قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِمَامُ أَهْلِ مِصْر: أَحْصَيْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سَبْعِينَ مَسْأَلَةً كُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، مِمَّا قَالَ فِيهِ بِرَأْيِه.

البياناقْرَأْ هَذَا الْأَثَرَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ اسْأَلْ سُؤَالًا وَاحِدًا: أَيْنَ ذَهَبَتْ هَذِهِ السَّبْعُون؟ لِمَاذَا لَمْ تَصِرْ مَشْرُوعًا لِإِسْقَاطِ مَالِك؟ وَلِمَاذَا لَمْ يُبْنَ عَلَيْهَا كِتَابٌ فِي تَجْرِيحِهِ وَلَا قَائِمَةٌ يُمْتَحَنُ بِهَا النَّاس؟

وَالْقَائِلُ لَيْسَ خَصْمًا وَلَا مَجْهُولًا. هُوَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، إِمَامُ أَهْلِ مِصْرَ، الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ: «اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يَقُومُوا بِه». فَهَذَا إِمَامٌ كَبِيرٌ يُحْصِي عَلَى إِمَامٍ كَبِير، ثُمَّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِحْصَاءِ إِسْقَاطٌ وَلَا تَبْدِيع؛ بَلْ بَقِيَتْ بَيْنَهُمَا الْمُرَاسَلَةُ وَالْمَوَدَّة، وَبَقِيَ مَالِكٌ إِمَامَ دَارِ الْهِجْرَةِ فِي قُلُوبِ الْأُمَّةِ إِلَى الْيَوْم.

وَانْظُرْ إِلَى صَنِيعِ الْأُمَّةِ بِهَذَا الْإِحْصَاء: طَوَتْهُ وَلَمْ تُشِعْه. مَا صَارَ كِتَابًا يُتَدَاوَل، وَلَا مَادَّةً تُدْرَس، وَلَا سِلَاحًا يُشْهَرُ فِي وَجْهِ مَالِك؛ بَلْ بَقِيَ أَثَرًا فِي بُطُونِ الْكُتُبِ يُذْكَرُ لِبَيَانِ أَدَبِ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْض، لَا لِإِسْقَاطِ أَحَد. ثُمَّ انْظُرْ إِلَى غِلْمَانِ الْيَوْم: يُنَقِّبُونَ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ عَنِ الزَّلَّة، فَإِذَا ظَفِرُوا بِهَا بَثُّوهَا فِي الْمَقَاطِعِ وَالْمَنْشُورَاتِ وَعَدُّوا الْعُثُورَ عَلَيْهَا فَتْحًا. فَالسَّلَفُ كَانُوا يَطْوُونَ، وَهَؤُلَاءِ يَنْشُرُون؛ وَهَذِهِ وَحْدَهَا تَكْشِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْغَيْرَةِ عَلَى الدِّينِ وَالْغَيْرَةِ عَلَى الْجَمَاعَة.

وَمَوْضِعُ الْحُجَّةِ أَنَّ الْعَدَدَ بَلَغَ سَبْعِينَ، لَا وَاحِدَةً وَلَا اثْنَتَيْن. وَلَوْ أَنَّ حَدَّادِيًّا وَجَدَ الْيَوْمَ مُخَالَفَةً وَاحِدَةً لِسُنَّةٍ عِنْدَ إِمَامٍ لَجَعَلَهَا عُنْوَانَ مَقْطَعٍ وَمَادَّةَ مُبَاهَلَة. فَمَا الَّذِي مَنَعَ اللَّيْثَ وَهُوَ أَعْلَمُ وَأَتْقَى؟ مَنَعَهُ فِقْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّلَّةِ وَالْمَنْهَج: أَنَّ الْعَالِمَ يُخَالِفُ السُّنَّةَ وَهُوَ يَقْصِدُ اتِّبَاعَهَا، لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ، أَوْ بَلَغَتْهُ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَثِقْ بِه، أَوْ تَأَوَّلَهَا، أَوْ ظَنَّهَا مَنْسُوخَة.

وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ، دَقِيقٍ وَلَا جَلِيل؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُول». فَالْمُخَالَفَةُ وَاقِعَة، وَالتَّعَمُّدُ مُنْتَفٍ. وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَقَدْ جَنَى عَلَى الْأَئِمَّةِ كُلِّهِم.

ثُمَّ إِنَّ فِي الْأَثَرِ إِلْزَامًا لَا مَخْرَجَ مِنْه: إِنْ كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ لِلسُّنَّةِ تُسْقِطُ صَاحِبَهَا، فَمَالِكٌ أَوَّلُ السَّاقِطِينَ بِشَهَادَةِ اللَّيْث. فَإِنْ قُلْتَ: مَعَاذَ اللَّه، مَالِكٌ إِمَامٌ مُتَأَوِّلٌ مَعْذُور - فَقَدْ قُلْتَ بِقَوْلِنَا فِي النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءً بِسَوَاء. وَإِنْ قُلْتَ: بَلْ يَسْقُطُ - فَقَدْ هَدَمْتَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ بِيَدِك، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْأُمَّةِ إِمَام.

وَلَمْ يَبْقَ هَذَا فَرْضًا نَظَرِيًّا. فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَدَّادِيَّةِ مَنْ نَبَشَ أَخْطَاءَ الْإِمَامِ مَالِكٍ ثُمَّ طَعَنَ فِيه، فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ، وَلَا عَبْدُ اللَّهِ الْخَلِيفِيُّ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ دِمَشْقِيَّة. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَنْفَجِرُ غَيْرَتُهُمْ عَلَى مَنْ تَرَحَّمَ عَلَى النَّوَوِيِّ نَامُوا عَنِ الطَّاعِنِ فِي إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَة. وَبِمِثْلِ هَذَا الْأُسْلُوب - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ إِلَى كُتُبِ الْإِمَامِ فَيَلْتَقِطَ زَلَّاتِهِ ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهَا حُكْمًا - يَسْتَطِيعُ كُلُّ جَاهِلٍ أَنْ يُسْقِطَ مَنْ شَاءَ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؛ فَمَا مِنْ إِمَامٍ إِلَّا وَلَهُ مَا يُنْتَقَد، فَإِذَا صَارَ الِالْتِقَاطُ مِيزَانًا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْأُمَّةِ أَحَد.

يَا هَذَا، مَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا وَلَهُ زَلَّة، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَعَصَمَهُمْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَبْقَى الْعِصْمَةُ لِنَبِيِّهِ وَحْدَهُ حَتَّى لَا يُعْبَدَ أَحَدٌ مِنْ دُونِه. فَمَنْ أَسْقَطَ كُلَّ مَنْ زَلَّ فَقَدْ أَسْقَطَ نَفْسَهُ أَوَّلًا، فَإِنَّهُ أَكْثَرُهُمْ زَلَلًا وَأَقَلُّهُمْ عِلْمًا. وَسَتَقِفُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَلَيْسَ مَعَكَ مِنْ عِلْمِكَ إِلَّا مَا عَمِلْتَ بِه، فَأَيُّهُمَا تُحِبُّ أَنْ تُبْعَثَ عَلَيْه: عَلَى صَحِيفَةٍ فِيهَا ذَبٌّ عَنْ أَعْرَاضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَمْ عَلَى صَحِيفَةٍ فِيهَا إِحْصَاءُ زَلَّاتِهِم؟

قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيّ: النَّاسُ عِيَالٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ؛ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي الْفِقْهِ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَة.

البياناقْرَؤُوا هَذِهِ الشَّهَادَةَ الْجَلِيلَةَ مِمَّنْ خَبَرَ الْفِقْهَ وَمَوَازِينَه. فَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَدْرَسَتِهِ؛ فَقَدْ جَالَسَ تِلْمِيذَهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيَّ وَأَخَذَ عَنْهُ، ثُمَّ خَالَفَهُمْ فِي مَسَائِلَ لَا تُحْصَى مِنَ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، حَتَّى اسْتَقَرَّ لَهُ مَذْهَبٌ فِقْهِيٌّ مُسْتَقِلٌّ يُقَابِلُ مَذْهَبَهُمْ!

وَمَعَ هَذَا الْخِلَافِ الْجَذْرِيِّ وَالْعَمِيق.. مَاذَا قَالَ الشَّافِعِيّ؟ قَالَ بِلِسَانِ الْإِنْصَافِ الصَّادِقِ الَّذِي لَا تَعْرِفُهُ قُلُوبُ الْغُلَاة: «النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَيْهِ فِي الْفِقْه».

ثُمَّ تَأَمَّلُوا دِقَّةَ الْعِبَارَةِ الَّتِي تَحْمِلُ أَمْرًا صَرِيحًا: «فَلْيَلْزَمْ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَه». فَالشَّافِعِيُّ هُنَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الثَّنَاءِ الْمُجَرَّدِ فِي الْمَجَالِسِ، بَلْ أَمَرَ طَالِبَ الْعِلْمِ بِلُزُومِ هَذَا الْإِمَامِ وَالْأَخْذِ عَنْه! وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ؛ أَنَّ الْإِمَامَ السُّنِّيَّ النَّاصِحَ لِأُمَّتِهِ، لَا يَأْمُرُ النَّاسَ بِلُزُومِ رَجُلٍ يَرَاهُ مُبْتَدِعًا ضَالًّا، وَلَا يُحِيلُ طُلَّابَ الْعِلْمِ قَطُّ عَلَى إِمَامٍ يَجِبُ إِسْقَاطُهُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْه!

وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْمُنْصِفَةَ، تُغْلِقُ بَابًا خَبِيثًا يَفْتَحُهُ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ؛ فَهُمْ يُوهِمُونَ الْأَتْبَاعَ أَنَّ "الْخِلَافَ الشَّدِيدَ" فِي الْمَسَائِلِ أَوْ مَنَاهِجِ الِاسْتِدْلَالِ، يُبِيحُ لَهُمُ التَّشْنِيعَ، وَالتَّبْدِيعَ، وَالْإِسْقَاط! فَهُنَا خِلَافٌ جَذْرِيٌّ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ يَمْتَدُّ لِأَصْلِ الْمَنْهَجِ الْفِقْهِيِّ كُلِّه.. وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّ أَنْ يُنْصِفَ مُخَالِفَهُ، وَيُعَظِّمَ مَقَامَهُ، وَيَأْمُرَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ وَالتَّلْمَذَةِ عَلَى فِقْهِه!

فَأَيْنَ هَذَا الْمِيزَانُ الشَّافِعِيُّ الْعَظِيمُ، مِنْ مِيزَانِ الْحَدَّادِيَّةِ الْأَعْمَى؟! الَّذِينَ يُسْقِطُونَ أَئِمَّةَ الدِّينِ وَحُفَّاظَ الْحَدِيثِ كَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ لِخَطَأٍ فِي تَأْوِيلٍ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ كَذِبًا أَنَّهُمْ حُمَاةُ السُّنَّةِ وَأَتْبَاعُ السَّلَف!

السَّلَفُ الصَّالِحُ اخْتَلَفُوا فَأَحْسَنُوا أَدَبَ الْخِلَافِ، وَعَذَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَثْنَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض. أَمَّا هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ؛ فَجَعَلُوا الْخِلَافَ مِعْوَلًا لِهَدْمِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَسَيْفًا لِتَنْقِيصِ الْأَكَابِرِ، فَشَتَّانَ بَيْنَ الْبَانِي وَالْهَدَّام.

قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيّ: وَأَمَّا أَنْ نُخَالِفَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتًا عَنْهُ فَأَرْجُو أَلَّا يُؤْخَذَ ذَلِكَ عَلَيْنَا إِنْ شَاءَ اللَّه، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَد؛ وَلَكِنْ قَدْ يَجْهَلُ رَجُلٌ السُّنَّةَ فَيَكُونُ لَهُ قَوْلٌ يُخَالِفُهَا، لَا أَنَّهُ عَمَدَ خِلَافَهَا. وَقَدْ يَغْفُلُ الْمَرْءُ وَيُخْطِئُ فِي التَّأْوِيل.

البياناقْرَؤُوا هَذَا الْأَصْلَ الشَّافِعِيَّ الْعَظِيم، لِتَرَوْا كَيْفَ تَتَبَدَّدُ الشُّبُهَاتُ حِينَ تُرَدُّ إِلَى مَوَازِينِ الْعِلْمِ الرَّاسِخَة.

إِنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ مِيزَانِ السَّلَفِ وَمِيزَانِ الْحَدَّادِيَّةِ الْجُدُدِ، يَتَجَلَّى كُلُّهُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْقَلِيلَة: «لَا أَنَّهُ عَمَدَ خِلَافَهَا».

فَالْمُخَالَفَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ جَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ هِيَ شَيْء، وَالْمُخَالَفَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ مُعَانَدَةٍ وَاسْتِكْبَارٍ هِيَ شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا. الْأُولَى خَطَأٌ يُصَحَّحُ وَيُعْذَرُ قَائِلُهُ لِصِدْقِ نِيَّتِهِ، وَالثَّانِيَةُ ضَلَالٌ وَمُكَابَرَةٌ يُدَانُ بِهَا صَاحِبُهَا.

وَقَائِلُ هَذَا الْكَلَامِ لَيْسَ رَجُلًا مُتَسَاهِلًا فِي أَبْوَابِ الِاعْتِقَادِ لِيُزَايِدَ عَلَيْهِ غُلَاةُ الْيَوْم! بَلْ هُوَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيّ، الْمُلَقَّبُ بِـ "نَاصِرِ السُّنَّة"، الَّذِي شَدَّدَ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْأَثَرِ أَشَدَّ التَّشْدِيدِ، حَتَّى كَانَ يَقُولُ مَقَالَتَهُ الشَّهِيرَة: «إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عُرْضَ الْحَائِط». فَلَا يَمْلِكُ الْحَدَّادِيُّ أَنْ يَهْرُبَ وَيَقُولَ: قَالَهَا مُتَسَاهِلٌ أَوْ مُمَيِّع!

ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ شَرْعِيَّةٍ لِلْعُذْرِ، يُنْكِرُهَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ وَيُغْلِقُونَهَا بِقَسْوَةٍ فِي وُجُوهِ الْعُلَمَاء:

الْأَوَّل: "الْجَهْلُ بِالسُّنَّة".

وَالثَّانِي: "الْغَفْلَة".

وَالثَّالِث: "الْخَطَأُ فِي التَّأْوِيل".

وَهَذِهِ الْأَعْذَارُ الثَّلَاثَةُ -الَّتِي أَقَرَّهَا الشَّافِعِيُّ- هِيَ مَوَانِعُ شَرْعِيَّةٌ يَقْفِزُ مِنْ فَوْقِهَا الْغُلَاةُ الْيَوْمَ وَكَأَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، لِيُسَارِعُوا إِلَى الْحُكْمِ بِالتَّضْلِيلِ وَالتَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِمْ لِزَلَّةِ الْإِمَام!

فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! قِفْ أَمَامَ هَذَا الْغَالِي الَّذِي يُبَدِّعُ عَالِمًا مُجْتَهِدًا لِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ لِنَصٍّ، وَاسْأَلْهُ:

هَلْ أَثْبَتَّ عَلَى الْإِمَامِ "الْعَمْد" وَقَصْدَ الْمُعَانَدَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ أَمِ اكْتَفَيْتَ بِمُجَرَّدِ "وُقُوعِ الْمُخَالَفَة" لِتُسْقِطَ الرَّجُل؟!

فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَثْبَتَ الْعَمْدَ؛ فَقَدْ شَقَّ عَنْ قَلْبِهِ وَادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ، وَاتَّهَمَ أَئِمَّةَ الدِّينِ وَحُفَّاظَهُ بِمُعَانَدَةِ الشَّرِيعَةِ عَمْدًا، وَهَذَا مِنْ أَبْشَعِ الِافْتِرَاء!

وَإِنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ دُونَ النَّظَرِ فِي الْقَصْدِ وَالتَّأْوِيلِ؛ فَقَدْ حَكَمَ بِلَا أَسَاسٍ شَرْعِيٍّ، وَخَالَفَ مِيزَانَ الشَّافِعِيِّ وَمِيزَانَ السَّلَفِ قَاطِبَةً، الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ زَلَّةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُتَأَوِّلِ، وَبَيْنَ جُرْأَةِ الْمُبْتَدِعِ الْمُعَانِد!

قَالَ أَبُو زُرْعَة: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ - وَكَانَ مُتَّكِئًا مِنْ عِلَّة - فَاسْتَوَى جَالِسًا وَقَال: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَيُتَّكَأ.

البيانهَذَا الْمَوْقِفُ الْعَظِيمُ أَبْلَغُ مِنْ أَلْفِ خُطْبَة! رَجُلٌ مَرِيضٌ مُتْعَب، يَتَّكِئُ لِيُرِيحَ بَدَنَهُ الْمُنْهَك، فَمَا إِنْ يُذْكَرُ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى يَنْتَفِضَ، وَيُغَالِبَ مَرَضَه، وَيَسْتَوِيَ جَالِسًا إِجْلَالًا وَتَوْقِيرًا لِلْمَذْكُور، قَائِلًا: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ الصَّالِحُونَ فَيُتَّكَأ». لَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَاحَةَ بَدَنِهِ تَابِعَةً لِحُرْمَةِ أَخِيهِ الْمُسْلِم.

وَلَكِنَّ الصَّدْمَةَ الَّتِي تُخْرِسُ أَلْسِنَةَ الْغُلَاةِ وَتَفْضَحُ حَقِيقَةَ مَنْهَجِهِم، هِيَ فِي كَشْفِ هُوِيَّةِ هَذَا الْمَذْكُور.. هَلْ تَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَان؟ إِنَّهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيث، نَعَم، وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ رُمِيَ بِبِدْعَةِ (الْإِرْجَاء)! وَمَعَ هَذَا الْخَلَلِ الْعَقَدِيّ؛ عَدَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الصَّالِحِين، وَحَفِظَ لَهُ سَابِقَتَه، وَأَجَلَّ ذِكْرَهُ حَتَّى اعْتَدَلَ مِنْ مَرَضِهِ احْتِرَامًا لِاسْمِه!

وَهُنَا الْمَقْتَلُ الَّذِي يُعَرِّي الْحَدَّادِيَّةَ وَيَفْضَحُ سَوْءَاتِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَاد: بِمُوجَبِ قَوَاعِدِهِمُ الصَّارِمَةِ الْيَوْم، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُسْقِطُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيُبَدِّعُوه! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ هَذَا يُعَدُّ فِي مِيزَانِهِمْ "مُوَقِّرًا لِأَهْلِ الْبِدَع"، وَمَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ كَمَا يُقَرِّرُون! فَكَيْفَ يَنْجُو الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ مِقْصَلَتِهِمْ وَقَدْ وَقَّرَ مَنْ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء؟!

وَلِكَيْ تُدْرِكُوا حَجْمَ الِانْحِطَاطِ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ غُلَاةُ الْيَوْم، قَارِنُوا بَيْنَ صَنِيعِ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مَعَ رَجُلٍ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء، وَبَيْنَ صَنِيعِ أَحَدِ رُؤُوسِ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُعَاصِرِينَ (مُحَمَّد شَمْس الدِّين) حِينَ خَرَجَ عَلَى شَاشَاتِ يُوتِيُوب يُبَاهِلُ عَلَى بِدْعَةِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ بَعْدَ رَمْيِهِ بِالْإِرْجَاء! يَخْرُجُ عَلَى الْمَلَأ، بِقَلْبٍ قَاسٍ وَلِسَانٍ فَاجِر، وَيَطْلُبُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَلْعَنَهُ وَيُهْلِكَهُ وَيُهْلِكَ أَهْلَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَبُو حَنِيفَةَ مُبْتَدِعًا ضَالًّا!

يَا اللَّه! أَيُّ فُجُورٍ فِي الْخُصُومَةِ هَذَا؟! وَأَيُّ جُرْأَةٍ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى أَعْرَاضِ الْأَئِمَّة؟! إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَنْتَفِضُ مِنْ مَرَضِهِ إِجْلَالًا لِعَالِمٍ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء.. وَصُعْلُوكُ الْحَدَّادِيَّةِ يُبَاهِلُ بِلَعْنَةِ اللَّهِ وَهَلَاكِ أَهْلِهِ لِيُثْبِتَ أَنَّ إِمَامًا كَأَبِي حَنِيفَةَ مُبْتَدِعٌ ضَال! مَجْلِسٌ سَلَفِيٌّ نَقِيٌّ يُعْتَدَلُ فِيهِ مِنَ الِاتِّكَاءِ إِجْلَالًا لِذِكْرِ عَالِمٍ أَخْطَأ.. وَشَاشَاتٌ حَدَّادِيَّةٌ سَوْدَاءُ تُعْقَدُ فِيهَا جَلَسَاتُ اللَّعْنِ وَالْمُبَاهَلَةِ لِإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام!

فَيَا أَيُّهَا الْغَالِي الْمَفْتُون: إِذَا كَانَ مِيزَانُكَ يَقْتَضِي تَبْدِيعَ مَنْ يُوَقِّرُ مَنْ وَقَعَ فِي الْإِرْجَاء، فَابْدَأْ بِتَبْدِيعِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْقَاطِهِ إِنْ كُنْتَ تَمْلِكُ شَجَاعَةَ الْخَوَارِج! وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ -وَلَنْ تَفْعَلَ- فَاعْلَمْ أَنَّ مَنْهَجَكُمْ بَاطِلٌ مُتَنَاقِضٌ مِنْ أَسَاسِه، وَأَنَّكُمْ لَمْ تَرِثُوا مِنَ السَّلَفِ إِلَّا الْأَسْمَاء، بَيْنَمَا وَرِثْتُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ الْجُرْأَةَ عَلَى الْأَعْرَاضِ وَاسْتِبَاحَةَ الْحُرُمَات.

فَبَيْنَ مِيزَانِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمِيزَانِكُمْ كَمَا بَيْنَ الثَّرَى وَالثُّرَيَّا؛ مِيزَانُهُ مِيزَانُ الرَّحْمَةِ وَحِفْظِ الْمَقَامَات، وَمِيزَانُكُمْ مِيزَانُ اللَّعْنِ وَالْغِلِّ وَالْمُبَاهَلَةِ عَلَى إِسْقَاطِ الْأَئِمَّة.

لَمَّا قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد: إِنَّ قَوْمًا يَكْتُبُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الرَّدِيئَةَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَقَدْ حَكَوْا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ: أَنَا لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ حَدِيثٍ يَكْتُبُ هَذَا الْحَدِيثَ يَعْرِفُهَا - فَغَضِبَ وَأَنْكَرَهُ إِنْكَارًا شَدِيدًا وَقَالَ: بَاطِل، مَعَاذَ اللَّه! أَنَا لَا أُنْكِرُ هَذَا؟! لَوْ كَانَ هَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ لَأَنْكَرْتُه، فَكَيْفَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟

البيانهَذَا مَوْقِفٌ مَهِيبٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ تُجَاهَ (صِنَاعَةِ جَمْعِ الْمَثَالِبِ وَالزَّلَّات)، وَهِيَ الصِّنَاعَةُ الْبَائِسَةُ الَّتِي يَعْتَاشُ عَلَيْهَا الْحَدَّادِيَّةُ وَغُلَاةُ زَمَانِنَا! تَأَمَّلُوا كَيْفَ لَمْ يُقَابِلِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذِهِ الْفِرْيَةَ بِنِقَاشٍ هَادِئٍ بَارِد، بَلْ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: «بَاطِل، مَعَاذَ اللَّه!». فَالْغَضَبُ فِي مَوْضِعِهِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ الْحُجَّةِ، بَلْ هُوَ عَلَامَةٌ عَلَى تَعْظِيمِ الْمُنْكَرِ فِي الْقَلْبِ، وَالْغَيْرَةِ عَلَى أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ.

وَقُوَّةُ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ هُنَا تَكْمُنُ فِي التَّدَرُّجِ الْمَنْهَجِيِّ لِلْإِمَام؛ حَيْثُ قَالَ: «لَوْ كَانَ هَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ لَأَنْكَرْتُه، فَكَيْفَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّد؟». يَا اللَّه! لَقَدْ قَرَّرَ الْإِمَامُ أَوَّلًا أَنَّ تَتَبُّعَ الزَّلَّاتِ وَجَمْعَ الْمَثَالِبِ هُوَ "مُنْكَرٌ عَظِيم" حَتَّى لَوْ مُورِسَ ضِدَّ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ (آحَادِ النَّاس)! ثُمَّ اسْتَعْظَمَ هَذَا الْمُنْكَرَ وَضَاعَفَهُ إِذَا تَمَّ تَسْلِيطُهُ عَلَى خِيَارِ الْأُمَّةِ وَأَكَابِرِهَا.

وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَهْدِمُ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْقَوْمِ الْيَوْم؛ فَالْحَدَّادِيَّةُ جَعَلُوا تَتَبُّعَ زَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ، وَجَمْعَ عَثَرَاتِهِمْ فِي مِلَفَّاتٍ وَمَقَاطِعَ، وَتَصْنِيفَ الْكُتُبِ فِي أَخْطَائِهِمْ.. جَعَلُوهُ "عِلْمًا" يُدْرَسُ، وَ"نَصِيحَةً" يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّه! فَإِنْ كَانَ هَذَا الصَّنِيعُ الْبَشِعُ مُنْكَرًا فِي حَقِّ الْعَوَامِّ وَالْمَجَاهِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَفْعَلُهُ مَعَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وَأَئِمَّةِ الدِّين؟!

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى دَاءٍ قَدِيمٍ يَتَجَدَّد؛ وَهُوَ التَّقَوُّلُ عَلَى الْعُلَمَاء: (حَكَوْا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْت)! نَعَمْ، لَقَدْ كَذَبُوا عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَنَسَبُوا إِلَيْهِ زُورًا أَنَّهُ يُقِرُّ جَمْعَ الزَّلَّاتِ، فَانْتَفَضَ وَكَذَّبَهُمْ. وَهَذَا دَأْبُ الْحَدَّادِيَّةِ فِي كُلِّ زَمَان؛ يَبْتُرُونَ نُصُوصَ الْأَئِمَّةِ السَّالِفِينَ، وَيَنْسُبُونَ إِلَيْهِمْ قَوَاعِدَ الْغُلُوِّ الْبَاطِلَةَ، لِيُشَرْعِنُوا بِهَا مَنَاهِجَهُمُ الْفَاسِدَةَ فِي الْإِسْقَاط.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَلَبِّسُ بِلِبَاسِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل: إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ يَرَى أَنَّ جَمْعَ زَلَّاتِ (الْعَوَامِّ) مُنْكَرٌ يُسْتَعَاذُ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَأَنْتَ تَمْلَأُ أَدْرَاجَكَ وَأَجْهِزَتَكَ بِمِلَفَّاتٍ ضَخْمَةٍ لَا تَحْوِي إِلَّا زَلَّاتِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ، لِتُخْرِجَهَا لِلنَّاسِ مُتَفَاخِرًا وَكَأَنَّكَ تَرْفَعُ رَايَةَ السُّنَّة! فَهَلْ أَنْتَ عَلَى عَقِيدَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَوَرَعِهِ، أَمْ أَنَّكَ امْتِدَادٌ لِلْمَنْهَجِ الْخَبِيثِ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَأَنْكَرَه؟!

لَقَدْ جَعَلْتَ رَأْسَ مَالِكَ الَّذِي تَلْقَى بِهِ اللَّهَ تَتَبُّعَ الْعَوْرَاتِ، وَبِئْسَتِ الْبِضَاعَةُ يَوْمَ تُنْشَرُ الدَّوَاوِين.

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّه: إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَام.

البيانهَذِهِ كَلِمَةٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ مِيزَانُ سَلَامَةٍ لَا مِيزَانُ تَقْلِيد. فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ تُعَطِّلَ النَّظَر، وَلَا أَنْ تُقْفِلَ بَابَ الِاجْتِهَاد؛ وَإِنَّمَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ انْفِرَادَكَ بِقَوْلٍ لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَامَةُ خَطَرٍ لَا عَلَامَةُ تَحْقِيق. فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قُرُونًا فِي ضَلَالَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُتَأَخِّرُ فَيَهْتَدِيَ وَحْدَه.

وَقُلْ لِي بِاللَّهِ: أَيُّ مَسْأَلَةٍ أَعْظَمُ مِنْ إِخْرَاجِ مُسْلِمٍ مِنَ الْمِلَّةِ بَلْ وَالتَّأَلِّي عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَه؟! أَخْرَجَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تَلَقَّتِ الْأُمَّةُ كُتُبَهُ بِالْقَبُولِ خَمْسَةَ قُرُونٍ وَبَاهَلَ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ جُرْأَةٍ وَلَعَنَ نَفْسَهُ وَأَهْلَه! فَإِذَا كَانَ أَحْمَدُ يُحَذِّرُكَ مِنَ الْكَلَامِ بِلَا إِمَامٍ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَجْلِسُ فَيُصْدِرُ حُكْمًا بِالرِّدَّةِ عَلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؟

وَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ: مَنْ كَفَّرَ السُّيُوطِيَّ غَيْرُك؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، وَلَا يُهِمُّنِي أَنْ يُكَفِّرَهُ غَيْرِي أَوْ لَا يُكَفِّرَه». فَتَأَمَّلْ: جَوَابُهُ هَذَا وَحْدَهُ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِمِيزَانِ أَحْمَد، لَا يَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى مُنَاظَرَة. فَأَحْمَدُ يَقُولُ: «إِيَّاك»، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا يُهِمُّنِي».

وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْعَمَلِيَّ الْمُتَوَارَثَ شَهَادَةٌ مُرَكَّبَةٌ لَا تُنْقَضُ بِفَهْمِ جَاهِلٍ مُتَصَدِّر. فَالسُّيُوطِيُّ مَاتَ وَأَقْبَلَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كُتُبِهِ تَدْرُسُهَا وَتُحَقِّقُهَا وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَالِمٌ مُعْتَبَرٌ وَاحِدٌ كَفَّرَه. فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا غَفَلَتْ خَمْسَةَ قُرُونٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَرِدُ هُوَ الْغَافِل. وَأَحَدُهُمَا مُحَال.

وَلَا يُقَالُ: أَحْمَدُ نَفْسُهُ انْفَرَدَ بِأَقْوَال. فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيِّن: أَحْمَدُ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ زَمَانِهِ بِالْإِمَامَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ انْفِرَادُهُ فِي مَسَائِلِ نَظَرٍ لَا فِي تَنْزِيلِ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ عَلَى أَعْيَانِ الْأَئِمَّةِ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَحْتَجُّ بِأَحْمَدَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْذِ بِوَصِيَّتِهِ لَا بِمُخَالَفَتِهَا.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَصْلَ يَقْصِمُ أَصْلَ الْفِرْقَةِ كُلَّه: فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ إِمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُدَاهِن. فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: سَمُّوا لَنَا إِمَامًا وَاحِدًا سَبَقَكُمْ، لَمْ يَجِدُوا، فَانْتَقَلُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ. وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمِيزَانَ مَكْسُور؛ فَإِنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ فِي الْأُمَّةِ إِمَامٌ، مِيزَانٌ يُرَدُّ وَلَا يُتَّبَعُ.

يَا هَذَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوكِلْ إِلَيْكَ دِينَ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ آخِرَ الْعُصُورِ عِلْمًا وَأَوَّلَهَا فَهْمًا. فَتَوَاضَعْ لِسَلَفِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ مَشَى فِي طَرِيقٍ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ أَثَرَ قَدَمٍ وَاحِدَةٍ فَلْيَتَّهِمْ طَرِيقَهُ لَا النَّاس.

وَسَلْ نَفْسَكَ سُؤَالًا وَاحِدًا فِي خَلْوَتِكَ: لَوْ مُتَّ اللَّيْلَةَ عَلَى قَوْلٍ شَنِيعٍ كَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ فِي إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْ تَحْتَجُّ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُسْأَلُ عَنْ كَلِمَتِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ سُكُوتِه.

يَقُولُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ (أَحَدُ أَبْرَزِ أَرْكَانِ الْمُعْتَزِلَة): «إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ لِيَكُونَ عَلَمًا وَدَالًّا عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَجَعَلَهُ دَلَالَةً لَنَا عَلَى الْأَحْكَامِ لِنَرْجِعَ إِلَيْهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَام». وَمِثْلُهُ الْجَاحِظُ الَّذِي أَلَّفَ كِتَابَيْنِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ صَرَّحُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَتَعْطِيلِ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِه. فَهَلْ نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ تَكْفِيرُ هَؤُلَاءِ الرُّؤُوسِ بِأَعْيَانِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الْمُكَفِّرَة؟

البيانقِفْ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ طَوِيلًا؛ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ يُمَثِّلُ "حَجَرَ الزَّاوِيَةِ" الَّذِي يَنْسِفُ بُنْيَانَ الْغُلُوِّ مِنْ قَوَاعِدِهِ، وَيَكْشِفُ عَوَارَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ الْمُعَاصِرِ الَّذِي يَتَدَثَّرُ زَيْفًا بِعَبَاءَةِ السَّلَف.

إِنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ يَضَعُ الْقَوْمَ فِي زَاوِيَةٍ ضَيِّقَةٍ، لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهَا إِلَّا بِالِاعْتِرَافِ بِبِدْعَتِهِمْ، أَوِ الطَّعْنِ صَرَاحَةً فِي إِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

تَأَمَّلْ -أَرْشَدَكَ اللَّهُ- فِي مَقَالَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيَ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَعْطِيلَ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِهِ، هُوَ كُفْرٌ صُرَاح.

وَهُوَ بِلَا رَيْبٍ أَشَدُّ ضَلَالًا، وَأَغْلَظُ كُفْرًا، وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَحُرَّاسُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَطْعَنُ فِيهِمْ غُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ؛ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَأَضْرَابِهِم.

فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْجِبَالُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- يُقِرُّونَ إِقْرَارًا جَازِمًا بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيُثْبِتُونَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَيُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةَ، وَإِنَّمَا زَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ فِي تَأْوِيلِ نَزْرٍ يَسِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ؛ مُتَأَثِّرِينَ بِبَعْضِ مُقَرَّرَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فِرَارًا مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ فِي ظَنِّهِمْ، وَطَلَبًا لِتَنْزِيهِ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا. فَخَطَؤُهُمْ مَحْصُورٌ، وَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَزَلَّتُهُمْ مَغْمُورَةٌ فِي بِحَارِ حَسَنَاتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ لِلْإِسْلَامِ، بَيْنَمَا بِدْعَةُ الْمُعْتَزِلَةِ أَغْلَظُ، وَمُصَادَمَتُهُمْ لِلنُّصُوصِ أَشَدُّ وَأَقْبَح.

وَمَعَ هَذِهِ الشَّنَاعَةِ الْبَالِغَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ، هَلْ كَفَّرَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَعْيَانَهُم؟

الْجَوَابُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ: لَا؛ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى تَكْفِيرُ أَعْيَانِ هَؤُلَاءِ الرُّؤُوسِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَضْلًا عَنْ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَام. لَقَدْ فَرَّقَ السَّلَفُ الصَّالِحُ تَفْرِيقًا حَاسِمًا بَيْنَ "الْحُكْمِ عَلَى الْمَقَالَةِ" بِأَنَّهَا كُفْرٌ، وَبَيْنَ "تَنْزِيلِ الْحُكْمِ عَلَى قَائِلِهَا الْمُعَيَّن".

فَهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، الَّذِي جُلِدَ فِي فِتْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ عَلَى يَدِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَقُضَاتِهِمْ، لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَهُمْ، بَلْ كَانَ يَدْعُو لِلْخُلَفَاءِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَيَقُولُ كَلِمَتَهُ الْعَظِيمَةَ وَهُوَ يُسَامِحُ الْمُعْتَصِمَ: «مَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ بِسَبَبِكَ؟».

وَهَذَا الزَّمَخْشَرِيُّ، رَأْسُ الْمُعْتَزِلَةِ وَصَاحِبُ الْكَشَّافِ، لَمَّا تَرْجَمَ لَهُ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، نَعَتَهُ بـ «الْعَلَّامَةُ، كَبِيرُ الْمُعْتَزِلَة»، وَحَذَّرَ تَحْذِيرًا شَدِيدًا مِنْ بِدْعَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ أَقَرَّ بِفَضْلِهِ فِي اللُّغَةِ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئ.

وَكَذَلِكَ الْجَاحِظُ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ؛ تُرَدُّ بِدَعُهُمْ، وَتُنْقَضُ حُجَجُهُمْ بِقَسْوَةٍ، وَلَكِنْ تُصَانُ أَعْرَاضُهُمْ وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، لِعُذْرِ "التَّأْوِيلِ" وَالْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ مَآلِ أَقْوَالِهِم.

بَلْ دُونَكَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقْطَعُ: فَهَذَا الْجَاحِظُ نَفْسُهُ قَدْ رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ النَّزْرَ الْيَسِيرَ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، ابْنُ صَاحِبِ السُّنَنِ! فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ: هَلْ يُرْوَى الْحَدِيثُ عَنْ كَافِرٍ مُرْتَدّ؟! وَالْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، فَكَيْفَ يُدْخِلُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي دِينِهِمْ رِوَايَةَ مُرْتَدّ؟! إِنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْهُ شَهَادَةٌ عَمَلِيَّةٌ قَاطِعَةٌ بِأَنَّهُمْ عَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْمُبْتَدِعِ، لَا الْكَافِرِ الْمَارِقِ مِنَ الْمِلَّة!

ثُمَّ اسْمَعْ مِيزَانَ الذَّهَبِيِّ النَّاقِدِ الْبَصِيرِ حِينَ تَرْجَمَ لَهُ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ فَقَالَ: «كَفَانَا الْجَاحِظُ الْمَؤُونَةَ، فَمَا رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ، وَلَا هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ، فَرُبَّمَا جَازَفَ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلَّامَةٌ، صَاحِبُ فُنُونٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ، عَفَا اللَّهُ عَنْه». فَانْظُرْ كَيْفَ وَزَنَهُ بِالْقِسْطِ: أَثْبَتَ تَلَطُّخَهُ بِالْبِدَعِ، وَنَفَى عَنْهُ التُّهْمَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَقَرَّ لَهُ بِالْعِلْمِ وَالذَّكَاءِ الْبَاهِرِ، ثُمَّ خَتَمَ تَرْجَمَتَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ: «عَفَا اللَّهُ عَنْه»! فَهَلْ يَدْعُو إِمَامُ النُّقَّادِ وَجِهْبِذُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ لِمُرْتَدٍّ خَارِجٍ مِنَ الْإِسْلَامِ؟! أَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَعْرِفُونَ مَا جَهِلَهُ الْغُلَاةُ: الْفَرْقَ بَيْنَ مَقَالَةِ الْكُفْرِ وَقَائِلِهَا الْمُتَأَوِّل؟

وَلِئَلَّا يَبْقَى لِلْمُكَابِرِ مُتَعَلَّق، فَدُونَكَ النَّصَّ الصَّرِيحَ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى: «وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِبَعْضِ التَّجَهُّمِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمُ الَّذِينَ يَتَدَيَّنُونَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَهَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا رَيْب. وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ كَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّة». فَهَذَا حُكْمُهُ الصَّرِيحُ فِي الْمُعْتَزِلَةِ أَنْفُسِهِمْ: مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِلَا رَيْبٍ؛ فَبِأَيِّ وَجْهٍ يُخْرِجُ غُلَاةُ الْيَوْمِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ بِمَرَاحِلَ، كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر؟!

وَهُنَا نُوَجِّهُ مِدْفَعَ الْحُجَّةِ إِلَى صُدُورِ الْغُلَاةِ (كَالْحَدَّادِيَّةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ مِنْ أَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ وَالْخُلَيْفِيِّ وَدِمَشْقِيَّةَ) وَنُلْزِمُهُمْ إِلْزَامًا يَكْسِرُ ظُهُورَهُمْ، فَنَقُولُ بِمِلْءِ الْفَمِ: إِذَا كَانَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ، قَدْ عَذَرُوا بِالتَّأْوِيلِ رُؤُوسَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ -الَّذِينَ نَفَوُا الصِّفَاتِ، وَقَالُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَامْتَحَنُوا الْأُمَّةَ بِالسِّيَاطِ- فَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَمْ يُهْدِرُوا إِسْلَامَهُمْ.. فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ تَكْفِيرَ، أَوْ تَبْدِيعَ، أَوْ إِسْقَاطَ أَئِمَّةٍ جِبَالٍ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالْبَيْهَقِيِّ؟! وَهُمُ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، وَشَرْحِ الْأَحَادِيثِ، وَقَمْعِ الْمُبْتَدِعَة!

أَيُعْذَرُ رُؤُوسُ الْمُعْتَزِلَةِ بِاجْتِهَادِهِمُ الْبَاطِلِ وَتَأْوِيلِهِمُ الْفَاسِدِ، وَيَكُونُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَحُرَّاسُ السُّنَّةِ مُهْدَرِينَ مُسْقَطِينَ عِنْدَكُم؟!

أَيُّ مِيزَانٍ جَائِرٍ، وَأَيُّ عَقْلٍ كَاسِدٍ هَذَا الَّذِي تُعَامِلُونَ بِهِ سَادَاتِ الْأُمَّة؟!

ثُمَّ قِفْ مُتَعَجِّبًا أَمَامَ هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ الْمُضْحِكَةِ الْمُبْكِيَةِ الَّتِي تَفْضَحُ حَقِيقَةَ الْقَوْمِ: هَلْ يُعْقَلُ فِي مِيزَانِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، أَنْ تُجَنَّدَ الطَّاقَاتُ، وَتُعْقَدَ الْمَجَالِسُ، وَتُخَصَّصَ السَّلَاسِلُ الْمَرْئِيَّةُ وَالْمُنَاظَرَاتُ، بَلْ وَتُطْلَبَ "الْمُبَاهَلَاتُ" لَيْلَ نَهَارٍ؛ سَعْيًا مَحْمُومًا لِإِسْقَاطِ جِبَالِ السُّنَّةِ وَحُرَّاسِ الشَّرِيعَةِ، وَالطَّعْنِ فِي دِينِهِمْ، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دَائِرَةِ أَهْلِ الْهُدَى؟! فِي حِينِ نَرَى أَئِمَّةَ السَّلَفِ الْأَوَائِلَ -وَهُمُ الْأَشَدُّ غَيْرَةً عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْأَعْلَمُ بِمَقَاصِدِهِ- قَدْ أَعْرَضُوا تَمَامًا عَنْ هَذَا الْمَسْلَكِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَعْيَانِ مَعَ مَنْ هُمْ أَشْنَعُ بِدْعَةً وَأَغْلَظُ كُفْرًا!

فَلَمْ نَرَهُمْ يَعْقِدُونَ مَحَاكِمَ التَّفْتِيشِ، وَلَمْ يُجَيِّشُوا الْأَتْبَاعَ لِتَكْفِيرِ أَعْيَانِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَلَا عَقَدُوا لِتَبْدِيعِهِمْ وَإِسْقَاطِهِمُ الْمِهْرَجَانَاتِ وَالْمُبَاهَلَاتِ! بَلِ اكْتَفَوْا بِهَدْمِ مَقَالَاتِهِمُ الْكُفْرِيَّةِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، مَعَ تَوَرُّعِهِمُ التَّامِّ عَنْ سَلْبِ إِسْلَامِهِمْ أَوْ إِهْدَارِ أَعْيَانِهِم.

وَمِمَّا يَزِيدُ الْعَجَبَ وَيَقْصِمُ ظَهْرَ مِصْدَاقِيَّتِهِمْ: أَنَّكَ لَوْ نَقَّبْتَ فِي أَرْشِيفِ هَؤُلَاءِ الْمُتَصَدِّرِينَ لِلْفِتْنَةِ الْيَوْمَ -أَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ، وَدِمَشْقِيَّةَ، وَأَضْرَابِهِمْ- لَوَجَدْتَ مُفَارَقَةً تُصِيبُ بِالذُّهُولِ! فَلَمْ يُعْثَرْ لَهُمْ عَلَى حَمَلَاتٍ تُذْكَرُ، وَلَا كَلَامٍ مُسْتَفِيضٍ، وَلَا مَجَالِسَ تُعْقَدُ لِتَكْفِيرِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَارِقِينَ أَوِ الْحُكْمِ بِرِدَّتِهِمُ الْبَتَّةَ! بَلْ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ مُرُورٌ بَاهِتٌ وَإِشَارَاتٌ عَابِرَةٌ، لَا تَتَنَاسَبُ أَبَدًا مَعَ شَنَاعَةِ الْكُفْرِيَّاتِ وَالطَّوَامِّ الَّتِي مَلَأَتْ بُطُونَ كُتُبِ الِاعْتِزَال.

كُلُّ هَذَا السُّكُوتِ الْمُرِيبِ وَالتَّغَافُلِ الْعَجِيبِ يَقَعُ رَغْمَ أَنَّ مُصَنَّفَاتِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالْجَاحِظِ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ، لَا تَزَالُ مَبْثُوثَةً مُنْتَشِرَةً وَمُتَدَاوَلَةً بَيْنَ أَهْلِ التَّخَصُّصِ فِي التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ! فَكَيْفَ بَرَدَتْ غَيْرَتُهُمُ الْمَزْعُومَةُ وَاسْتَكَانَتْ أَلْسِنَتُهُمْ أَمَامَ مَنْ صَرَّحَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَعَطَّلَ الْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا، ثُمَّ الْتَهَبَتْ حَنَاجِرُهُمْ، وَسُلَّتْ سُيُوفُهُمْ، وَاشْرَأَبَّتْ أَعْنَاقُهُمْ حِقْدًا وَغَيْظًا عَلَى أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الْعِظَامِ كَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ لِمُجَرَّدِ زَلَّةٍ وَتَأْوِيل؟!

إِنَّ هَذَا التَّبَايُنَ الْعَجِيبَ لَيَدُلُّكَ دَلَالَةً قَاطِعَةً لَا لَبْسَ فِيهَا؛ عَلَى أَنَّ مَا يُمَارِسُهُ غُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ لَيْسَ مِنَ "الْغَيْرَةِ عَلَى الْعَقِيدَةِ" فِي شَيْءٍ كَمَا يُدَلِّسُونَ عَلَى الْعَوَامِّ، بَلْ هُوَ جَهْلٌ مُطْبِقٌ بِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهَوَسٌ بِالتَّجْرِيحِ، وَانْتِفَاخٌ مَرَضِيٌّ، وَغِلْظَةٌ فِي الْقُلُوبِ، وَمَسْلَكٌ خَوَارِجِيٌّ خَفِيٌّ، يَسْعَى أَصْحَابُهُ لِتَسَلُّقِ أَكْتَافِ الْكِبَارِ، وَإِسْقَاطِ رُمُوزِ الْأُمَّةِ، وَإِطْفَاءِ مَصَابِيحِ الْهُدَى لِيَخْلُوَ لَهُمْ ظَلَامُ السَّاحَةِ؛ فَيُصْبِحَ الْيُوتْيُوبَرُ وَالْجَاهِلُ حَاكِمًا عَلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتُبْنَى الزَّعَامَةُ الزَّائِفَةُ عَلَى أَنْقَاضِهِم!

لَقَدْ أَخَذُوا شِقًّا مِنْ نُصُوصِ السَّلَفِ (وَهُوَ تَكْفِيرُ الْمَقَالَةِ) وَتَرَكُوا الشِّقَّ الْآخَرَ (وَهُوَ الْعُذْرُ لِلْمُعَيَّنِ بِالتَّأْوِيلِ وَالْجَهْلِ)، فَخَرَجُوا بِمَنْهَجٍ مَسْخٍ مُبْتَدَعٍ، لَا هُوَ إِلَى السَّلَفِ يَمُتُّ، وَلَا هُوَ بِضَوَابِطِ الْعِلْمِ يَلْتَزِم.

فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ، إِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ اتِّبَاعَ السَّلَفِ، فَهَذَا صَنِيعُ السَّلَفِ وَتَوَرُّعُهُمْ مَعَ مَنْ أَتَى بِمَا هُوَ أَشْنَعُ وَأَغْلَظُ مِنْ زَلَّاتِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر. فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا تَسْلِيطَ سَيْفِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى أَعْيَانِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ حَكَمْتَ -بِمَنْهَجِكَ هَذَا- عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ، بِالتَّمْيِيعِ وَالْإِرْجَاء!

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ: إِمَّا أَنْ تَعُودَ إِلَى رَحَابَةِ فِقْهِ الْأَئِمَّةِ وَعَدْلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ تُعْلِنَ انْشِقَاقَكَ الصَّرِيحَ عَنْ مَسْلَكِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لِتَنْضَمَّ إِلَى رَكْبِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا وَسِعَ الْأُمَّةَ الْمَرْحُومَة.

كُنَّا عِنْدَ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، فَقِيلَ لَه: مَاتَ أَبُو حَنِيفَة، فَقَالَ شُعْبَة: لَقَدْ ذَهَبَ مَعَهُ فِقْهُ الْكُوفَة، تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ بِرَحْمَتِه. وَكَانَ شُعْبَةُ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي أَبِي حَنِيفَة.

البيانتَأَمَّلُوا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ كَيْفَ تَتَجَلَّى أَخْلَاقُ الْكِبَارِ، وَسَلَامَةُ صُدُورِهِمْ، وَإِنْصَافُهُمْ! انْظُرُوا إِلَى إِمَامِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَمِيرِهِمْ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ)، كَيْفَ تَلَقَّى خَبَرَ وَفَاةِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة، إِمَامِ مَدْرَسَةِ الرَّأْيِ الْمُبَايِنَةِ لِمَدْرَسَتِهِ.. لَقَدْ رَثَاهُ بِكَلِمَةٍ تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ، وَأَقَرَّ لَهُ بِالسَّبْقِ وَالْإِمَامَةِ وَالْفِقْهِ، ثُمَّ دَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَجَمَعَ نَفْسَهُ مَعَهُ فِي الدُّعَاءِ مُتَوَاضِعًا: «تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ بِرَحْمَتِه»!

وَهُنَا الْمَقْتَلُ الْمَنْهَجِيُّ الَّذِي يَفْضَحُ الْغُلَاة: إِنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُنْصِفَةِ لَيْسَ رَجُلًا عَابِرًا لِيُتَّهَمَ بِالْجَهْلِ وَالتَّمْيِيعِ؛ بَلْ هُوَ (الْإِمَامُ شُعْبَة)؛ أَمِيرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الَّذِي تُشَدُّ إِلَيْهِ الرِّحَالُ، وَتُبْنَى عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي عِلْمِ الرِّجَال. وَبِمُوجَبِ قَوَاعِدِ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ، فَإِنَّ الْإِمَامَ شُعْبَةَ يُعَدُّ فِي مِيزَانِهِمُ الْمُخْتَلِّ "مُوَقِّرًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَمُمَجِّدًا لَهُمْ"! فَكَيْفَ يَنْجُو شُعْبَةُ مِنْ مِقْصَلَتِهِمْ وَقَدْ أَثْنَى عَلَى إِمَامٍ يَرْمُونَهُ هُمْ بِالضَّلَالِ، بَلْ وَدَعَا لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَضَمَّ نَفْسَهُ إِلَيْه؟!

إِنَّ السَّلَفِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ انْتِقَاءٍ لِمَوَاقِفِ الشِّدَّةِ التَّارِيخِيَّةِ لِتُبَدِّعَ بِهَا النَّاسَ الْيَوْمَ، وَتَتَجَاهَلَ مَوَاقِفَ الرَّحْمَةِ وَالْإِنْصَافِ مَتَى مَا خَالَفَتْ هَوَاك! فَإِنْ كَانَ أَمِيرُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يَحْمِلُ هَذَا الْإِنْصَافَ وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَيَتَرَحَّمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَجْرُؤُ عَلَى تَقْدِيمِ رَأْيِهِ الْعَفِنِ الْيَوْمَ عَلَى مِيزَانِ الْإِمَامِ شُعْبَة؟!

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ الْمَفْتُون: إِذَا كَانَ مِيزَانُكَ يَقْتَضِي تَبْدِيعَ أَوْ تَضْلِيلَ مَنْ يَتَرَحَّمُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْمُخَالِفِينَ وَيُقِرُّ لَهُمْ بِالْفِقْهِ، فَابْدَأْ بِتَبْدِيعِ الْإِمَامِ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَإِسْقَاطِهِ إِنْ كُنْتَ تَمْلِكُ شَجَاعَةَ الْخَوَارِجِ! وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ -وَلَنْ تَفْعَلَ- فَاعْلَمْ أَنَّ مَنْهَجَكَ الْإِسْقَاطِيَّ بَاطِلٌ مُتَنَاقِضٌ مِنْ أَسَاسِه.

لَقَدِ اقْتَطَعْتُمْ مِنْ تُرَاثِ السَّلَفِ قَسْوَةَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا بَعْضُ الْمَوَاقِفِ التَّارِيخِيَّةِ، وَتَجَرَّدْتُمْ تَمَامًا مِنْ رَحْمَةِ السَّلَفِ وَإِنْصَافِهِمُ الَّذِي تَجَلَّى فِي أَمِيرِ الْمُحَدِّثِين.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُبَارَك: إِذَا غَلَبَتْ مَحَاسِنُ الرَّجُلِ عَلَى مَسَاوِئِهِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ، وَإِذَا غَلَبَتِ الْمَسَاوِئُ عَلَى الْمَحَاسِنِ لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِن.

البيانتَأَمَّلُوا هَذَا التَّأْصِيلَ الْمَنْهَجِيَّ الْفَذَّ، لِتُدْرِكُوا أَنَّ سَلَفَنَا الصَّالِحَ تَرَكُوا لَنَا قَوَاعِدَ فِي الْعَدْلِ تَزِنُ الْجِبَال! هَذِهِ الْقَاعِدَةُ السَّلَفِيَّةُ الْمُوجَزَةُ، هِيَ الْأَصْلُ الشَّرْعِيُّ لِمَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ فِي السَّاحَةِ بِمَسْأَلَةِ «الْمُوَازَنَة»؛ وَالَّتِي يُشَنِّعُ الْحَدَّادِيَّةُ عَلَى مَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَيَعُدُّونَهَا "بِدْعَةً مُحْدَثَةً وَتَمْيِيعًا لِلدِّين"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ ابْنُ الْمُبَارَكِ -إِمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْجِهَادِ- يُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِوُضُوحٍ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ سَنَة.

وَتَأَمَّلُوا دِقَّةَ الْمِيزَانِ السَّلَفِيِّ هُنَا: الْإِمَامُ لَمْ يَقُلْ (تُذْكَرُ الْمَحَاسِنُ وَتُذْكَرُ الْمَسَاوِئُ مَعًا فِي كُلِّ حَال)، بَلْ جَعَلَ الْمَذْكُورَ هُوَ (الْغَالِبَ) مِنْ حَالِ الرَّجُل. فَمَنْ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُ وَفَضَائِلُهُ؛ طُوِيَتْ مَسَاوِئُهُ وَذَابَتْ فِي بَحْرِ حَسَنَاتِهِ (وَلَمْ تُذْكَرْ). وَمَنْ غَلَبَتْ مَسَاوِئُهُ وَبِدْعَتُهُ وَهَدْمُهُ لِلدِّينِ؛ سَقَطَتْ مَحَاسِنُهُ الْمَرْجُوحَةُ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهَا. فَالْمِيزَانُ السَّلَفِيُّ إِذَنْ يَعْمَلُ فِي الْجِهَتَيْنِ بِعَدْلٍ، لَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَزْعُمُ الْغُلَاة.

وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الصَّارِمَةِ، يَنْكَشِفُ عَوَارُ الْحَدَّادِيَّةِ وَتَدْلِيسُهُمْ مِنْ وَجْهَيْنِ مَعًا: الْأَوَّل: أَنَّهُمْ يَنْبُشُونَ مَسَاوِئَ وَزَلَّاتِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ غَلَبَتْ مَحَاسِنُهُمْ وَمَلَأَتِ الْآفَاق! وَهَذَا مُصَادَمَةٌ صَرِيحَةٌ لِقَوْلِ الْإِمَام: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ). الثَّانِي: أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ تَمَامًا ذِكْرَ أَيِّ حَسَنَةٍ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمُجْتَهِدِينَ بِمُجَرَّدِ الْخِلَافِ، وَيَحْكُمُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْقَاط! وَهَذَا تَنْزِيلٌ خَبِيثٌ لِلشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ الْقَاعِدَةِ (لَمْ تُذْكَرِ الْمَحَاسِنُ) عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ؛ فَجَعَلُوا أَئِمَّةَ الْهُدَى الْمُتَأَوِّلِينَ فِي مَنْزِلَةِ رُؤُوسِ الضَّلَالِ الْمُعَانِدِينَ! لَقَدْ قَلَبُوا الْقَاعِدَةَ وَعَكَسُوهَا لِتَهْدِمَ الدِّين.

ثُمَّ بِاللَّهِ عَلَيْكُمْ، سَلُوا أَنْفُسَكُمْ: مَنْ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ تَغْلِبُ مَحَاسِنُهُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامَ النَّوَوِيَّ وَالْحَافِظَ ابْنَ حَجَر؟! رَجُلَانِ أَفْنَيَا أَعْمَارَهُمْ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَشَرَحَا دَوَاوِينَ الْإِسْلَامِ، وَانْتَفَعَ بِكُتُبِهِمَا الْخَاصُّ وَالْعَامُّ فِي كُلِّ أَرْجَاءِ الْأَرْض!

فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْأَكَابِرِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَك: (لَمْ تُذْكَرِ الْمَسَاوِئُ)، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا؟!

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيّ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ قَال: أَنَا أَتْرُكُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ كُلَّ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي بِدْعَة. فَضَحِكَ يَحْيَى وَقَال: كَيْفَ يَصْنَعُ بِقَتَادَة؟ كَيْفَ يَصْنَعُ بِعَمْرِو بْنِ ذَرٍّ الْهَمْدَانِيّ؟ كَيْفَ يَصْنَعُ بِابْنِ أَبِي رَوَّاد؟ - وَعَدَّ قَوْمًا - ثُمَّ قَال: إِنْ تَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا الضَّرْبَ تَرَكَ كَثِيرًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيّ: لَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لِحَالِ الْقَدَر، وَلَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ لِذَلِكَ الرَّأْي، خَرِبَتِ الْكُتُب.

البيانقِفُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ عِنْدَ هَذِهِ الْمُحَاكَمَةِ التَّارِيخِيَّةِ الْقَاطِعَة! فَهُنَا تُعْرَضُ أَعْظَمُ قَوَاعِدِ الْغُلَاةِ الْيَوْمَ (إِسْقَاطُ كُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ أَوْ خَطَأ) عَلَى كِبَارِ جَهَابِذَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل، لِتَسْقُطَ سُقُوطًا مُدَوِّيًا.

انْظُرُوا أَوَّلًا إِلَى رِدَّةِ فِعْلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان: «فَضَحِكَ يَحْيَى»! لَمْ يُطِلْ فِي الْمُنَاظَرَة، وَلَمْ يَتَشَنَّجْ لِيَرُدّ، بَلْ ضَحِكَ مُسْتَخِفًّا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْخَيَالِيَّةِ الَّتِي تَنْهَارُ بِمُجَرَّدِ مُحَاوَلَةِ تَطْبِيقِهَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِع. وَهَذِهِ الضَّحْكَةُ مِنْ إِمَامِ الْمُحَدِّثِينَ هِيَ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى كُلِّ قَاعِدَةٍ يَبْتَكِرُهَا الْغُلَاة؛ يَبْدُو ظَاهِرُهَا "الْحَزْمُ وَالْغَيْرَةُ عَلَى الْعَقِيدَة"، وَحَقِيقَتُهَا وَبَاطِنُهَا "هَدْمٌ لِلدِّينِ وَتَضْيِيعٌ لِلسُّنَّة".

ثُمَّ أَلْقَى يَحْيَى بِحُجَّتِهِ الدَّامِغَةِ قَائِلًا: «كَيْفَ يَصْنَعُ بِقَتَادَة؟!». وَقَتَادَةُ هُوَ حَافِظُ الْعَصْرِ وَمُفْتِيه، وَلَكِنَّهُ رُمِيَ بِالْقَدَر! وَهَكَذَا يَحْيَى يَسُوقُ أَسْمَاءَ الْجِبَالِ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِبَعْضِ الْبِدَع، ثُمَّ يَخْتِمُهَا بِقَوْلِه: «إِنْ تَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا الضَّرْبَ، تَرَكَ كَثِيرًا». وَهَذَا هُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ "الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ الْمُدَمِّرَة"؛ فَلَوْ أَسْقَطْنَا كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي التَّأْوِيلِ أَوْ وَقَعَ فِي بِدْعَة، لَمَا بَقِيَ لَنَا مِنْ تُرَاثِ الْأُمَّةِ وَحُفَّاظِهَا أَحَد!

وَتَكْتَمِلُ الضَّرْبَةُ الْقَاضِيَةُ بِكَلِمَةِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ الَّتِي تَرْتَجِفُ لَهَا الْقُلُوب: «خَرِبَتِ الْكُتُب!» أَيْ لَضَاعَ الْحَدِيث، وَلَانْدَرَسَتِ السُّنَن، وَلَتَمَزَّقَ الدِّين. فَإِنَّ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ وَحُفَّاظَ الْأَسَانِيد؛ فِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالْقَدَر، وَفِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء، وَفِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالتَّشَيُّع! فَلَوْ طُبِّقَتْ قَاعِدَةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ فِي إِسْقَاطِ الْمُخَالِف، لَضَاعَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَانْقَطَعَ سَنَدُه!

وَهُنَا نَقِفُ لِنُلْجِمَ الْحَدَّادِيَّ بِحُجَّةٍ لَا قِبَلَ لَهُ بِرَدِّهَا: يَا هَذَا! إِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ تَحْتَجُّ بِهِ الْيَوْمَ لِتُبَدِّعَنَا بِه، وَكُلَّ آيَةٍ تَقْرَأُ تَفْسِيرَهَا، إِنَّمَا وَصَلَتْكَ عَبْرَ أَسَانِيدِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ وَهَذِهِ الطَّبَقَات. فَإِنْ أَسْقَطْتَ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ وَتَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ (كَمَا تَقْتَضِي قَاعِدَتُك)، فَقَدْ هَدَمْتَ أَسَانِيدَك، وَخَرَّبْتَ كُتُبَك، وَأَضَعْتَ دِينَكَ بِيَدِك! وَإِنْ أَبْقَيْتَهُمْ وَرَوَيْتَ عَنْهُمْ وَقَبِلْتَ عِلْمَهُم، فَقَدْ أَقْرَرْتَ رَغْمًا عَنْ أَنْفِكَ بِـ "قَاعِدَةِ الْعُذْرِ وَالتَّكَامُل" الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا مَنْهَجُ السَّلَف، وَسَقَطَ مَنْهَجُك!

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ الْمَفْتُون: حِينَمَا تُحَاكِمُ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ بِقَاعِدَةِ الْإِسْقَاطِ وَالتَّبْدِيع، فَتَذَكَّرْ ضَحْكَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيد، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَهْدِمُ الْأَشْخَاصَ كَمَا تَتَوَهَّم، بَلْ تَسْعَى -بِجَهْلِكَ وَغِلْظَتِكَ- إِلَى أَنْ (تُخَرِّبَ الْكُتُب) وَتَهْدِمَ الدِّين.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَفِظَ دِينَهُ بِأَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف.