داءُ الكِبر: ما من عِلّةٍ أخطرَ على السائر إلى الله
حين تتصفَّح أحوال المنتكسين عن خيرٍ كانوا عليه، أو تتأمَّل نصوص الوحي الكريم، ستكتشف بسهولةٍ أنه لا داء أخطر من الكِبْر والاعتداد بالنفس.
أكثرُ من رأيتهم أو سمعتُ عنهم حرَمهم الله التوفيق في علمٍ أو عملٍ أو خيرٍ كانوا عليه، أو حتى خرجوا من الدين بالكلّيّة: يجمع بينهم داءُ الكِبر، ورؤيةُ النفس والاعتدادُ بها.
حتى إنني ربما أرى الرجل ينطق بالحقّ مخلوطًا بنبرة استعلاء، فأتوجَّس منه وأتحاشاه، خشيةَ أن تكون عاقبةُ أمره خُسرًا.
ولذلك جاءت الآيات
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
وسمّى القومَ المكذّبين لأنبيائهم في بعض المواطن: ﴿الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾.
وعلَّق دخول النار على صفة الاستكبار: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.
والآيات في هذا الباب كثيرة.
وأعظمُ العُدّة والمتاع للسائر إلى الله عامّة، ولطالب العلم خاصّة: تزكيةُ النفس من الكِبر والإعجاب، وتحليتُها بالإنابة والافتقار، ورؤيةُ نقصها والانشغالُ بعيبها، والتنقيبُ والتتبُّع لآفاتها وآثامها.
والصحابيُّ الزاهدُ الفقيهُ أبو الدرداء رضي الله عنه جعَل من خصيصة الفقه وعلامته: «مقتَ النفس في ذات الله».
ويبقى أصعبُ ما في الباب
ومن قرائنه
ضيقُ صدره بالنصح.
حبُّه وشهوتُه للجرح والقدح.
اتّهامُ من حوله له بالكِبر، تصريحًا أو تلميحًا.
