البيانقِفْ أَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمَهِيبِ طَوِيلًا مُتَأَمِّلًا؛ فَوَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ نَصًّا يَجْمَعُ أَطْرَافَ الْحَقِّ وَيُؤَصِّلُ الْمَسْأَلَةَ كَمِثْلِه.
إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَسِيرًا فِي قَبْضَةِ خُصُومِهِ الْأَلِدَّاء، وَالْمِحْنَةُ عَلَى أَشُدِّهَا، وَمَفَاتِيحُ السُّجُونِ وَقَوَارِعُ السِّيَاطِ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ يَقِفُ أَعْزَلًا إِلَّا مِنْ سِلَاحِ الْحُجَّةِ الدَّامِغَة. فَمَا دَاهَنَهُمْ لِيَنْدَفِعَ عَنْهُ أَذَى شَرِّهِمْ، وَلَا هُوَ سَارَعَ إِلَى تَكْفِيرِهِمْ لِيَشْتَفِيَ لِغَيْظِ صَدْرِهِ مِنْهُم. بَلْ نَطَقَ بِكَلِمَتِهِ الْفَصْلِ الَّتِي حُقَّ لَهَا أَنْ تُسَطَّرَ بِمَاءِ الذَّهَب: «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا، وَأَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُون».
تَدَبَّرْ -أَرْشَدَكَ اللَّهُ- شَطْرَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَفِيهَا مِيزَانُ الدِّينِ الْقَوِيمِ قَدِ اخْتُزِلَ فِي سَطْرٍ وَاحِد. «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا»: فَالْقَوْلُ فِي مِيزَانِهِ كُفْرٌ صُرَاح، لَا يَقْبَلُ الْمُدَاهَنَةَ وَلَا التَّلْطِيف.
«وَأَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُون»: فَلِلْقَائِلِ الْمُعَيَّنِ عُذْرٌ يَدْرَأُ عَنْهُ التَّكْفِيرَ مَا لَمْ تَنْتَفِ الْمَوَانِع.
إِنَّهَا الشِّدَّةُ الصَّارِمَةُ عَلَى «الْمَقَالَةِ» بِلَا حُدُودٍ، وَالرَّحْمَةُ الْوَاسِعَةُ بِـ«الْمُعَيَّنِ» بِلَا تَمْيِيع.
ذَلِكُمْ هُوَ التَّرْكِيبُ الْبَدِيعُ الَّذِي يَزْعُمُ الْغُلَاةُ الْمُعَاصِرُونَ اسْتِحَالَتَهُ وَتَنَاقُضَهُ، قَدْ صَاغَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُحْكَمَة.
ثُمَّ أَمْعِنِ النَّظَرَ، فِي أَيِّ مَسْأَلَةٍ عَذَرَهُمْ؟ لَقَدْ عَذَرَهُمْ فِي صِفَةِ «عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ»؛ وَهِيَ قِمَّةُ بَابِ الصِّفَاتِ وَأَجْلَى مَسَائِلِهِ وَأَظْهَرُهَا.
فَالْقَوْمُ الَّذِينَ قَارَعَهُمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَمْ يَتَأَوَّلُوا صِفَةً وَاحِدَةً وَيُمْسِكُوا، بَلِ اسْتَأْصَلُوا أَصْلَ الصِّفَةِ فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ الْبَارِي فَوْقَ الْعَرْشِ أَصْلًا، وَهُمْ مِنْ غُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ الْمُتَأَرْجِحِينَ بَيْنَ حُلُولِيٍّ مَارِقٍ وَنَافٍ مُعَطِّل!
فَإِنْ كَانَ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْعُتَاةِ لَا يُكَفَّرُونَ عِنْدَهُ بِأَعْيَانِهِمْ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ هُوَ دُونَهُمْ بِمَرَاحِلَ فِي دَرَكَاتِ الْخَطَأِ، مِمَّنْ رَامَ تَنْزِيهَ اللَّهِ فَأَخْطَأَ التَّأْوِيل؟!
وَهَا هُنَا الْقَاصِمَةُ الَّتِي تَدُكُّ بُنْيَانَ الْغُلُوِّ مِنَ الْقَوَاعِدِ: «وَكَانَ هَذَا خِطَابًا لِعُلَمَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ». فَلَمْ يَقُلْ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَعْذِرُ عَوَامَّهُمُ الْمُقَلِّدَةَ وَأُكَفِّرُ رُؤُوسَهُمُ الْمُتَصَدِّرَةَ، بَلْ أَنْزَلَ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ عَلَى عِلْيَةِ الْقَوْمِ وَسَادَتِهِمْ: عَلَى الْعَالِمِ الْمُتَصَدِّرِ لِلْفُتْيَا، وَالْقَاضِي الْجَالِسِ لِلْحُكْمِ، وَالشَّيْخِ الْمُتَصَدِّرِ لِلْإِقْرَاء.
فَأَيْنَ هَذَا الْفِقْهُ الرَّاسِخُ مِنْ هَذَرِ الْغُلَاةِ الْيَوْمَ حِينَ يَزْعُمُونَ: «الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ مَقْصُورٌ عَلَى الْعَوَامِّ، أَمَّا الْعَالِمُ فَلَا يُعْذَرُ مُطْلَقا»؟!
وَتَأَمَّلْ عُمْقَ اسْتِدْلَالِهِ فِي قَوْلِهِ: «لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَكُمْ كُفْر». لَقَدْ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِكُفْرِهِ -لَوْ وَافَقَهُمْ- بِـ«عِلْمِهِ» بِحَقِيقَةِ الْقَوْلِ، لَا بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ. فَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ يَتَفَوَّهُ بِهَا رَجُلَانِ: عَالِمٌ بِحَقِيقَتِهَا وَمَآلَاتِهَا قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ فَيَكْفُرُ بِهَا، وَجَاهِلٌ مُتَأَوِّلٌ غَشِيَهُ الِاشْتِبَاهُ وَلَمْ تَنْكَشِفْ لَهُ الْمَحَجَّةُ فَيُعْذَر.
فَمَنَاطُ التَّكْفِيرِ وَمَرْبِطُهُ عِنْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ هُوَ «قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُعَيَّنِ»، لَا مُجَرَّدُ «وُقُوعِ اللَّفْظِ مِنَ اللِّسَانِ». وَهَذَا نَقْضٌ لِصَنْعَةِ الْقَوْمِ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَسَاسِهَا؛ إِذْ إِنَّ صَنْعَتَهُمُ الْبَائِسَةَ تَدُورُ حَوْلَ مَدَارٍ وَاحِدٍ: ثَبَتَ اللَّفْظُ مِنَ الْقَائِلِ، إِذَنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِرِدَّتِهِ!
ثُمَّ أَيْقِنْ أَنَّ مَوْقِفَ الْإِمَامِ هَذَا لَمْ يَكُنْ وَرَعًا بَارِدًا طَارِئًا، وَلَا زَلَّةَ ضَعْفٍ نَطَقَ بِهَا مُضْطَهَدٌ يَتَّقِي شَرَّ سَاجِنِيهِ؛ فَالْإِمَامُ ذَاتُهُ هُوَ مَنْ سَوَّدَ الْمُجَلَّدَاتِ فِي نَسْفِ شُبُهَاتِهِمْ، وَنَاظَرَ طَوَاغِيتَهُمْ حَتَّى أَفْحَمَهُمْ، وَسِيقَ إِلَى ظُلُمَاتِ السُّجُونِ بِسِعَايَتِهِمْ حَتَّى لَقِيَ رَبَّهُ فِيهَا.
فَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا رَجُلٌ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ أَعْرَاضَهُمْ وَأَعْيَانَهُمْ بِجَرْحٍ أَوْ تَكْفِيرٍ، لَكَانَ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ، صَدَعَ بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ: «لَا تُكَفَّرُون». إِنَّهَا كَلِمَةُ دِيَانَةٍ وَرُسُوخِ مَنْهَجٍ، لَا كَلِمَةُ مُصَانَعَةٍ وَتَلَمُّسِ مَخْرَج.
وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِدْعًا فِي هَذَا؛ بَلْ هُوَ وَارِثٌ لِإِمَامِهِ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ فَقَدْ سَلَكَ أَحْمَدُ مَعَ جَهْمِيَّةِ زَمَانِهِ الْمَسْلَكَ ذَاتَهُ: جَلَدُوهُ بِسِيَاطِهِمْ، وَغَيَّبُوهُ فِي سُجُونِهِمْ، وَحَمَلُوا الْأُمَّةَ قَسْرًا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَمَعَ ذَلِكَ دَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ، وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْأَثِيرَةَ: «مَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ فِي سَبَبِك؟».
وَقَدْ نَقَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ؛ فَلَمْ يُكَفِّرْ كُلَّ مَنِ انْتَحَلَ التَّجَهُّمَ، وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَهُمْ فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ. بَلْ أَقَامَ الصَّلَاةَ خَلْفَ قُضَاةِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى ضَلَالَتِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ عَلَيْهَا وَأَنْزَلُوا الْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةَ بِالْمُخَالِفِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَكَانَ يَدْعُو لَهُمْ، وَيَرَى مَشْرُوعِيَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ، وَالْمُضِيَّ مَعَهُمْ فِي الْحَجِّ وَالْغَزْوِ، وَيُحَرِّمُ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ، شَأْنُهُمْ فِي ذَلِكَ شَأْنُ سَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
فَسُبْحَانَ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ! أَحْمَدُ فِي أَتُونِ مِحْنَتِهِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كَرْبِ غُرْبَتِهِ، كِلَاهُمَا وَازَنَ بَيْنَ الشِّدَّةِ فِي تَكْفِيرِ «الْمَقَالَةِ» وَالرَّحْمَةِ الْبَالِغَةِ بِـ«قَائِلِهَا».
فَمَنِ ادَّعَى بِجَهْلِهِ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ الْمُحْكَمَ إِرْجَاءٌ وَتَمْيِيعٌ، فَلْيُلْحِقِ الْإِمَامَيْنِ الْجَبَلَيْنِ بِطَوَائِفِ الْمُرْجِئَةِ! وَلْيُسْفِرْ لَنَا عَنْ وَجْهِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُرِيَنَا أَيْنَ يَقِفُ هُوَ مِنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِح.
وَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ مِنْ مُفَارَقَةٍ تُدْمِي الْقُلُوبَ حُزْنًا: فَالرَّجُلُ الَّذِي يَزْعُمُ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ وَغِلْمَانُهُ أَنَّهُمُ الْمُتَحَدِّثُونَ الرَّسْمِيُّونَ بِاسْمِهِ وَالْمُنَافِحُونَ عَنْ تُرَاثِهِ، هُوَ ذَاتُ الْإِمَامِ الَّذِي وَسِعَ بِعُذْرِهِ قُضَاةَ الْجَهْمِيَّةِ وَشُيُوخَهُمْ فِي أَشْنَعِ بِدْعَةٍ كَنَفْيِ الْعُلُوّ!
بَيْنَمَا تَرَاهُمُ الْيَوْمَ يُسَلِّطُونَ نُصُوصَ شِدَّةِ الْأَئِمَّةِ -بَعْدَ انْتِزَاعِهَا مِنْ سِيَاقِهَا- لِتَكْفِيرِ إِمَامٍ جَلِيلٍ كَالنَّوَوِيِّ؛ الَّذِي أَثْبَتَ لِلَّهِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا لَمْ يَخْطُرْ لِغُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ بِبَالٍ، وَأَثْبَتَ الْعُلُوَّ، وَخَدَمَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ بِمَا يَفُوقُ خِدْمَةَ قَرْنٍ كَامِلٍ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ مُتَدَثِّرًا بِقَصْدِ التَّنْزِيه!
لَقَدِ اخْتَطَفَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ مِنْ أَحْمَدَ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ سَوْطَهُمَا وَطَرَحُوا مِيزَانَهُمَا، وَتَقَلَّدُوا سَيْفَهُمَا وَنَبَذُوا عَدْلَهُمَا وَإِنْصَافَهُمَا!
المقدِّم يقدِّم محمد بن شمس الدين بلقب «المتحدث باسم ابن تيمية» فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ الْغَالِي، أَقِمْ نَفْسَكَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ الْعَصِيبِ: لَوْ شَهِدْتَ مِحْنَةَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَسَمِعْتَهُ يَصْدَعُ فِي وُجُوهِ قُضَاةِ الْجَهْمِيَّةِ: «أَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُونَ لِأَنَّكُمْ جُهَّال»، مَا الَّذِي كُنْتَ صَانِعًا يَوْمَئِذٍ؟ أَكُنْتَ تَنْتَفِضُ فِي وَجْهِ الْإِمَامِ صَارِخًا: هَذَا إِرْجَاءٌ وَتَمْيِيعٌ، وَالْعَالِمُ لَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ مُطْلَقا؟! فَاعْلَمْ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ خُصُومَتَكَ الْمُفْتَعَلَةَ لَيْسَتْ مَعَ «مُتَسَاهِلِي هَذَا الزَّمَانِ وَمُمَيِّعِيهِمْ» كَمَا تُمَوِّهُ عَلَى أَتْبَاعِكَ وَتُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ، بَلْ خُصُومَتُكَ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ مَعَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَيْنِهِ، فِي أَسْطَعِ مَوَاقِفِهِ وَأَصْرَحِ أَلْفَاظِهِ! بَلْ قُلْ لِي: مَاذَا كُنْتَ فَاعِلًا لَوْ أَبْصَرْتَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُخَاطِبُ جَلَّادَهُ -الَّذِي أَوْقَدَ نَارَ فِتْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ- مُنَادِيًا إِيَّاهُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ»؟!
وَلَا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أَنَّنَا بِهَذَا التَّقْرِيرِ نُهَوِّنُ مِنْ شَنَاعَةِ أَقْوَالِ الْجَهْمِيَّةِ الْمَارِقَةِ، أَوْ نَشْرَعُ أَبْوَابَ الْأَعْذَارِ لِكُلِّ نَاعِقٍ بِالْبَاطِلِ؛ فَقَدْ تَوَلَّى النَّصُّ نَقْضَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قَبْلَ أَنْ تُلْفَظَ، حَيْثُ قَالَ: «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا».
فَالْبِدْعَةُ ضَلَالَةٌ، وَالْكُفْرُ كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَالْبَيَانُ فَرْضٌ مَحْتُومٌ، وَنَقْضُ الْمَقَالَاتِ الْفَاسِدَةِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ. وَإِنَّمَا مُعْتَرَكُ النِّزَاعِ وَمَنَاطُ الْخِلَافِ فِي إِهْدَارِ عَيْنِ الرَّجُلِ «الْمُعَيَّنِ» وَتَكْفِيرِهِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ؛ فَذَلِكُمْ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ، وَأَبَاهُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ يُسَامُ سُوءَ الْعَذَابِ تَحْتَ السِّيَاط.
وَأَيْقِنْ أَنَّ التَّارِيخَ مَا خَلَّدَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ التَّيْمِيَّةَ إِلَّا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَثْقَلَ عَلَى النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ مَسْلَكَيِ الْمُوَافَقَةِ وَالتَّكْفِيرِ كِلَيْهِمَا؛ فَالْمُوَافَقَةُ لِلْمُبْطِلِينَ كَانَتْ سَتَشْرَعُ لَهُ أَبْوَابَ السَّلَامَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ كَانَ سَيَشْفِي غَلِيلَ صَدْرِهِ مِنْ ظَالِمِيهِ وَيُطْفِئُ لَوْعَتَهُ. لَكِنَّهُ اخْتَارَ أَوْعَرَ السُّبُلِ وَأَشَقَّهَا عَلَى النُّفُوسِ: طَرِيقَ الْحَقِّ الْمُجَرَّدِ وَالْعَدْلِ الْمُطْلَقِ. فَتَبَصَّرْ فِي أَمْرِكَ، وَانْظُرْ أَيَّ السُّبُلِ الثَّلَاثَةِ تَسْلُكُ إِذَا بُلِيتَ بِالْمُخَالَفَةِ: أَتَرْكَنُ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ؟! أَمْ تَنْجَرِفُ فِي تَيَّارِ التَّكْفِيرِ الْأَعْمَى؟! أَمْ تَصْدَعُ بِالْحَقِّ فِي نَقْضِ «الْمَقَالَةِ» وَتَلْتَزِمُ الْعَدْلَ فِي «الْقَائِلِ»، وَلَوْ كَانَ خَصْمُكَ الْأَلَدَّ الَّذِي سَامَكَ الْخَسْفَ وَالْأَذَى؟!
نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الَّذِي رَبَطَ عَلَى قَلْبِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَثَبَّتَهُ فِي مِحْنَتِهِ، أَنْ يَرْزُقَنَا صَلَابَتَهُ وَشِدَّتَهُ فِي الْحَقِّ، وَسَعَةَ رَحْمَتِهِ بِالْخَلْقِ، وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنْ أَنْ نَجْعَلَ حَظَّنَا مِنْ تُرَاثِهِ وَعِلْمِهِ سَوْطَ عَذَابٍ نَجْلِدُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيب.