أربعُ ملحوظاتٍ على مناظرة الرافضي
ليس كلُّ من وجد العلم قدر على التعبير عنه والاحتجاج له؛ فالعلم شيء، وبيانه شيء آخر، والمناظرة عنه وإقامةُ دليله شيء ثالث، والجوابُ عن حجة مخالفه شيء رابع.
قلت: فكيف بمن لم يجد العلم، ولم يقدر على التعبير عنه والاحتجاج له، وعجز عن دفع حجة مخالفه - ثم يتصدّر بالتحامي عن مباني أهل السنة؟
اختيارُ موضوع المناظرة
من السَّفه أن تناظر رافضيًّا لإثبات الصفات الخبرية التي هي موضعُ اشتباهٍ ونزاعٍ داخل المنظومة السنية نفسها؛ بينما خصمُك متلبّسٌ بمقالاتٍ معلومٌ كفرُها بالضرورة من دين الله:
إشراكُ أئمته بالله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته، والإيمانُ بولايةٍ تكوينية لهم يشاركون الله بموجبها في كل ما هو من خصائصه.
والجزمُ بوقوع التحريف في القرآن الذي بين أيدينا.
ونبذُ السنة النبوية ونزعُ حجيتها ومرجعيتها، واستبدالُ طاعة الرسول بطاعة معصومين آخرين عنده.
وتكفيرُ جملة الصحابة والمسلمين، وقذفُ أم المؤمنين بالفاحشة - ونحو ذلك مما لا يتنازع المسلمون في كفر قائله والداعي إليه.
ترتيبُ الحجج لإثبات المطلوب
من الحذاقة في مسالك الجدل أن تقدّم ما هو أظهرُ دلالةً على مطلوبك، وأخزى لخصمك، وأقطعُ لحجته؛ ثم تعضّد ذلك بما هو أقلُّ ظهورًا ودلالةً، من باب حشد كل ما يقوّي حجتك الأولى - على طريقة «اجتماع الجيوش الإسلامية لغزو المعطّلة والجهمية».
ومن قلة العقل - إذا كان عندك وفرةٌ في النصوص والحجج - أن تبدأ بما دلالتُه فيها نوعُ خفاءٍ وغموض، ويحتاج إلى مقدماتٍ قد لا يفهمها الخصم أو لا يسلّم بها، أو تَرِد عليها اعتراضات.
مثل أن تستدلّ لإثبات أن الله يتكلم بقول إبراهيم عن أصنام قومه إنها لا تتكلم ولا تجيب، والاستدلالِ على بطلان ألوهيتها بكونها لا تتكلم ولا تجيب.
وعارضه الرافضي أيضًا بما جاء في وصف عجل موسى بأن له خُوارًا - والخوارُ هو الصوت - فاستدلّ بثبوت صوته على بطلان ألوهيته. وهذا نظيرُ استدلاله ببطلان ألوهية أصنام قوم إبراهيم لخلوّها من الكلام.
فيلزمه الإجابة عن اعتراض خصمه وعن معارضته، وإثباتُ سلامة حجته من الاعتراض والمعارضة جميعًا، وإلا فلا يحصل مطلوبه. وللأسف لم يفعل شيئًا من ذلك، وحاد عن الإجابة!
تحريرُ طريقة أهل السنة في العبارات المجملة
تناكد الرافضي كثيرًا عليه فيما نسبه للسلف من إثبات «الحدّ» كصفةٍ لله. وهذا ثابتٌ عن الإمام أحمد وبعض أهل الحديث قبله كابن المبارك.
لكنه - بدل أن يكشف الإجمال الوارد في «الحدّ»، ويجرّده من حمولة أهل الكلام، ويوضّح مراد أهل الحديث باستعماله - زاده وعورةً وخفاءً! وراح يردّ عليه بما هو أجنبيٌّ عن مضمون الاعتراض.
الاشتغالُ بالفرع عن الأصل
الرافضة قومٌ لا عقل لهم ولا نقل، وهم في باب الأسماء والصفات على طريقة المعتزلة. وما دام أنك مهمومٌ بهذا الباب، وترى أن الانحراف فيه أخطر من انحراف الرافضة في اتخاذ أئمتهم أربابًا من دون الله - فحقُّ المناظرة أن تكون مع معتزليٍّ صرف، لا مع رافضي.
ومع ذلك: كان ينبغي معالجةُ الأصول التي بنى عليها المعتزلة نفيَهم للصفات، ثم التفريعُ على ذلك، لا العكس.
