لماذا لا تعذرونهم كما تعذرون غيرهم؟!
رأيتُ اعتراضًا يكرّره بعض الإخوة على من يقرّر عذر المتأوِّلين من العلماء: بأن من يكفّرهم يجب أن يكون معذورًا كذلك، فلماذا لا تعذرونهم كما تعذرون غيرهم؟
وهذا سؤالٌ مهمٌّ أن يُجاب عنه. وقبل الجواب لا بد من تقرير معنًى مُلحٍّ هنا:
فيجب تقرير الواجب في باب الاعتقاد، ثم بعد ذلك البحثُ في أعذار من وقع في تأوُّل؛ وليس أن يأتي شخصٌ فيطالبنا بالحديث عن التأوُّل له لأنه معذور!
ولهذا فبابُ التأوُّل يأتي غالبًا على أناسٍ لقُوا الله، ورحلوا عن الدنيا، ولم تعد ثَمَّ حاجةٌ إلى الخوض في أعراضهم؛ فيَكِل المسلم أمرَهم إلى الله، ويُحسن القول فيهم، ويتأوَّل لهم. فهنا يأتي الحديث عن التأوُّل، التزامًا بالأصول الشرعية الدالّة عليه، ولأنه لا ثمرة من الطعن في أشخاصهم؛ بل فيه مفاسدُ كثيرة لا تخفى على عاقل، وهو مظنّةٌ للاختلاف بين المسلمين وإثارة النزاع، بلا مصلحةٍ ظاهرة في حفظ دين الناس، بل أثرُه في إضعاف بعض الأصول الاعتقادية عند الناس بيّنٌ ظاهر.
كما يمكن تحقيق المصلحة الشرعية في بيان الحق وردّ الباطل وتوضيح الأصول الشرعية، دون حاجةٍ إلى مثل هذه الاستطالة في أعراض المسلمين.
يوضّح المقصود أكثر
فلو جاء شخصٌ وأراد أن يستحلّ بعض دماء المسلمين بتأوُّل، فإن الواجب الشرعي هو التشديدُ عليه، وتعظيمُ النكير، ومنعُه عن هذا الأمر الذي يفعله تأوُّلًا.
ولو احتجّ هذا الشخص بما جرى من حوادث التأوُّل في التاريخ الإسلامي، لتبيَّن أن ثَمَّ فرقًا كبيرًا بين حدثٍ تاريخيٍّ مضى لم تعد ثَمَّ مفسدةٌ مترتّبة عليه، وبين واقعٍ يُخشى من المفسدة فيه ووقوعِ الإثم؛ فلا يجوز التهاون مع مثل هذا بدعوى التأوُّل.
وكذلك بابُ الاستطالة بالتكفير على أهل العلم السابقين.
إن تسليط الجهّال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات.
فيجب التحذير منه، وبيان غلطه، وتوضيح المآلات الخطيرة عليه.
فإذا تعذَّر بالتأوُّل فلا معنى لذلك في هذا السياق؛ لأن الواجب عليه تركُ هذا الأمر والتوبةُ منه، والواجب أيضًا كفُّ شرّه. وأما التأوُّل بعد ذلك فقد يكون معذورًا عند الله، وأمرُ التأوُّل في هذا كالتأوُّل في غيره؛ لكن لا يجوز أن يُبحث موضوع التأوُّل في مثل هذا السياق.
من أبوابٍ أخرى
فلو اجتنب المسلم الكبائر قيل له: برجاء أن يغفر الله لك الصغائر؛ لا أن يفعل الصغائر وهو يرجو مغفرتها لأنه مجتنبٌ للكبائر!
ومثلها من يفعل الحسنات المكفّرة للسيئات، فهو يفعلها رجاءَ مغفرة ما وقع من سيئات؛ لا أن يقع في السيئات لأنه سيفعل الحسنات المكفّرة!
