قال العلّامة ابن باز: الشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأشباههم، كلهم أئمةُ هدًى ودعاةُ حق، دعَوا الناس إلى دين الله وأرشدوهم إلى الحق.

البيانتزكيةٌ صريحةٌ كفلق الصبح، من إمام العصر، تقطع دابر التشكيك، وتسلب الحدادية أعظم مرجعيةٍ معاصرة يتترسون بها!

تأمل كيف قرن الإمام ابن باز (أبا حنيفة) بالثلاثة (أحمد ومالك والشافعي)، ثم أسبغ على الجميع وصفين عظيمين: «أئمة هدى» و«دعاة حق». وهذان الوصفان لا يجتمعان قط مع (البدعة أو الضلال) في لسان أحدٍ من أهل العلم الراسخين؛ فكيف يُسبغان على من يُرمى بالتجهم كما يهذي الغلاة اليوم في حق أبي حنيفة؟!

ولم يكتفِ ابن باز بهذا الوصف، بل صرّح في موضعٍ آخر قائلاً: «ومن بعدهم من أئمة السنة كالأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم». فانظر كيف سماهم «أئمة السنة» بصريح العبارة، وجعل أبا حنيفة في القلب منهم!

فأين هذا التقرير الجلي النقي، من ترهات الغلاة الذين يصورون أبا حنيفة عدواً للأثر ومجانباً للسنة؟!

وهنا نضع الغلاة أمام حقيقةٍ لا مفر منها ولا مهرب: إن العلامة ابن باز الذي تستشهدون أنتم باسمه وفتاواه في كل خصومةٍ لضرب من يخالفكم يقول هذا الكلام عن إمام تباهلون على بدعته! فليس من الإنصاف ولا من ديانة السلف، أن تحتجوا بابن باز إذا وافق هواكم في فتوى، ثم تطووا كلامه وتصمّوا آذانكم عنه إذا نسف غلوكم في حق أبي حنيفة! فالدين لا يُؤخذ بالتشهي والانتقاء.

فيا من يدعي السلفية واتباع الدليل؛ هذا هو إمام عصرك يزكي فقيه الملة ويعده من (أئمة السنة والهدى). فهل أنت أعلم بالسنة من ابن باز؟! أم أنت أشد غيرةً على التوحيد منه؟!

اتق الله، وأنزل كبرياءك، واعلم أن (الانتقائية) في قَبول أحكام الأئمة هي ديدن أهل الأهواء، وأن استمرارك في الطعن بعد كل هذه الشهادات الساطعة؛ سيجعل خصومتك غداً مع أئمة السنة مجتمعين.

ولن تجد حينها من الهوى منجياً ولا نصيراً.

قال العلّامة ابن باز: اعرفوا فضل العلماء واستفيدوا منهم، واتركوا الخطأ الذي قام عليه الدليل ولو صدر من صحابي، من غير إساءة أدبٍ ولا ذمٍّ للعالم في عرضه؛ بل يُقالُ: أخطأ وغفر الله له.

البيانميزانٌ سلفيٌ شامل، يجمع بين التجرد للدليل وحفظ المقامات، ويرسم بوضوح أدب التعامل مع زلات الأكابر!

في هذا النص الوجيز، لخص الإمام ابن باز منهج أهل السنة في التعامل مع تراث الأمة في أربع خطواتٍ متدرجة لا تنفك عن بعضها: الأولى: (معرفة الفضل والاستفادة). فالأصل هو الانتفاع بعلم الأئمة ومعرفة قدرهم، لا إحراق كتبهم أو هجرهم كما يفعل الغلاة اليوم بمصنفات النووي وابن حجر وأبي حنيفة. الثانية: (ترك الخطأ ولو صدر من صحابي). وهنا يتجلى التجرد التام للحق؛ فنحن لا نتعصب لزلةِ عالمٍ كائناً من كان متى ما استبان الدليل، وهذا يقطع دابر دعوى "التمييع أو التقديس" الموهومة من أصلها.

ثم تأتي الخطوة الثالثة التي تفضح الحدادية وتكشف سوءتهم: (من غير إساءة أدبٍ ولا ذمٍّ للعالم في عرضه)! فالغالي يزعم أنه (يَترُكُ الخطأ غيرةً على السنة)، لكنه لا يتركه إلا وقد مزّق عرض العالِم، وأساء الأدب معه، وأخرجه من دائرة السنة! بينما يشترط إمام العصر أن يكون رد الخطأ مقروناً بالأدب وصيانة العرض.

وتكتمل اللوحة السلفية بالخطوة الرابعة، وهي الكلمة التي يجب أن تُنقش في قلب كل طالب علم: «بل يُقالُ: أخطأ وغفر الله له». فقط هكذا تتجلى السلفية: إثباتٌ للخطأ بلا مداهنة (أخطأ)، مشفوعٌ بالدعاء له بلا جفاء (وغفر الله له). أما في قاموس الحدادية فتُصاغ الجملة هكذا: "أخطأ، فهو مبتدعٌ جهميٌ ضالٌ يجب إسقاطه"! فشتان بين منهجٍ يرحم، ومنهجٍ يسحق.

فيا أيها المتسرع في ذم العلماء؛ هذا هو الإمام ابن باز الذي تحتج به، يعلمك أبجديات السلفية التي تدعيها! يعلمك أن اتباع الدليل لا يبيح لك بذاءة اللسان، وأن الرد على الخطأ لا يستلزم الطعن في العِرض.

فاتق الله، وهذّب لسانك، واعلم أن ذمّك لورثة الأنبياء وإساءة أدبك معهم بدعوى "نصرة السنة"، سيعود عليك بالخذلان المبين، وستقف غداً لتُسأل عن أعراضٍ نهشتها بسوء أدبك، متناسياً أن لحوم العلماء مسمومة.

قال العلّامة الألباني: مثل النووي وابن حجر العسقلاني وأمثالهم، من الظلم أن يُقالَ عنهم إنهم من أهل البدع. أنا أعرف أنهما من الأشاعرة، لكنهما ما قصدا مخالفة الكتاب والسنة، وإنما وهِما، وظنَّا أن ما ورثاه من العقيدة الأشعرية؛ ظنَّا شيئين اثنين: أولًا: أن الإمام الأشعري يقول ذلك، وهو لا يقول ذلك إلا قديمًا؛ لأنه رجع عنه. وثانيًا: توهَّماه صوابًا، وليس بصواب.

البيانشهادةٌ حديثيةٌ قاطعة من (مُحدّث العصر)، تدمغ الغلو بوصف الظلم، وتفكك مأخذ الشبهة بعذرٍ سلفيٍّ جليل!

لقد أطلق الإمام الألباني هنا حكماً شرعياً صارماً يهز عروش الحدادية؛ إذ سمّى إطلاق وصف "أهل البدع" على النووي وابن حجر: (ظُلماً)! فالحدادي المريض يَظُنُّ أن تبديعه للنووي وابن حجر هو قمة (التحقيق والغيرة على السنة)، والألباني يصفعه بأن صنيعه هذا ليس من الغيرة السلفية في شيء، بل هو (ظلمٌ بيّن) يأباه الشرع ويرده.

وتأمل كيف قطع الألباني الطريق سلفاً على مزايدات الغلاة؛ فقد صرّح قائلاً: «أنا أعرف أنهما من الأشاعرة». فمُحدّث العصر الخبير بالسنة يَعلَمُ زلتَهما بدقة، ولكنه يُعمل القاعدة السلفية الكبرى: "ليس كل من وقع في بدعةٍ وقعت البدعة عليه وصار مبتدعاً"!

ثم غاص الإمام -كعادة الراسخين- في قلب (مأخذ الشبهة) ليُبين علة الإعذار، فبناها على أصلين: الأول: (سلامة القصد)؛ حيث جزم قائلاً: «ما قصدا مخالفة الكتاب والسنة». وهذا أصل الدين، أن الخصومة تَسقُطُ إذا علمنا أن المخطئ كان يُعظم النص ولم يتعمد مصادمته. الثاني: (عذر الوهم)؛ حيث بيّن أنهما وقعا في وهْمٍ تاريخي (بظنهم أن هذا مذهب الأشعري الأخير)، ووهْمٍ إدراكي (حين توهماه صواباً وهو خطأ). فأثبت الخطأ ليرده (وليس بصواب)، وعذر المخطئ لتوهمه وسلامة قصده لكي لا يُسقطه.

فيا من نصب نفسه حاكماً وديّاناً على أئمة الإسلام؛ هذا الإمام الألباني -مجدد السنة وقامع البدعة في عصرك- يَحكُمُ قاطعاً بأن تبديعك للنووي وابن حجر هو محض (ظلم)! فهل أصبحت أعلم بالسنة منه؟! أم هل تظن أن ظلم الأكابر يقربك إلى الله؟!

اتق الله، وأنزل الناس منازلهم، واعلم أن تماديك في هذا المسلك سيعود عليك بالخذلان، وستسأل غداً عن أئمةٍ شتمتهم، وعن ظلمٍ صراحٍ اقترفته بدعوى نصرة الدين.

قال العلّامة الألباني: إذا كنا متذكرين جميعًا أن كل بني آدم خطاء، وأن خير الخطائين التوابون، وأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا غرابة في أن يخطئ من كان إمامًا في دعوة الحق؛ فإذا أخطأ في مسألة أو أخرى، في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه عن دعوة الحق إذا تبنّاها. فالحافظ ابن حجر كالإمام النووي وغيره ممن أخطؤوا في بعض المسائل العقدية، كما يقولون اليوم، فذلك لا يخرجهم عن كونهم من أهل السنة والجماعة؛ لأن العبرة بما يغلب على الإنسان من فكر صحيح أو عمل صالح.

البيانقاعدةٌ سلفية ذهبيةٌ تكسر عمود الخيمة الحدادية، وتعيد الموازين إلى نصابها الأصيل!

في هذا النص النفيس، يضع الإمام الألباني يده على (الميزان) الذي ضيعه الغلاة، فيقرر قاعدةً تنسف صنيعهم نسفاً: «العبرة بما يغلب». فالحكم على الرّجل في دين الله يكون بالنظر إلى الغالب من حاله وعلمه، لا بتتبع الشاذّ من قوله وفعله! أما الحدادية فقد قلبوا الميزان الشرعي؛ فيحكمون على العالِم بـ (الشاذ والخطأ)، ويهدرون (الغالب والصواب)، ثم يُسمّون هذا الظلم والعبث: تحقيقاً وغيرة!

وتأمّل كيف سدّ الإمام عليهم باباً يدخلون منه دائماً لتمرير إسقاطهم للعلماء؛ فهم يعتمدون سياسة (التكثير والتهويل)، فيجمعون للإمام عشر زلات، ليوهموك أن كثرتها تقلب الحكم! فجاء الألباني وقطع هذا الوهم قائلاً: «في مسألة أو أخرى، في مسألتين أو ثلاث أو أكثر، فذلك لا يخرجه». فلم يعلّق الإمام الحكم بخروج الرجل من السنة بـ (عدد الزلات) المحصاة، بل علّقه بـ (غلبة الأصل وصحة الفكر).

ثم انظر بعين البصيرة إلى قوله: «كما يقولون اليوم». إنها إشارةُ خبيرٍ، وكلمةُ عارفٍ أدرك أن هذه (الاصطلاحات والإسقاطات) هي موجةٌ محدثة، وأن صناعة (التبديع بالزلات) قد باتت مهنةً رائجة يقتات عليها حدثاء الأسنان في زمانه. فقرر بوضوح قاطع أن النووي وابن حجر -رغم الخطأ- (من أهل السنة والجماعة).

فيا من يجمع زلات الأكابر بالقطارة؛ أنت تجمع أخطاء الأئمة في كُتيبٍ لتخرجهم به من السنة، وتتجاهل عشرات المجلدات التي أفنوا فيها أعمارهم لنصرة السنة وحفظها! فبأي عدلٍ تحكم؟! ولو أن الله عز وجل عاملك بالشاذ من أفعالك وترك غالب حالك؛ لهلكت في أول حسابك!

فاتق الله، وزِن أئمة المسلمين بميزان (الغالب الأعم)، واعلم أنك بمنعك العذر عنهم اليوم، إنما تغلق على نفسك باب العذر غداً، وأن إسقاطك لهم لن ينقص من أقدارهم في السماء.

قال العلّامة الألباني: فإذا كان هذا عذرَ أبي حنيفة فيما وقع منه مع المخالفة للأحاديث الصحيحة دون قصد، وهو عذرٌ مقبول قطعًا لأن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، فلا يجوز الطعن فيه كما قد يفعل بعض الجَهَلة، بل يجب التأدّب معه؛ لأنه إمامٌ من أئمة المسلمين الذين بهم حُفظ هذا الدين ووصل إلينا ما وصل من فروعه، وأنه مأجورٌ على كل حال، أصاب أم أخطأ.

البيانشهادةٌ قاصمةٌ من (مُحدّث العصر)، تُسقِطُ رايةَ الحدادية، وتجعل الأدب مع الإمام أبي حنيفة (فريضةً شرعية) لا خياراً ذوقياً!

إن أعظم ما يصفع الغلاة في هذا النص هو هوية قائله؛ فقد قاله أعلم أهل زمانه بالحديث الصحيح والضعيف، وأشدهم نكيراً على من خالف السنة! فلو كان الطعنُ في أبي حنيفة أو إسقاطه منهجاً سلفياً صحيحاً؛ لكان الألباني أولى الناس به، ولكنه بدلاً من ذلك، حرّمه وشنّع على فاعله!

وتأمّل كيف حشد الإمام الألباني في هذا النص القصير أربعة أحكامٍ قطعية تسحق منهج الطعن من جذوره:

1. (القطع بقبول العذر): حيث قال: «عذرٌ مقبول قطعاً»؛ فقطع الشك ولم يتردد.

2. (التحريم القاطع): حيث صرّح: «لا يجوز الطعن فيه».

3. (تصنيف الطعان): حيث سمّى الفاعلين باسمهم اللائق بهم فقال: «كما قد يفعل بعض (الجَهَلة)»! فالحدادي الذي ينفش ريشه ويظن نفسه "مُحققاً للسنة"؛ هو في ميزان الألباني محض "جاهل".

4. (إيجاب الأدب): حيث قال: «بل يجب التأدّب معه».

ثم انظر كيف أقام الإمام هذا الإعذار على علّةٍ لا تُرَدُّ؛ وهي قوله: «لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها». فردّ الأمر إلى أصلٍ محكم، لا إلى عاطفةٍ أو مجاملة. ثم بلغ في الإعذار أقصاه ومنتهاه حين أطلق رصاصة الحديث النبوي على منهج الغلاة قائلاً: «وأنه مأجورٌ على كل حال». فالغالي يبحث في بطون الكتب ليثبت أن أبا حنيفة (مبتدع ضال يجب إسقاطه)، والألباني يقرر بنص الحديث أن أبا حنيفة (مأجورٌ ومثاب من الله) حتى في المسألة التي خالف فيها الحديث! فكيف تجترئ فتطعن في رجلٍ يُثيبه الله؟!

فيا أيها (الجاهل) المتطاول على فقيه الملة -كما سماك الألباني-؛ أين تذهب من هذا الميزان؟! أنت تذم وتهجر رجلاً أخطأ في اجتهاده، والنبي ﷺ يُثبته على اجتهاده ويؤجره! فهل أنت أغير على السنة من رسول الله ومِن شُرّاح حديثه؟!

اتق الله، وتأدب مع أئمة المسلمين كما (أوجب) الألباني، واعلم أنك بمنعك العذر عنهم اليوم، إنما تغلق على نفسك باب العذر والمغفرة غداً، حين تقف بين يدي ديان السماوات.

قال العلّامة ابن عثيمين: فهذان الرجلان بالذات ما أعلم اليوم أن أحدًا قدَّم للإسلام في باب أحاديث الرسول مثلما قدَّماه، ويدلك على أن الله سبحانه وتعالى بحوله وقوته - ولا أتألَّى على الله - قد قبلها، ما كان لمؤلفاتهما من القبول لدى الناس؛ لدى طلبة العلم، بل حتى عند العامة. فالآن كتاب رياض الصالحين يُقرأ في كل مجلس، ويُقرأ في كل مسجد، وينتفع الناس به انتفاعًا عظيمًا، وأتمنى أن يجعل الله لي كتابًا مثل هذا الكتاب، كلٌّ ينتفع به في بيته وفي مسجده. فكيف يُقالُ عن هذين: إنهما مبتدعان ضالان، لا يجوز الترحم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما، ويجب إحراق فتح الباري وشرح صحيح مسلم؟! سبحان الله! فإني أقول لهؤلاء بلسان الحال وبلسان المقال: أقلُّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سدُّوا المكان الذي سدُّوا. من كان يستطيع أن يقدّم للإسلام والمسلمين مثلما قدّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله. فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم الإسلام والمسلمين، وأمِّنوا على ذلك.

البيانمرافعةٌ سلفيةٌ قاطعة، من إمامٍ راسخ، تكشف المآلات الفاسدة للغلو، وتضع المبتلين بالطعن في الأكابر أمام حجمهم الحقيقي!

في هذا النص، ينتقل الإمام ابن عثيمين من التقرير النظري لقواعد العذر، إلى محاكمةٍ عملية لمنهج الحدادية، كاشفاً أن اللوازم الحتمية لهذا المنهج هي تدمير تراث الأمة، والدعوة لإحراق أعظم مراجع السنة كـ (فتح الباري) و(شرح مسلم).

وأول حججه الساطعة: استدلاله بـ (القَبول العام). فانتشار كتابٍ كـ (رياض الصالحين) في كل مسجد وبيت، ليس مجرد صدفة؛ بل يقرأه العالِم الراسخ كعلامةٍ على أن الله قَبِل عملهما وتجاوز عن خطئهما. فالغالي يسعى لإسقاطهما، وابن عثيمين يرى علامات توفيق الله لهما، حتى إنه يتمنى أن يُرزق كتاباً نافعاً ككتبهما!

ثم يوجه الإمام تحدياً صريحاً للغلاة ببيت الشعر: «أقِلُّوا عليهم... أو سُدّوا المكان الذي سدّوا». وهذا هو المحك الذي يكشف حقيقة المدعين؛ فالذي يتصدر للتبديع اليوم لم يقدم للإسلام عُشر معشار ما قدمه هؤلاء الأئمة، بل غاية طموحه هدم ما بناه غيره. فجاءه التحدي واضحاً: كفّ لومك وطعنك، أو قدّم للإسلام والمسلمين مثل ما قدموا!

ثم يختم الإمام بدرسٍ عملي؛ فلم يكتفِ بنفي البدعة عنهما، بل رفع يديه يطلب لهما المغفرة هما (ومن كان على شاكلتهما)، وطلب من تلامذته (التأمين) على هذا الدعاء، ليقرر أن هذا هو الموقف السلفي الصحيح: إثبات الخطأ، وحفظ المقام، والدعاء بالمغفرة.

فيا أيها المتسرع في تبديع الأئمة؛ أنت تسعى لإسقاطهم بلسانك، والله ينشر علمهم في بيوته ويتقبل نفعهم! فهل تظن أن طعنك سيغلب قَبول الله لهم؟!

اتق الله، واعرف قدرك وقدرهم، وسُدّ مسداً ينفع الإسلام أو كُفّ أذاك عن علمائه. واعلم أنك بمنعك العذر والترحم عنهم اليوم، إنما تغلق على نفسك باب العذر غداً.

قال العلّامة ابن عثيمين: وأبو حنيفة إمامٌ عالمٌ جليل، إمامٌ من الأئمة الأربعة، وكان رجلًا قد أعطاه الله علمًا وذكاءً.

البيانتزكيةٌ معاصرةٌ موجزة وقاطعة، تسد أبواب التشكيك، وتؤكد استقرار المنهج السلفي في توقير فقهاء الأمة!

في هذا النص القصير، يضع الإمام ابن عثيمين أربعة أوصافٍ صريحة في حق أبي حنيفة، تهدم كل ما يبنيه الحدادية من طعون؛ فقد وصفه بأنه: (إمام)، و(عالمٌ جليل)، وأنه (من الأئمة الأربعة المتبوعين)، وأن الله خصه بـ (العلم والذكاء).

وموضع الحجة القوية هنا؛ أن الغلاة المعاصرين يحاولون سلب لقب "الإمام" عن أبي حنيفة، أو تصويره على أنه صاحب "رأي مجرد" يفتقر إلى العلم الشرعي والأثر! فجاء إمام العصر ليرد هذا العبث، مقرراً أن أبا حنيفة ليس مجرد فقيه، بل هو (عالمٌ جليل)، وأن علمه هذا ليس من باب التكلف، بل هو (عطاءٌ ومنةٌ من الله) حيث قال: "قد أعطاه الله علماً". فمن يَطعَنُ في علمه أو يحتقر فقهه، إنما يَطعَنُ فيما آتاه الله من فضله.

وهنا يتجلى اتصال المنهج السلفي؛ فمن ابن تيمية والذهبي والشاطبي، وصولاً إلى ابن باز وابن عثيمين، الموقف واحدٌ لا يتغير: أبو حنيفة إمامٌ جليلٌ من أئمة المسلمين. فكيف يستقيم لمن يدعي السلفية والاتباع، أن يعرض عن هذه السلسلة المتصلة من كبار الأئمة، ليتبع طعن الحدادية؟!

فيا أيها المتجرئ على انتقاص فقيه الملة؛ هذا إمام عصرك الذي تدرس فقهه، يشهد لأبي حنيفة بالعلم والإمامة والجلالة. فهل أنت أعلم منه بالرجال؟! أم هل تظن أن تجريدك لأبي حنيفة من ألقابه سيحط من قدره؟!

اتق الله، واعلم أن الإمامة التي يهبها الله لرجالٍ حفظوا دينه، لا تَسقُطُ بكلمة طاعنٍ أو جهل متعالم، وأن استمرارك في هذا المسلك سيعزلك عن جادة أهل السنة وعلمائها.

قال الشيخ ناصر العقل: أما تفسيق مثل أبي حنيفة فهو خطأ ولا يجوز؛ نعم، تكلّم فيه بعض أهل العلم المعاصرين له، لكن ما عليه جملةُ السلف، وما استقرّ عليه أمرُهم في شأنه، هو الذي عليه المعوَّل... فعامة السلف يترحّمون على أبي حنيفة، ويرونه رحمه الله من أئمة الدين ومن أئمة السلف. فتفسيقه أو تبديعه أظن أنه نوعٌ من الجناية، ولا ينبغي أن يجرؤ طلاب العلم على هذه المسألة.

البيانقف أيها الموفق أمام هذه القاعدة المنهجية الذهبية، التي تقطع دابر الجدل، وتسد أبواب الفتنة: (العبرةُ بما استقرّ عليه أمرُ الأمة وسلفها، لا بما قيل في بدايات الخلاف ومرحلة الفتنة).

لقد أشار الشيخ إلى أصلٍ سلفي عظيم في تقييم الرجال؛ فمن المعلوم أن "كلام الأقران والمعاصرين" لبعضهم البعض تُطوى صفحاته، ولكنَّ غبار الخلاف ينجلي، ويستقرّ أمر الأمة وعامة السلف بعد موت هؤلاء الأقران على ما يرضاه الله من حفظ الإمامة والفضل لأهلها، وهذا (الاستقرار) هو المعوّل عليه.

أما صنيعُ الحدادية اليوم فهو عكس المنهج السلفي تماماً! فهم يعمدون إلى مقابر التاريخ، فينبشون الكلام الأول القديم الذي قيل في غمرة الفتنة والخصومة، ويطوون الإجماع الذي استقرّ عليه أمرُ المسلمين بعد ذلك! ثم يخرجون للناس قائلين بتلبيس: "هذه نقولُ السلف الصريحة!". ونحن نقول لهم: نعم، هي نقولٌ صحيحةُ الإسناد، ولكنها معزولةٌ ومقطوعة عن مآل الأمر وما استقرت عليه الأمة! ومثلكم في هذا التدليس كمثل من يحتج بالآيات المنسوخة ويخفي الناسخ، ليوهم الناس أنه يتبع القرآن.

ثم تأملوا كيف سمّى الشيخ هذا الصنيع باسمه الشرعي الدقيق: «نوعٌ من الجناية». و(الجنايةُ) في لسان العلماء لفظٌ ثقيلٌ جداً؛ لا يُقالُ قط في (اختلافٍ سائغ) أو (اجتهادٍ محمود)، إنما يُطلق على التعدي الذي يترتب عليه الإثم والقصاص. فتبديع أئمة كأبي حنيفة، وابن حجر، والنووي، ليس اجتهاداً تؤجرون عليه، بل هو "جنايةٌ" بشعة في حق الشريعة وأئمتها!

وقوله الحازم: «ولا ينبغي أن يجرؤ طلاب العلم على هذه المسألة»، كأنه سهمٌ أُطلق ليصيب عين من يخوض فيها اليوم! فهم طلابٌ صغار، يتسورون محاريب الجرح والتعديل، ويقتحمون أبوابًا مقفلة أحجم عنها الراسخون في العلم هيبةً وورعاً.

فيا أيها المتجرئ الصغير: إن كانت أمة محمد ﷺ، وعامة علمائها، قد استقر أمرهم على الترحم على الأئمة والاعتراف بإمامتهم، فمن أنت لتعيد محاكمتهم بعد ألف عام وتجني على مقاماتهم؟! إن خوضك في تبديع الأئمة ليس شجاعةً في الحق كما يوسوس لك شيطانك، بل هو "جنايةٌ" في ميزان الشرع، ووقاحةٌ في ميزان العقل!

وستقف غداً أمام ديان السماوات والأرض لتُسأل عن جنايتك يوم لا ينفعك غلوك، ولا تصفيق الغوغاء لك.

قال الشيخ عبد الله العبيد: إذا أراد اللهُ جعلَ طالبِ علمٍ عبرةً في التاريخ: سلَّ لسانه على أكابر العلماء. وهذه صورةٌ من صور حفظ الله لمن حفظ دينه.

البيانتأملوا يرحمكم الله هذه السنة الربانية الجارية التي لا تتبدل ولا تحابي أحداً! كلمتان في سطرٍ واحد، الثانيةُ منهما أثقلُ وأعمق من الأولى. فالأولى إخبارٌ مرعب عن عاقبة الغلو: (سل اللسان ليكون عبرة ومثلة)، والثانيةُ تعليلٌ رباني يكشف الحكمة الكبرى: (أن هذا من حفظ الله لمن حفظ دينه).

وهنا يتجلى الفقه العميق: فليست المسألةُ عندنا مجرد تعصبٍ شخصي، أو انتصارٍ لرجالٍ ماتوا وصاروا تحت التراب لا ينفعهم مدح ولا يضرهم قدح! بل القضية العظمى هي "حراسةُ الميراث النبوي". إذ لو سلِمت أعراضُ الأئمة الكبار والأعلام لمن شاء أن يمزقها؛ لسقطت هيبتهم، ولانهارت الثقةُ بمن نقلوا الشريعة إلينا، ولضاع الدينُ بضياع أوعيته التي حملته! فإذا امتدت يد الغالي لتثقب "وعاء الدين" بحجة تصفية العقيدة، قصم الله ظهره، وسلّط عليه لسانه ليفضحه، حفظاً لمن حفظ دينه.

ثم تأمّلوا الدقة البالغة في قوله: «طالب علم»؛ لم يقل جاهلاً ولا عامّيّاً! لأن العامي تشغله دنياه ومعاشه، ولكن الخطر العظيم إنما يقع على شابٍّ حَصَّل "طرفاً" من العلم، وحفظ بضعة نصوصٍ ومصطلحاتٍ في الجرح والتبديع؛ فأغراه هذا الفتات، ونفخ فيه شيطان الكبر، ودفعه للتصدّر والحكم على الأئمة.. قبل أن يبلغ من "الورع" و"التقوى" ما يمسك به لسانه عن لحوم العلماء المسمومة! فالعلم إذا تجرد من الورع، صار آلةً لدمار صاحبه.

فيا أيها المتعالم الذي سلق أئمة الإسلام بلسانٍ حداد: لا تظن أن تجرؤك على أكابر الأمة وحفاظها هو شجاعةٌ منك، أو غيرةٌ على العقيدة كما يوسوس لك شيطانك! بل هو استدراجٌ من الله لك، وعقوبةٌ خفية، ليجعلك "عبرةً ومسخرةً في التاريخ" كما سقط من قبلك!

فوالله ما سللت لسانك سيفاً تنصر به السنة كما تتوهم، بل سللته خنجراً تنحر به دينك، وتهدم به آخرتك، لتكون قرباناً لحفظ الله لأوليائه.