مُعَامَلَةِ الْكِبَارِ مَتَى مَا زَلُّوا! تَأَمَّلُوا هَذَا النَّصَّ الْعَظِيمَ الَّذِي تَضَمَّنَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ عِلْمِيَّةٍ رُتِّبَتْ بِدِقَّةٍ لَا يَعْرِفُهَا الْغُلَاة: (إِثْبَاتُ الْخَطَأِ بِلَا تَعَصُّبٍ، ثُمَّ مَنْعُ الطَّعْنِ فِي الْإِمَامِ، ثُمَّ تَحْدِيدُ الْأَثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى خَطَئِه).

فَالْمَنْهَجُ السَّلَفِيُّ هُنَا يُقَرِّرُ بِوُضُوح: أَنَّ الْمَطْلُوبَ عِنْدَ زَلَّةِ الْعَالِمِ السُّنِّيِّ هُوَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي أَخْطَأَ فِيهَا فَقَطْ (لَا يُؤْخَذُ عَنْهُ هَذَا فَحَسْب)، وَلَيْسَ هَجْرَ الْعَالِمِ، وَلَا تَمْزِيقَ عِرْضِهِ، وَلَا إِحْرَاقَ كُتُبِهِ، وَلَا إِسْقَاطَهُ مِنْ سِجِلَّاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَا تَفْعَلُ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم! وَهَذَا هُوَ التَّنْزِيلُ الْعَمَلِيُّ الدَّقِيقُ لِقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِك: «كُلٌّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُرَدّ».

ثُمَّ انْظُرُوا مَنْ هُوَ الْمُخْطِئُ هُنَا؟ إِنَّهُ الْإِمَامُ (ابْنُ خُزَيْمَة)؛ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَصَاحِبُ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ «التَّوْحِيد»، وَعَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَابِ (الصِّفَاتِ) تَحْدِيدًا!

وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلٍ دَقِيقٍ فِي (حَدِيثِ الصُّورَةِ)، فَهَلْ أَسْقَطَهُ السَّلَف؟!

هَلْ قَالُوا: هَذَا مُمَيِّعٌ تَلَوَّثَ بِبِدَعِ الْجَهْمِيَّة؟!

كَلَّا، بَلْ صَانُوا مَقَامَهُ، وَحَفِظُوا إِمَامَتَهُ، وَرَدُّوا زَلَّتَه. فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ عُذْرَ السَّلَفِ لِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ، فَكَيْفَ لَا يُعْذَرُ مَنْ هُوَ دُونَهُ مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؟!

وَانْظُرُوا مَنْ هُوَ الرَّادُّ وَالْمُقَيِّم؟ إِنَّهُ الْإِمَامُ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِـ (قِوَامِ السُّنَّةِ)، وَهُوَ مَنْ هُوَ فِي الْجَلَالَةِ وَالصَّلَابَةِ وَنُصْرَةِ الِاعْتِقَاد! فَالصَّلَابَةُ فِي الْعَقِيدَةِ لَمْ تَمْنَعْهُ مِنْ كَمَالِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ مَعَ الْمُخَالِفِ، فَهُمَا خَصْلَتَانِ لَا تَتَنَافَيَانِ قَطُّ إِلَّا فِي عُقُولِ الْغُلَاةِ الضَّيِّقَة.

فَيَا أَيُّهَا الْحَدَّادِيُّ الَّذِي يَنْصِبُ الْمَشَانِقَ لِلْعُلَمَاءِ عَلَى الزَّلَّةِ الْوَاحِدَة: لَوْ خَرَجَ الْإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي زَمَانِكُمْ هَذَا، وَوَزَنْتُمُوهُ بِمِيزَانِكُمُ الْأَسْوَدِ، لَبَدَّعْتُمُوهُ وَأَسْقَطْتُمُوهُ وَحَذَّرْتُمْ مِنْ كِتَابِه!

فَبِأَيِّ دِينٍ تَتَعَبَّدُونَ لِلَّه؟! إِنَّ قِوَامَ السُّنَّةِ يُعَلِّمُنَا الْيَوْمَ أَنَّ (الْغَيْرَةَ عَلَى الْعَقِيدَةِ) لَا تَعْنِي اسْتِبَاحَةَ لُحُومِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ حِرَاسَةَ الدِّينِ لَا تَتِمُّ بِظُلْمِ الْعِبَادِ وَإِسْقَاطِ الْأَئِمَّة.

فَمَتَى تُدْرِكُ أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ أَنَّ لِسَانَكَ الَّذِي تَلُوكُهُ فِي أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدِّينِ بِحُجَّةِ "الْغَيْرَةِ عَلَى السُّنَّةِ"، هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الظُّلْمِ وَالْبِدْعَةِ الْخَوَارِجِيَّة!

قَالَ الْإِمَامُ الْعِمْرَانِيّ: وَأَنَا أُشَرِّفُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ هَذِهِ الْمَقَالَة؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَهُ إِمَامًا لِخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْض، وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ النَّاسَ تَابِعِينَ فِي الدِّينِ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّار.

البياناسْتِدْلَالٌ بَدِيعٌ يُلَامِسُ شِغَافَ الْقُلُوبِ، وَيَنْطَلِقُ مِنْ تَعْظِيمِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ قَبْلَ الْخَوْضِ فِي النُّقُولَات!

لَقَدِ ارْتَقَى الْإِمَامُ الْعُمْرَانِيُّ هُنَا فِي مُنَاظَرَةِ خُصُومِهِ وَمُحَاكَمَتِهِمْ إِلَى أَصْلٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ: (حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلّ).

فَحُجَّتُهُ الْبَالِغَةُ تُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ، وَأَحْفَظُ لِدِينِهِ، مِنْ أَنْ يُقِيمَ خَلْقًا لَا يُحْصَوْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، لِيَجْعَلَ إِمَامَهُمْ وَمَتْبُوعَهُمْ فِي الْفِقْهِ وَالدِّينِ رَجُلًا ضَالًّا مِنْ أَهْلِ النَّار!

فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ يَكِلُ دِينَ الْأُمَّةِ لِمُبْتَدِعٍ ضَالٍّ، فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَطَعَنَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ فِي حِفْظِ اللَّهِ لِدِينِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعِبَادِه.

وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ الْعَمِيقُ يَنْسَجِمُ تَمَامًا مَعَ الْقَاعِدَةِ الْكُبْرَى الَّتِي يُقَرِّرُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ: أَنَّ (الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة).

فَالرَّجُلُ الَّذِي أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَلَقِّي فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ بِالْقَبُولِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَأُلِّفَتْ فِي مَنَاقِبِهِ الْكُتُبُ، وَمُلِئَتْ بِفَضْلِهِ كُتُبُ التَّرَاجِم.. مِنَ الْمُحَالِ شَرْعًا وَعَقْلًا أَنْ يَكُونَ عَالِمَ ضَلَالَةٍ أَوْ إِمَامَ فِتْنَة؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَضَعُ الْقَبُولَ لِأَوْلِيَائِهِ، وَلَا يَضَعُ الْقَبُولَ الْعَامَّ الدَّائِمَ فِي الْأَرْضِ لِلْمُبْتَدِعِينَ وَالضَّالِّينَ!

فَيَا أَيُّهَا الْقَارِئُ الْمُنْصِف: اطْرَحْ هَذَا السُّؤَالَ الْوَاضِحَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْعَى الْيَوْمَ لِإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْأَعْلَام: هَلْ يُتَصَوَّرُ فِي حِكْمَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، أَنْ يُقِيمَ مَلَايِينَ الْمُسْلِمِينَ قُرُونًا مُتَطَاوِلَةً، عَلَى إِمَامَةِ وَكُتُبِ وَفِقْهِ رِجَالٍ هُمْ عِنْدَهُ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الضَّالِّينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ النَّار؟!

فَإِنْ أَجَابَكَ الْغَالِي بِـ "نَعَمْ"؛ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَاتَّهَمَ حِفْظَ اللَّهِ لِدِينِهِ، وَنَسَبَ الشَّرِيعَةَ إِلَى الضَّيَاع!

وَإِنْ أَجَابَكَ بِـ "لَا، فَاللَّهُ أَكْرَمُ وَأَرْحَمُ مِنْ ذَلِكَ"؛ فَقَدِ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ، وَبَطَلَ مَنْهَجُهُ، وَانْتَهَى النِّزَاع.

فَدَعْهُمْ فِي تَنَاقُضِهِمْ، وَتَمَسَّكْ بِمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ حَفِظَ اللَّهُ دِينَهَا بِأَئِمَّةِ الْهُدَى.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: مَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِيرِ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ وَلَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، كَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ... وَمِثْلِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمِثْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ... مَنْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَفَارَقَ دِينَهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ يُعَظِّمُونَ هَؤُلَاءِ وَيُحْسِنُونَ الْقَوْلَ فِيهِمْ.

البيانقِفُوا بِنَا عِنْدَ أَثْقَلِ كَلِمَةٍ، وَأَعْظَمِ صَفْعَةٍ عِلْمِيَّةٍ فِي هَذَا الْبَابِ الْمُظْلِمِ، وَالَّتِي لَا يَمْلِكُ الْغُلَاةُ أَمَامَهَا مَخْرَجًا وَلَا مَهْرَبًا!

فَهُنَا يَرْتَقِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ -بِحَسْمِهِ وَصَلَابَتِهِ- لِيَقْلِبَ الطَّاوِلَةَ عَلَى الْغُلَاةِ، وَيَرُدَّ السَّهْمَ إِلَى نَحْرِ صَاحِبِه!

فَلَمْ يَقُلْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِيمَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ: "لَقَدْ أَخْطَأ"، وَلَمْ يَقُلْ: "تَسَرَّعَ وَاجْتَهَد"، بَلْ قَالَ بِحُكْمٍ صَارِمٍ يَهُزُّ الْأَبْدَان: «فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِيرِ»!

وَلَمْ يَكْتَفِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِهَذَا الْقَلْبِ لِلْحُكْمِ، بَلْ أَغْلَقَ الْبَابَ بِالضَّبَّةِ وَالْمِفْتَاحِ حِينَ حَكَى (الْإِجْمَاعَ الْقَطْعِيَّ)، فَقَالَ: «مَنْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَفَارَقَ دِينَهَا».

فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَضِيَّةَ تَوْقِيرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَحِفْظَ مَقَامَاتِهِمْ (أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْإِجْمَاعِ السَّلَفِيِّ)، لَا مَسْأَلَةً اجْتِهَادِيَّةً قَابِلَةً لِلْعَبَثِ وَالتَّنْقِيرِ، فَسَدَّ الْبَابَ فِي وَجْهِ كُلِّ طَعَّانٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة.

وَتَتَجَلَّى قُوَّةُ هَذِهِ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ؛ حِينَ نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَرَّرَ هَذَا الْحُكْمَ الصَّارِمَ فِي رِسَالَةٍ عِلْمِيَّةٍ خُصِّصَتْ لِتَقْرِيرِ وَإِثْبَاتِ عَقِيدَةِ (عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ)، لَا فِي مَقَامِ تَسَاهُلٍ أَوْ مُجَامَلَة.

فَهُوَ يَنْتَصِرُ لِلْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ، وَفِي ذَاتِ الْمَوْضِعِ وَالْمَقَامِ، يُحَرِّمُ اسْتِبَاحَةَ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَة!

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَسْقُطُ الزَّعْمُ الْخَبِيثُ الَّذِي يُرَوِّجُهُ الْحَدَّادِيَّةُ؛ حِينَ يُوهِمُونَ أَتْبَاعَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُضْطَرٌّ لِلِاخْتِيَارِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا نُصْرَةُ الْعَقِيدَةِ (بِالطَّعْنِ فِي الْأَئِمَّةِ وَتَضْلِيلِهِمْ)، أَوْ حِفْظُ حُرْمَةِ الْأَئِمَّةِ (بِتَمْيِيعِ الْعَقِيدَةِ)! فَجَاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِيُثْبِتَ أَنَّ كَمَالَ نُصْرَةِ الْعَقِيدَةِ لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلًا إِلَّا بِتَمَامِ تَوْقِيرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَجَرِّئُ الَّذِي اسْتَسْهَلَ الطَّعْنَ فِي الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَضْلِيلَهُ: اعْرِضْ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى نَفْسِك! هَذَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ الَّذِي تَرْفَعُ اسْمَهُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ، وَتَتَتَرَّسُ بِنُقُولَاتِهِ، يَحْكُمُ نَصًّا بِأَنَّ صَنِيعَكَ هَذَا "مُخَالَفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمُفَارَقَةٌ لِدِينِهَا".. فَمَاذَا أَنْتَ قَائِل؟!

إِنْ سَلَّمْتَ بِحُكْمِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَرَضِيتَ بِهِ؛ فَقَدْ سَقَطَ مَنْهَجُكَ الْإِسْقَاطِيُّ الَّذِي بَنَيْتَهُ وَتَهَاوَى مِنْ قَوَاعِدِه!

وَإِنْ كَابَرْتَ وَرَدَدْتَ كَلَامَهُ؛ فَقَدْ رَدَدْتَ عَلَى إِمَامِكَ الَّذِي تَحْتَجُّ بِهِ، وَهَدَمْتَ مَرْجِعِيَّتَكَ بِيَدِك.

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَا يَرْحَمُ مَنْ شَذَّ عَنْه.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: وَمَنْ ظَنَّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِقِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ عَلَيْهِمْ، وَتَكَلَّمَ إِمَّا بِظَنٍّ وَإِمَّا بِهَوًى؛ فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَعْمَلُ بِحَدِيثِ التَّوَضُّؤِ بِالنَّبِيذِ فِي السَّفَرِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، وَبِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، لِاعْتِقَادِهِ صِحَّتَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا.

البيانحُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ وَنَقْلِيَّةٌ بَالِغَةٌ، تَنْفُذُ إِلَى النَّوَايَا وَالْمَقَاصِدِ، وَتَفْضَحُ أَدْعِيَاءَ نُصْرَةِ الْأَثَر!

حَصَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَالَ الطَّاعِنِ الْمُفْتَرِي فِي قِسْمَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، فَقَال: «إِمَّا بِظَنٍّ وَإِمَّا بِهَوًى». فَلْيَخْتَرِ الطَّاعِنُ أَيَّ الْقِسْمَيْنِ شَاءَ، فَلَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ ثَالِثٌ يَدَّعِي فِيهِ أَنَّهُ يَطْعَنُ (اتِّبَاعًا لِلدَّلِيلِ) أَوْ (غَيْرَةً عَلَى السُّنَّة).

ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِالتَّقْرِيرِ النَّظَرِيِّ، بَلْ سَاقَ الْبُرْهَانَ الْعَمَلِيَّ السَّاطِع: إِمَامٌ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ يُقَدِّمُ "الْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ" عَلَى "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ".. فَإِذَا بِهِ يَتْرُكُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ الصَّرِيحَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، اسْتِجَابَةً لِحَدِيثَيْنِ ضَعِيفَيْنِ (لِاعْتِقَادِهِ هُوَ صِحَّتَهُمَا)، فِي حِينِ أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا!

فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ أَيُّ مُتَّهَمٍ بِتَقْدِيمِ رَأْيِهِ وَهَوَاهُ عَلَى النَّصِّ يَفْعَلُ هَذَا الصَّنِيعَ، وَيَتْرُكُ رَأْيَهُ وَقِيَاسَهُ تَعْظِيمًا لِحَدِيثٍ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلًا؟!

وَفِي هَذَا قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ تَنْفَعُكَ فِي كُلِّ بَاب: أَنَّ الطَّعْنَ فِي نِيَّاتِ الْأَئِمَّةِ وَمَقَاصِدِهِمْ مُجَرَّدُ (دَعْوَى)، وَالدَّعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ، وَالْبُرْهَانُ هُنَا قَدِ انْقَلَبَ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَبْطَلَ فِرْيَتَهُ مِنْ أَسَاسِهَا.

وَلْتَعْلَمْ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدْ أَفْرَدَ لِهَذَا التَّأْصِيلِ الْعَظِيمِ رِسَالَةً بَدِيعَةً أَسْمَاهَا رَفْعُ الْمَلَامِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَهِيَ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى هَذَا الْمَوْقِعِ فِي قِسْمِ الْكُتُبِ.

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الْفَرْقَ الْجَلِيَّ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي (رَفْعِ الْمَلَامِ)، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي (جَمْعِ الزَّلَّاتِ).. فَلْيَقْرَأْهَا.

فَيَا أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي نَوَايَا الْأَئِمَّةِ؛ لَيْسَ لَكَ فِي طَعْنِكَ مَخْرَجٌ شَرْعِيّ؛ فَإِمَّا أَنَّكَ تَتَّبِعُ (ظَنًّا) كَاذِبًا لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، أَوْ تَتَّبِعُ (هَوًى) يُرْدِيكَ.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي مَقَاصِدِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ سَرَائِرَهُمْ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تُدَنَّسَ بِشُبُهَاتِكَ.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: كَمَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ النَّاسُ خَالَفُوهُ فِي أَشْيَاءَ وَأَنْكَرُوهَا عَلَيْهِ، فَلَا يُسْتَرَابُ فِي فِقْهِهِ وَفَهْمِهِ وَعِلْمِهِ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ يَقْصِدُونَ بِهَا الشَّنَاعَةَ عَلَيْهِ وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا.

البياننَصٌّ عَبْقَرِيٌّ يُفَكِّكُ عَقْلِيَّةَ الْغُلُوِّ، وَيَفْضَحُ صِنَاعَةَ (التَّشْنِيعِ الْكَاذِبِ) الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْمُبْطِلُون! لَقَدْ جَمَعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا السَّطْرِ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ يَظُنُّهَا الْغُلَاةُ مُتَنَاقِضَة: فَقَدْ أَثْبَتَ أَنَّ النَّاسَ خَالَفُوا أَبَا حَنِيفَة، وَأَثْبَتَ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَخْطَاءَه، وَمَعَ ذَلِكَ قَرَّرَ بِحَسْمٍ أَنَّهُ (لَا يُسْتَرَابُ فِي فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ وَإِمَامَتِه). فَالْمُخَالَفَةُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْإِنْكَارُ الْفِقْهِيُّ عِنْدَ السَّلَفِ، لَا يُوجِبَانِ إِسْقَاطَ الرَّجُلِ وَتَبْدِيعَه!

ثُمَّ تَأْتِي الْجُمْلَةُ الْقَاصِمَةُ الَّتِي تُعَرِّي الْحَدَّادِيَّةَ فِي كُلِّ زَمَان: «نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ يَقْصِدُونَ بِهَا الشَّنَاعَةَ، وَهِيَ كَذِبٌ عَلَيْهِ قَطْعًا». انْظُرْ كَيْفَ حَكَمَ الْإِمَامُ عَلَيْهَا بِالْكَذِبِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِكَلِمَةِ (قَطْعًا)، ثُمَّ كَشَفَ الْبَاعِثَ وَهُوَ: (قَصْدُ الشَّنَاعَةِ وَإِسْقَاطُ الْمَقَام)!

وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ عَيْنُ مَا يَجْرِي الْيَوْم؛ إِذْ تُجْمَعُ الْمَرْوِيَّاتُ وَالْقِصَصُ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ صِحَّةِ سَنَدِهَا، وَلَا عَنْ سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ، وَلَا عَمَّا يُعَارِضُهَا مِنْ نُصُوصٍ أَوْ إِجْمَاعٍ، ثُمَّ تُرَصُّ فِي مَنْشُورٍ أَوْ مَقْطَعِ فِيدْيُو، لِيُقَالَ لِلْعَوَامِّ: انْظُرُوا.. هَذَا مَا قَالَهُ السَّلَف!

فَمَنْ أَرَادَ نَقْلَ شَنَاعَةٍ أَوْ تُهْمَةٍ عَنْ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَوَّلًا أَنْ يَقِفَ مَوْقِفَ الْمُحَدِّثِ النَّاقِدِ: مَنْ رَوَى هَذَا الْأَثَر؟ وَعَمَّنْ؟ وَهَلْ صَحَّ السَّنَد؟ وَهَلْ فُهِمَ النَّصُّ عَلَى وَجْهِه؟

أَمَّا أَنْ تَدَّعِيَ اتِّبَاعَ (أَهْلِ الْحَدِيثِ)، ثُمَّ تُطَبِّقَ قَوَاعِدَ الْمُحَدِّثِينَ الصَّارِمَةَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَتُطَبِّقَ قَوَاعِدَ (الصَّحَافَةِ الصَّفْرَاءِ) فِي تَتَبُّعِ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّة.. فَبِئْسَ الْمَنْهَجُ مَنْهَجُك!

فَإِنْ أَعْرَضْتَ عَنِ التَّثَبُّتِ ثُمَّ تَكَلَّمْتَ لِتُشَنِّعَ، فَقَدْ دَخَلْتَ نَصًّا فِي وَصْفِ الْمُرْجِفِينَ الَّذِي قَرَّرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّة.

فَيَا أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي النَّقْلِ؛ لَا تَكُنْ حَاطِبَ لَيْلٍ، يَجْمَعُ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ بِغَيْرِ تَمْحِيصٍ وَلَا تَثَبُّتٍ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ الْمُشَنِّعَ يُسْقِطُ دِينَكَ وَمُرُوءَتَكَ، وَلَا يَضُرُّ الْإِمَامَ الَّذِي فِي قَبْرِه.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا تَنْقُلُ، فَإِنَّ دِيوَانَ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُكْتَبُ بِالظُّنُونِ، وَاللَّهُ سَائِلُكَ عَنْ كُلِّ حَرْفٍ طَعَنْتَ بِهِ فِي مَقَامَاتِ أَوْلِيَائِه.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا فِيهِ مِنَ الدِّين. وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْض.

البيانهَذِهِ الْوَثِيقَةُ التَّيْمِيَّةُ وَحْدَهَا تَكْفِي لِقَصْمِ ظَهْرِ الْغُلُوّ! وَهِيَ صَادِرَةٌ مِنَ الْإِمَامِ الَّذِي يَتَتَرَّسُ بِهِ الْغُلَاةُ وَيَجْعَلُونَهُ رَايَةً لَهُمْ (أَحْيَانًا)، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ رَدُّ كَلَامِه.

تَأَمَّلُوا كَيْفَ ضَرَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَنْهَجَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ بِثَلَاثِ قَوَاصِمَ مُتَتَالِيَة:

الْأُولَى: أَنَّهُ سَمَّى صَنِيعَهُمْ هَذَا «مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ»، وَلَمْ يُسَمِّهِ مُجَرَّدَ غَيْرَةٍ زَائِدَةٍ أَوْ خَطَأً فِي الِاجْتِهَاد!

الثَّانِيَة: أَنَّهُ أَرْجَعَ أَصْلَ مَنْهَجِهِمْ فِي (إِسْقَاطِ وَتَكْفِيرِ الْأَئِمَّةِ لِأَجْلِ زَلَّاتِهِمْ) إِلَى طَوَائِفِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَنَفَاهُ تَمَامًا عَنْ مَذْهَبِ السَّلَف!

الثَّالِثَة: أَنَّهُ حَكَى (اتِّفَاقَ أَهْلِ السُّنَّةِ) عَلَى عُذْرِ الْعَالِمِ فِي خَطَئِهِ الْمَحْضِ، فَلَمْ يَجْعَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ رَأْيًا يُنَازَعُ فِيه.

ثُمَّ قِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عِنْدَ لَفْظَةٍ مُرْعِبَةٍ اسْتَخْدَمَهَا الْإِمَامُ وَهِيَ: «تَسْلِيطُ الْجُهَّال»! أَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ الدَّقِيقُ هُوَ التَّشْخِيصَ الْعَمَلِيَّ لِلْحَالِ الَّتِي تَرَاهَا بِعَيْنِكَ الْيَوْمَ؟!

صِبْيَانٌ وَأَحْدَاثُ أَسْنَانٍ، لَمْ يَثْنُوا رُكَبَهُمْ عِنْدَ عَالِمٍ، وَلَمْ يَضْبِطُوا شُرُوطَ الْحُكْمِ وَلَا مَوَانِعَهُ، يُطْلَقُونَ وَيُسَلَّطُونَ عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَالْمِنَصَّاتِ عَلَى أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ؛ لَا لِشَيْءٍ، إِلَّا لِأَنَّهُمْ حَفِظُوا (قَائِمَةَ جَرْحٍ وَتَكْفِيرٍ) لُقِّنُوهَا دُونَ أَنْ يَفْهَمُوا مِنْ أُصُولِهَا حَرْفًا!

لَقَدْ صَارَ (تَسْلِيطُ الْجُهَّالِ) مَشْرُوعًا حَدَّادِيًّا مُتَكَامِلًا لِتَمْزِيقِ الْأُمَّةِ بِاسْمِ السُّنَّة.

فَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ الْمَغْرُورُ بِبَعْضِ الْمَحْفُوظَاتِ الْمَبْتُورَةِ؛ احْذَرْ أَنْ تَكُونَ أَدَاةً رَخِيصَةً فِي يَدِ خَوَارِجِ الْعَصْرِ؛ فَإِنَّ تَجَرُّؤَكَ عَلَى تَكْفِيرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ إِسْقَاطِهِمْ، لَيْسَ شَجَاعَةً مِنْكَ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، بَلْ هُوَ انْقِيَادٌ صَرِيحٌ لِمَنْهَجِ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ بِشَهَادَةِ إِمَامِكَ ابْنِ تَيْمِيَّة.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي لِسَانِكَ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ لِتُرْضِيَ شُيُوخَ الْفِتْنَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَتَائِمَكَ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ سَتَكُونُ أَوَّلَ غُرَمَائِكَ بَيْنَ يَدَيِ الدَّيَّان.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: مَنِ اجْتَهَدَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَدَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَ لَمْ يُكَفَّرْ؛ بَلْ يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُه.

البيانقَاعِدَةٌ رَبَّانِيَّةٌ رَحِيمَةٌ، لَوْ فَقِهَهَا الْغُلَاةُ وَتَأَمَّلُوهَا لَنَامَتِ الْأُمَّةُ مِلْءَ جُفُونِهَا، وَلَاسْتَرَاحَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ فِتَنِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيع!

هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْمُوجَزَةُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، بُنِيَتْ عَلَى رُكْنَيْنِ وَمِيزَانَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: (الِاجْتِهَادُ) وَ(قَصْدُ الْحَقّ).

فَمَتَى مَا بَذَلَ الْعَالِمُ وُسْعَهُ وَاجْتَهَدَ، وَكَانَ قَاصِدًا فِي قَلْبِهِ الْوُصُولَ إِلَى الْحَقِّ وَمَرْضَاةِ اللَّه؛ فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ الدَّمُ وَالْعِرْضُ، وَلَا يُكَفَّرُ وَلَا يُبَدَّعُ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْخَطَأِ الْجَسِيمِ، بَلْ خَطَؤُهُ مَغْفُورٌ بِنَصِّ الْوَحْي.

وَبِهَذَا الضَّابِطِ الدَّقِيقِ، يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الصِّنْفُ الْوَحِيدُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَعِيدِ؛ وَهُوَ (الْمُعَانِدُ الْمُسْتَكْبِرُ) الَّذِي تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ كَالشَّمْسِ، ثُمَّ عَانَدَ وَشَاقَّ الرَّسُولَ اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ أَوْ دُنْيَاه.

فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسْقَطُ وَيُهْجَرُ! أَمَّا الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا وَوَقَعُوا فِي زَلَّةٍ فِقْهِيَّةٍ أَوْ لَفْظَةٍ مُخَالِفَةٍ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْوَعِيدُ بِحَال.

وَهُنَا يُطْرَحُ السُّؤَالُ الْقَاطِعُ عَلَى كُلِّ حَدَّادِيٍّ يُبَدِّعُ الْأَئِمَّةَ الْيَوْمَ: حَتَّى يَصِحَّ لَكَ تَبْدِيعُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْقَاطُهُ بِمُوجَبِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ هَلْ أَثْبَتَّ يَقِينًا (انْتِفَاءَ قَصْدِ الْحَقِّ) مِنْ قَلْبِه؟!

هَلْ تَمْلِكُ بَيِّنَةً قَطْعِيَّةً عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ مُخَالَفَةَ الرَّسُولِ ﷺ عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا وَكُرْهًا لِلسُّنَّة؟!

(قَصْدُ الْحَقِّ) عَمَلٌ خَفِيٌّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَكَيْفَ لَكَ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْه؟! وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَقَدِ ادَّعَى الْغَيْبَ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إِلَيْه.

فَتَبَصَّرْ أَيُّهَا الْمِسْكِينُ فِي حَالِكَ؛ كَيْفَ تَجَرَّأْتَ عَلَى شَقِّ قُلُوبِ الْأَئِمَّةِ لِتَدَّعِيَ سُوءَ مَقَاصِدِهِمْ وَتُعَقِّدَ عَلَيْهَا الْوَلَاءَ وَالْبَرَاء؟!

إِنَّ النَّوَايَا وَالْمَقَاصِدَ سِرٌّ مُغْلَقٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهَا لِيُحَاكِمَ النَّاسَ عَلَيْهَا فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي خَصَائِصِهِ وَتَسَوَّرَ عَلَى الْغَيْب.

فَالْزَمْ غَرْزَ السَّلَفِ فِي عُذْرِ الْمُجْتَهِدِينَ وَحِفْظِ مَقَامَاتِهِمْ، وَدَعِ السَّرَائِرَ لِعَالِمِ الْخَفِيَّاتِ، قَبْلَ أَنْ تُفْضَحَ سَرِيرَتُكَ بَيْنَ الْخَلَائِق.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَحْشَةٌ وَمُنَافَرَة، وَأَنَا كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ، وَاتِّبَاعًا لِمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّه، وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة، وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَحْوِهِ، الْمُنْتَصِرِينَ لِطَرِيقِهِ... مَعَ أَنِّي فِي عُمْرِي إِلَى سَاعَتِي هَذِهِ لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيٍّ وَغَيْرِ حَنْبَلِيّ، وَلَا انْتَصَرْتُ لِذَلِك، وَلَا أَذْكُرُهُ فِي كَلَامِي، وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.

البيانشَهَادَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى نَفْسِهِ، تَنْسِفُ دَعَاوَى الْمُتَاجِرِينَ بِاسْمِهِ، وَتَكْشِفُ الْفَارِقَ الْعَظِيمَ بَيْنَ الْبِنَاءِ السَّلَفِيِّ الْأَصِيلِ وَالْهَدْمِ الْحَدَّادِيِّ الدَّخِيل!

فَهَذِهِ الْوَثِيقَةُ لَيْسَتْ رَأْيًا نَظَرِيًّا، بَلْ هِيَ (سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ وَتَزْكِيَة) يَكْتُبُهَا الْإِمَامُ عَنْ مَشْرُوعِهِ الْعَمَلِيِّ فِي الْأُمَّة.

فَلْيَقْرَأْهَا بِتَمَهُّلٍ وَإِنْصَافٍ كُلُّ مَنْ جَعَلَ صَنْعَتَهُ تَفْرِيقَ الْمُسْلِمِينَ وَتَمْزِيقَ صُفُوفِهِمْ رَافِعًا لِوَاءَ ابْنِ تَيْمِيَّة!

تَأَمَّلُوا الْوَصْفَ الدَّقِيقَ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عُنْوَانًا لِسِيرَتِهِ: «كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِاتِّفَاقِ كَلِمَتِهِمْ».

لَمْ يَقُلْ: (كُنْتُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَرْحًا، وَتَصْنِيفًا، وَرَدًّا عَلَى الْمُخَالِفِين)! مَعَ أَنَّهُ الْإِمَامُ الَّذِي مَلَأَ الدُّنْيَا رُدُودًا وَمُنَاظَرَاتٍ؛ لَكِنَّهُ أَدْرَكَ بِفِقْهِهِ الْعَمِيقِ أَنَّ الرُّدُودَ (وَسِيلَةٌ) لِحِمَايَةِ الدِّينِ، أَمَّا (الْغَايَةُ الْعُظْمَى) فَهِيَ تَأْلِيفُ الْقُلُوبِ وَجَمْعُ كَلِمَةِ الْأُمَّة.

وَهَذَا عَكْسُ مَنْهَجِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ، الَّذِينَ جَعَلُوا الْهَجْرَ وَالتَّبْدِيعَ وَإِيغَارَ الصُّدُورِ (غَايَةً) يَتَعَبَّدُونَ اللَّهَ بِهَا!

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْأَثَرِ الْعَمَلِيِّ الصَّادِقِ لِهَذَا الْمَنْهَجِ: «وَأَزَلْتُ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنَ الْوَحْشَة». لَمْ يَدَّعِ مُجَرَّدَ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ مَخْفِيَّةٍ، بَلْ حَقَّقَ وَاقِعًا مَلْمُوسًا بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ مُتَنَافِرَتَيْنِ (الْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ).

وَكَيْفَ أَزَالَ تِلْكَ الْوَحْشَة؟ يَقُولُ: «وَبَيَّنْتُ لَهُمْ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد».

يَا اللَّه! لَقَدْ أَزَالَ الْوَحْشَةَ وَذَكَرَ الْحَقَّ وَالْفَضْلَ الَّذِي عِنْدَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى!

وَهُوَ نَفْسُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ الَّذِي دَبَّجَ الْمُجَلَّدَاتِ الضِّخَامَ فِي نَقْضِ أُصُولِ الْمَدَارِسِ الْكَلَامِيَّةِ؛ فَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الصَّارِمُ عَلَى الْبِدْعَةِ، لَمْ يَمْنَعْهُ قَطُّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوب.

ثُمَّ تَأْتِي قَاصِمَتُهُ لِمَنْ يَتَعَصَّبُونَ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَسْمَاءِ: «لَمْ أَدْعُ أَحَدًا قَطُّ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِلَى مَذْهَبٍ حَنْبَلِيّ.. وَلَا أَذْكُرُ إِلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّة». وَهَذَا هُوَ التَّجَرُّدُ التَّامُّ لِلْإِجْمَاعِ، وَتَرْكُ التَّحَزُّبِ الْبَغِيض.

فَانْظُرْ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ فِي حَالِكَ؛ شَيْخُ الْإِسْلَامِ يَتَفَاخَرُ بِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ وَإِزَالَةِ الْوَحْشَةِ بَيْنَ الْمَدَارِسِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَأَنْتَ تَتَفَاخَرُ بِتَمْزِيقِ الصَّفِّ السَّلَفِيِّ الْوَاحِدِ، وَنَشْرِ الْعَدَاوَةِ وَالْهَجْرِ وَالتَّبْدِيعِ بَيْنَ الْإِخْوَة!

لَقَدِ اتَّخَذْتَ مِنِ اسْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مِعْوَلًا لِهَدْمِ مَا أَفْنَى هُوَ عُمْرَهُ فِي بِنَائِه!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَاخُرَ بِكَثْرَةِ الْهَجْرِ وَإِسْقَاطِ النَّاسِ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ مِيرَاثُ إِبْلِيسَ الَّذِي يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ، فَرَضِيَ بِالتَّحْرِيشِ بَيْنَ الْمُصَلِّين.