عُرضت 37 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي - أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - عَلَى ضَلَالَة. وَفِي لَفْظٍ: إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة.

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ مُتَأَمِّلًا هَذَا الْحَدِيثَ الْعَظِيم؛ فَإِنَّهُ يَهْدِمُ مَذْهَبَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ أَسَاسِهِ لَا مِنْ أَعْلَاه، وَيَقْتَلِعُ جُذُورَ غُلُوِّهِمْ مِنْ أَرْضِ الشَّرِيعَةِ اقْتِلَاعًا!

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَة»، وَفِي لَفْظٍ: «إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَة».

إِنَّ قَوْلَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ فِي إِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ عَبْرَ الْقُرُونِ (كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمَا) وَتَبْدِيعِهِمْ لَهُمْ، يَلْزَمُ مِنْهُ طَامَّةٌ كُبْرَى! يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ بِعُلَمَائِهَا قَدِ اجْتَمَعَتْ قُرُونًا طَوِيلَةً عَلَى تَعْظِيمِ قَوْمٍ هُمْ فِي حَقِيقَتِهِمْ "مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّال"، وَعَلَى أَخْذِ دِينِهَا وَفِقْهِهَا وَحَدِيثِهَا عَنْهُمْ، بَلْ وَتَزْكِيَتِهِمْ وَجَعْلِهِمْ أَئِمَّةً لِلْإِسْلَام! فَإِنْ كَانَ طَعْنُ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ صَحِيحًا؛ فَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ إِذَنْ عَلَى ضَلَالَةٍ وَتَوْقِيرٍ لِأَهْلِ الْبِدَع! وَقَدْ أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَبَدًا، وَلَا يَقَعُ الْبَتَّة!

فَضَعُوا الْغَالِيَ أَمَامَ هَذَا الْإِلْزَامِ الصَّارِمِ، فَلَيْسَ أَمَامَهُ إِلَّا مَخْرَجَانِ أَحْلَاهُمَا مُرّ: إِمَّا أَنْ يَهْرُبَ وَيَقُولَ: "لَمْ تَجْتَمِعِ الْأُمَّةُ عَلَى إِمَامَتِهِمْ، بَلْ عَظَّمَهُمْ طَائِفَةٌ فَقَطْ".. فَنَقُولُ لَهُ: أَخْرِجْ لَنَا إِذَنِ الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى! أَرِنَا الطَّائِفَةَ الَّتِي بَدَّعَتِ النَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ وَأَسْقَطَتْهُمَا فِي الْقُرُونِ الَّتِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ سَمِّ لَنَا رِجَالَهَا إِنْ كُنْتَ صَادِقًا! وَلَنْ يَجِدَ. وَإِمَّا أَنْ يَتَجَرَّأَ وَيَقُولَ: "نَعَمِ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى إِمَامَتِهِمْ، وَلَكِنَّهَا اجْتَمَعَتْ وَأَخْطَأَتْ".. فَهَذَا تَكْذِيبٌ صَرِيحٌ وَرَدٌّ وَقِحٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ!

ثُمَّ اعْلَمُوا -يَا رَعَاكُمُ اللَّهُ- أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ الْعَمُودُ الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ "حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاع"، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَحْتَجُّونَ بِالْإِجْمَاعِ إِذَا وَافَقَ أَهْوَاءَهُمْ، فَإِذَا خَالَفَهُمْ صَارَ إِجْمَاعًا لَا قِيمَةَ لَه! وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ: «وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِإِجْمَاعِ الْعَوَامّ». فَالْمَقْصُودُ بِالْأُمَّةِ فِي الْحَدِيثِ: عُلَمَاؤُهَا الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الشَّرِيعَة. فَإِذَا اتَّفَقَ جِبَالُ الْعِلْمِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عَلَى إِمَامَةِ رَجُلٍ فِي الدِّينِ، فَمِنَ الْمُحَالِ شَرْعًا وَعَقْلًا أَنْ يَكُونَ مُبْتَدِعًا ضَالًّا يُفْسِدُ الدِّينَ، ثُمَّ تَعْمَى الْأُمَّةُ كُلُّهَا عَنْ ضَلَالِهِ، وَلَا يَنْتَبِهَ لَهُ أَحَد، حَتَّى يَكْتَشِفَهُ مُتَأَخِّرٌ نَكِرَةٌ بَعْدَ سَبْعَةِ قُرُون!

وَلَيْسَ تَقْرِيرُنَا هَذَا ادِّعَاءً لِعِصْمَةِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَطَأِ فِي آحَادِ الْمَسَائِل؛ فَالْخَطَأُ وَالزَّلَّةُ تَقَعُ مِنَ الْأَفْرَادِ بَلْ وَمِنَ الْجَمَاعَات. وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ وَالْمُسْتَحِيلُ أَنْ تَتَّفِقَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا -بِعُلَمَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا- عَلَى بَاطِلٍ أَوْ تَضِلَّ فِي تَزْكِيَةِ إِمَام، ثُمَّ يَبْقَى هَذَا الْبَاطِلُ مُخَيِّمًا عَلَيْهَا قُرُونًا حَتَّى يَكْتَشِفَهُ غَالِي الْيَوْم! فَتَجْوِيزُ هَذَا مَعْنَاهُ ضَيَاعُ شَيْءٍ مِنْ حِفْظِ الدِّينِ، وَاتِّهَامٌ لِلْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِالْعَمَى وَالضَّلَالِ، وَهُوَ مِنْ أَفْسَدِ الْأَقْوَالِ وَأَبْطَلِهَا!

فَيَا لَلَّه! أَيُّهُمَا نُصَدِّقُ: حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ الْمُبَرِّئَ لِأُمَّتِهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الضَّلَالَةِ، أَمْ مِيزَانَ الْحَدَّادِيَّةِ الَّذِي جَعَلَ الْأُمَّةَ كُلَّهَا فِي ضَلَالَةٍ وَعَمًى حَتَّى جَاؤُوا هُمْ لِيُنْقِذُوهَا؟!

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِه: «الْمُرَادُ بِوَلِيِّ اللَّه: الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه، الْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِه».

البيانلَقَدْ مَضَى مَعَنَا كَيْفَ رَفَعَ اللَّهُ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي بِقَوْلِه: «قَدْ فَعَلْتُ»، وَكَيْفَ زَكَّى نَبِيُّنَا ﷺ حَمَلَةَ الْعِلْمِ وَعَدَّلَهُمْ، وَكَيْفَ تَبَرَّأَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ لِعُلَمَائِنَا حَقَّهُمْ قَائِلًا: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي». وَالْآن، بَعْدَ أَنِ اتَّضَحَتْ تِلْكَ الْأُصُول، قِفُوا وَتَأَمَّلُوا ذِرْوَةَ السَّنَام.. هَذَا الْوَعِيدُ الْإِلَهِيُّ الْمُزَلْزِل، الَّذِي تَرْتَجِفُ مِنْهُ الْجِبَالُ الرَّوَاسِي:

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب». وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِه: «الْمُرَادُ بِوَلِيِّ اللَّه: الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه، الْمُخْلِصُ فِي عِبَادَتِه».

فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا وَعِيدٌ عَلَى ذَنْبٍ بِمِثْلِ هَذَا اللَّفْظِ الْمُخِيف: أَنْ يُعْلِنَ اللَّهُ جَبَّارُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْحَرْبَ بِنَفْسِه! لَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ الْعُصَاةَ بِالْحُدُودِ وَبِالنَّارِ، أَمَّا هُنَا فَقَال: «فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْب». بِرَبِّكُم.. هَلْ رَأَيْتُمْ أَوْ سَمِعْتُمْ بِأَحَدٍ حَارَبَ اللَّهَ فَغَلَب؟ إِنَّ أَكَلَةَ الرِّبَا لَمَّا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِهَا فَرُّوا وَارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُهُم.. فَمَا بَالُ الْمُتَوَعَّدِ بِحَرْبِ اللَّهِ فِي أَوْلِيَائِهِ لَا يَفِرُّ مِنَ الْوَقِيعَةِ فِيهِمْ وَالنَّهْشِ فِي أَعْرَاضِهِم؟

ثُمَّ اسْمَعُوا جَيِّدًا مَنْ يُدْخِلُهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي اسْمِ الْوَلِيّ: «الْعَالِمُ بِاللَّه، الْمُوَاظِبُ عَلَى طَاعَتِه...». فَجَعَلَ الْعُلَمَاءَ الْعَامِلِينَ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الْبَاب. وَهُنَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَجِبُ أَنْ تَقِفُوا عِنْدَه: نَحْنُ لَا نُوَزِّعُ صُكُوكَ الْوِلَايَةِ بِالتَّشَهِّي، وَلَا نُثْبِتُهَا لِكُلِّ مُدَّعٍ، بَلْ نُثْبِتُهَا لِمَنْ أَثْبَتَتْهَا لَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ. فَهَذَا الْإِمَامُ الَّذِي يَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ الْغَالِي لَمْ يُزَكِّ نَفْسَه، بَلْ زَكَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ الثِّقَات، وَتَلَقَّتِ الْأُمَّةُ عِلْمَهُ بِالْقَبُولِ جِيلًا بَعْدَ جِيل. وَشَهَادَةُ الْأُمَّةِ الْعَدْلِ هِيَ مِيزَانُ السَّمَاءِ فِي الْأَرْض. فَمَنْ أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْهُدَى عَلَى صَلَاحِهِ وَعِلْمِه، كَيْفَ يَجْرُؤُ نَكِرَةٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَلَى نَقْضِ تَزْكِيَةِ الْأُمَّةِ لَه؟

ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى الْمُفَارَقَةِ الْعَجِيبَة: الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، الَّذِي شَرَحَ لِلْأُمَّةِ حَدِيثَ حُرْمَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَبَيَّنَ مَعَالِمَه، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُبَدِّعُهُ هَذَا "الْحَدَّادِيُّ" الْغَالِي وَيُسْقِطُهُ! شَرَحَ لَهُمْ سِيَاجَ الْحِمَى لِيَحْتَمُوا بِه، فَكَافَأَهُ الْجَاهِلُ بِأَنْ جَعَلَهُ أَوَّلَ مَنْ يُطْعَنُ فِيه! وَمِثْلُ هَذَا كَمَثَلِ أَحْمَقَ كَسَرَ الْمِصْبَاحَ الَّذِي يَسْتَضِيءُ بِه، ثُمَّ جَلَسَ يَشْكُو مِنَ الظَّلَام!

فَإِنِ انْتَفَخَ هَذَا الْغَالِي وَقَالَ يُبَرِّرُ جَرِيمَتَه: "نَحْنُ إِنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِيمَنْ لَيْسُوا أَوْلِيَاءَ لِلَّهِ أَصْلًا!" فَقُولُوا لَه: أَتُكَذِّبُ شَهَادَةَ الْأُمَّةِ وَثِقَاتِ عُلَمَائِهَا؟ فَالْإِمَامُ الَّذِي تَتَكَلَّمُ فِيهِ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَنُصْرَةِ سُنَّةِ نَبِيِّه، وَتَطَابَقَتْ شَهَادَاتُ أَئِمَّةِ زَمَانِهِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى فَضْلِهِ وَإِمَامَتِه. ثُمَّ جِئْتَ أَنْتَ لِتُخْرِجَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ بِزَلَّةٍ تَأَوَّلَ فِيهَا، مُتَنَاسِيًا أَنَّ الْخَالِقَ الْعَظِيمَ قَدْ رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ الْمُتَأَوِّلِ الْمُخْطِئ، وَمُتَجَاهِلًا أَنَّ الْعَالِمَ الْمُخْطِئَ مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُور! فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُمَا، مِمَّنْ زَكَّاهُمْ ثِقَاتُ الْعُلَمَاءِ، مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الْمُتَّقِين، فَمَنْ هُوَ وَلِيُّ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِذَنْ؟

وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَدَاوَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَتْ رَدَّ مَسْأَلَةٍ عِلْمِيَّةٍ بِدَلِيلِهَا؛ فَقَدْ تَعَقَّبَ الْعُلَمَاءُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمَا صَارُوا أَعْدَاءً قَطّ، وَلَمْ يُسْقِطُوا مِنْ حُقُوقِ بَعْضِهِمْ شَيْئًا. إِنَّمَا الْعَدَاوَةُ الْحَقِيقِيَّة: بُغْضُ الْعَالِم، وَتَتَبُّعُ عَثَرَاتِهِ بِالْمِنْقَاش، وَالْفَرَحُ بِسَقْطَتِه، وَالشَّمَاتَةُ بِزَلَّتِه، وَتَحْرِيضُ الْعَوَامِّ عَلَيْه! فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صَنْعَتَه، فَقَدْ دَخَلَ فِي حَرْبٍ مَعَ قَاهِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض؛ وَالْمُحَارِبُ لِلَّهِ مَهْزُومٌ مَقْهُورٌ وَلَوْ طَالَ بِهِ الزَّمَن.

فَيَا عَبْدَ اللَّه، إِنْ عَجَزْتَ عَنْ نُصْرَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّه، فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ تُمْسِكَ سِهَامَكَ عَنْهُم! أَتُحَارِبُهُ سُبْحَانَهُ فِي أَحْبَابِهِ الَّذِينَ زَكَّتْهُمُ الْأُمَّة، ثُمَّ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي صَلَاتِكَ تَسْأَلُهُ النَّصْرَ وَالتَّوْفِيق؟ مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَلْيَدْخُلْ مِنْ بَابِهَا الْأَوْسَع؛ مَحَبَّةِ أَهْلِ اللَّهِ وَوَرَثَةِ أَنْبِيَائِه.

فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ، فَالْكَفُّ عَنْهُم. وَأَمَّا حَرْبُهُم.. فَوَاللَّهِ مَا اخْتَارَهَا أَحَدٌ قَطُّ ثُمَّ أَفْلَح!

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْه. وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِه. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك.

البيانتَدَرَّجْنَا مَعًا وَرَأَيْنَا كَيْفَ عُذِرَ الْمُخْطِئُ، وَكَيْفَ زَكَّتِ الْأُمَّةُ عُلَمَاءَهَا، وَكَيْفَ أُعْلِنَتِ الْحَرْبُ مِنْ قَاهِرِ السَّمَاوَاتِ عَلَى مَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَه. وَالْآن.. قِفُوا لِتَرَوْا هَذَا السِّلَاحَ الْفَاسِدَ الَّذِي يَشْهَرُهُ هَذَا الْغَالِي، وَكَيْفَ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَبْلَ مَشْنَقَةٍ يَلْتَفُّ عَلَى عُنُقِ صَاحِبِه.

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْه. وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِه». وَقَالَ ﷺ: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك».

هَذِهِ الْكَلِمَة. إِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ فَمِ صَاحِبِهَا فَلَا تَسْقُطُ عَلَى الْأَرْضِ أَبَدًا، وَلَا تَضِيعُ فِي الْهَوَاء.. بَلْ مَتَى أَخْطَأَتْ هَدَفَهَا، اسْتَدَارَتْ لِتُهْلِكَ مُطْلِقَهَا! لَمْ يَكْتَفِ النَّبِيُّ ﷺ بِتَحْرِيمِهَا وَتَأْجِيلِ حِسَابِ صَاحِبِهَا إِلَى الْآخِرَةِ كَبَقِيَّةِ الْكَبَائِرِ، بَلْ عَجَّلَ جَزَاءَهَا فِي الدُّنْيَا. فَمَنْ أَطْلَقَ التَّكْفِيرَ أَوِ التَّفْسِيقَ فَقَدْ رَمَى بِسَهْمٍ لَا يَرْجِعُ فَارِغًا أَبَدًا؛ إِمَّا أَنْ يُصِيبَ، وَإِمَّا أَنْ يَرْتَدَّ فِي نَحْرِ صَاحِبِه!

وَتَأَمَّلُوا صِيغَةَ الْعُمُومِ: «أَيُّمَا امْرِئٍ»، ثُمَّ صِيغَةَ الْحَصْرِ الْقَاطِعَةِ: «فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا». إِنَّهَا تَعْنِي أَنَّ الْكَلِمَةَ وَاقِعَةٌ عَلَى أَحَدِ الِاثْنَيْنِ حَتْمًا وَيَقِينًا. لَيْسَ هُنَاكَ احْتِمَالٌ ثَالِث! لَيْسَ هُنَاكَ مِنْطَقَةُ فَرَاغٍ يَنْجُو فِيهَا الرَّامِي إِذَا تَسَرَّعَ وَأَخْطَأ! فَمَنْ أَطْلَقَهَا بِجَهْلٍ أَوْ هَوًى عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَزَكَّاهُ ثِقَاتُ الْأُمَّة.. فَلْيَتَصَوَّرْ بِرَبِّهِ أَيْنَ سَيَسْتَقِرُّ السَّهْمُ حِينَ يُخْطِئُ مَرْمَاه!

ثُمَّ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الرَّمْيَ بِالْكُفْرِ شَبِيهًا بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ: «فَهُوَ كَقَتْلِه»! فَاسْتِبَاحَةُ إِيمَانِ الْمُسْلِمِ كَاسْتِبَاحَةِ دَمِهِ تَمَامًا. وَمِنْ هُنَا، أَيْقَنَ أَهْلُ الْعِلْمِ الرَّاسِخُونَ أَنَّ التَّكْفِيرَ وَالتَّبْدِيعَ بَابُ دِمَاءٍ وَأَرْوَاحٍ، لَا بَابُ مُنَاظَرَاتٍ وَثَرْثَرَةِ مَجَالِس! وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ الْقَوَاطِعِ مَا يَحْتَاجُهُ الْقَاضِي قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِالْحُكْمِ بِالْقَتْل.

ثُمَّ زَادَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ فَأَدْخَلَ التَّفْسِيقَ فِي الْحُكْمِ ذَاتِهِ: «لَا يَرْمِيهِ بِالْفُسُوقِ وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ.. إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْه». وَهُنَا.. يُغْلَقُ الْبَابُ الْمُحْكَمُ عَلَى الْغَالِي الَّذِي يَهْرُبُ إِذَا حُوصِرَ لِيَقُولَ: "أَنَا لَمْ أُكَفِّرْه! أَنَا بَدَّعْتُهُ فَقَطْ وَفَسَّقْتُه!" فَنَقُولُ لَهُ: لَقَدْ أَدْرَكَكَ الْوَعِيدُ النَّبَوِيُّ وَسَدَّ عَلَيْكَ مَنَافِذَ الْهَرَب؛ فَالْوَعِيدُ يَلْحَقُ الرَّمْيَ بِالْفِسْقِ وَالْبِدْعَةِ تَمَامًا كَمَا يَلْحَقُ الرَّمْيَ بِالْكُفْرِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِك. وَقَدْ عَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّ الْعَالِمَ الْمُتَأَوِّلَ الْمُخْطِئَ لَيْسَ بِفَاسِقٍ وَلَا مُبْتَدِعٍ بَلْ هُوَ مَعْذُورٌ وَمَأْجُور.

فَاعْرِضُوا هَذَا الْحَدِيثَ الْعَظِيمَ عَلَى مَنْ يُطْلِقُ التَّبْدِيعَ وَالتَّكْفِيرَ وَالتَّضْلِيلَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً فِي الْمَجَالِسِ وَالْمَقَاطِعِ، وَقُولُوا لَهُ: يَا مِسْكِين! افْتَرِضْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، أَنَّكَ أَخْطَأْتَ فِي رَمْيَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ مِنْ آلَافِ رَمَيَاتِك! أَيْنَ تَرْجِعُ الْكَلِمَة؟ وَأَيْنَ يَسْتَقِرُّ السَّهْم؟ إِنَّهُ مُسْتَقِرٌّ فِي صَدْرِكَ وَدِينِك!

فَإِنِ اسْتَعْظَمَ أَنْ يُقَالَ لَهُ هَذَا فِي نَفْسِهِ، فَكَيْفَ اسْتَسْهَلَ أَنْ يَقُولَهُ فِي أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَوْلِيَاءِ اللَّه؟

كَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَاب. فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِد، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْم: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه».

البيانيَا طَالِبَ الْحَقّ، قِفْ عِنْدَ هَذَا الْمَشْهَدِ وَقْفَةَ الْمُتَأَمِّل، فَإِنَّ فِيهِ هَدْمَ الْآلَةِ الَّتِي يُسْقَطُ بِهَا الْيَوْمَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَام، هَدْمًا بِلَفْظِ النُّبُوَّةِ لَا بِقَاعِدَةٍ اسْتَنْبَطَهَا مُتَأَخِّر.

انْظُرْ إِلَى الرَّجُل: مُجَاهِرٌ بِشُرْبِ الْخَمْر، مُقَامٌ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّة، حَتَّى ضَجَّ مِنْهُ الْحَاضِرُونَ فَقَالُوا: مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! ثُمَّ انْظُرْ إِلَى اللَّافِظِ بِاللَّعْن: لَمْ يَخْتَرِعْهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِهَوًى، بَلْ مَعَهُ نَصٌّ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «لُعِنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةٌ»، وَهَذَا الرَّجُلُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِهِ بِظَاهِرِ حَالِه. فَالْوَصْفُ ثَابِت، وَالْعُمُومُ صَحِيح، وَالْمَنَاطُ مُتَحَقِّقٌ فِي الْعَيْنِ تَحَقُّقًا يَرَاهُ كُلُّ نَاظِر.

وَمَعَ ذَلِكَ مَاذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؟ «لَا تَلْعَنُوه». وَلَمْ يَقُلْ: لَيْسَ بِشَارِب. وَلَمْ يَقُلْ: الْحَدِيثُ فِي اللَّعْنِ لَا يَصِحّ. وَلَمْ يُنْكِرِ الْعُمُومَ وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِه. وَإِنَّمَا مَنَعَ تَنْزِيلَ الْحُكْمِ الْعَامِّ عَلَى هَذَا الْمُعَيَّن، وَعَلَّلَ بِمَا هُوَ أَعْجَب: «فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه». فَجَعَلَ مَا فِي قَلْبِ الرَّجُلِ مِنْ مَحَبَّةٍ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَانِعًا يَحُولُ بَيْنَ الْعُمُومِ الثَّابِتِ وَبَيْنَ هَذَا الشَّخْصِ بِعَيْنِه.

فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ حُكْمِ الْمَقَالَةِ وَحُكْمِ الْقَائِل، مُقَرَّرًا لَا بِلِسَانِ مُمَيِّعٍ وَلَا بِقَلَمِ مُتَأَخِّرٍ مُتَسَاهِل، بَلْ بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ حَاضَرَهُ الصَّحَابَة. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَلْيَقِفْ هُنَا، فَمَا بَعْدَ هَذَا بَيَان.

ثُمَّ أَقْبِلْ عَلَى الْمِيزَانِ الَّذِي يَزِنُونَ بِهِ النَّاسَ الْيَوْم، وَقَابِلْهُ بِهَذَا: الْحَدَّادِيُّ كُلُّ آلَتِهِ أَنْ يَجِدَ لَفْظًا عَامًّا فِي ذَمِّ مَقَالَةٍ، ثُمَّ يُنَزِّلَهُ عَلَى مُعَيَّن. يَجِدُ فِي كَلَامِ السَّلَفِ ذَمَّ الْجَهْمِيَّة، فَيُنَزِّلُهُ عَلَى إِمَامٍ تَأَوَّلَ صِفَةً وَاحِدَة. وَيَجِدُ ذَمَّ الْمُبْتَدِعَة، فَيُنَزِّلُهُ عَلَى مَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ السُّنَّة. وَيَقُولُ لَكَ: الْعُمُومُ ثَابِت، فَالْحُكْمُ لَازِم! وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ الَّذِي مَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. فَأَيُّ عُمُومٍ تَحْتَجُّ بِهِ أَثْبَتُ مِنْ عُمُومٍ نَطَقَ بِهِ الْمَعْصُوم؟ وَأَيُّ مَنَاطٍ أَظْهَرُ مِنْ مُجَاهِرٍ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ مِرَارًا؟

فَيَا هَذَا، إِنْ كَانَ الْمُجَاهِرُ بِالْكَبِيرَة، الْمُتَكَرِّرُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لَا يُلْعَنُ لِأَجْلِ مَحَبَّةٍ فِي قَلْبِهِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا؛ فَبِأَيِّ مِيزَانٍ يُلْعَنُ وَيُبَدَّعُ وَيُكَفَّرُ إِمَامٌ قَضَى عُمُرَهُ فِي نَشْرِ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْرَأَ النَّاسَ الْقُرْآن، وَحَرَّرَ السُّنَّةَ وَشَرَحَهَا، وَمَلَأَ الْأَرْضَ عِلْمًا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَى الْيَوْم؟ إِنْ كَانَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَانِعَةً هُنَاك، فَهِيَ فِي هَؤُلَاءِ أَظْهَرُ وَأَثْبَتُ وَأَكْثَرُ شَوَاهِد.

ثُمَّ تَأَمَّلْ مَوْضِعًا آخَرَ يَفُوتُ الْغَافِل: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَلَمْ يَلْعَنْه. فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْن: إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ بِلَا تَهَاوُن، وَحِفْظُ الرَّجُلِ مِنَ الْإِسْقَاط. وَهَذَا هُوَ الْمِيزَانُ الَّذِي ضَاعَ عِنْدَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مَنْزِلَةً: إِمَّا أَنْ تُقِرَّ الْخَطَأ، وَإِمَّا أَنْ تُسْقِطَ صَاحِبَهُ بِالْكُلِّيَّة. وَالسُّنَّةُ أَنْ تُقِيمَ الْحَدَّ وَتَمْنَعَ اللَّعْنَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِد.

فَيَا مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ عَلَى أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ يُوَزِّعُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامَ التَّبْدِيعِ وَالتَّكْفِير: قَدْ سَبَقَكَ إِلَى مَقَامِكَ رَجُلٌ فِي مَجْلِسِ النُّبُوَّة، فَقَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً بِمُقْتَضَى نَصٍّ ثَابِت، فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي الْحَال. فَإِنْ كَانَ ذَاكَ رُدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ يَلْعَنُ مُجَاهِرًا بِشَهَادَةِ الْحَدّ، فَمَاذَا أَنْتَ قَائِلٌ يَوْمَ تُسْأَلُ عَمَّنْ لَعَنْتَ وَبَدَّعْتَ وَكَفَّرْتَ مِنْ أَئِمَّةٍ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِمْ حَدٌّ، وَلَمْ يُجَاهِرُوا بِكَبِيرَة، وَإِنَّمَا أَخْطَؤُوا وَهُمْ يَطْلُبُونَ الْحَقّ؟

اللَّهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ مِيزَانٍ يُسْقِطُ أَوْلِيَاءَك، وَنَشْهَدُ أَنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ نَبِيُّك، وَأَنَّ كُلَّ مِيزَانٍ خَالَفَهُ فَهُوَ مِيزَانٌ مَكْسُور.

قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَآخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ. فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، وَلَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّة. فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَه. فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي. وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لَا يَا رَبّ. قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّار». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَه.

البيانيَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا حَدِيثٌ إِنْ قَرَأْتَهُ عَلَى وَجْهِهِ ارْتَجَفَ قَلْبُك، فَإِنَّهُ يَحْكِي عَنْ عَابِدٍ مُجْتَهِدٍ لَا فَاسِقٍ وَلَا زِنْدِيق، وَعَنْ نَاصِحٍ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَر، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِمَا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُود.

انْظُرْ إِلَى حَالِ الرَّجُلِ قَبْلَ الْكَلِمَة: يَرَى الْمُنْكَرَ فَلَا يَسْكُتُ، وَيُكَرِّرُ النَّصِيحَةَ وَلَا يَمَلّ، وَيَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ وَلَا يَفْتُر. وَلَوْ وُزِنَ بِمِيزَانِ الظَّاهِرِ لَكَانَ أَرْفَعَ الرَّجُلَيْنِ وَأَقْرَبَهُمَا إِلَى اللَّه. فَأَيُّ شَيْءٍ أَسْقَطَه؟ لَمْ تُسْقِطْهُ مَعْصِيَةٌ ارْتَكَبَهَا، وَلَا شَهْوَةٌ غَلَبَتْهُ، وَإِنَّمَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَجَاوَزَ بِهَا حَدَّه: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَك».

وَمَوْضِعُ الدَّاءِ لَيْسَ فِي إِنْكَارِهِ الْمُنْكَرَ، فَذَاكَ حَقّ. وَإِنَّمَا فِي أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ مَوْضِعِ النَّاصِحِ إِلَى مَوْضِعِ الْحَاكِمِ عَلَى مَآلِ عَبْدٍ عِنْدَ رَبِّه. فَحَكَمَ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَطَعَ بِمَا لَمْ يُطْلِعْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَحَجَرَ رَحْمَةً هُوَ نَفْسُهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا.

ثُمَّ اسْمَعِ الْجَوَابَ الْإِلَهِيَّ فَإِنَّهُ أَدَقُّ مَا فِي الْحَدِيث: «أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟» لَمْ يَقُلْ لَه: أَكُنْتَ مُخْطِئًا فِي وَصْفِ ذَنْبِه؟ وَلَا: أَكَانَ الذَّنْبُ هَيِّنًا؟ بَلْ نَاقَشَهُ فِي الْجُرْأَةِ عَلَى مَقَامِ الرَّحْمَةِ نَفْسِه. فَالْجِنَايَةُ لَيْسَتْ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْفِعْلِ، بَلْ فِي مُصَادَرَةِ مَا هُوَ لِلَّهِ وَحْدَه.

فَأَقْبِلِ الْآنَ عَلَى مَا جَرَى فِي زَمَانِنَا. هَذَا رَجُلٌ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ فِي الْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ: «إِنْ رَحِمَهُ اللَّهُ فَسَيَرْحَمُ النَّصَارَى»، وَقَالَ: «إِنْ غَفَرَ اللَّهُ لِلسُّيُوطِيِّ فَمَنْ ذَا الَّذِي لَا يُغْفَرُ لَه؟». فَوَازِنْ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ: كَلِمَةُ الْعَابِدِ قِيلَتْ فِي مُصِرٍّ عَلَى ذَنْبٍ يَرَاهُ بِعَيْنِهِ، وَكَلِمَةُ هَذَا قِيلَتْ فِي إِمَامٍ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، مَضَتْ عَلَى وَفَاتِهِ قُرُونٌ وَالْأُمَّةُ تَدْرُسُ كُتُبَهُ وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْه.

فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَوْبَقَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ وَهُوَ فِي مَقَامِ النَّصِيحَةِ لِأَخِيهِ الْحَاضِرِ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ جَلَسَ بَعْدَ خَمْسَةِ قُرُونٍ يَقْطَعُ عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَه؟ وَاللَّهِ إِنَّ الْقَلْبَ لَيَخْشَعُ، وَإِنَّ الْعَيْنَ لَتَدْمَعُ، وَإِنَّ اللِّسَانَ لَيَعْجِز.

وَتَأَمَّلْ فِقْهَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذْ لَخَّصَ الْقِصَّةَ كُلَّهَا فِي جُمْلَةٍ: «تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَه». كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ! لَا كِتَابٌ أَلَّفَهُ، وَلَا مَذْهَبٌ نَصَرَهُ، وَلَا عُمُرٌ أَفْنَاه. فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يُطْلِقُونَ فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَا لَا يُحْصَى، ثُمَّ يَبِيتُونَ قَرِيرِي الْعَيْن؟

وَهَاهُنَا فَائِدَةٌ لَا تَفُوتَنَّك: الشَّرْعُ يَأْمُرُكَ أَنْ تُنْكِرَ الْمُنْكَرَ وَتَنْصَحَ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُكَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى النِّيَّاتِ وَالتَّأَلِّي عَلَى اللَّه. فَالنَّصِيحَةُ إِلَيْكَ، وَالْخَاتِمَةُ إِلَى اللَّه. وَمَنْ خَلَطَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَدْ وَقَعَ فِي مَقَامِ الْعَابِدِ الْهَالِك: أَنْكَرَ فَأَحْسَنَ، ثُمَّ قَطَعَ فَخَسِر.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ فِي عِبَادِه: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ مَفَاتِيحَ رَحْمَتِهِ بِيَدِكَ، وَلَا اسْتَشَارَكَ فِي قِسْمَةِ مَغْفِرَتِه. فَاحْفَظْ لِسَانَكَ عَنْ مَقَامٍ لَمْ تُجْعَلْ لَه، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ تَخْرُجُ مِنْ فِيكَ هَيِّنَةً، وَقَدْ تَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُوبِقَات.

عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».

البيانانْظُرْ إِلَى أَعْجَبِ مَا فِي هَذَا الْحَدِيث: أَنَّ الْمُخْطِئَ مَأْجُور. لَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: فَلَا شَيْءَ عَلَيْه، وَلَمْ يَقُلْ: يُعْفَى عَنْه، وَلَمْ يَقُلْ: يُرْجَى لَه. بَلْ أَثْبَتَ لَهُ أَجْرًا مُقَرَّرًا عَلَى خَطَئِهِ، لِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقّ. وَهَذَا بَابٌ لَوْ فَقِهَهُ الْغُلَاةُ لَسَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ.

وَتَأَمَّلِ الشَّرْطَ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْأَجْر: «فَاجْتَهَدَ». فَلَيْسَ الْأَجْرُ لِكُلِّ مُخْطِئٍ كَائِنًا مَنْ كَان، وَإِنَّمَا لِمَنْ كَانَ أَهْلًا لِلنَّظَرِ فَنَظَرَ وَبَذَل. فَأَمَّا مَنْ تَكَلَّمَ بِلَا آلَةٍ وَلَا نَظَر، فَلَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحَدِيثِ أَصْلًا، لَا فِي الْأَجْرَيْنِ وَلَا فِي الْأَجْرِ الْوَاحِد.

وَلَاحِظْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَجْعَلِ الْخَطَأَ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْحَاكِمِ عَنِ الْحُكْم. فَهُوَ حَاكِمٌ قَبْلَ الْخَطَأِ وَحَاكِمٌ بَعْدَه، وَإِنَّمَا نَقَصَ أَجْرُهُ وَلَمْ تَسْقُطْ مَنْزِلَتُه. فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ الزَّلَّةَ تُخْرِجُ مِنَ الْإِمَامَة؟ هَذَا حُكْمٌ زَادُوهُ عَلَى الشَّرْع.

وَاعْرِضْ هَذَا عَلَى مَا يَصْنَعُهُ الْقَوْم. إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي خِدْمَةِ السُّنَّةِ، وَحَفِظَ اللَّهُ بِهِ دِينَه، ثُمَّ أَخْطَأَ فِي مَسْأَلَة. فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُثْبِتُ لَهُ أَجْرًا، وَهُمْ يُثْبِتُونَ لَهُ التَّبْدِيعَ وَالْإِسْقَاطَ وَالتَّحْذِيرَ مِنْ كُتُبِه. فَأَيُّ الْحُكْمَيْنِ نَتَّبِع؟ حُكْمُ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَمْ حُكْمُ صَاحِبِ الْقَنَاة؟

ثُمَّ اسْأَلْهُ سُؤَالًا لَا مَخْرَجَ مِنْه: هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي أَسْقَطْتَهُ، أَكَانَ مُجْتَهِدًا طَالِبًا لِلْحَقِّ فَأَخْطَأ، أَمْ كَانَ مُعَانِدًا يَعْلَمُ الْحَقَّ فَرَدَّه؟ فَإِنْ قَال: لَا أَدْرِي، قِيل: فَقَدْ حَكَمْتَ بِغَيْرِ عِلْم، وَاللَّهُ يَنْهَاك: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. وَإِنْ قَال: كَانَ طَالِبًا لِلْحَقّ، فَقَدْ شَهِدَ لَهُ بِالْأَجْرِ بِلِسَانِهِ وَهُوَ يَسْلُبُهُ الْإِمَامَةَ بِيَدِه!

وَإِنْ رَاغَ فَقَال: الْحَدِيثُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ لَا فِي الْعَقَائِدِ، فَقُلْ لَه: أَيْنَ الْقَيْدُ فِي الْحَدِيث؟ هَاتِ لَفْظًا وَاحِدًا يَخُصُّهُ بِالْفِقْه. ثُمَّ انْظُرْ: الْحَاكِمُ يَحْكُمُ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ، وَهِيَ أَعْظَمُ مَا يُتْلَف، فَجَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ مَعَ الْخَطَأ. أَفَيَكُونُ الْخَطَأُ فِي الدَّمِ مَغْفُورًا مَأْجُورًا، وَالْخَطَأُ فِي تَأْوِيلِ صِفَةٍ مُخْرِجًا مِنَ الْمِلَّة؟ هَذَا مِيزَانٌ لَا يَسْتَقِيم.

مِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الْقَسْوَة؟ جَاءَتْ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَذُقْ تَعَبَ الطَّلَبِ، فَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَنْ تَعِب. وَمَنْ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيِ الْعُلَمَاءِ وَعَرَفَ كَمْ يُنْفِقُ الْعَالِمُ مِنْ عُمُرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، هَابَ أَنْ يَهْدِمَ عُمُرًا بِكَلِمَة. فَأَمَّا مَنْ أَخَذَ عِلْمَهُ مِنْ شَاشَةٍ، فَالْهَدْمُ عِنْدَهُ سَهْل، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ شَيْئًا قَطُّ لِيَعْرِفَ مَا الْبِنَاء.

يَا مَنْ تَتَبَّعَ زَلَّاتِ الْعُلَمَاءِ، تَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ الْعَادِلَة: أَجْرٌ لِلْمُخْطِئِ، وَأَجْرَانِ لِلْمُصِيب. فَأَيْنَ مَوْضِعُكَ أَنْتَ مِنْهَا؟ إِنَّ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ السَّقَطَاتِ لِيَهْدِمَ بِهَا لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا وَلَا فِي ذَاك؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ لِيُصِيبَ فَيُؤْجَرَ أَجْرَيْنِ، وَلَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَيُؤْجَرَ أَجْرًا. وَإِنَّمَا جَلَسَ عَلَى الطَّرِيقِ يَعُدُّ عَثَرَاتِ السَّائِرِين.

ثُمَّ تَصَوَّرِ الْمَوْقِف. عَالِمٌ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ أُجُورًا عَلَى أَخْطَاءٍ اجْتَهَدَ فِيهَا، وَأَنْتَ تَأْتِي تَحْمِلُ أَوْزَارًا فِي عِرْضِه. هُوَ مَأْجُورٌ عَلَى مَا أَنْكَرْتَهُ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ مَأْخُوذٌ بِمَا أَنْكَرْت! فَأَيُّ صَفْقَةٍ أَخْسَرُ مِنْ هَذِه؟

وَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوح. فَاجْعَلْ حَظَّكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ تَجْتَهِدَ لِتُصِيبَ، لَا أَنْ تُفَتِّشَ لِتُسْقِط. وَرُدَّ الْخَطَأَ بِعِلْمٍ وَأَدَبٍ، وَأَبْقِ لِصَاحِبِهِ فَضْلَهُ وَأَجْرَه.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الْمُصِيبِينَ فَنُؤْجَرَ أَجْرَيْنِ، وَأَنْ يَجْعَلَ خَطَأَنَا خَطَأَ الْمُجْتَهِدِ الطَّالِبِ لِلْحَقِّ فَنُؤْجَرَ أَجْرًا، وَلَا يَجْعَلَنَا مِمَّنْ حُرِمَ الْأَجْرَيْنِ جَمِيعًا.

عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَال: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ حِينَ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ النَّهْرَوَان، فَقِيلَ لَه: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَال: «مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا». فَقِيل: أَمُنَافِقُونَ؟ قَال: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا». قِيل: فَمَا هُمْ؟ قَال: «قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ».

البياناسْتَحْضِرُوا أَوَّلًا السِّجِلَّ الْأَسْوَدَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ سُئِلَ عَنْهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه. هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ كَفَّرُوا عُثْمَان، وَكَفَّرُوا عَلِيًّا، وَكَفَّرُوا جُمْهُورَ الصَّحَابَة! وَمَزَّقُوا الْأُمَّةَ بِاسْمِ الدِّين، وَاسْتَحَلُّوا الدِّمَاءَ الْمَعْصُومَة، حَتَّى قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ وَهُوَ أَعْزَل، وَبَقَرُوا بَطْنَ جَارِيَتِهِ الْحَامِل!

فَالْقَضِيَّةُ هُنَا لَيْسَتْ زَلَّةً فِي حَاشِيَةِ كِتَابٍ لِإِمَامٍ خَدَمَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَلَا خَطَأً فِي تَأْوِيلِ صِفَةٍ فِي شَرْحِ حَدِيث! الْقَضِيَّةُ هُنَا دِمَاءٌ، وَاسْتِحْلَالٌ، وَتَكْفِيرٌ لِأَكَابِرِ الصَّحَابَة!

ثُمَّ اسْمَعُوا الْجَوَابَ الْعَجِيبَ مِنْ أَعْرَفِ النَّاسِ بِحَالِهِمْ؛ حِينَ سُئِل: أَمُشْرِكُونَ هُمْ؟ قَال: «مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا». فَقِيل: أَمُنَافِقُونَ؟ قَال: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا». قِيل: فَمَا هُمْ؟ قَال: «قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ».

ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ تُسْقِطُ دَعْوَى الشِّرْكِ عَنْهُمْ، وَتَنْفِي عَنْهُمُ النِّفَاق، ثُمَّ تُنَزِّلُهُمْ مَنْزِلَتَهُمُ الشَّرْعِيَّةَ بِدِقَّة: فَلَا شِرْكَ وَلَا نِفَاق، بَلْ بَغْيٌ وَعُدْوَانٌ يُقَاتَلُ عَلَيْه.

وَقُوَّةُ الْحُجَّةِ هُنَا، أَنَّ الْقَائِلَ هُوَ الْإِمَامُ الَّذِي سَلَّ سَيْفَهُ وَقَاتَلَهُمْ بِنَفْسِهِ، وَسُئِلَ وَقَدْ فَرَغَ لِتَوِّهِ مِنْ قِتَالِهِمْ! فَلَوْ كَانَ فِي تَكْفِيرِهِمْ وَجْهٌ مَقْبُول، لَكَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ مَنْ رَفَعَ عَلَيْهِمُ السَّيْفَ وَتَأَذَّى بِضَلَالِهِمْ وَسَفْكِهِمْ لِلدِّمَاء. وَلَكِنَّهُ قَاتَلَهُمْ وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ؛ فَجَمَعَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ الْحَزْمِ فِي نُصْرَةِ الْحَقّ، وَالْعَدْلِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُخَالِف.. وَهُمَا خَصْلَتَانِ يَظُنُّ الْغَالِي الْحَدَّادِيُّ أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا!

وَهُنَا يَبْرُزُ تَشَابُهٌ عَجِيبٌ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْأَبْدَانُ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَالْحَدَّادِيَّة! فَالْخَوَارِجُ الْأَوَائِلُ رَفَعُوا شِعَارَ "إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّه"، وَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أَرَادُوا بِهَا بَاطِلًا؛ فَكَفَّرُوا بِهَا خِيَارَ الْأُمَّةِ وَاسْتَبَاحُوا دِمَاءَهُمْ. وَالْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ يَرْفَعُونَ شِعَارَ "صِيَانَةِ الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيد"، وَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ جَعَلُوهَا مِقْصَلَةً لِتَمْزِيقِ أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدِّين، وَإِسْقَاطِ عُلَمَائِه، وَتَضْلِيلِ مَنْ حَفِظَ اللَّهُ بِهِمُ السُّنَّة! فَالْأَوَّلُونَ اسْتَبَاحُوا الدِّمَاءَ بِاسْمِ الدِّين، وَالْآخَرُونَ اسْتَبَاحُوا الْأَعْرَاضَ بِاسْمِ الْعَقِيدَة.

بَلْ وَاللَّهِ إِنَّ الْخَوَارِجَ -عَلَى عَظِيمِ ضَلَالِهِمْ وَفَسَادِ مَذْهَبِهِمْ- كَانُوا أَحْسَنَ حَالًا مِنْ هَؤُلَاء! فَقَدْ شَهِدَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآن، فَكَانُوا أَصْحَابَ عِبَادَةٍ وَصِدْقٍ فِي تَمَسُّكِهِمْ بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ وَإِنْ ضَلُّوا فِي فَهْمِهَا. أَمَّا حَدَّادِيَّةُ الْيَوْمِ الْمَفْتُونُون؛ فَلَا أَخْلَاقَ الْإِسْلَامِ أَبْقَوْا، وَلَا عِبَادَةَ الْخَوَارِجِ حَصَّلُوا، وَلَا عِلْمَ السَّلَفِ أَوِ الْخَلَفِ أَدْرَكُوا! بَلْ إِنَّهُمْ لَا يُحْسِنُونَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتَهُ فَضْلًا عَنْ تَفْسِيرِه، وَلَا يُقِيمُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِقِرَاءَةِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ بِشَكْلٍ صَحِيح -وَالْمَقَاطِعُ الْمَبْثُوثَةُ تُوَثِّقُ فَضَائِحَهُمْ وَعُجْمَتَهُمْ فِي ذَلِك-؛ لِجَهْلِهِمُ الْمُدْقِعِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ الَّتِي هِيَ مِفْتَاحُ الْفَهْم. نَاهِيكَ عَنْ تَعْطِيلِهِمْ لِآلَةِ الْفَهْمِ الْكُبْرَى وَهِيَ "الْعُقُول"، فَعُقُولُهُمْ مُعَطَّلَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ وَالتَّدَبُّرِ وَالِاعْتِبَار! فَلَمْ يَجْمَعُوا إِلَّا قَسْوَةَ الْقَلْب، وَسُوءَ الْخُلُق، وَبَذَاءَةَ اللِّسَان، وَالْجَهْلَ الْمُرَكَّب!

فَالْمَنْبَعُ لِلْفِرْقَتَيْنِ وَاحِد: غُلُوٌّ أَعْمَى، وَجَهْلٌ مُرَكَّب، وَقَسْوَةٌ طَاغِيَةٌ لَا تَعْرِفُ فِقْهَ الرَّحْمَةِ وَلَا مِيزَانَ الْعَدْل.

ثُمَّ طَبِّقُوا هَذَا الْقِيَاسَ الْقَاهِرَ عَلَى مَنْ شِئْتُم: إِذَا كَانَ الْخَارِجِيُّ مُسْتَحِلَّ الدِّمَاءِ وَمُكَفِّرَ الصَّحَابَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.. فَبِأَيِّ مِيزَانٍ شَيْطَانِيٍّ يَخْرُجُ مِنَ الْمِلَّةِ أَوْ يُسْقَطُ مِنَ السُّنَّةِ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّين، تَأَوَّلَ صِفَةً وَهُوَ يَظُنُّ -خَطَأً- أَنَّهُ يُنَزِّهُ اللَّهَ بِهَا؟!

وَهَذَا قِيَاسٌ لَا مَهْرَبَ لِلْحَدَّادِيَّةِ مِنْهُ؛ إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ أَجْرَأُهُمْ أَنْ يَقُول: الْخَوَارِجُ أَهْوَنُ حَالًا وَأَقْرَبُ لِلسُّنَّةِ مِنَ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر!

وَقَدْ شَرَحَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ شَرْحًا يَحْسِمُ النِّزَاع، فَقَالَ مُبَيِّنًا الدَّلِيلَ الْعَمَلِيَّ الْقَاطِعَ عَلَى عَدَمِ كُفْرِهِم: «وَلِهَذَا لَمْ يَسْبِ حَرِيمَهُمْ وَلَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَهُمْ».

فَلَوْ كَانُوا كُفَّارًا مُرْتَدِّينَ لَجَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الرِّدَّةِ فِي الْمَالِ وَالذُّرِّيَّة، وَلَكِنَّ السَّيْفَ الَّذِي رُفِعَ عَلَيْهِمْ كَانَ سَيْفَ "دَفْعِ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَان" لَا سَيْفَ "تَكْفِيرٍ وَرِدَّة".. وَهُوَ فَرْقٌ دَقِيقٌ يَعْرِفُهُ الْفُقَهَاءُ الرَّاسِخُون، وَيَجْهَلُهُ الْغُلَاةُ الْمُتَعَالِمُون، فَيَظُنُّونَ أَنَّ كُلَّ مَنْ ضَلَّ وَقُوتِلَ فَقَدْ كُفِّر!

وَلَاحِظُوا أَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ عَلَى مُجَرَّدِ مَقَالَتِهِمُ الْبِدْعِيَّة، وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمْ لَمَّا تَجَاوَزُوا إِلَى سَفْكِ الدَّمِ الْحَرَام؛ فَالْمَقَالَةُ تُرَدُّ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَان، وَالِاعْتِدَاءُ يُدْفَعُ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَان.

ثُمَّ خَتَمَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ كَلَامَهُ بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ الَّتِي لَا جَوَابَ عَنْهَا، فَقَال: «وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ثَبَتَ ضَلَالُهُمْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ لَمْ يُكَفَّرُوا.. فَكَيْفَ بِالطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفِينَ الَّذِينَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الْحَقُّ فِي مَسَائِلَ غَلِطَ فِيهَا مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ؟».

وَأَدَقُّ مَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْجَلِيلَةِ قَوْلُه: «غَلِطَ فِيهَا مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ»؛ فَالْمَسَائِلُ الَّتِي يُسْقِطُ بِهَا الْغُلَاةُ أَئِمَّةَ الْأُمَّةِ الْيَوْم، قَدْ زَلَّ فِيهَا وَأَخْطَأَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَجَلُّ مِنَ الْمُبَدِّعِ وَالْمُبَدَّعِ جَمِيعًا!

فَإِنْ أَرَادَ الْحَدَّادِيُّ الْمُرَاوَغَةَ وَالْهَرَبَ مِنْ هَذَا الْإِلْزَامِ الْخَانِق، فَقَال: "حَسَنًا! إِذَا كَانَ الْخَوَارِجُ مَعْذُورِينَ وَلَمْ يُكَفِّرْهُمُ الصَّحَابَة.. فَاعْتَبِرُونَا نَحْنُ أَيْضًا مُتَأَوِّلِينَ مُجْتَهِدِين، وَاعْذُرُونَا كَمَا عُذِرَ الْخَوَارِجُ وَلَا تُشَنِّعُوا عَلَيْنَا!"

فَيُقَالُ لَه: يَا سُبْحَانَ اللَّه! مَا أَوْقَحَ هَذَا الْهَرَبَ وَمَا أَشَدَّ فَضِيحَتَه!

أَوَّلًا: أَتَعْلَمُ مَا مَعْنَى أَنْ نَعْتَبِرَكُمْ كَالْخَوَارِجِ؟! إِنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ، نَعَم، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُمْ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض! بَلْ جَنَّدَ الْجُنُود، وَسَلَّ السَّيْف، وَقَاتَلَهُم، وَاسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُم، وَحَذَّرَ الْأُمَّةَ مِنْ ضَلَالِهِم، وَسَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ "كِلَابَ أَهْلِ النَّار"! فَهَلْ تُرِيدُونَ مِنَّا أَنْ نَعْذُرَكُمْ هَذَا الْعُذْرَ وَنَسْكُتَ عَنْكُمْ وَأَنْتُمْ كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ؟! فَعَدَمُ التَّكْفِيرِ شَيْء، وَإِقْرَارُ الْبَاطِلِ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا!

ثَانِيًا -وَهُوَ الْمَقْتَلُ الَّذِي يَنْسِفُكُم-: إِنَّكُمْ بِمُرَاوَغَتِكُمْ هَذِهِ تُطَالِبُونَنَا بِأَنْ نُعَامِلَكُمْ بِمِيزَانِ "أَهْلِ السُّنَّة" (الَّذِي يَعْذُرُ الْمُتَأَوِّلَ وَالْمُخْطِئَ لِحُسْنِ قَصْدِهِ)، بَيْنَمَا تُعَامِلُونَ أَنْتُمْ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ بِمِيزَانِ "الْخَوَارِج" (الَّذِي لَا يَعْذُرُ أَحَدًا، وَيَسْتَبِيحُ الْأَعْرَاضَ بِالظُّنُون)!

تَطْلُبُونَ الرَّحْمَةَ وَالِاعْتِذَارَ لِأَنْفُسِكُمْ فِي بَغْيِكُمْ وَطَعْنِكُمْ لِلْأَئِمَّة، وَتَمْنَعُونَ الرَّحْمَةَ عَنِ الْأَئِمَّةِ فِي زَلَّةِ تَأْوِيل! فَأَنْتُمْ تُنَاقِضُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُون.

فَإِنْ كَانَ مِيزَانُكُمْ (الَّذِي لَا يَعْذُرُ الْمُخْطِئَ) حَقًّا.. فَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالتَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ وَالْهَلَاكِ لِسُوءِ صَنِيعِكُمْ وَتَطَاوُلِكُمْ عَلَى الْعُلَمَاء!

وَإِنْ كَانَ مِيزَانُنَا (الَّذِي يَعْذُرُ الْمُجْتَهِدَ الْمُخْطِئَ) حَقًّا.. فَقَدْ بَطَلَ مَذْهَبُكُمْ مِنْ أَسَاسِه، وَحَرُمَ عَلَيْكُمْ إِسْقَاطُ الْعُلَمَاءِ بِالْأَخْطَاءِ وَالزَّلَّات!

فَأَنْتُمْ بَيْنَ خِيَارَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إِمَّا أَنْ تَحْكُمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِالضَّلَالِ وَالْكُفْرِ بِمِيزَانِكُم، أَوْ تُقِرُّوا بِبُطْلَانِ مَذْهَبِكُمْ بِمِيزَانِنَا!

فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار: أَيَفْعَلُ الْحَدَّادِيَّةُ بِأَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَعُلَمَائِهَا، مَا لَمْ يَفْعَلْهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِمَنْ كَفَّرُوهُ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ؟!

فَلْيَنْظُرْ هَذَا الْغَالِي الْمَفْتُون: أَهُوَ أَشَدُّ غَيْرَةً عَلَى دِينِ اللَّهِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؟ أَمْ أَنَّ مِيزَانَ الْعَدْلِ قَدْ تَحَطَّمَ فِي قَلْبِهِ؟!

قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّه: إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَام.

البيانهَذِهِ كَلِمَةٌ مِنْ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ مِيزَانُ سَلَامَةٍ لَا مِيزَانُ تَقْلِيد. فَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ تُعَطِّلَ النَّظَر، وَلَا أَنْ تُقْفِلَ بَابَ الِاجْتِهَاد؛ وَإِنَّمَا أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ انْفِرَادَكَ بِقَوْلٍ لَمْ يَسْبِقْكَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَامَةُ خَطَرٍ لَا عَلَامَةُ تَحْقِيق. فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قُرُونًا فِي ضَلَالَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُتَأَخِّرُ فَيَهْتَدِيَ وَحْدَه.

وَقُلْ لِي بِاللَّهِ: أَيُّ مَسْأَلَةٍ أَعْظَمُ مِنْ إِخْرَاجِ مُسْلِمٍ مِنَ الْمِلَّةِ بَلْ وَالتَّأَلِّي عَلَى اللَّهِ بِأَنَّهُ لَنْ يَغْفِرَ لَه؟! أَخْرَجَ إِمَامًا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ تَلَقَّتِ الْأُمَّةُ كُتُبَهُ بِالْقَبُولِ خَمْسَةَ قُرُونٍ وَبَاهَلَ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ جُرْأَةٍ وَلَعَنَ نَفْسَهُ وَأَهْلَه! فَإِذَا كَانَ أَحْمَدُ يُحَذِّرُكَ مِنَ الْكَلَامِ بِلَا إِمَامٍ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَجْلِسُ فَيُصْدِرُ حُكْمًا بِالرِّدَّةِ عَلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؟

وَقَدْ سُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ: مَنْ كَفَّرَ السُّيُوطِيَّ غَيْرُك؟ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، وَلَا يُهِمُّنِي أَنْ يُكَفِّرَهُ غَيْرِي أَوْ لَا يُكَفِّرَه». فَتَأَمَّلْ: جَوَابُهُ هَذَا وَحْدَهُ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِمِيزَانِ أَحْمَد، لَا يَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى مُنَاظَرَة. فَأَحْمَدُ يَقُولُ: «إِيَّاك»، وَهُوَ يَقُولُ: «لَا يُهِمُّنِي».

وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْعَمَلِيَّ الْمُتَوَارَثَ شَهَادَةٌ مُرَكَّبَةٌ لَا تُنْقَضُ بِفَهْمِ جَاهِلٍ مُتَصَدِّر. فَالسُّيُوطِيُّ مَاتَ وَأَقْبَلَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كُتُبِهِ تَدْرُسُهَا وَتُحَقِّقُهَا وَتَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَالِمٌ مُعْتَبَرٌ وَاحِدٌ كَفَّرَه. فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ كُلُّهَا غَفَلَتْ خَمْسَةَ قُرُونٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُنْفَرِدُ هُوَ الْغَافِل. وَأَحَدُهُمَا مُحَال.

وَلَا يُقَالُ: أَحْمَدُ نَفْسُهُ انْفَرَدَ بِأَقْوَال. فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيِّن: أَحْمَدُ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ زَمَانِهِ بِالْإِمَامَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ انْفِرَادُهُ فِي مَسَائِلِ نَظَرٍ لَا فِي تَنْزِيلِ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ عَلَى أَعْيَانِ الْأَئِمَّةِ. ثُمَّ إِنَّ الَّذِي يَحْتَجُّ بِأَحْمَدَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْذِ بِوَصِيَّتِهِ لَا بِمُخَالَفَتِهَا.

ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْأَصْلَ يَقْصِمُ أَصْلَ الْفِرْقَةِ كُلَّه: فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ إِمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُدَاهِن. فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: سَمُّوا لَنَا إِمَامًا وَاحِدًا سَبَقَكُمْ، لَمْ يَجِدُوا، فَانْتَقَلُوا إِلَى الطَّعْنِ فِي الْعُلَمَاءِ كُلِّهِمْ. وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمِيزَانَ مَكْسُور؛ فَإِنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ فِي الْأُمَّةِ إِمَامٌ، مِيزَانٌ يُرَدُّ وَلَا يُتَّبَعُ.

يَا هَذَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوكِلْ إِلَيْكَ دِينَ الْأُمَّةِ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ آخِرَ الْعُصُورِ عِلْمًا وَأَوَّلَهَا فَهْمًا. فَتَوَاضَعْ لِسَلَفِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ مَشَى فِي طَرِيقٍ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ أَثَرَ قَدَمٍ وَاحِدَةٍ فَلْيَتَّهِمْ طَرِيقَهُ لَا النَّاس.

وَسَلْ نَفْسَكَ سُؤَالًا وَاحِدًا فِي خَلْوَتِكَ: لَوْ مُتَّ اللَّيْلَةَ عَلَى قَوْلٍ شَنِيعٍ كَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ فِي إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِمَنْ تَحْتَجُّ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُسْأَلُ عَنْ كَلِمَتِهِ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ سُكُوتِه.

يَقُولُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ (أَحَدُ أَبْرَزِ أَرْكَانِ الْمُعْتَزِلَة): «إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ لِيَكُونَ عَلَمًا وَدَالًّا عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَجَعَلَهُ دَلَالَةً لَنَا عَلَى الْأَحْكَامِ لِنَرْجِعَ إِلَيْهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَام». وَمِثْلُهُ الْجَاحِظُ الَّذِي أَلَّفَ كِتَابَيْنِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ صَرَّحُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَتَعْطِيلِ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِه. فَهَلْ نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ تَكْفِيرُ هَؤُلَاءِ الرُّؤُوسِ بِأَعْيَانِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الْمُكَفِّرَة؟

البيانقِفْ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ طَوِيلًا؛ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ يُمَثِّلُ "حَجَرَ الزَّاوِيَةِ" الَّذِي يَنْسِفُ بُنْيَانَ الْغُلُوِّ مِنْ قَوَاعِدِهِ، وَيَكْشِفُ عَوَارَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ الْمُعَاصِرِ الَّذِي يَتَدَثَّرُ زَيْفًا بِعَبَاءَةِ السَّلَف.

إِنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ يَضَعُ الْقَوْمَ فِي زَاوِيَةٍ ضَيِّقَةٍ، لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهَا إِلَّا بِالِاعْتِرَافِ بِبِدْعَتِهِمْ، أَوِ الطَّعْنِ صَرَاحَةً فِي إِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

تَأَمَّلْ -أَرْشَدَكَ اللَّهُ- فِي مَقَالَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيَ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَعْطِيلَ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِهِ، هُوَ كُفْرٌ صُرَاح.

وَهُوَ بِلَا رَيْبٍ أَشَدُّ ضَلَالًا، وَأَغْلَظُ كُفْرًا، وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَحُرَّاسُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَطْعَنُ فِيهِمْ غُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ؛ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَأَضْرَابِهِم.

فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْجِبَالُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- يُقِرُّونَ إِقْرَارًا جَازِمًا بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيُثْبِتُونَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَيُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةَ، وَإِنَّمَا زَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ فِي تَأْوِيلِ نَزْرٍ يَسِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ؛ مُتَأَثِّرِينَ بِبَعْضِ مُقَرَّرَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فِرَارًا مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ فِي ظَنِّهِمْ، وَطَلَبًا لِتَنْزِيهِ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا. فَخَطَؤُهُمْ مَحْصُورٌ، وَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَزَلَّتُهُمْ مَغْمُورَةٌ فِي بِحَارِ حَسَنَاتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ لِلْإِسْلَامِ، بَيْنَمَا بِدْعَةُ الْمُعْتَزِلَةِ أَغْلَظُ، وَمُصَادَمَتُهُمْ لِلنُّصُوصِ أَشَدُّ وَأَقْبَح.

وَمَعَ هَذِهِ الشَّنَاعَةِ الْبَالِغَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ، هَلْ كَفَّرَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَعْيَانَهُم؟

الْجَوَابُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ: لَا؛ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى تَكْفِيرُ أَعْيَانِ هَؤُلَاءِ الرُّؤُوسِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَضْلًا عَنْ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَام. لَقَدْ فَرَّقَ السَّلَفُ الصَّالِحُ تَفْرِيقًا حَاسِمًا بَيْنَ "الْحُكْمِ عَلَى الْمَقَالَةِ" بِأَنَّهَا كُفْرٌ، وَبَيْنَ "تَنْزِيلِ الْحُكْمِ عَلَى قَائِلِهَا الْمُعَيَّن".

فَهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، الَّذِي جُلِدَ فِي فِتْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ عَلَى يَدِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَقُضَاتِهِمْ، لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَهُمْ، بَلْ كَانَ يَدْعُو لِلْخُلَفَاءِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَيَقُولُ كَلِمَتَهُ الْعَظِيمَةَ وَهُوَ يُسَامِحُ الْمُعْتَصِمَ: «مَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ بِسَبَبِكَ؟».

وَهَذَا الزَّمَخْشَرِيُّ، رَأْسُ الْمُعْتَزِلَةِ وَصَاحِبُ الْكَشَّافِ، لَمَّا تَرْجَمَ لَهُ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، نَعَتَهُ بـ «الْعَلَّامَةُ، كَبِيرُ الْمُعْتَزِلَة»، وَحَذَّرَ تَحْذِيرًا شَدِيدًا مِنْ بِدْعَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ أَقَرَّ بِفَضْلِهِ فِي اللُّغَةِ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئ.

وَكَذَلِكَ الْجَاحِظُ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ؛ تُرَدُّ بِدَعُهُمْ، وَتُنْقَضُ حُجَجُهُمْ بِقَسْوَةٍ، وَلَكِنْ تُصَانُ أَعْرَاضُهُمْ وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، لِعُذْرِ "التَّأْوِيلِ" وَالْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ مَآلِ أَقْوَالِهِم.

بَلْ دُونَكَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقْطَعُ: فَهَذَا الْجَاحِظُ نَفْسُهُ قَدْ رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ النَّزْرَ الْيَسِيرَ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، ابْنُ صَاحِبِ السُّنَنِ! فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ: هَلْ يُرْوَى الْحَدِيثُ عَنْ كَافِرٍ مُرْتَدّ؟! وَالْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، فَكَيْفَ يُدْخِلُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي دِينِهِمْ رِوَايَةَ مُرْتَدّ؟! إِنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْهُ شَهَادَةٌ عَمَلِيَّةٌ قَاطِعَةٌ بِأَنَّهُمْ عَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْمُبْتَدِعِ، لَا الْكَافِرِ الْمَارِقِ مِنَ الْمِلَّة!

ثُمَّ اسْمَعْ مِيزَانَ الذَّهَبِيِّ النَّاقِدِ الْبَصِيرِ حِينَ تَرْجَمَ لَهُ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ فَقَالَ: «كَفَانَا الْجَاحِظُ الْمَؤُونَةَ، فَمَا رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ، وَلَا هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ، فَرُبَّمَا جَازَفَ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلَّامَةٌ، صَاحِبُ فُنُونٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ، عَفَا اللَّهُ عَنْه». فَانْظُرْ كَيْفَ وَزَنَهُ بِالْقِسْطِ: أَثْبَتَ تَلَطُّخَهُ بِالْبِدَعِ، وَنَفَى عَنْهُ التُّهْمَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَقَرَّ لَهُ بِالْعِلْمِ وَالذَّكَاءِ الْبَاهِرِ، ثُمَّ خَتَمَ تَرْجَمَتَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ: «عَفَا اللَّهُ عَنْه»! فَهَلْ يَدْعُو إِمَامُ النُّقَّادِ وَجِهْبِذُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ لِمُرْتَدٍّ خَارِجٍ مِنَ الْإِسْلَامِ؟! أَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَعْرِفُونَ مَا جَهِلَهُ الْغُلَاةُ: الْفَرْقَ بَيْنَ مَقَالَةِ الْكُفْرِ وَقَائِلِهَا الْمُتَأَوِّل؟

وَلِئَلَّا يَبْقَى لِلْمُكَابِرِ مُتَعَلَّق، فَدُونَكَ النَّصَّ الصَّرِيحَ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى: «وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِبَعْضِ التَّجَهُّمِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمُ الَّذِينَ يَتَدَيَّنُونَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَهَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا رَيْب. وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ كَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّة». فَهَذَا حُكْمُهُ الصَّرِيحُ فِي الْمُعْتَزِلَةِ أَنْفُسِهِمْ: مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِلَا رَيْبٍ؛ فَبِأَيِّ وَجْهٍ يُخْرِجُ غُلَاةُ الْيَوْمِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ بِمَرَاحِلَ، كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر؟!

وَهُنَا نُوَجِّهُ مِدْفَعَ الْحُجَّةِ إِلَى صُدُورِ الْغُلَاةِ (كَالْحَدَّادِيَّةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ مِنْ أَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ وَالْخُلَيْفِيِّ وَدِمَشْقِيَّةَ) وَنُلْزِمُهُمْ إِلْزَامًا يَكْسِرُ ظُهُورَهُمْ، فَنَقُولُ بِمِلْءِ الْفَمِ: إِذَا كَانَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ، قَدْ عَذَرُوا بِالتَّأْوِيلِ رُؤُوسَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ -الَّذِينَ نَفَوُا الصِّفَاتِ، وَقَالُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَامْتَحَنُوا الْأُمَّةَ بِالسِّيَاطِ- فَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَمْ يُهْدِرُوا إِسْلَامَهُمْ.. فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ تَكْفِيرَ، أَوْ تَبْدِيعَ، أَوْ إِسْقَاطَ أَئِمَّةٍ جِبَالٍ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالْبَيْهَقِيِّ؟! وَهُمُ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، وَشَرْحِ الْأَحَادِيثِ، وَقَمْعِ الْمُبْتَدِعَة!

أَيُعْذَرُ رُؤُوسُ الْمُعْتَزِلَةِ بِاجْتِهَادِهِمُ الْبَاطِلِ وَتَأْوِيلِهِمُ الْفَاسِدِ، وَيَكُونُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَحُرَّاسُ السُّنَّةِ مُهْدَرِينَ مُسْقَطِينَ عِنْدَكُم؟!

أَيُّ مِيزَانٍ جَائِرٍ، وَأَيُّ عَقْلٍ كَاسِدٍ هَذَا الَّذِي تُعَامِلُونَ بِهِ سَادَاتِ الْأُمَّة؟!

ثُمَّ قِفْ مُتَعَجِّبًا أَمَامَ هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ الْمُضْحِكَةِ الْمُبْكِيَةِ الَّتِي تَفْضَحُ حَقِيقَةَ الْقَوْمِ: هَلْ يُعْقَلُ فِي مِيزَانِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، أَنْ تُجَنَّدَ الطَّاقَاتُ، وَتُعْقَدَ الْمَجَالِسُ، وَتُخَصَّصَ السَّلَاسِلُ الْمَرْئِيَّةُ وَالْمُنَاظَرَاتُ، بَلْ وَتُطْلَبَ "الْمُبَاهَلَاتُ" لَيْلَ نَهَارٍ؛ سَعْيًا مَحْمُومًا لِإِسْقَاطِ جِبَالِ السُّنَّةِ وَحُرَّاسِ الشَّرِيعَةِ، وَالطَّعْنِ فِي دِينِهِمْ، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دَائِرَةِ أَهْلِ الْهُدَى؟! فِي حِينِ نَرَى أَئِمَّةَ السَّلَفِ الْأَوَائِلَ -وَهُمُ الْأَشَدُّ غَيْرَةً عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْأَعْلَمُ بِمَقَاصِدِهِ- قَدْ أَعْرَضُوا تَمَامًا عَنْ هَذَا الْمَسْلَكِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَعْيَانِ مَعَ مَنْ هُمْ أَشْنَعُ بِدْعَةً وَأَغْلَظُ كُفْرًا!

فَلَمْ نَرَهُمْ يَعْقِدُونَ مَحَاكِمَ التَّفْتِيشِ، وَلَمْ يُجَيِّشُوا الْأَتْبَاعَ لِتَكْفِيرِ أَعْيَانِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَلَا عَقَدُوا لِتَبْدِيعِهِمْ وَإِسْقَاطِهِمُ الْمِهْرَجَانَاتِ وَالْمُبَاهَلَاتِ! بَلِ اكْتَفَوْا بِهَدْمِ مَقَالَاتِهِمُ الْكُفْرِيَّةِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، مَعَ تَوَرُّعِهِمُ التَّامِّ عَنْ سَلْبِ إِسْلَامِهِمْ أَوْ إِهْدَارِ أَعْيَانِهِم.

وَمِمَّا يَزِيدُ الْعَجَبَ وَيَقْصِمُ ظَهْرَ مِصْدَاقِيَّتِهِمْ: أَنَّكَ لَوْ نَقَّبْتَ فِي أَرْشِيفِ هَؤُلَاءِ الْمُتَصَدِّرِينَ لِلْفِتْنَةِ الْيَوْمَ -أَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ، وَدِمَشْقِيَّةَ، وَأَضْرَابِهِمْ- لَوَجَدْتَ مُفَارَقَةً تُصِيبُ بِالذُّهُولِ! فَلَمْ يُعْثَرْ لَهُمْ عَلَى حَمَلَاتٍ تُذْكَرُ، وَلَا كَلَامٍ مُسْتَفِيضٍ، وَلَا مَجَالِسَ تُعْقَدُ لِتَكْفِيرِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَارِقِينَ أَوِ الْحُكْمِ بِرِدَّتِهِمُ الْبَتَّةَ! بَلْ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ مُرُورٌ بَاهِتٌ وَإِشَارَاتٌ عَابِرَةٌ، لَا تَتَنَاسَبُ أَبَدًا مَعَ شَنَاعَةِ الْكُفْرِيَّاتِ وَالطَّوَامِّ الَّتِي مَلَأَتْ بُطُونَ كُتُبِ الِاعْتِزَال.

كُلُّ هَذَا السُّكُوتِ الْمُرِيبِ وَالتَّغَافُلِ الْعَجِيبِ يَقَعُ رَغْمَ أَنَّ مُصَنَّفَاتِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالْجَاحِظِ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ، لَا تَزَالُ مَبْثُوثَةً مُنْتَشِرَةً وَمُتَدَاوَلَةً بَيْنَ أَهْلِ التَّخَصُّصِ فِي التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ! فَكَيْفَ بَرَدَتْ غَيْرَتُهُمُ الْمَزْعُومَةُ وَاسْتَكَانَتْ أَلْسِنَتُهُمْ أَمَامَ مَنْ صَرَّحَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَعَطَّلَ الْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا، ثُمَّ الْتَهَبَتْ حَنَاجِرُهُمْ، وَسُلَّتْ سُيُوفُهُمْ، وَاشْرَأَبَّتْ أَعْنَاقُهُمْ حِقْدًا وَغَيْظًا عَلَى أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الْعِظَامِ كَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ لِمُجَرَّدِ زَلَّةٍ وَتَأْوِيل؟!

إِنَّ هَذَا التَّبَايُنَ الْعَجِيبَ لَيَدُلُّكَ دَلَالَةً قَاطِعَةً لَا لَبْسَ فِيهَا؛ عَلَى أَنَّ مَا يُمَارِسُهُ غُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ لَيْسَ مِنَ "الْغَيْرَةِ عَلَى الْعَقِيدَةِ" فِي شَيْءٍ كَمَا يُدَلِّسُونَ عَلَى الْعَوَامِّ، بَلْ هُوَ جَهْلٌ مُطْبِقٌ بِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهَوَسٌ بِالتَّجْرِيحِ، وَانْتِفَاخٌ مَرَضِيٌّ، وَغِلْظَةٌ فِي الْقُلُوبِ، وَمَسْلَكٌ خَوَارِجِيٌّ خَفِيٌّ، يَسْعَى أَصْحَابُهُ لِتَسَلُّقِ أَكْتَافِ الْكِبَارِ، وَإِسْقَاطِ رُمُوزِ الْأُمَّةِ، وَإِطْفَاءِ مَصَابِيحِ الْهُدَى لِيَخْلُوَ لَهُمْ ظَلَامُ السَّاحَةِ؛ فَيُصْبِحَ الْيُوتْيُوبَرُ وَالْجَاهِلُ حَاكِمًا عَلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتُبْنَى الزَّعَامَةُ الزَّائِفَةُ عَلَى أَنْقَاضِهِم!

لَقَدْ أَخَذُوا شِقًّا مِنْ نُصُوصِ السَّلَفِ (وَهُوَ تَكْفِيرُ الْمَقَالَةِ) وَتَرَكُوا الشِّقَّ الْآخَرَ (وَهُوَ الْعُذْرُ لِلْمُعَيَّنِ بِالتَّأْوِيلِ وَالْجَهْلِ)، فَخَرَجُوا بِمَنْهَجٍ مَسْخٍ مُبْتَدَعٍ، لَا هُوَ إِلَى السَّلَفِ يَمُتُّ، وَلَا هُوَ بِضَوَابِطِ الْعِلْمِ يَلْتَزِم.

فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ، إِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ اتِّبَاعَ السَّلَفِ، فَهَذَا صَنِيعُ السَّلَفِ وَتَوَرُّعُهُمْ مَعَ مَنْ أَتَى بِمَا هُوَ أَشْنَعُ وَأَغْلَظُ مِنْ زَلَّاتِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر. فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا تَسْلِيطَ سَيْفِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى أَعْيَانِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ حَكَمْتَ -بِمَنْهَجِكَ هَذَا- عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ، بِالتَّمْيِيعِ وَالْإِرْجَاء!

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ: إِمَّا أَنْ تَعُودَ إِلَى رَحَابَةِ فِقْهِ الْأَئِمَّةِ وَعَدْلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ تُعْلِنَ انْشِقَاقَكَ الصَّرِيحَ عَنْ مَسْلَكِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لِتَنْضَمَّ إِلَى رَكْبِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا وَسِعَ الْأُمَّةَ الْمَرْحُومَة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِيرِ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى هِدَايَتِهِمْ وَدِرَايَتِهِمْ وَلَهُمْ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ، كَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ... وَمِثْلِ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمِثْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ... مَنْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَفَارَقَ دِينَهَا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ يُعَظِّمُونَ هَؤُلَاءِ وَيُحْسِنُونَ الْقَوْلَ فِيهِمْ.

البيانقِفُوا بِنَا عِنْدَ أَثْقَلِ كَلِمَةٍ، وَأَعْظَمِ صَفْعَةٍ عِلْمِيَّةٍ فِي هَذَا الْبَابِ الْمُظْلِمِ، وَالَّتِي لَا يَمْلِكُ الْغُلَاةُ أَمَامَهَا مَخْرَجًا وَلَا مَهْرَبًا!

فَهُنَا يَرْتَقِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ -بِحَسْمِهِ وَصَلَابَتِهِ- لِيَقْلِبَ الطَّاوِلَةَ عَلَى الْغُلَاةِ، وَيَرُدَّ السَّهْمَ إِلَى نَحْرِ صَاحِبِه!

فَلَمْ يَقُلْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِيمَنْ كَفَّرَ أَبَا حَنِيفَةَ: "لَقَدْ أَخْطَأ"، وَلَمْ يَقُلْ: "تَسَرَّعَ وَاجْتَهَد"، بَلْ قَالَ بِحُكْمٍ صَارِمٍ يَهُزُّ الْأَبْدَان: «فَهُوَ أَحَقُّ بِالتَّكْفِيرِ»!

وَلَمْ يَكْتَفِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِهَذَا الْقَلْبِ لِلْحُكْمِ، بَلْ أَغْلَقَ الْبَابَ بِالضَّبَّةِ وَالْمِفْتَاحِ حِينَ حَكَى (الْإِجْمَاعَ الْقَطْعِيَّ)، فَقَالَ: «مَنْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ خَالَفَ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَفَارَقَ دِينَهَا».

فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَضِيَّةَ تَوْقِيرِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَحِفْظَ مَقَامَاتِهِمْ (أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْإِجْمَاعِ السَّلَفِيِّ)، لَا مَسْأَلَةً اجْتِهَادِيَّةً قَابِلَةً لِلْعَبَثِ وَالتَّنْقِيرِ، فَسَدَّ الْبَابَ فِي وَجْهِ كُلِّ طَعَّانٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة.

وَتَتَجَلَّى قُوَّةُ هَذِهِ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ؛ حِينَ نَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَرَّرَ هَذَا الْحُكْمَ الصَّارِمَ فِي رِسَالَةٍ عِلْمِيَّةٍ خُصِّصَتْ لِتَقْرِيرِ وَإِثْبَاتِ عَقِيدَةِ (عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ)، لَا فِي مَقَامِ تَسَاهُلٍ أَوْ مُجَامَلَة.

فَهُوَ يَنْتَصِرُ لِلْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ، وَفِي ذَاتِ الْمَوْضِعِ وَالْمَقَامِ، يُحَرِّمُ اسْتِبَاحَةَ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَة!

وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَسْقُطُ الزَّعْمُ الْخَبِيثُ الَّذِي يُرَوِّجُهُ الْحَدَّادِيَّةُ؛ حِينَ يُوهِمُونَ أَتْبَاعَهُمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُضْطَرٌّ لِلِاخْتِيَارِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا نُصْرَةُ الْعَقِيدَةِ (بِالطَّعْنِ فِي الْأَئِمَّةِ وَتَضْلِيلِهِمْ)، أَوْ حِفْظُ حُرْمَةِ الْأَئِمَّةِ (بِتَمْيِيعِ الْعَقِيدَةِ)! فَجَاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِيُثْبِتَ أَنَّ كَمَالَ نُصْرَةِ الْعَقِيدَةِ لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلًا إِلَّا بِتَمَامِ تَوْقِيرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَجَرِّئُ الَّذِي اسْتَسْهَلَ الطَّعْنَ فِي الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَضْلِيلَهُ: اعْرِضْ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى نَفْسِك! هَذَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ الَّذِي تَرْفَعُ اسْمَهُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ، وَتَتَتَرَّسُ بِنُقُولَاتِهِ، يَحْكُمُ نَصًّا بِأَنَّ صَنِيعَكَ هَذَا "مُخَالَفَةٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمُفَارَقَةٌ لِدِينِهَا".. فَمَاذَا أَنْتَ قَائِل؟!

إِنْ سَلَّمْتَ بِحُكْمِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَرَضِيتَ بِهِ؛ فَقَدْ سَقَطَ مَنْهَجُكَ الْإِسْقَاطِيُّ الَّذِي بَنَيْتَهُ وَتَهَاوَى مِنْ قَوَاعِدِه!

وَإِنْ كَابَرْتَ وَرَدَدْتَ كَلَامَهُ؛ فَقَدْ رَدَدْتَ عَلَى إِمَامِكَ الَّذِي تَحْتَجُّ بِهِ، وَهَدَمْتَ مَرْجِعِيَّتَكَ بِيَدِك.

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَا يَرْحَمُ مَنْ شَذَّ عَنْه.