البيانقِفْ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ طَوِيلًا؛ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ يُمَثِّلُ "حَجَرَ الزَّاوِيَةِ" الَّذِي يَنْسِفُ بُنْيَانَ الْغُلُوِّ مِنْ قَوَاعِدِهِ، وَيَكْشِفُ عَوَارَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ الْمُعَاصِرِ الَّذِي يَتَدَثَّرُ زَيْفًا بِعَبَاءَةِ السَّلَف.
إِنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ يَضَعُ الْقَوْمَ فِي زَاوِيَةٍ ضَيِّقَةٍ، لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهَا إِلَّا بِالِاعْتِرَافِ بِبِدْعَتِهِمْ، أَوِ الطَّعْنِ صَرَاحَةً فِي إِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.
تَأَمَّلْ -أَرْشَدَكَ اللَّهُ- فِي مَقَالَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيَ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَعْطِيلَ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِهِ، هُوَ كُفْرٌ صُرَاح.
وَهُوَ بِلَا رَيْبٍ أَشَدُّ ضَلَالًا، وَأَغْلَظُ كُفْرًا، وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَحُرَّاسُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَطْعَنُ فِيهِمْ غُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ؛ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَأَضْرَابِهِم.
فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْجِبَالُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- يُقِرُّونَ إِقْرَارًا جَازِمًا بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيُثْبِتُونَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَيُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةَ، وَإِنَّمَا زَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ فِي تَأْوِيلِ نَزْرٍ يَسِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ؛ مُتَأَثِّرِينَ بِبَعْضِ مُقَرَّرَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فِرَارًا مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ فِي ظَنِّهِمْ، وَطَلَبًا لِتَنْزِيهِ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا. فَخَطَؤُهُمْ مَحْصُورٌ، وَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَزَلَّتُهُمْ مَغْمُورَةٌ فِي بِحَارِ حَسَنَاتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ لِلْإِسْلَامِ، بَيْنَمَا بِدْعَةُ الْمُعْتَزِلَةِ أَغْلَظُ، وَمُصَادَمَتُهُمْ لِلنُّصُوصِ أَشَدُّ وَأَقْبَح.
وَمَعَ هَذِهِ الشَّنَاعَةِ الْبَالِغَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ، هَلْ كَفَّرَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَعْيَانَهُم؟
الْجَوَابُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ: لَا؛ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى تَكْفِيرُ أَعْيَانِ هَؤُلَاءِ الرُّؤُوسِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَضْلًا عَنْ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَام. لَقَدْ فَرَّقَ السَّلَفُ الصَّالِحُ تَفْرِيقًا حَاسِمًا بَيْنَ "الْحُكْمِ عَلَى الْمَقَالَةِ" بِأَنَّهَا كُفْرٌ، وَبَيْنَ "تَنْزِيلِ الْحُكْمِ عَلَى قَائِلِهَا الْمُعَيَّن".
فَهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، الَّذِي جُلِدَ فِي فِتْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ عَلَى يَدِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَقُضَاتِهِمْ، لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَهُمْ، بَلْ كَانَ يَدْعُو لِلْخُلَفَاءِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَيَقُولُ كَلِمَتَهُ الْعَظِيمَةَ وَهُوَ يُسَامِحُ الْمُعْتَصِمَ: «مَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ بِسَبَبِكَ؟».
وَهَذَا الزَّمَخْشَرِيُّ، رَأْسُ الْمُعْتَزِلَةِ وَصَاحِبُ الْكَشَّافِ، لَمَّا تَرْجَمَ لَهُ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، نَعَتَهُ بـ «الْعَلَّامَةُ، كَبِيرُ الْمُعْتَزِلَة»، وَحَذَّرَ تَحْذِيرًا شَدِيدًا مِنْ بِدْعَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ أَقَرَّ بِفَضْلِهِ فِي اللُّغَةِ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئ.
وَكَذَلِكَ الْجَاحِظُ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ؛ تُرَدُّ بِدَعُهُمْ، وَتُنْقَضُ حُجَجُهُمْ بِقَسْوَةٍ، وَلَكِنْ تُصَانُ أَعْرَاضُهُمْ وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، لِعُذْرِ "التَّأْوِيلِ" وَالْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ مَآلِ أَقْوَالِهِم.
بَلْ دُونَكَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقْطَعُ: فَهَذَا الْجَاحِظُ نَفْسُهُ قَدْ رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ النَّزْرَ الْيَسِيرَ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، ابْنُ صَاحِبِ السُّنَنِ! فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ: هَلْ يُرْوَى الْحَدِيثُ عَنْ كَافِرٍ مُرْتَدّ؟! وَالْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، فَكَيْفَ يُدْخِلُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي دِينِهِمْ رِوَايَةَ مُرْتَدّ؟! إِنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْهُ شَهَادَةٌ عَمَلِيَّةٌ قَاطِعَةٌ بِأَنَّهُمْ عَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْمُبْتَدِعِ، لَا الْكَافِرِ الْمَارِقِ مِنَ الْمِلَّة!
ثُمَّ اسْمَعْ مِيزَانَ الذَّهَبِيِّ النَّاقِدِ الْبَصِيرِ حِينَ تَرْجَمَ لَهُ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ فَقَالَ: «كَفَانَا الْجَاحِظُ الْمَؤُونَةَ، فَمَا رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ، وَلَا هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ، فَرُبَّمَا جَازَفَ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلَّامَةٌ، صَاحِبُ فُنُونٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ، عَفَا اللَّهُ عَنْه». فَانْظُرْ كَيْفَ وَزَنَهُ بِالْقِسْطِ: أَثْبَتَ تَلَطُّخَهُ بِالْبِدَعِ، وَنَفَى عَنْهُ التُّهْمَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَقَرَّ لَهُ بِالْعِلْمِ وَالذَّكَاءِ الْبَاهِرِ، ثُمَّ خَتَمَ تَرْجَمَتَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ: «عَفَا اللَّهُ عَنْه»! فَهَلْ يَدْعُو إِمَامُ النُّقَّادِ وَجِهْبِذُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ لِمُرْتَدٍّ خَارِجٍ مِنَ الْإِسْلَامِ؟! أَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَعْرِفُونَ مَا جَهِلَهُ الْغُلَاةُ: الْفَرْقَ بَيْنَ مَقَالَةِ الْكُفْرِ وَقَائِلِهَا الْمُتَأَوِّل؟
وَلِئَلَّا يَبْقَى لِلْمُكَابِرِ مُتَعَلَّق، فَدُونَكَ النَّصَّ الصَّرِيحَ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى: «وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِبَعْضِ التَّجَهُّمِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمُ الَّذِينَ يَتَدَيَّنُونَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَهَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا رَيْب. وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ كَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّة». فَهَذَا حُكْمُهُ الصَّرِيحُ فِي الْمُعْتَزِلَةِ أَنْفُسِهِمْ: مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِلَا رَيْبٍ؛ فَبِأَيِّ وَجْهٍ يُخْرِجُ غُلَاةُ الْيَوْمِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ بِمَرَاحِلَ، كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر؟!
وَهُنَا نُوَجِّهُ مِدْفَعَ الْحُجَّةِ إِلَى صُدُورِ الْغُلَاةِ (كَالْحَدَّادِيَّةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ مِنْ أَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ وَالْخُلَيْفِيِّ وَدِمَشْقِيَّةَ) وَنُلْزِمُهُمْ إِلْزَامًا يَكْسِرُ ظُهُورَهُمْ، فَنَقُولُ بِمِلْءِ الْفَمِ: إِذَا كَانَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ، قَدْ عَذَرُوا بِالتَّأْوِيلِ رُؤُوسَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ -الَّذِينَ نَفَوُا الصِّفَاتِ، وَقَالُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَامْتَحَنُوا الْأُمَّةَ بِالسِّيَاطِ- فَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَمْ يُهْدِرُوا إِسْلَامَهُمْ.. فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ تَكْفِيرَ، أَوْ تَبْدِيعَ، أَوْ إِسْقَاطَ أَئِمَّةٍ جِبَالٍ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالْبَيْهَقِيِّ؟! وَهُمُ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، وَشَرْحِ الْأَحَادِيثِ، وَقَمْعِ الْمُبْتَدِعَة!
أَيُعْذَرُ رُؤُوسُ الْمُعْتَزِلَةِ بِاجْتِهَادِهِمُ الْبَاطِلِ وَتَأْوِيلِهِمُ الْفَاسِدِ، وَيَكُونُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَحُرَّاسُ السُّنَّةِ مُهْدَرِينَ مُسْقَطِينَ عِنْدَكُم؟!
أَيُّ مِيزَانٍ جَائِرٍ، وَأَيُّ عَقْلٍ كَاسِدٍ هَذَا الَّذِي تُعَامِلُونَ بِهِ سَادَاتِ الْأُمَّة؟!
ثُمَّ قِفْ مُتَعَجِّبًا أَمَامَ هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ الْمُضْحِكَةِ الْمُبْكِيَةِ الَّتِي تَفْضَحُ حَقِيقَةَ الْقَوْمِ: هَلْ يُعْقَلُ فِي مِيزَانِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، أَنْ تُجَنَّدَ الطَّاقَاتُ، وَتُعْقَدَ الْمَجَالِسُ، وَتُخَصَّصَ السَّلَاسِلُ الْمَرْئِيَّةُ وَالْمُنَاظَرَاتُ، بَلْ وَتُطْلَبَ "الْمُبَاهَلَاتُ" لَيْلَ نَهَارٍ؛ سَعْيًا مَحْمُومًا لِإِسْقَاطِ جِبَالِ السُّنَّةِ وَحُرَّاسِ الشَّرِيعَةِ، وَالطَّعْنِ فِي دِينِهِمْ، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دَائِرَةِ أَهْلِ الْهُدَى؟! فِي حِينِ نَرَى أَئِمَّةَ السَّلَفِ الْأَوَائِلَ -وَهُمُ الْأَشَدُّ غَيْرَةً عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْأَعْلَمُ بِمَقَاصِدِهِ- قَدْ أَعْرَضُوا تَمَامًا عَنْ هَذَا الْمَسْلَكِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَعْيَانِ مَعَ مَنْ هُمْ أَشْنَعُ بِدْعَةً وَأَغْلَظُ كُفْرًا!
فَلَمْ نَرَهُمْ يَعْقِدُونَ مَحَاكِمَ التَّفْتِيشِ، وَلَمْ يُجَيِّشُوا الْأَتْبَاعَ لِتَكْفِيرِ أَعْيَانِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَلَا عَقَدُوا لِتَبْدِيعِهِمْ وَإِسْقَاطِهِمُ الْمِهْرَجَانَاتِ وَالْمُبَاهَلَاتِ! بَلِ اكْتَفَوْا بِهَدْمِ مَقَالَاتِهِمُ الْكُفْرِيَّةِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، مَعَ تَوَرُّعِهِمُ التَّامِّ عَنْ سَلْبِ إِسْلَامِهِمْ أَوْ إِهْدَارِ أَعْيَانِهِم.
وَمِمَّا يَزِيدُ الْعَجَبَ وَيَقْصِمُ ظَهْرَ مِصْدَاقِيَّتِهِمْ: أَنَّكَ لَوْ نَقَّبْتَ فِي أَرْشِيفِ هَؤُلَاءِ الْمُتَصَدِّرِينَ لِلْفِتْنَةِ الْيَوْمَ -أَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ، وَدِمَشْقِيَّةَ، وَأَضْرَابِهِمْ- لَوَجَدْتَ مُفَارَقَةً تُصِيبُ بِالذُّهُولِ! فَلَمْ يُعْثَرْ لَهُمْ عَلَى حَمَلَاتٍ تُذْكَرُ، وَلَا كَلَامٍ مُسْتَفِيضٍ، وَلَا مَجَالِسَ تُعْقَدُ لِتَكْفِيرِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَارِقِينَ أَوِ الْحُكْمِ بِرِدَّتِهِمُ الْبَتَّةَ! بَلْ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ مُرُورٌ بَاهِتٌ وَإِشَارَاتٌ عَابِرَةٌ، لَا تَتَنَاسَبُ أَبَدًا مَعَ شَنَاعَةِ الْكُفْرِيَّاتِ وَالطَّوَامِّ الَّتِي مَلَأَتْ بُطُونَ كُتُبِ الِاعْتِزَال.
كُلُّ هَذَا السُّكُوتِ الْمُرِيبِ وَالتَّغَافُلِ الْعَجِيبِ يَقَعُ رَغْمَ أَنَّ مُصَنَّفَاتِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالْجَاحِظِ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ، لَا تَزَالُ مَبْثُوثَةً مُنْتَشِرَةً وَمُتَدَاوَلَةً بَيْنَ أَهْلِ التَّخَصُّصِ فِي التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ! فَكَيْفَ بَرَدَتْ غَيْرَتُهُمُ الْمَزْعُومَةُ وَاسْتَكَانَتْ أَلْسِنَتُهُمْ أَمَامَ مَنْ صَرَّحَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَعَطَّلَ الْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا، ثُمَّ الْتَهَبَتْ حَنَاجِرُهُمْ، وَسُلَّتْ سُيُوفُهُمْ، وَاشْرَأَبَّتْ أَعْنَاقُهُمْ حِقْدًا وَغَيْظًا عَلَى أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الْعِظَامِ كَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ لِمُجَرَّدِ زَلَّةٍ وَتَأْوِيل؟!
إِنَّ هَذَا التَّبَايُنَ الْعَجِيبَ لَيَدُلُّكَ دَلَالَةً قَاطِعَةً لَا لَبْسَ فِيهَا؛ عَلَى أَنَّ مَا يُمَارِسُهُ غُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ لَيْسَ مِنَ "الْغَيْرَةِ عَلَى الْعَقِيدَةِ" فِي شَيْءٍ كَمَا يُدَلِّسُونَ عَلَى الْعَوَامِّ، بَلْ هُوَ جَهْلٌ مُطْبِقٌ بِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهَوَسٌ بِالتَّجْرِيحِ، وَانْتِفَاخٌ مَرَضِيٌّ، وَغِلْظَةٌ فِي الْقُلُوبِ، وَمَسْلَكٌ خَوَارِجِيٌّ خَفِيٌّ، يَسْعَى أَصْحَابُهُ لِتَسَلُّقِ أَكْتَافِ الْكِبَارِ، وَإِسْقَاطِ رُمُوزِ الْأُمَّةِ، وَإِطْفَاءِ مَصَابِيحِ الْهُدَى لِيَخْلُوَ لَهُمْ ظَلَامُ السَّاحَةِ؛ فَيُصْبِحَ الْيُوتْيُوبَرُ وَالْجَاهِلُ حَاكِمًا عَلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتُبْنَى الزَّعَامَةُ الزَّائِفَةُ عَلَى أَنْقَاضِهِم!
لَقَدْ أَخَذُوا شِقًّا مِنْ نُصُوصِ السَّلَفِ (وَهُوَ تَكْفِيرُ الْمَقَالَةِ) وَتَرَكُوا الشِّقَّ الْآخَرَ (وَهُوَ الْعُذْرُ لِلْمُعَيَّنِ بِالتَّأْوِيلِ وَالْجَهْلِ)، فَخَرَجُوا بِمَنْهَجٍ مَسْخٍ مُبْتَدَعٍ، لَا هُوَ إِلَى السَّلَفِ يَمُتُّ، وَلَا هُوَ بِضَوَابِطِ الْعِلْمِ يَلْتَزِم.
فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ، إِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ اتِّبَاعَ السَّلَفِ، فَهَذَا صَنِيعُ السَّلَفِ وَتَوَرُّعُهُمْ مَعَ مَنْ أَتَى بِمَا هُوَ أَشْنَعُ وَأَغْلَظُ مِنْ زَلَّاتِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر. فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا تَسْلِيطَ سَيْفِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى أَعْيَانِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ حَكَمْتَ -بِمَنْهَجِكَ هَذَا- عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ، بِالتَّمْيِيعِ وَالْإِرْجَاء!
فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ: إِمَّا أَنْ تَعُودَ إِلَى رَحَابَةِ فِقْهِ الْأَئِمَّةِ وَعَدْلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ تُعْلِنَ انْشِقَاقَكَ الصَّرِيحَ عَنْ مَسْلَكِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لِتَنْضَمَّ إِلَى رَكْبِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا وَسِعَ الْأُمَّةَ الْمَرْحُومَة.