عُرضت 37 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال الإمام الشوكاني: الْحُكْمُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ بِخُرُوجِهِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إِلَّا بِبُرْهَانٍ أَوْضَحَ مِنْ شَمْسِ النَّهَار.

البيانقَاعِدَةٌ قَضَائِيَّةٌ مَهِيبَةٌ، تَرْفَعُ سَقْفَ الْإِثْبَاتِ إِلَى مُنْتَهَاهُ، وَتَرْبِطُ التَّكْفِيرَ بِرَهْبَةِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه!

انْظُرْ كَيْفَ صَاغَ الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَة؛ فَلَمْ يَرْبِطِ الْمَنْعَ مِنَ التَّكْفِيرِ بِمَسْأَلَةِ (الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ)، بَلْ رَبَطَهُ بِأَصْلِ (الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر)! وَكَأَنَّهُ يَصْرُخُ فِي وَجْهِ كُلِّ مُتَسَرِّع: "هَذِهِ لَيْسَتْ مَسْأَلَةَ بَحْثٍ عِلْمِيٍّ تَسْتَعْرِضُ فِيهَا مَهَارَاتِكَ، بَلْ هِيَ مَسْأَلَةُ حِسَابٍ وَوُقُوفٍ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض"! فَمَنْ آمَنَ بِالْآخِرَةِ حَقًّا، ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْلُبَ مُسْلِمًا إِسْلَامَهُ.

ثُمَّ تَأَمَّلْ كَيْفَ رَفَعَ الشَّوْكَانِيُّ عَتَبَةَ الْإِثْبَاتِ إِلَى ذِرْوَتِهَا الْقُصْوَى فَقَال: «بِبُرْهَانٍ أَوْضَحَ مِنْ شَمْسِ النَّهَار». ثُمَّ قِسْ عَلَى هَذَا الْمِعْيَارِ السَّلَفِيِّ الصَّارِم، مَا نَرَاهُ الْيَوْمَ فِي مَجَالِسِ الْحَدَّادِيَّةِ وَمَنَابِرِهِمْ!

فَعَلَى مَاذَا يَبْنُونَ أَحْكَامَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ فِي حَقِّ الْعُلَمَاء؟ يَبْنُونَهَا عَلَى: لَفْظٍ مُحْتَمَل، أَوْ نَقْلٍ تَارِيخِيٍّ مَبْتُور، أَوْ إِلْزَامٍ بِلَازِمٍ لَمْ يَلْتَزِمْهُ الْعَالِم، أَوْ مَخْطُوطَةٍ لَمْ تُحَقَّقْ! فَبِاللَّهِ عَلَيْك.. أَيْنَ هَذِهِ الظُّنُونُ الْمُظْلِمَةُ مِنْ (شَمْسِ النَّهَار)؟! بَلْ أَيْنَ هِيَ مِنْ ضَوْءِ سِرَاجٍ خَافِت؟!

فَيَا أَيُّهَا الْمُجْتَرِئُ عَلَى إِخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِينِهِمْ وَتَبْدِيعِ أَئِمَّتِهِمْ؛ لَقَدْ رَبَطَ الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ فِعْلَكَ هَذَا بِخَلَلٍ فِي إِيمَانِكَ بِـ (الْيَوْمِ الْآخِر). فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُرْهَانُكَ سَاطِعًا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ كَشَمْسِ رَابِعَةِ النَّهَار؛ فَاعْلَمْ أَنَّ جُرْأَتَكَ هَذِهِ سَتَنْقَلِبُ عَلَيْكَ حَسْرَة.

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَكُفَّ لِسَانَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتِهِمْ، فَإِنَّ الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ أَهْوَلُ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ وَفِي صَحِيفَتِكَ أَعْرَاضٌ مَزَّقْتَهَا بِالظُّنُونِ وَالْأَوْهَام.

قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّه: وَإِذَا كُنَّا لَا نُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَالصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا، لِأَجْلِ جَهْلِهِمْ وَعَدَمِ مَنْ يُنَبِّهُهُمْ؛ فَكَيْفَ نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا؟

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ وَاقْرَأْ هَذَا النَّصَّ بِقَلْبٍ حَاضِر، وَانْظُرْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ فِيمَنْ هُوَ الَّذِي نَالَ الْعُذْر! إِنَّ الْمَعْذُورَ هُنَا فِي مَقَالَةِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ لَيْسَ عَالِمًا مُتَأَوِّلًا أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا هُوَ فَقِيهٌ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ فَرْعِيَّة؛ بَلْ هُوَ رَجُلٌ يَعْبُدُ صَنَمًا عِنْدَ قَبْر، وَيَقْتَرِفُ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ الظَّاهِرَ الْبَوَاح، وَهُوَ ذَاتُ الشِّرْكِ الَّذِي قَامَ إِمَامُ الدَّعْوَةِ يُجَاهِدُهُ، وَسَلَّ سَيْفَ قَلَمِهِ وَبَيَانِهِ لِدَحْرِه، بَلْ وَيُكَفِّرُ «النَّوْعَ» وَالْفِعْلَ بِأَغْلَظِ الْعِبَارَات! ثُمَّ تَأَمَّلْ كَيْفَ يَقِفُ هَذَا الْإِمَامُ الْجَبَلُ أَمَامَ هَذَا الْفِعْلِ الشَّنِيعِ، وَيَمْتَنِعُ بِصَلَابَةٍ وَتَوَرُّعٍ عَنْ تَكْفِيرِ «الْمُعَيَّنِ» مِنْ هَؤُلَاءِ الْفَاعِلِينَ، وَيُعَلِّلُ مَوْقِفَهُ هَذَا تَعْلِيلًا فِقْهِيًّا دَقِيقًا بِقَوْلِهِ: «لِأَجْلِ جَهْلِهِمْ وَعَدَمِ مَنْ يُنَبِّهُهُمْ»!

تَأَمَّلْ يَا رَعَاكَ اللَّهُ هَذَا الْإِنْصَافَ الْعَظِيم؛ لِتَعْلَمَ يَقِينًا أَنَّ تَقْرِيرَ «الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ» لَيْسَ قَوْلًا مُمَيِّعًا لِلدِّينِ صَنَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ الْمُنْهَزِمُونَ، وَلَا هُوَ - كَمَا يَزْعُمُ الْغُلَاةُ - مِنْ قَبِيلِ «إِرْجَاءِ الْعَصْرِ» الْمَذْمُوم؛ بَلْ هُوَ نَصٌّ مُحْكَمٌ وَحُكْمٌ رَاسِخٌ قَرَّرَهُ إِمَامُ الدَّعْوَةِ نَفْسُهُ، ذَلِكَ الْإِمَامُ الَّذِي يَرْفَعُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ اسْمَهُ كَذِبًا، وَيَزْعُمُونَ زُورًا وَبُهْتَانًا أَنَّهُمُ الْمُتَحَدِّثُونَ بِاسْمِهِ وَالْمُمَثِّلُونَ لِمَنْهَجِه.

وَهَذَا الْوَرَعُ لَيْسَ كَلِمَةً عَارِضَةً فَلَتَتْ فِي سِيَاقِ نِقَاش، بَلْ هُوَ أَصْلٌ مَتِينٌ وَمَنْهَجٌ مُتَوَارَثٌ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ فِي بَيْتِ الدَّعْوَةِ وَمَدْرَسَتِهَا. اسْتَمِعْ إِلَى ابْنِهِ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ يُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِوُضُوحٍ جَلِيّ، قَائِلًا: «وَلَا نُكَفِّرُ إِلَّا مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُنَا لِلْحَقِّ، وَوَضَحَتْ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَأَصَرَّ مُسْتَكْبِرًا مُعَانِدًا». قِفْ هُنَا وَقْفَةً مُتَأَنِّيَةً، وَانْظُرْ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ الْعَظِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْخُ كَطَوْقِ نَجَاةٍ قَبْلَ إِطْلَاقِ سَيْفِ التَّكْفِيرِ: «بُلُوغُ الدَّعْوَةِ»، ثُمَّ «وُضُوحُ الْمَحَجَّةِ»، ثُمَّ «قِيَامُ الْحُجَّةِ»، ثُمَّ تَتْوِيجُ ذَلِكَ بِـ«الْإِصْرَارِ اسْتِكْبَارًا وَعِنَادًا». فَبِاللَّهِ عَلَيْكَ، أَيْنَ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْعِلْمِيَّةُ الدَّقِيقَةُ، وَالْمَرَاحِلُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَأَنِّيَةُ، مِمَّنْ يَجْلِسُ بِاسْتِرْخَاءٍ لِيَفْتَحَ كِتَابًا لِإِمَامٍ جَلِيلٍ مَاتَ قَبْلَ خَمْسَةِ قُرُونٍ، فَيُسَارِعَ إِلَى تَكْفِيرِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ بِمُجَرَّدِ لَفْظَةٍ مُحْتَمَلَةٍ قَرَأَهَا فِي سَطْرٍ، دُونَ أَنْ يَسْأَلَهُ، أَوْ يَسْتَبِينَ قَصْدَهُ، أَوْ يُقِيمَ عَلَيْهِ حُجَّة؟!

وَلَمْ يَقِفْ وَرَعُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلِ ارْتَقَى الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ إِلَى مَرْتَبَةٍ أَعْلَى مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، حِينَ تَحَدَّثَ عَنِ الْإِمَامِ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيّ. فَمَعَ كُلِّ مَا عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ مِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُخَالَفُ فِيهِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِغَاثَةِ الشَّائِكَةِ، قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ مُقَرِّرًا مَنْهَجَ الْعَدْلِ: «وَلَا نُنْكِرُ سَعَةَ عِلْمِهِ، وَلِهَذَا نَعْتَنِي بِكُتُبِهِ كَشَرْحِ الْأَرْبَعِينَ وَالزَّوَاجِرِ وَغَيْرِهَا، وَنَعْتَمِدُ عَلَى نَقْلِهِ إِذَا نَقَلَ؛ إِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ». تَأَمَّلْ هَذَا الْمِيزَانَ الْقِسْطَ!

لَقَدْ جَمَعَ الشَّيْخُ بِبَرَاعَةٍ وَتَقْوَى بَيْنَ «إِنْكَارِ الْخَطَأِ الْعَقَدِيِّ» وَبَيْنَ «الِانْتِفَاعِ بِالْعِلْمِ الْوَاسِعِ»، وَحَافَظَ عَلَى «مَنْزِلَةِ الْإِمَامِ» وَلَمْ يُسْقِطْهُ، وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُتَّزِنُ الَّذِي أَعْجَزَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةَ وَالْأَدْعِيَاءَ الْيَوْمَ، فَقَادَهُمْ قُصُورُهُمْ إِمَّا إِلَى قَبُولِ الْبَاطِلِ كُلِّهِ، أَوْ حَرْقِ الْإِمَامِ وَتَكْفِيرِهِ وَتَضْلِيلِهِ كُلِّه!

وَعَلَى ذَاتِ الدَّرْبِ الْمُنِيرِ، سَارَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِيُقَرِّرَ الْأَصْلَ نَفْسَهُ بِعِبَارَةٍ قَاطِعَةٍ، فَقَالَ: «فَالْأَصْلُ فِيمَنْ يَنْتَسِبُ لِلْإِسْلَامِ بَقَاءُ إِسْلَامِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ ذَلِكَ عَنْهُ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِي تَكْفِيرِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَحْذُورَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَحَدُهُمَا افْتِرَاءُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ فِي الْحُكْمِ، وَالثَّانِي عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي نَبَذَهُ بِهِ». فَالْأَمْرُ إِذَنْ جِدُّ خَطِيرٍ؛ فَالْمُتَسَاهِلُ فِي التَّكْفِيرِ السَّاعِي فِيهِ، يَرْتَكِبُ جَرِيمَةً مُرَكَّبَةً، وَيَفْتَرِي كَذْبَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ لَا كَذْبَةً وَاحِدَةً: فَهُوَ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ حِينَ يَفْتَئِتُ عَلَى حُكْمِهِ فَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اللَّهُ، وَيَكْذِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ حِينَ يَرْمِيهِ بِوَصْفِ الْكُفْرِ الْبَغِيضِ الَّذِي نَبَذَهُ بِهِ ظُلْمًا.

وَأَمَامَ هَذِهِ النُّصُوصِ السَّاطِعَةِ، يَبْرُزُ التَّحَدِّي الْمُحْرِجُ لِلْحَدَّادِيِّ الْمُعَاصِرِ: لِمَاذَا لَا يَخْرُجُ هَذَا الْحَدَّادِيُّ بِشَجَاعَةٍ وَوُضُوحٍ لِيَقُولَ: لَقَدْ أَخْطَأَ إِمَامُ الدَّعْوَةِ، وَأَخْطَأَ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَخْطَأَ ابْنُ عُثَيْمِين!

وَحِينَئِذٍ، إِذَا امْتَلَكَ هَذِهِ الْجُرْأَةَ، يَسْقُطُ بِالْكُلِّيَّةِ انْتِسَابُهُ الْكَاذِبُ إِلَيْهِمْ، وَيَنْقَطِعُ تَسَلُّقُهُ لِلْحَدِيثِ بِاسْمِهِمْ، وَلَا يَبْقَى لَهُ فِي مَنْهَجِهِ التَّكْفِيرِيِّ سَلَفٌ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ؛ أَوْ فِي الْمُقَابِلِ، يُذْعِنُ وَيَقْبَلُ أَصْلَهُمُ الَّذِي أَصَّلُوهُ، وَيَلْزَمُ غَرْزَهُمْ.

وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ فِي دُنْيَانَا، أَنْ تَرَى رَجُلًا يَتَحَدَّثُ بِمِلْءِ فِيهِ بِاسْمِ إِمَامٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُصْلِحِينَ (كَمَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ شَمْسُ الدِّينِ وَقَدَّمَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْمُتَحَدِّثُ الرَّسْمِيُّ بِاسْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ)، ثُمَّ هُوَ يُخَالِفُهُ وَيَنْقُضُ مَنْهَجَهُ فِي أَشْهَرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُشَنِّعُ بِهَا هَذَا الدَّعِيُّ عَلَى أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَيَنْتَقِدُهُمْ عَلَيْهَا!

يَا هَذَا الَّذِي تُسْرِعُ فِي التَّكْفِيرِ وَالتَّضْلِيلِ! إِنَّ إِمَامَ الدَّعْوَةِ وَقَفَ بِشَحْمِهِ وَلَحْمِهِ أَمَامَ رَجُلٍ يَطُوفُ بِقَبْرٍ، وَيُشْرِكُ بِاللَّهِ، وَيَدْعُو صَاحِبَ الْقَبْرِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَعَ تَفْظِيعِهِ لِلشِّرْكِ، تَوَقَّفَ وَارْتَجَفَ عَنْ تَكْفِيرِهِ بِعَيْنِهِ؛ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَشْيَةً مِنْ أَنْ يَتَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ يَقِينًا تَحَقُّقَهُ مِنَ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. بَيْنَمَا أَنْتَ، فِي مُفَارَقَةٍ مُبْكِيَةٍ مُضْحِكَةٍ، تَجْلِسُ آمِنًا مُطْمَئِنًّا خَلْفَ شَاشَةِ حَاسُوبِكَ، لِتُوَزِّعَ صُكُوكَ التَّكْفِيرِ عَلَى مَنْ لَمْ تَرَهُ يَوْمًا وَلَمْ تَسْمَعْهُ! تُكَفِّرُ أَئِمَّةً وَجِبَالًا مَاتُوا قَبْلَ قُرُونٍ مِنَ الزَّمَانِ، بِمُجَرَّدِ كَلِمَةٍ أَوْ زَلَّةٍ قَرَأْتَهَا فِي سَطْرٍ مِنْ كِتَاب!

فَأَسْأَلُكَ بِاللَّهِ، وَبِكُلِّ إِنْصَافٍ: أَيُّ الرَّجُلَيْنِ أَعْرَفُ بِاللَّهِ، وَأَخْوَفُ مِنْهُ، وَأَشَدُّ تَعْظِيمًا لِحُرُمَاتِهِ؟ وَأَيُّ الْقَلْبَيْنِ أَرَقُّ، وَأَتْقَى، وَأَكْثَرُ وَرَعًا فِي دِينِ اللَّه؟!

قال العلّامة الشنقيطي: وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلَّذِينَ مَاتُوا عَلَى هَذَا الِاعْتِقَاد؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ تَشْبِيهَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، وَإِنَّمَا يُحَاوِلُونَ تَنْزِيهَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِه. فَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَلَكِنْ طَرِيقُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ سَيِّئَة. وَإِنَّمَا نَشَأَ لَهُمْ ذَلِكَ السُّوءُ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا لَفْظَ الصِّفَةِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مُشَابَهَةِ صِفَةِ الْخَلْقِ، فَنَفَوُا الصِّفَةَ الَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا لَا تَلِيقُ قَصْدًا مِنْهُمْ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ، وَأَوَّلُوهَا بِمَعْنًى آخَرَ يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ فِي ظَنِّهِمْ. فَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا. وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ خَطَأَهُمْ، وَأَنْ يَكُونُوا دَاخِلِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وَخَطَؤُهُمُ الْمَذْكُورُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِتَطْهِيرِ قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّشْبِيهِ أَوَّلًا، وَجَزَمُوا بِأَنَّ ظَاهِرَ صِفَةِ الْخَالِقِ هُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ مُشَابَهَةِ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ، لَسَلِمُوا مِمَّا وَقَعُوا فِيه.

البيانوَثِيقَةٌ قُرْآنِيَّةُ النَّزْعَةِ، مِنْ إِمَامٍ رَاسِخٍ، تُشَرِّحُ عَقْلِيَّةَ الْمُخَالِفِ بِمِبْضَعِ الرَّحْمَةِ، وَتَفْصِلُ بِعَبْقَرِيَّةٍ بَيْنَ (نُبْلِ الْقَصْدِ) وَ(سُوءِ الطَّرِيق)!

اعْرِفْ أَوَّلًا مَوْضِعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِتَعْرِفَ قَدْرَهَا؛ فَقَدْ سَطَّرَهَا الشِّنْقِيطِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (أَضْوَاءِ الْبَيَانِ) عَقِبَ نَقْضِهِ الصَّارِمِ لِتَأْوِيلَاتِ الْأَشَاعِرَة!

فَهِيَ إِعْذَارٌ جَاءَ بَعْدَ التَّفْنِيدِ وَالتَّحْقِيقِ، وَفِي مَقَامِ تَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ، لَا فِي مَقَامِ الِاسْتِطْرَاد. وَهَذَا يَنْسِفُ دَعْوَى الْغُلَاةِ الْقَائِلَةَ بِأَنَّ "الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَزْمِ بِالْخَطَأِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَى الْمُخْطِئِ مُسْتَحِيل"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ يَجْزِمُ بِضَلَالِ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ لِلْمُتَأَوِّل.

وَجِمَاعُ الْحُجَّةِ فِي هَذَا الْأَثَرِ يَتَلَخَّصُ فِي تِسْعِ كَلِمَاتٍ فَارِقَة: «فَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَلَكِنْ طَرِيقُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ سَيِّئَة». هُنَا يَتَجَلَّى فِقْهُ الرَّاسِخِينَ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْهُ الْغُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةُ؛ فَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِيزَانًا يُفَرِّقُ بَيْنَ (الْقَصْدِ) وَ(الطَّرِيقِ)، بَلْ مِيزَانُهُمْ وَاحِدٌ يُصَبُّ عَلَى الرَّجُلِ كُلِّهِ: "إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ سَيِّئًا، فَالرَّجُلُ خَبِيثٌ وَمُبْتَدِع"! أَمَّا الْإِمَامُ الشِّنْقِيطِيُّ فَفَصَلَ بَيْنَ فَسَادِ الْأَدَاةِ وَنُبْلِ الْغَايَة.

وَأَنْفَسُ مَا فِي هَذَا النَّصِّ، أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَكْتَفِ بِإِطْلَاقِ الْعُذْرِ، بَلْ غَاصَ فِي (مَأْخَذِ الشُّبْهَةِ)، فَكَشَفَ الْعِلَّةَ النَّفْسِيَّةَ لِلْمُتَأَوِّلِينَ، مُبَيِّنًا أَنَّهُمْ هَرَبُوا مِنَ التَّشْبِيهِ فَوَقَعُوا فِي التَّعْطِيل. وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ (الْعَالِمِ الرَّاسِخِ) وَ(الْمُتَعَالِمِ الطَّعَّانِ)؛ فَالرَّاسِخُ يُشَخِّصُ الدَّاءَ ثُمَّ يَصِفُ الدَّوَاءَ بِعِلْمٍ وَرَحْمَةٍ، أَمَّا الْمُتَعَالِمُ فَيَكْتَفِي بِإِصْدَارِ صُكُوكِ الْإِعْدَامِ وَالْإِسْقَاط! وَلِذَلِكَ كَانَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْمُخَالِفِينَ وَأُصُولِهِمْ.. أَرْحَمَهُمْ بِهِمْ، وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى نَقْضِ شُبُهَاتِهِمْ دُونَ ظُلْم.

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ الدَّقِيقِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَّقَ الْمُؤَاخَذَةَ بِـ (تَعَمُّدِ الْقَلْبِ لِلْمُخَالَفَةِ)، لَا بِمُجَرَّدِ (وُقُوعِ الْخَطَأ). وَالْأَئِمَّةُ الْمُتَأَوِّلُونَ كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ لَمْ تَتَعَمَّدْ قُلُوبُهُمْ مُصَادَمَةَ النُّصُوصِ، بَلْ رَامُوا تَنْزِيهًا فَأَخْطَؤُوا طَرِيقَه.

فَاعْرِضْ بَيْتَ الشَّافِعِيِّ الَّذِي سَاقَهُ الشِّنْقِيطِيُّ عَلَى نَفْسِكَ أَوَّلًا أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ: «رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ .. وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا»!

كَمْ مِنْ غَيُورٍ مَغْرُورٍ يَظُنُّ أَنَّهُ (يَنْفَعُ) الْعَقِيدَةَ بِتَنْقِيصِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِسْقَاطِهِمْ، فَإِذَا بِهِ (يَضُرُّ) الدِّينَ وَيُنَفِّرُ شَبَابَهُ وَيَهْدِمُ أَرْكَانَه! وَكَمْ مِنْ طَعَّانٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِـ (بِرِّ) السُّنَّةِ، فَإِذَا بِصَنِيعِهِ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ هُوَ أَقْبَحُ (الْعُقُوقِ) لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاء!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ سَلَامَةَ صَدْرِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ غَيْرَةٍ عَمْيَاءَ وَجَفَاءٍ غَلِيظٍ يُورِدُكَ الْمَهَالِك.

قال العلّامة الألباني: مِثْلُ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ، مِنَ الظُّلْمِ أَنْ يُقَالَ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَع. أَنَا أَعْرِفُ أَنَّهُمَا مِنَ الْأَشَاعِرَة، لَكِنَّهُمَا مَا قَصَدَا مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّة، وَإِنَّمَا وَهِمَا، وَظَنَّا أَنَّ مَا وَرِثَاهُ مِنَ الْعَقِيدَةِ الْأَشْعَرِيَّة؛ ظَنَّا شَيْئَيْنِ اثْنَيْن: أَوَّلًا: أَنَّ الْإِمَامَ الْأَشْعَرِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ، وَهُوَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا قَدِيمًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ عَنْه. وَثَانِيًا: تَوَهَّمَاهُ صَوَابًا، وَلَيْسَ بِصَوَاب.

البيانشَهَادَةٌ حَدِيثِيَّةٌ قَاطِعَةٌ مِنْ (مُحَدِّثِ الْعَصْر)، تَدْمَغُ الْغُلُوَّ بِوَصْفِ الظُّلْمِ، وَتُفَكِّكُ مَأْخَذَ الشُّبْهَةِ بِعُذْرٍ سَلَفِيٍّ جَلِيل!

لَقَدْ أَطْلَقَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ هُنَا حُكْمًا شَرْعِيًّا صَارِمًا يَهُزُّ عُرُوشَ الْحَدَّادِيَّة؛ إِذْ سَمَّى إِطْلَاقَ وَصْفِ "أَهْلِ الْبِدَعِ" عَلَى النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر: (ظُلْمًا)! فَالْحَدَّادِيُّ الْمَرِيضُ يَظُنُّ أَنَّ تَبْدِيعَهُ لِلنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ هُوَ قِمَّةُ (التَّحْقِيقِ وَالْغَيْرَةِ عَلَى السُّنَّة)، وَالْأَلْبَانِيُّ يَصْفَعُهُ بِأَنَّ صَنِيعَهُ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْغَيْرَةِ السَّلَفِيَّةِ فِي شَيْء، بَلْ هُوَ (ظُلْمٌ بَيِّن) يَأْبَاهُ الشَّرْعُ وَيَرُدُّه.

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَطَعَ الْأَلْبَانِيُّ الطَّرِيقَ سَلَفًا عَلَى مُزَايَدَاتِ الْغُلَاة؛ فَقَدْ صَرَّحَ قَائِلًا: «أَنَا أَعْرِفُ أَنَّهُمَا مِنَ الْأَشَاعِرَة». فَمُحَدِّثُ الْعَصْرِ الْخَبِيرُ بِالسُّنَّةِ يَعْلَمُ زَلَّتَهُمَا بِدِقَّةٍ، وَلَكِنَّهُ يُعْمِلُ الْقَاعِدَةَ السَّلَفِيَّةَ الْكُبْرَى: "لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ وَقَعَتِ الْبِدْعَةُ عَلَيْهِ وَصَارَ مُبْتَدِعًا"!

ثُمَّ غَاصَ الْإِمَامُ -كَعَادَةِ الرَّاسِخِينَ- فِي قَلْبِ (مَأْخَذِ الشُّبْهَة) لِيُبَيِّنَ عِلَّةَ الْإِعْذَارِ، فَبَنَاهَا عَلَى أَصْلَيْن: الْأَوَّل: (سَلَامَةُ الْقَصْد)؛ حَيْثُ جَزَمَ قَائِلًا: «مَا قَصَدَا مُخَالَفَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّة». وَهَذَا أَصْلُ الدِّينِ، أَنَّ الْخُصُومَةَ تَسْقُطُ إِذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْمُخْطِئَ كَانَ يُعَظِّمُ النَّصَّ وَلَمْ يَتَعَمَّدْ مُصَادَمَتَه. الثَّانِي: (عُذْرُ الْوَهْم)؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّهُمَا وَقَعَا فِي وَهْمٍ تَارِيخِيٍّ (بِظَنِّهِمْ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ الْأَخِير)، وَوَهْمٍ إِدْرَاكِيٍّ (حِينَ تَوَهَّمَاهُ صَوَابًا وَهُوَ خَطَأ). فَأَثْبَتَ الْخَطَأَ لِيَرُدَّه (وَلَيْسَ بِصَوَاب)، وَعَذَرَ الْمُخْطِئَ لِتَوَهُّمِهِ وَسَلَامَةِ قَصْدِهِ لِكَيْ لَا يُسْقِطَه.

فَيَا مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ حَاكِمًا وَدَيَّانًا عَلَى أَئِمَّةِ الْإِسْلَام؛ هَذَا الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ -مُجَدِّدُ السُّنَّةِ وَقَامِعُ الْبِدْعَةِ فِي عَصْرِكَ- يَحْكُمُ قَاطِعًا بِأَنَّ تَبْدِيعَكَ لِلنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ هُوَ مَحْضُ (ظُلْم)! فَهَلْ أَصْبَحْتَ أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْه؟! أَمْ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ ظُلْمَ الْأَكَابِرِ يُقَرِّبُكَ إِلَى اللَّه؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَأَنْزِلِ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَادِيَكَ فِي هَذَا الْمَسْلَكِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا عَنْ أَئِمَّةٍ شَتَمْتَهُمْ، وَعَنْ ظُلْمٍ صُرَاحٍ اقْتَرَفْتَهُ بِدَعْوَى نُصْرَةِ الدِّين.

قال العلّامة الألباني: إِذَا كُنَّا مُتَذَكِّرِينَ جَمِيعًا أَنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء، وَأَنَّ خَيْرَ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُون، وَأَنَّ الْعِصْمَةَ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَلَا غَرَابَةَ فِي أَنْ يُخْطِئَ مَنْ كَانَ إِمَامًا فِي دَعْوَةِ الْحَقّ؛ فَإِذَا أَخْطَأَ فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ أُخْرَى، فِي مَسْأَلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَر، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ دَعْوَةِ الْحَقِّ إِذَا تَبَنَّاهَا. فَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَخْطَؤُوا فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّة، كَمَا يَقُولُونَ الْيَوْم، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُمْ عَنْ كَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فِكْرٍ صَحِيحٍ أَوْ عَمَلٍ صَالِح.

البيانقَاعِدَةٌ سَلَفِيَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ تَكْسِرُ عَمُودَ الْخَيْمَةِ الْحَدَّادِيَّة، وَتُعِيدُ الْمَوَازِينَ إِلَى نِصَابِهَا الْأَصِيل!

فِي هَذَا النَّصِّ النَّفِيس، يَضَعُ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ يَدَهُ عَلَى (الْمِيزَان) الَّذِي ضَيَّعَهُ الْغُلَاة، فَيُقَرِّرُ قَاعِدَةً تَنْسِفُ صَنِيعَهُمْ نَسْفًا: «الْعِبْرَةُ بِمَا يَغْلِب». فَالْحُكْمُ عَلَى الرَّجُلِ فِي دِينِ اللَّهِ يَكُونُ بِالنَّظَرِ إِلَى الْغَالِبِ مِنْ حَالِهِ وَعِلْمِه، لَا بِتَتَبُّعِ الشَّاذِّ مِنْ قَوْلِهِ وَفِعْلِه! أَمَّا الْحَدَّادِيَّةُ فَقَدْ قَلَبُوا الْمِيزَانَ الشَّرْعِيّ؛ فَيَحْكُمُونَ عَلَى الْعَالِمِ بِـ (الشَّاذِّ وَالْخَطَأ)، وَيُهْدِرُونَ (الْغَالِبَ وَالصَّوَاب)، ثُمَّ يُسَمُّونَ هَذَا الظُّلْمَ وَالْعَبَث: تَحْقِيقًا وَغِيرَة!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ سَدَّ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ بَابًا يَدْخُلُونَ مِنْهُ دَائِمًا لِتَمْرِيرِ إِسْقَاطِهِمْ لِلْعُلَمَاء؛ فَهُمْ يَعْتَمِدُونَ سِيَاسَةَ (التَّكْثِيرِ وَالتَّهْوِيل)، فَيَجْمَعُونَ لِلْإِمَامِ عَشْرَ زَلَّات، لِيُوهِمُوكَ أَنَّ كَثْرَتَهَا تَقْلِبُ الْحُكْم! فَجَاءَ الْأَلْبَانِيُّ وَقَطَعَ هَذَا الْوَهْمَ قَائِلًا: «فِي مَسْأَلَةٍ أَوْ أُخْرَى، فِي مَسْأَلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَكْثَر، فَذَلِكَ لَا يُخْرِجُه». فَلَمْ يُعَلِّقِ الْإِمَامُ الْحُكْمَ بِخُرُوجِ الرَّجُلِ مِنَ السُّنَّةِ بِـ (عَدَدِ الزَّلَّات) الْمُحْصَاة، بَلْ عَلَّقَهُ بِـ (غَلَبَةِ الْأَصْلِ وَصِحَّةِ الْفِكْر).

ثُمَّ انْظُرْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ إِلَى قَوْلِه: «كَمَا يَقُولُونَ الْيَوْم». إِنَّهَا إِشَارَةُ خَبِيرٍ، وَكَلِمَةُ عَارِفٍ أَدْرَكَ أَنَّ هَذِهِ (الِاصْطِلَاحَاتِ وَالْإِسْقَاطَاتِ) هِيَ مَوْجَةٌ مُحْدَثَة، وَأَنَّ صِنَاعَةَ (التَّبْدِيعِ بِالزَّلَّاتِ) قَدْ بَاتَتْ مِهْنَةً رَائِجَةً يَقْتَاتُ عَلَيْهَا حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ فِي زَمَانِه. فَقَرَّرَ بِوُضُوحٍ قَاطِعٍ أَنَّ النَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ -رَغْمَ الْخَطَأ- (مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَة).

فَيَا مَنْ يَجْمَعُ زَلَّاتِ الْأَكَابِرِ بِالْقَطَّارَة؛ أَنْتَ تَجْمَعُ أَخْطَاءَ الْأَئِمَّةِ فِي كُتَيِّبٍ لِتُخْرِجَهُمْ بِهِ مِنَ السُّنَّة، وَتَتَجَاهَلُ عَشَرَاتِ الْمُجَلَّدَاتِ الَّتِي أَفْنَوْا فِيهَا أَعْمَارَهُمْ لِنُصْرَةِ السُّنَّةِ وَحِفْظِهَا! فَبِأَيِّ عَدْلٍ تَحْكُم؟! وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَامَلَكَ بِالشَّاذِّ مِنْ أَفْعَالِكَ وَتَرَكَ غَالِبَ حَالِك؛ لَهَلَكْتَ فِي أَوَّلِ حِسَابِك!

فَاتَّقِ اللَّه، وَزِنْ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ بِمِيزَانِ (الْغَالِبِ الْأَعَمّ)، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ عَنْهُمُ الْيَوْم، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ غَدًا، وَأَنَّ إِسْقَاطَكَ لَهُمْ لَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَقْدَارِهِمْ فِي السَّمَاء.

قال العلّامة ابن عثيمين: فَهَذَانِ الرَّجُلَانِ بِالذَّاتِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَنَّ أَحَدًا قَدَّمَ لِلْإِسْلَامِ فِي بَابِ أَحَادِيثِ الرَّسُولِ مِثْلَمَا قَدَّمَاه، وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ - وَلَا أَتَأَلَّى عَلَى اللَّه - قَدْ قَبِلَهَا، مَا كَانَ لِمُؤَلَّفَاتِهِمَا مِنَ الْقَبُولِ لَدَى النَّاسِ؛ لَدَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ، بَلْ حَتَّى عِنْدَ الْعَامَّة. فَالْآنَ كِتَابُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ يُقْرَأُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ، وَيُقْرَأُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ، وَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ انْتِفَاعًا عَظِيمًا، وَأَتَمَنَّى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي كِتَابًا مِثْلَ هَذَا الْكِتَابِ، كُلٌّ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي مَسْجِدِه. فَكَيْفَ يُقَالُ عَنْ هَذَيْنِ: إِنَّهُمَا مُبْتَدِعَانِ ضَالَّانِ، لَا يَجُوزُ التَّرَحُّمُ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَجُوزُ الْقِرَاءَةُ فِي كُتُبِهِمَا، وَيَجِبُ إِحْرَاقُ فَتْحِ الْبَارِي وَشَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِم؟! سُبْحَانَ اللَّه! فَإِنِّي أَقُولُ لِهَؤُلَاءِ بِلِسَانِ الْحَالِ وَبِلِسَانِ الْمَقَالِ: أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ لَا أَبَا لِأَبِيكُمُ مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا. مَنْ كَانَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَدِّمَ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِثْلَمَا قَدَّمَ هَذَانِ الرَّجُلَان، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه. فَأَنَا أَقُولُ: غَفَرَ اللَّهُ لِلنَّوَوِيِّ، وَلِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَلِمَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهِمَا مِمَّنْ نَفَعَ اللَّهُ بِهِمُ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَمِّنُوا عَلَى ذَلِك.

البيانمُرَافَعَةٌ سَلَفِيَّةٌ قَاطِعَة، مِنْ إِمَامٍ رَاسِخ، تَكْشِفُ الْمَآلَاتِ الْفَاسِدَةَ لِلْغُلُوّ، وَتَضَعُ الْمُبْتَلَيْنَ بِالطَّعْنِ فِي الْأَكَابِرِ أَمَامَ حَجْمِهِمُ الْحَقِيقِيّ!

فِي هَذَا النَّصّ، يَنْتَقِلُ الْإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِينَ مِنَ التَّقْرِيرِ النَّظَرِيِّ لِقَوَاعِدِ الْعُذْرِ، إِلَى مُحَاكَمَةٍ عَمَلِيَّةٍ لِمَنْهَجِ الْحَدَّادِيَّةِ، كَاشِفًا أَنَّ اللَّوَازِمَ الْحَتْمِيَّةَ لِهَذَا الْمَنْهَجِ هِيَ تَدْمِيرُ تُرَاثِ الْأُمَّةِ، وَالدَّعْوَةُ لِإِحْرَاقِ أَعْظَمِ مَرَاجِعِ السُّنَّةِ كَـ (فَتْحِ الْبَارِي) وَ(شَرْحِ مُسْلِم).

وَأَوَّلُ حُجَجِهِ السَّاطِعَةِ: اسْتِدْلَالُهُ بِـ (الْقَبُولِ الْعَامّ). فَانْتِشَارُ كِتَابٍ كَـ (رِيَاضِ الصَّالِحِينَ) فِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَبَيْت، لَيْسَ مُجَرَّدَ صُدْفَة؛ بَلْ يَقْرَأُهُ الْعَالِمُ الرَّاسِخُ كَعَلَامَةٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَبِلَ عَمَلَهُمَا وَتَجَاوَزَ عَنْ خَطَئِهِمَا. فَالْغَالِي يَسْعَى لِإِسْقَاطِهِمَا، وَابْنُ عُثَيْمِينَ يَرَى عَلَامَاتِ تَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُمَا، حَتَّى إِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يُرْزَقَ كِتَابًا نَافِعًا كَكُتُبِهِمَا!

ثُمَّ يُوَجِّهُ الْإِمَامُ تَحَدِّيًا صَرِيحًا لِلْغُلَاةِ بِبَيْتِ الشِّعْرِ: «أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ... أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا». وَهَذَا هُوَ الْمِحَكُّ الَّذِي يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْمُدَّعِينَ؛ فَالَّذِي يَتَصَدَّرُ لِلتَّبْدِيعِ الْيَوْمَ لَمْ يُقَدِّمْ لِلْإِسْلَامِ عُشْرَ مِعْشَارِ مَا قَدَّمَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ، بَلْ غَايَةُ طُمُوحِهِ هَدْمُ مَا بَنَاهُ غَيْرُهُ. فَجَاءَهُ التَّحَدِّي وَاضِحًا: كُفَّ لَوْمَكَ وَطَعْنَكَ، أَوْ قَدِّمْ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا قَدَّمُوا!

ثُمَّ يَخْتِمُ الْإِمَامُ بِدَرْسٍ عَمَلِيّ؛ فَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفْيِ الْبِدْعَةِ عَنْهُمَا، بَلْ رَفَعَ يَدَيْهِ يَطْلُبُ لَهُمَا الْمَغْفِرَةَ هُمَا (وَمَنْ كَانَ عَلَى شَاكِلَتِهِمَا)، وَطَلَبَ مِنْ تَلَامِذَتِهِ (التَّأْمِينَ) عَلَى هَذَا الدُّعَاءِ، لِيُقَرِّرَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَوْقِفُ السَّلَفِيُّ الصَّحِيحُ: إِثْبَاتُ الْخَطَأِ، وَحِفْظُ الْمَقَامِ، وَالدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَة.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَسَرِّعُ فِي تَبْدِيعِ الْأَئِمَّةِ؛ أَنْتَ تَسْعَى لِإِسْقَاطِهِمْ بِلِسَانِكَ، وَاللَّهُ يَنْشُرُ عِلْمَهُمْ فِي بُيُوتِهِ وَيَتَقَبَّلُ نَفْعَهُمْ! فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ طَعْنَكَ سَيَغْلِبُ قَبُولَ اللَّهِ لَهُمْ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْرِفْ قَدْرَكَ وَقَدْرَهُمْ، وَسُدَّ مَسَدًّا يَنْفَعُ الْإِسْلَامَ أَوْ كُفَّ أَذَاكَ عَنْ عُلَمَائِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ وَالتَّرَحُّمَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ غَدًا.

قال الشيخ ناصر العقل: أَمَّا تَفْسِيقُ مِثْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَهُوَ خَطَأٌ وَلَا يَجُوز؛ نَعَمْ، تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ، لَكِنْ مَا عَلَيْهِ جُمْلَةُ السَّلَفِ، وَمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ فِي شَأْنِهِ، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّل... فَعَامَّةُ السَّلَفِ يَتَرَحَّمُونَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَيَرَوْنَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَمِنْ أَئِمَّةِ السَّلَف. فَتَفْسِيقُهُ أَوْ تَبْدِيعُهُ أَظُنُّ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْجِنَايَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرُؤَ طُلَّابُ الْعِلْمِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة.

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ أَمَامَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَنْهَجِيَّةِ الذَّهَبِيَّةِ، الَّتِي تَقْطَعُ دَابِرَ الْجَدَلِ، وَتَسُدُّ أَبْوَابَ الْفِتْنَة: (الْعِبْرَةُ بِمَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ الْأُمَّةِ وَسَلَفِهَا، لَا بِمَا قِيلَ فِي بِدَايَاتِ الْخِلَافِ وَمَرْحَلَةِ الْفِتْنَةِ).

لَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ إِلَى أَصْلٍ سَلَفِيٍّ عَظِيمٍ فِي تَقْيِيمِ الرِّجَال؛ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ "كَلَامَ الْأَقْرَانِ وَالْمُعَاصِرِينَ" لِبَعْضِهِمُ الْبَعْضَ تُطْوَى صَفَحَاتُهُ، وَلَكِنَّ غُبَارَ الْخِلَافِ يَنْجَلِي، وَيَسْتَقِرُّ أَمْرُ الْأُمَّةِ وَعَامَّةِ السَّلَفِ بَعْدَ مَوْتِ هَؤُلَاءِ الْأَقْرَانِ عَلَى مَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ حِفْظِ الْإِمَامَةِ وَالْفَضْلِ لِأَهْلِهَا، وَهَذَا (الِاسْتِقْرَارُ) هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْه.

أَمَّا صَنِيعُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ فَهُوَ عَكْسُ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ تَمَامًا! فَهُمْ يَعْمِدُونَ إِلَى مَقَابِرِ التَّارِيخِ، فَيَنْبِشُونَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ الْقَدِيمَ الَّذِي قِيلَ فِي غَمْرَةِ الْفِتْنَةِ وَالْخُصُومَةِ، وَيَطْوُونَ الْإِجْمَاعَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِك! ثُمَّ يَخْرُجُونَ لِلنَّاسِ قَائِلِينَ بِتَلْبِيسٍ: "هَذِهِ نُقُولُ السَّلَفِ الصَّرِيحَة!". وَنَحْنُ نَقُولُ لَهُمْ: نَعَمْ، هِيَ نُقُولٌ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ، وَلَكِنَّهَا مَعْزُولَةٌ وَمَقْطُوعَةٌ عَنْ مَآلِ الْأَمْرِ وَمَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُمَّة! وَمَثَلُكُمْ فِي هَذَا التَّدْلِيسِ كَمَثَلِ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْآيَاتِ الْمَنْسُوخَةِ وَيُخْفِي النَّاسِخَ، لِيُوهِمَ النَّاسَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ الْقُرْآن.

ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ سَمَّى الشَّيْخُ هَذَا الصَّنِيعَ بِاسْمِهِ الشَّرْعِيِّ الدَّقِيق: «نَوْعٌ مِنَ الْجِنَايَة». وَ(الْجِنَايَةُ) فِي لِسَانِ الْعُلَمَاءِ لَفْظٌ ثَقِيلٌ جِدًّا؛ لَا يُقَالُ قَطُّ فِي (اخْتِلَافٍ سَائِغٍ) أَوْ (اجْتِهَادٍ مَحْمُودٍ)، إِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى التَّعَدِّي الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالْقِصَاص. فَتَبْدِيعُ أَئِمَّةٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالنَّوَوِيِّ، لَيْسَ اجْتِهَادًا تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ "جِنَايَةٌ" بَشِعَةٌ فِي حَقِّ الشَّرِيعَةِ وَأَئِمَّتِهَا!

وَقَوْلُهُ الْحَازِم: «وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرُؤَ طُلَّابُ الْعِلْمِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة»، كَأَنَّهُ سَهْمٌ أُطْلِقَ لِيُصِيبَ عَيْنَ مَنْ يَخُوضُ فِيهَا الْيَوْم! فَهُمْ طُلَّابٌ صِغَارٌ، يَتَسَوَّرُونَ مَحَارِيبَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَيَقْتَحِمُونَ أَبْوَابًا مُقْفَلَةً أَحْجَمَ عَنْهَا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هَيْبَةً وَوَرَعًا.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَجَرِّئُ الصَّغِير: إِنْ كَانَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَامَّةُ عُلَمَائِهَا، قَدِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُمْ عَلَى التَّرَحُّمِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالِاعْتِرَافِ بِإِمَامَتِهِمْ، فَمَنْ أَنْتَ لِتُعِيدَ مُحَاكَمَتَهُمْ بَعْدَ أَلْفِ عَامٍ وَتَجْنِيَ عَلَى مَقَامَاتِهِمْ؟! إِنَّ خَوْضَكَ فِي تَبْدِيعِ الْأَئِمَّةِ لَيْسَ شَجَاعَةً فِي الْحَقِّ كَمَا يُوَسْوِسُ لَكَ شَيْطَانُكَ، بَلْ هُوَ "جِنَايَةٌ" فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، وَوَقَاحَةٌ فِي مِيزَانِ الْعَقْل!

وَسَتَقِفُ غَدًا أَمَامَ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِتُسْأَلَ عَنْ جِنَايَتِكَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُكَ غُلُوُّكَ، وَلَا تَصْفِيقُ الْغَوْغَاءِ لَك.