عُرضت 37 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا فِيهِ مِنَ الدِّين. وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْض.

البيانهَذِهِ الْوَثِيقَةُ التَّيْمِيَّةُ وَحْدَهَا تَكْفِي لِقَصْمِ ظَهْرِ الْغُلُوّ! وَهِيَ صَادِرَةٌ مِنَ الْإِمَامِ الَّذِي يَتَتَرَّسُ بِهِ الْغُلَاةُ وَيَجْعَلُونَهُ رَايَةً لَهُمْ (أَحْيَانًا)، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ رَدُّ كَلَامِه.

تَأَمَّلُوا كَيْفَ ضَرَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَنْهَجَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ بِثَلَاثِ قَوَاصِمَ مُتَتَالِيَة:

الْأُولَى: أَنَّهُ سَمَّى صَنِيعَهُمْ هَذَا «مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ»، وَلَمْ يُسَمِّهِ مُجَرَّدَ غَيْرَةٍ زَائِدَةٍ أَوْ خَطَأً فِي الِاجْتِهَاد!

الثَّانِيَة: أَنَّهُ أَرْجَعَ أَصْلَ مَنْهَجِهِمْ فِي (إِسْقَاطِ وَتَكْفِيرِ الْأَئِمَّةِ لِأَجْلِ زَلَّاتِهِمْ) إِلَى طَوَائِفِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ، وَنَفَاهُ تَمَامًا عَنْ مَذْهَبِ السَّلَف!

الثَّالِثَة: أَنَّهُ حَكَى (اتِّفَاقَ أَهْلِ السُّنَّةِ) عَلَى عُذْرِ الْعَالِمِ فِي خَطَئِهِ الْمَحْضِ، فَلَمْ يَجْعَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ رَأْيًا يُنَازَعُ فِيه.

ثُمَّ قِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عِنْدَ لَفْظَةٍ مُرْعِبَةٍ اسْتَخْدَمَهَا الْإِمَامُ وَهِيَ: «تَسْلِيطُ الْجُهَّال»! أَلَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ الدَّقِيقُ هُوَ التَّشْخِيصَ الْعَمَلِيَّ لِلْحَالِ الَّتِي تَرَاهَا بِعَيْنِكَ الْيَوْمَ؟!

صِبْيَانٌ وَأَحْدَاثُ أَسْنَانٍ، لَمْ يَثْنُوا رُكَبَهُمْ عِنْدَ عَالِمٍ، وَلَمْ يَضْبِطُوا شُرُوطَ الْحُكْمِ وَلَا مَوَانِعَهُ، يُطْلَقُونَ وَيُسَلَّطُونَ عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَالْمِنَصَّاتِ عَلَى أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ؛ لَا لِشَيْءٍ، إِلَّا لِأَنَّهُمْ حَفِظُوا (قَائِمَةَ جَرْحٍ وَتَكْفِيرٍ) لُقِّنُوهَا دُونَ أَنْ يَفْهَمُوا مِنْ أُصُولِهَا حَرْفًا!

لَقَدْ صَارَ (تَسْلِيطُ الْجُهَّالِ) مَشْرُوعًا حَدَّادِيًّا مُتَكَامِلًا لِتَمْزِيقِ الْأُمَّةِ بِاسْمِ السُّنَّة.

فَيَا أَيُّهَا الشَّابُّ الْمَغْرُورُ بِبَعْضِ الْمَحْفُوظَاتِ الْمَبْتُورَةِ؛ احْذَرْ أَنْ تَكُونَ أَدَاةً رَخِيصَةً فِي يَدِ خَوَارِجِ الْعَصْرِ؛ فَإِنَّ تَجَرُّؤَكَ عَلَى تَكْفِيرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ إِسْقَاطِهِمْ، لَيْسَ شَجَاعَةً مِنْكَ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، بَلْ هُوَ انْقِيَادٌ صَرِيحٌ لِمَنْهَجِ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ بِشَهَادَةِ إِمَامِكَ ابْنِ تَيْمِيَّة.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي لِسَانِكَ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ لِتُرْضِيَ شُيُوخَ الْفِتْنَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَتَائِمَكَ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ سَتَكُونُ أَوَّلَ غُرَمَائِكَ بَيْنَ يَدَيِ الدَّيَّان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مَنِ اجْتَهَدَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَصَدَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَ لَمْ يُكَفَّرْ؛ بَلْ يُغْفَرُ لَهُ خَطَؤُه.

البيانقَاعِدَةٌ رَبَّانِيَّةٌ رَحِيمَةٌ، لَوْ فَقِهَهَا الْغُلَاةُ وَتَأَمَّلُوهَا لَنَامَتِ الْأُمَّةُ مِلْءَ جُفُونِهَا، وَلَاسْتَرَاحَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ فِتَنِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيع!

هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْمُوجَزَةُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ، بُنِيَتْ عَلَى رُكْنَيْنِ وَمِيزَانَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: (الِاجْتِهَادُ) وَ(قَصْدُ الْحَقّ).

فَمَتَى مَا بَذَلَ الْعَالِمُ وُسْعَهُ وَاجْتَهَدَ، وَكَانَ قَاصِدًا فِي قَلْبِهِ الْوُصُولَ إِلَى الْحَقِّ وَمَرْضَاةِ اللَّه؛ فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ الدَّمُ وَالْعِرْضُ، وَلَا يُكَفَّرُ وَلَا يُبَدَّعُ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْخَطَأِ الْجَسِيمِ، بَلْ خَطَؤُهُ مَغْفُورٌ بِنَصِّ الْوَحْي.

وَبِهَذَا الضَّابِطِ الدَّقِيقِ، يَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الصِّنْفُ الْوَحِيدُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَعِيدِ؛ وَهُوَ (الْمُعَانِدُ الْمُسْتَكْبِرُ) الَّذِي تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ كَالشَّمْسِ، ثُمَّ عَانَدَ وَشَاقَّ الرَّسُولَ اتِّبَاعًا لِهَوَاهُ أَوْ دُنْيَاه.

فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسْقَطُ وَيُهْجَرُ! أَمَّا الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا وَوَقَعُوا فِي زَلَّةٍ فِقْهِيَّةٍ أَوْ لَفْظَةٍ مُخَالِفَةٍ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ؛ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْوَعِيدُ بِحَال.

وَهُنَا يُطْرَحُ السُّؤَالُ الْقَاطِعُ عَلَى كُلِّ حَدَّادِيٍّ يُبَدِّعُ الْأَئِمَّةَ الْيَوْمَ: حَتَّى يَصِحَّ لَكَ تَبْدِيعُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْقَاطُهُ بِمُوجَبِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ هَلْ أَثْبَتَّ يَقِينًا (انْتِفَاءَ قَصْدِ الْحَقِّ) مِنْ قَلْبِه؟!

هَلْ تَمْلِكُ بَيِّنَةً قَطْعِيَّةً عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ مُخَالَفَةَ الرَّسُولِ ﷺ عِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا وَكُرْهًا لِلسُّنَّة؟!

(قَصْدُ الْحَقِّ) عَمَلٌ خَفِيٌّ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ، فَكَيْفَ لَكَ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْه؟! وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ فَقَدِ ادَّعَى الْغَيْبَ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إِلَيْه.

فَتَبَصَّرْ أَيُّهَا الْمِسْكِينُ فِي حَالِكَ؛ كَيْفَ تَجَرَّأْتَ عَلَى شَقِّ قُلُوبِ الْأَئِمَّةِ لِتَدَّعِيَ سُوءَ مَقَاصِدِهِمْ وَتُعَقِّدَ عَلَيْهَا الْوَلَاءَ وَالْبَرَاء؟!

إِنَّ النَّوَايَا وَالْمَقَاصِدَ سِرٌّ مُغْلَقٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، فَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهَا لِيُحَاكِمَ النَّاسَ عَلَيْهَا فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي خَصَائِصِهِ وَتَسَوَّرَ عَلَى الْغَيْب.

فَالْزَمْ غَرْزَ السَّلَفِ فِي عُذْرِ الْمُجْتَهِدِينَ وَحِفْظِ مَقَامَاتِهِمْ، وَدَعِ السَّرَائِرَ لِعَالِمِ الْخَفِيَّاتِ، قَبْلَ أَنْ تُفْضَحَ سَرِيرَتُكَ بَيْنَ الْخَلَائِق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أَحْمَدُ لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ، وَلَا كُلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَهْمِيٌّ كَفَّرَهُ، وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَ الْجَهْمِيَّةَ فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ؛ بَلْ صَلَّى خَلْفَ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى قَوْلِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ وَعَاقَبُوا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ، لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحْمَدُ وَأَمْثَالُهُ؛ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ إِيمَانَهُمْ وَإِمَامَتَهُمْ، وَيَدْعُو لَهُمْ، وَيَرَى الِائْتِمَامَ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُمْ وَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ مَعَهُمْ... ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَحَلَّلَهُمْ مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ... تَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا جَاحِدُونَ لِمَا جَاءَ بِهِ، وَلَكِنْ تَأَوَّلُوا فَأَخْطَؤُوا، وَقَلَّدُوا مَنْ قَالَ لَهُمْ ذَلِك.

البيانقَاصِمَةُ الظُّهُورِ، وَفُرْقَانٌ يُمَزِّقُ الْغُلُوَّ، وَيَكْشِفُ عَوْرَةَ الْمُزَايِدِينَ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّين!

قِفْ هُنَا وَتَأَمَّلْ هَذِهِ النَّازِلَة: بِدْعَةُ (خَلْقِ الْقُرْآنِ) كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَأَصْحَابُهَا لَمْ يَكُونُوا مُتَأَوِّلِينَ مُسَالِمِينَ، بَلْ كَانَتْ بِيَدِهِمْ سِيَاطُ السُّلْطَةِ؛ فَدَعَوْا لِبِدْعَتِهِمْ، وَامْتَحَنُوا الْأُمَّةَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَجَلَدُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ حَتَّى غَابَ عَنِ الْوَعْيِ، وَقَطَعُوا الْأَرْزَاقَ، وَكَفَّرُوا مَنْ خَالَفَهُم.

وَمَعَ هَذَا الْبَلَاءِ الْمُرَوِّعِ، انْظُرْ إِلَى (فِقْهِ الْأَئِمَّةِ) كَيْفَ يُفَارِقُ (طَيْشَ الْخَوَارِجِ): لَمْ يُكَفِّرِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَعْيَانَهُمْ، بَلْ صَلَّى خَلْفَهُمْ، وَاعْتَقَدَ إِيمَانَهُمْ، وَدَعَا لِمَنْ جَلَدَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَحَلَّلَه!

لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَرَّقَ بِعَبْقَرِيَّةِ السُّنَّةِ بَيْنَ (الْمَقَالَةِ الْكُفْرِيَّةِ) وَبَيْنَ (الْمُعَيَّنِ الْمُتَأَوِّلِ)، فَعَذَرَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ رَغْمَ فَدَاحَةِ الْجُرْم.

وَهُنَا نَضَعُ الْحَدَّادِيَّ فِي زَاوِيَةِ الْإِلْزَامِ الصَّارِمِ، فَنَسْأَلُهُ: أَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَهَاوِنًا فِي حَقِّ اللَّهِ وَمُمَيِّعًا لِلدِّين؟!

أَكَانَتْ غَيْرَتُهُ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ أَقَلَّ مِنْ غَيْرَتِكَ أَيُّهَا الْمُتَأَخِّر؟!

إِنْ قُلْتَ: نَعَم! فَقَدْ مَرَقْتَ مِنَ السُّنَّةِ وَفَضَحْتَ حَقِيقَةَ مَنْهَجِك.

وَإِنْ قُلْتَ: لَا! فَقَدْ هَدَمْتَ مَنْهَجَكَ الْإِسْقَاطِيَّ بِلِسَانِك.

فَكَيْفَ صَارَ عُذْرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْجَهْمِيَّةِ الْجَلَّادِينَ (سُنَّةً وَوَرَعًا).. وَصَارَ عُذْرُنَا لِأَئِمَّةِ الْهُدَى فِي زَلَّاتِهِمْ (تَمْيِيعًا وَضَلَالًا)؟!

فَيَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ؛ أَفِقْ مِنْ سَكْرَتِك! الْإِمَامُ أَحْمَدُ يُجْلَدُ فِي ذَاتِ اللَّهِ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ الدَّمَ وَيَسْتَغْفِرُ لِجَلَّادِيهِ الْمُتَأَوِّلِينَ.. وَأَنْتَ تَتَّكِئُ عَلَى أَرِيكَتِكَ، تَشُقُّ قُلُوبَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْأَعْلَامِ لِتُكَفِّرَهُمْ وَتُسْقِطَهُمْ فِي زَلَّةِ اجْتِهَاد!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَيْرَةَ عَلَى الدِّينِ لَا تَكُونُ بِانْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ وَاسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ أَئِمَّتِهِ، وَتَوَاضَعْ لِمِيزَانِ السَّلَفِ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «وَلِهَذَا كُنْتُ أَقُولُ لِلْجَهْمِيَّةِ مِنَ الْحُلُولِيَّةِ وَالنُّفَاةِ الَّذِينَ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ لَمَّا وَقَعَتْ مِحْنَتُهُم: أَنَا لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا، لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَكُمْ كُفْر، وَأَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُونَ لِأَنَّكُمْ جُهَّال. وَكَانَ هَذَا خِطَابًا لِعُلَمَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ».

البيانقِفْ أَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمَهِيبِ طَوِيلًا مُتَأَمِّلًا؛ فَوَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ نَصًّا يَجْمَعُ أَطْرَافَ الْحَقِّ وَيُؤَصِّلُ الْمَسْأَلَةَ كَمِثْلِه.

إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَسِيرًا فِي قَبْضَةِ خُصُومِهِ الْأَلِدَّاء، وَالْمِحْنَةُ عَلَى أَشُدِّهَا، وَمَفَاتِيحُ السُّجُونِ وَقَوَارِعُ السِّيَاطِ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ يَقِفُ أَعْزَلًا إِلَّا مِنْ سِلَاحِ الْحُجَّةِ الدَّامِغَة. فَمَا دَاهَنَهُمْ لِيَنْدَفِعَ عَنْهُ أَذَى شَرِّهِمْ، وَلَا هُوَ سَارَعَ إِلَى تَكْفِيرِهِمْ لِيَشْتَفِيَ لِغَيْظِ صَدْرِهِ مِنْهُم. بَلْ نَطَقَ بِكَلِمَتِهِ الْفَصْلِ الَّتِي حُقَّ لَهَا أَنْ تُسَطَّرَ بِمَاءِ الذَّهَب: «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا، وَأَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُون».

تَدَبَّرْ -أَرْشَدَكَ اللَّهُ- شَطْرَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَفِيهَا مِيزَانُ الدِّينِ الْقَوِيمِ قَدِ اخْتُزِلَ فِي سَطْرٍ وَاحِد. «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا»: فَالْقَوْلُ فِي مِيزَانِهِ كُفْرٌ صُرَاح، لَا يَقْبَلُ الْمُدَاهَنَةَ وَلَا التَّلْطِيف.

«وَأَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُون»: فَلِلْقَائِلِ الْمُعَيَّنِ عُذْرٌ يَدْرَأُ عَنْهُ التَّكْفِيرَ مَا لَمْ تَنْتَفِ الْمَوَانِع.

إِنَّهَا الشِّدَّةُ الصَّارِمَةُ عَلَى «الْمَقَالَةِ» بِلَا حُدُودٍ، وَالرَّحْمَةُ الْوَاسِعَةُ بِـ«الْمُعَيَّنِ» بِلَا تَمْيِيع.

ذَلِكُمْ هُوَ التَّرْكِيبُ الْبَدِيعُ الَّذِي يَزْعُمُ الْغُلَاةُ الْمُعَاصِرُونَ اسْتِحَالَتَهُ وَتَنَاقُضَهُ، قَدْ صَاغَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُحْكَمَة.

ثُمَّ أَمْعِنِ النَّظَرَ، فِي أَيِّ مَسْأَلَةٍ عَذَرَهُمْ؟ لَقَدْ عَذَرَهُمْ فِي صِفَةِ «عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ»؛ وَهِيَ قِمَّةُ بَابِ الصِّفَاتِ وَأَجْلَى مَسَائِلِهِ وَأَظْهَرُهَا.

فَالْقَوْمُ الَّذِينَ قَارَعَهُمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَمْ يَتَأَوَّلُوا صِفَةً وَاحِدَةً وَيُمْسِكُوا، بَلِ اسْتَأْصَلُوا أَصْلَ الصِّفَةِ فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ الْبَارِي فَوْقَ الْعَرْشِ أَصْلًا، وَهُمْ مِنْ غُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ الْمُتَأَرْجِحِينَ بَيْنَ حُلُولِيٍّ مَارِقٍ وَنَافٍ مُعَطِّل!

فَإِنْ كَانَ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْعُتَاةِ لَا يُكَفَّرُونَ عِنْدَهُ بِأَعْيَانِهِمْ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ هُوَ دُونَهُمْ بِمَرَاحِلَ فِي دَرَكَاتِ الْخَطَأِ، مِمَّنْ رَامَ تَنْزِيهَ اللَّهِ فَأَخْطَأَ التَّأْوِيل؟!

وَهَا هُنَا الْقَاصِمَةُ الَّتِي تَدُكُّ بُنْيَانَ الْغُلُوِّ مِنَ الْقَوَاعِدِ: «وَكَانَ هَذَا خِطَابًا لِعُلَمَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ». فَلَمْ يَقُلْ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَعْذِرُ عَوَامَّهُمُ الْمُقَلِّدَةَ وَأُكَفِّرُ رُؤُوسَهُمُ الْمُتَصَدِّرَةَ، بَلْ أَنْزَلَ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ عَلَى عِلْيَةِ الْقَوْمِ وَسَادَتِهِمْ: عَلَى الْعَالِمِ الْمُتَصَدِّرِ لِلْفُتْيَا، وَالْقَاضِي الْجَالِسِ لِلْحُكْمِ، وَالشَّيْخِ الْمُتَصَدِّرِ لِلْإِقْرَاء.

فَأَيْنَ هَذَا الْفِقْهُ الرَّاسِخُ مِنْ هَذَرِ الْغُلَاةِ الْيَوْمَ حِينَ يَزْعُمُونَ: «الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ مَقْصُورٌ عَلَى الْعَوَامِّ، أَمَّا الْعَالِمُ فَلَا يُعْذَرُ مُطْلَقا»؟!

وَتَأَمَّلْ عُمْقَ اسْتِدْلَالِهِ فِي قَوْلِهِ: «لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَكُمْ كُفْر». لَقَدْ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِكُفْرِهِ -لَوْ وَافَقَهُمْ- بِـ«عِلْمِهِ» بِحَقِيقَةِ الْقَوْلِ، لَا بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ. فَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ يَتَفَوَّهُ بِهَا رَجُلَانِ: عَالِمٌ بِحَقِيقَتِهَا وَمَآلَاتِهَا قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ فَيَكْفُرُ بِهَا، وَجَاهِلٌ مُتَأَوِّلٌ غَشِيَهُ الِاشْتِبَاهُ وَلَمْ تَنْكَشِفْ لَهُ الْمَحَجَّةُ فَيُعْذَر.

فَمَنَاطُ التَّكْفِيرِ وَمَرْبِطُهُ عِنْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ هُوَ «قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُعَيَّنِ»، لَا مُجَرَّدُ «وُقُوعِ اللَّفْظِ مِنَ اللِّسَانِ». وَهَذَا نَقْضٌ لِصَنْعَةِ الْقَوْمِ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَسَاسِهَا؛ إِذْ إِنَّ صَنْعَتَهُمُ الْبَائِسَةَ تَدُورُ حَوْلَ مَدَارٍ وَاحِدٍ: ثَبَتَ اللَّفْظُ مِنَ الْقَائِلِ، إِذَنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِرِدَّتِهِ!

ثُمَّ أَيْقِنْ أَنَّ مَوْقِفَ الْإِمَامِ هَذَا لَمْ يَكُنْ وَرَعًا بَارِدًا طَارِئًا، وَلَا زَلَّةَ ضَعْفٍ نَطَقَ بِهَا مُضْطَهَدٌ يَتَّقِي شَرَّ سَاجِنِيهِ؛ فَالْإِمَامُ ذَاتُهُ هُوَ مَنْ سَوَّدَ الْمُجَلَّدَاتِ فِي نَسْفِ شُبُهَاتِهِمْ، وَنَاظَرَ طَوَاغِيتَهُمْ حَتَّى أَفْحَمَهُمْ، وَسِيقَ إِلَى ظُلُمَاتِ السُّجُونِ بِسِعَايَتِهِمْ حَتَّى لَقِيَ رَبَّهُ فِيهَا.

فَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا رَجُلٌ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ أَعْرَاضَهُمْ وَأَعْيَانَهُمْ بِجَرْحٍ أَوْ تَكْفِيرٍ، لَكَانَ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ، صَدَعَ بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ: «لَا تُكَفَّرُون». إِنَّهَا كَلِمَةُ دِيَانَةٍ وَرُسُوخِ مَنْهَجٍ، لَا كَلِمَةُ مُصَانَعَةٍ وَتَلَمُّسِ مَخْرَج.

وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِدْعًا فِي هَذَا؛ بَلْ هُوَ وَارِثٌ لِإِمَامِهِ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ فَقَدْ سَلَكَ أَحْمَدُ مَعَ جَهْمِيَّةِ زَمَانِهِ الْمَسْلَكَ ذَاتَهُ: جَلَدُوهُ بِسِيَاطِهِمْ، وَغَيَّبُوهُ فِي سُجُونِهِمْ، وَحَمَلُوا الْأُمَّةَ قَسْرًا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَمَعَ ذَلِكَ دَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ، وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْأَثِيرَةَ: «مَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ فِي سَبَبِك؟».

وَقَدْ نَقَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ؛ فَلَمْ يُكَفِّرْ كُلَّ مَنِ انْتَحَلَ التَّجَهُّمَ، وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَهُمْ فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ. بَلْ أَقَامَ الصَّلَاةَ خَلْفَ قُضَاةِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى ضَلَالَتِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ عَلَيْهَا وَأَنْزَلُوا الْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةَ بِالْمُخَالِفِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَكَانَ يَدْعُو لَهُمْ، وَيَرَى مَشْرُوعِيَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ، وَالْمُضِيَّ مَعَهُمْ فِي الْحَجِّ وَالْغَزْوِ، وَيُحَرِّمُ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ، شَأْنُهُمْ فِي ذَلِكَ شَأْنُ سَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

فَسُبْحَانَ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ! أَحْمَدُ فِي أَتُونِ مِحْنَتِهِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كَرْبِ غُرْبَتِهِ، كِلَاهُمَا وَازَنَ بَيْنَ الشِّدَّةِ فِي تَكْفِيرِ «الْمَقَالَةِ» وَالرَّحْمَةِ الْبَالِغَةِ بِـ«قَائِلِهَا».

فَمَنِ ادَّعَى بِجَهْلِهِ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ الْمُحْكَمَ إِرْجَاءٌ وَتَمْيِيعٌ، فَلْيُلْحِقِ الْإِمَامَيْنِ الْجَبَلَيْنِ بِطَوَائِفِ الْمُرْجِئَةِ! وَلْيُسْفِرْ لَنَا عَنْ وَجْهِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُرِيَنَا أَيْنَ يَقِفُ هُوَ مِنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِح.

وَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ مِنْ مُفَارَقَةٍ تُدْمِي الْقُلُوبَ حُزْنًا: فَالرَّجُلُ الَّذِي يَزْعُمُ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ وَغِلْمَانُهُ أَنَّهُمُ الْمُتَحَدِّثُونَ الرَّسْمِيُّونَ بِاسْمِهِ وَالْمُنَافِحُونَ عَنْ تُرَاثِهِ، هُوَ ذَاتُ الْإِمَامِ الَّذِي وَسِعَ بِعُذْرِهِ قُضَاةَ الْجَهْمِيَّةِ وَشُيُوخَهُمْ فِي أَشْنَعِ بِدْعَةٍ كَنَفْيِ الْعُلُوّ!

بَيْنَمَا تَرَاهُمُ الْيَوْمَ يُسَلِّطُونَ نُصُوصَ شِدَّةِ الْأَئِمَّةِ -بَعْدَ انْتِزَاعِهَا مِنْ سِيَاقِهَا- لِتَكْفِيرِ إِمَامٍ جَلِيلٍ كَالنَّوَوِيِّ؛ الَّذِي أَثْبَتَ لِلَّهِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا لَمْ يَخْطُرْ لِغُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ بِبَالٍ، وَأَثْبَتَ الْعُلُوَّ، وَخَدَمَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ بِمَا يَفُوقُ خِدْمَةَ قَرْنٍ كَامِلٍ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ مُتَدَثِّرًا بِقَصْدِ التَّنْزِيه!

لَقَدِ اخْتَطَفَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ مِنْ أَحْمَدَ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ سَوْطَهُمَا وَطَرَحُوا مِيزَانَهُمَا، وَتَقَلَّدُوا سَيْفَهُمَا وَنَبَذُوا عَدْلَهُمَا وَإِنْصَافَهُمَا!

المقدِّم يقدِّم محمد بن شمس الدين بلقب «المتحدث باسم ابن تيمية»

فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ الْغَالِي، أَقِمْ نَفْسَكَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ الْعَصِيبِ: لَوْ شَهِدْتَ مِحْنَةَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَسَمِعْتَهُ يَصْدَعُ فِي وُجُوهِ قُضَاةِ الْجَهْمِيَّةِ: «أَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُونَ لِأَنَّكُمْ جُهَّال»، مَا الَّذِي كُنْتَ صَانِعًا يَوْمَئِذٍ؟ أَكُنْتَ تَنْتَفِضُ فِي وَجْهِ الْإِمَامِ صَارِخًا: هَذَا إِرْجَاءٌ وَتَمْيِيعٌ، وَالْعَالِمُ لَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ مُطْلَقا؟! فَاعْلَمْ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ خُصُومَتَكَ الْمُفْتَعَلَةَ لَيْسَتْ مَعَ «مُتَسَاهِلِي هَذَا الزَّمَانِ وَمُمَيِّعِيهِمْ» كَمَا تُمَوِّهُ عَلَى أَتْبَاعِكَ وَتُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ، بَلْ خُصُومَتُكَ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ مَعَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَيْنِهِ، فِي أَسْطَعِ مَوَاقِفِهِ وَأَصْرَحِ أَلْفَاظِهِ! بَلْ قُلْ لِي: مَاذَا كُنْتَ فَاعِلًا لَوْ أَبْصَرْتَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُخَاطِبُ جَلَّادَهُ -الَّذِي أَوْقَدَ نَارَ فِتْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ- مُنَادِيًا إِيَّاهُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ»؟!

وَلَا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أَنَّنَا بِهَذَا التَّقْرِيرِ نُهَوِّنُ مِنْ شَنَاعَةِ أَقْوَالِ الْجَهْمِيَّةِ الْمَارِقَةِ، أَوْ نَشْرَعُ أَبْوَابَ الْأَعْذَارِ لِكُلِّ نَاعِقٍ بِالْبَاطِلِ؛ فَقَدْ تَوَلَّى النَّصُّ نَقْضَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قَبْلَ أَنْ تُلْفَظَ، حَيْثُ قَالَ: «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا».

فَالْبِدْعَةُ ضَلَالَةٌ، وَالْكُفْرُ كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَالْبَيَانُ فَرْضٌ مَحْتُومٌ، وَنَقْضُ الْمَقَالَاتِ الْفَاسِدَةِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ. وَإِنَّمَا مُعْتَرَكُ النِّزَاعِ وَمَنَاطُ الْخِلَافِ فِي إِهْدَارِ عَيْنِ الرَّجُلِ «الْمُعَيَّنِ» وَتَكْفِيرِهِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ؛ فَذَلِكُمْ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ، وَأَبَاهُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ يُسَامُ سُوءَ الْعَذَابِ تَحْتَ السِّيَاط.

وَأَيْقِنْ أَنَّ التَّارِيخَ مَا خَلَّدَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ التَّيْمِيَّةَ إِلَّا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَثْقَلَ عَلَى النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ مَسْلَكَيِ الْمُوَافَقَةِ وَالتَّكْفِيرِ كِلَيْهِمَا؛ فَالْمُوَافَقَةُ لِلْمُبْطِلِينَ كَانَتْ سَتَشْرَعُ لَهُ أَبْوَابَ السَّلَامَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ كَانَ سَيَشْفِي غَلِيلَ صَدْرِهِ مِنْ ظَالِمِيهِ وَيُطْفِئُ لَوْعَتَهُ. لَكِنَّهُ اخْتَارَ أَوْعَرَ السُّبُلِ وَأَشَقَّهَا عَلَى النُّفُوسِ: طَرِيقَ الْحَقِّ الْمُجَرَّدِ وَالْعَدْلِ الْمُطْلَقِ. فَتَبَصَّرْ فِي أَمْرِكَ، وَانْظُرْ أَيَّ السُّبُلِ الثَّلَاثَةِ تَسْلُكُ إِذَا بُلِيتَ بِالْمُخَالَفَةِ: أَتَرْكَنُ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ؟! أَمْ تَنْجَرِفُ فِي تَيَّارِ التَّكْفِيرِ الْأَعْمَى؟! أَمْ تَصْدَعُ بِالْحَقِّ فِي نَقْضِ «الْمَقَالَةِ» وَتَلْتَزِمُ الْعَدْلَ فِي «الْقَائِلِ»، وَلَوْ كَانَ خَصْمُكَ الْأَلَدَّ الَّذِي سَامَكَ الْخَسْفَ وَالْأَذَى؟!

نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الَّذِي رَبَطَ عَلَى قَلْبِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَثَبَّتَهُ فِي مِحْنَتِهِ، أَنْ يَرْزُقَنَا صَلَابَتَهُ وَشِدَّتَهُ فِي الْحَقِّ، وَسَعَةَ رَحْمَتِهِ بِالْخَلْقِ، وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنْ أَنْ نَجْعَلَ حَظَّنَا مِنْ تُرَاثِهِ وَعِلْمِهِ سَوْطَ عَذَابٍ نَجْلِدُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ: لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّة، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُه. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّين: أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ وَلَا يُفَسِّقُونَ وَلَا يُؤَثِّمُونَ أَحَدًا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْطِئِينَ، لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّة.

البيانضَرْبَةٌ تَيْمِيَّةٌ قَاضِيَة، تَنْسِفُ أَضْخَمَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يَبْنِي عَلَيْهَا الْغُلَاةُ دِينَهُمْ، وَتُسَوِّي صَرْحَ تَدْلِيسِهِمْ بِالْأَرْضِ!

فَهُنَا يَقِفُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَدُكَّ (بِدْعَةَ التَّفْرِيقِ) الَّتِي يَتَتَرَّسُ بِهَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم؛ فَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعُذْرَ بِالِاجْتِهَادِ مَحْصُورٌ فِي الْفِقْهِيَّاتِ، أَمَّا مَسَائِلُ الْعَقِيدَةِ (الْأُصُولُ) فَلَا عُذْرَ فِيهَا لِمُجْتَهِدٍ أَخْطَأ!

فَجَاءَهُمُ النَّصُّ كَالصَّاعِقَة: «لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّة».

وَلِسَدِّ مَنَافِذِ الْهَرَبِ وَالتَّأْوِيلِ، كَرَّرَ الْإِمَامُ تَقْرِيرَ الْقَاعِدَةِ بِلَفْظٍ حَاسِمٍ آخَرَ فَقَال: «لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّة»! وَالْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ هِيَ (مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ) نَصًّا وَإِجْمَاعًا.

ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ حَظَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ تُجَاهَ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ فَقَال: «لَا يُكَفِّرُونَ، وَلَا يُفَسِّقُونَ، وَلَا يُؤَثِّمُونَ». فَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفْيِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، بَلْ رَفَعَ عَنِ الْعَالِمِ الْمُخْطِئِ حَتَّى أَدْنَى الدَّرَجَاتِ (وَهِيَ الْإِثْم)!

فَالْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ مَأْجُورٌ شَرْعًا غَيْرُ مَأْزُورٍ، بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ لَا يَكْتَفُونَ بِتَأْثِيمِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ يُفَسِّقُونَهُمْ، وَيُبَدِّعُونَهُمْ، وَيُخْرِجُونَهُمْ مِنَ السُّنَّة!

وَانْظُرُوا إِلَى مَنْ نُسِبَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْعَظِيمَة؟ لَمْ يَجْعَلْهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ اجْتِهَادًا شَخْصِيًّا لَه، بَلْ حَكَاهَا إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا نَاصِعًا عَنِ (الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ).

فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ وَمَنَعَ الْعُذْرَ، فَلَمْ يُخَالِفِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ وَحْدَهُ، بَلِ انْسَلَخَ مِنْ مَذْهَبِ الصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الدِّين.

فَيَا مَنْ فَرَّقَ مَا جَمَعَهُ السَّلَفُ، وَضَيَّقَ مَا وَسَّعَهُ الشَّرْع؛ تَدَّعِي حِرَاسَةَ الْعَقِيدَةِ بِمَنْعِ الْعُذْرِ فِيهَا، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ يَنْقُلُ لَكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى عُذْرِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْأُصُولِ كَالْفُرُوعِ! فَهَلْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْإِمَامَيْنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ حَزْم؟!

طَأْطِئْ رَأْسَكَ لِسَطْوَةِ الْإِجْمَاعِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَئِمَّةِ الْهُدَى؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ وُقُوفَكَ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَتُسْأَلُ عَنْ تَبْدِيعِ وَإِسْقَاطِ مَنْ (أَجَرَهُمُ اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُمْ)، لَمَوْقِفٌ تَذُوبُ مِنْهُ الْقُلُوبُ حَيَاءً وَرُعْبًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الْمُتَأَوِّلُ الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ لَا يُكَفَّرُ، بَلْ وَلَا يُفَسَّقُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأ. وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّة. وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَان، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِين؛ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة.

البيانوَثِيقَةٌ تَيْمِيَّةٌ حَارِقَة، تَنْسِفُ شَجَرَةَ الْغُلُوِّ مِنْ جُذُورِهَا التَّارِيخِيَّة، وَتَرُدُّ بِضَاعَةَ الْحَدَّادِيَّةِ الْفَاسِدَةَ إِلَى نُحُورِهِمْ!

فَهُنَا يَقِفُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَجْتَثَّ (بِدْعَةَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ بِالْخَطَأِ فِي الْعَقِيدَة) وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْلِهَا الْأَسْوَد.

وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ يَتَسَتَّرُ بِرِدَاءِ السَّلَف؛ إِذْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَمَنْعَ الْعُذْرِ فِي الْعَقَائِدِ لَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَة، وَلَا التَّابِعِين، وَلَا أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَطّ!

بَلْ هُوَ مِيرَاثٌ خَبِيثٌ تَلَقَّفَهُ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ الصَّافِيَةِ كَالْخَوَارِج، وَالْمُعْتَزِلَة، وَالْجَهْمِيَّة!

ثُمَّ وَضَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ عَلَى الْعَلَامَةِ الْفَارِقَةِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَع، وَهِيَ: (أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ). فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ فِي ذَاتِ الْخِلَاف، بَلْ فِي تَحْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى (مِحْنَةٍ وَمِقْصَلَة) يُعْقَدُ عَلَيْهَا الْوَلَاءُ وَالْبَرَاء، وَيُسْقَطُ بِهَا الْمُخَالِفُ الْمَعْذُور؛ وَهَذَا هُوَ دِينُ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُعَاصِرُ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّة!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ حَسَمَ الْإِمَامُ مَوْضِعَ النِّزَاعِ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَة، فَقَالَ: «وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا».

فَهُوَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ الْهَدْمِيَّ مَوْجُود، وَأَنَّ فَاعِلِيهِ (كَثِير)، وَمَعَ ذَلِكَ أَخْرَجَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ بِجُرْأَةٍ عِلْمِيَّةٍ صَرِيحَةٍ مِنْ دَائِرَةِ مَذْهَبِ السَّلَف!

وَعَلَّقَ عُذْرَ الْمُخَالِفِ عَلَى شَرْطٍ وَاحِد: «الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُول». وَالْقَصْدُ سِرٌّ مَدْفُونٌ فِي الْقَلْب؛ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْلَمُ سُوءَ قَصْدِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمْ لِيُسْقِطَهُمْ، فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إِلَيْه.

فَيَا لَلْعَجَبِ مِنْ حَالِكَ أَيُّهَا الْمَفْتُون! تَزْعُمُ أَنَّكَ تَرْفَعُ سَيْفَ الْجَرْحِ لِتَقْمَعَ الْخَوَارِجَ وَالْجَهْمِيَّة، فَإِذَا بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ يُخْبِرُكَ نَصًّا أَنَّكَ تَسْتَعْمِلُ (قَوَاعِدَ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ) ذَاتَهَا فِي قَمْعِ إِخْوَانِكَ وَإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْهُدَى!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَلَا تَهْدِمْ صَرْحَ السُّنَّةِ بِمَعَاوِلِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تُحْسِنُ صُنْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ السَّلَفِيَّ الصَّرِيحَ عَلَى عُذْرِ الْمُتَأَوِّل، لَنْ تَنْقُضَهُ قَسْوَتُكَ وَلَا كَثْرَةُ طُعُونِكَ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الْأَقْوَالُ الَّتِي يَكْفُرُ قَائِلُهَا قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَمْ تَبْلُغْهُ النُّصُوصُ الْمُوجِبَةُ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَقَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فَهْمِهَا، وَقَدْ يَكُونُ قَدْ عَرَضَتْ لَهُ شُبُهَاتٌ يَعْذِرُهُ اللَّهُ بِهَا. فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَأَخْطَأَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ كَائِنًا مَا كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّة. هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام، وَمَا قَسَّمُوا الْمَسَائِلَ إِلَى مَسَائِلِ أُصُولٍ يُكَفَّرُ بِإِنْكَارِهَا، وَمَسَائِلِ فُرُوعٍ لَا يُكَفَّرُ بِإِنْكَارِهَا.

البياندَكَّةٌ عِلْمِيَّةٌ عُظْمَى تَهْدِمُ آخِرَ حُصُونِ الْغُلُوِّ، وَتَسُدُّ مَنَافِذَ الْهَرَبِ عَلَى مَنْ يَتَسَتَّرُ بِبِدْعَةِ التَّفْرِيق!

فَإِنَّكَ مَتَى مَا حَاصَرْتَ الْغَالِيَ بِنُصُوصِ السَّلَفِ الْقَاطِعَةِ فِي (الْعُذْرِ بِالْخَطَأ)، فَرَّ إِلَى حِصْنِهِ الْأَخِيرِ قَائِلًا: "هَذَا الْعُذْرُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالْفُرُوعِ، أَمَّا الِاعْتِقَادُ وَالْأُصُولُ فَلَا عُذْرَ فِيهَا لِمُخْطِئ"!

فَجَاءَهُ نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ لِيَقْتَلِعَ هَذَا الْحِصْنَ الْمَوْهُومَ مِنْ أَسَاسِهِ، وَيُقَرِّرَ نَصًّا: «وَمَا قَسَّمُوا الْمَسَائِل..»؛ لِيُثْبِتَ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ ذَاتَهُ (تَقْسِيمٌ مُحْدَث)، لَمْ يَعْرِفْهُ الصَّحَابَةُ وَلَا جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّة.

وَتَأَمَّلِ الْحَسْمَ التَّيْمِيَّ فِي إِغْلَاقِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ؛ إِذْ قَالَ فِي خَطَأِ الْمُجْتَهِدِ: «يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ كَائِنًا مَا كَان»، ثُمَّ فَصَّلَهَا تَصْرِيحًا لَا تَلْمِيحًا: «سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّة». وَالْمَسَائِلُ النَّظَرِيَّةُ هِيَ (مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ) عَيْنُهَا الَّتِي يُكَابِرُ الْغُلَاةُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِلْمُخْطِئِ فِيهَا!

ثُمَّ قِفْ مَبْهُوتًا أَمَامَ فِقْهِ الْأَعْذَارِ؛ فَقَدْ سَرَدَ الْإِمَامُ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ رَحِيمَةٍ تَدْرَأُ الْحُكْمَ عَنِ الْمُخْطِئِ: (أَلَّا يَبْلُغَهُ النَّصُّ، أَوْ يَبْلُغَهُ وَلَا يَثْبُتَ عِنْدَهُ، أَوْ يَثْبُتَ وَلَا يَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِهِ، أَوْ تَعْرِضَ لَهُ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْذِرُهُ اللَّهُ بِهَا).

أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ سَلَفِيَّةٍ لِلْعُذْرِ، يَمُرُّ عَلَيْهَا الْغَالِي الْيَوْمَ وَهُوَ أَعْمَى الْقَلْبِ، ثُمَّ يُنْزِلُ حُكْمَ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ اللَّفْظِ مِنَ الْإِمَامِ الْمُخَالِفِ، دُونَ أَدْنَى الْتِفَاتٍ لِعُذْرٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ تَأْوِيل!

وَلْتَعْلَمْ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ لَمْ يَسُقْ هَذَا الْكَلَامَ كَرَأْيٍ يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ، بَلْ قَالَ: «هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام». فَمَنْ رَدَّ الْعُذْرَ الْيَوْمَ؛ فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يَرُدُّ اجْتِهَادَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، بَلْ يَنْقُضُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَيُفَارِقُ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ؛ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الرَّحْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ تُفْتَحُ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَأَنْتَ تُوصِدُهَا جَمِيعًا فِي وَجْهِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لِتُسْقِطَهُم!

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ أَقَامَكَ جَلَّادًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ تَمْنَعُ رَحْمَتَهُ أَنْ تَنَالَ عِبَادَهُ الْمُخْلِصِين؟!

اتَّقِ اللَّهَ فِي وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ غَدًا؛ فَقَدْ تَقَعُ فِي زَلَّةٍ أَوْ خَطَأٍ فَاحِشٍ، وَتَتَمَنَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ عَذَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، فَتَجِدُهُ قَدْ حُرِمَ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ ضَيَّقْتَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَئِمَّةِ الْخَيْر!

فَوَاللَّهِ لَوْ عَامَلَكَ دَيَّانُ السَّمَاوَاتِ غَدًا بِمِثْلِ قَسْوَتِكَ وَظُلْمِكَ الْيَوْمَ، لَهَلَكْتَ وَلَمْ يَنْفَعْكَ ادِّعَاءُ السُّنَّة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بَلْ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم؛ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأٍ أَخْطَأَهُ يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ، بَلْ وَلَا يَأْثَم؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي دُعَاءِ الْمُؤْمِنِين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «قَدْ فَعَلْتُ»... وَلَوْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ لَلَزِمَ تَكْفِيرُ كَثِيرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالصُّوفِيَّةِ، الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين.

البياننَصٌّ قُرْآنِيٌّ قَطْعِيٌّ، وَإِلْزَامٌ تَارِيخِيٌّ مُرَوِّعٌ، يَهْدِمُ خُرَافَةَ (الْإِسْقَاطِ الْكُلِّيِّ)، وَيَفْضَحُ مَنْ يَنْقُضُ إِجْمَاعَ الْأُمَّةِ بِنُقُولَاتٍ شَاذَّة!

فَفِي صَدْرِ النَّصّ؛ أَبْطَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْخِيَارَ الْمُزْدَوِجَ الْخَبِيثَ الَّذِي يَطْرَحُهُ الْغُلَاةُ (إِمَّا الْقَبُولُ الْكُلِّيُّ لِكُلِّ كَلَامِ الْعَالِمِ، أَوِ الرَّفْضُ وَالْإِسْقَاطُ الْكُلِّيُّ لَه)!

فَقَرَّرَ الْقَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّة: (يُؤْخَذُ وَيُتْرَك). فَمَا تَتْرُكُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَالِمِ لِكَوْنِهِ أَخْطَأَ فِيهِ، لَا يُوجِبُ تَكْفِيرَهُ وَلَا تَبْدِيعَهُ، بَلْ وَلَا تَأْثِيمَهُ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ الثَّابِت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وَبِقَوْلِ اللَّهِ: «قَدْ فَعَلْت».

فَرَفْعُ الْإِثْمِ عَنِ الْمُخْطِئِ لَيْسَ مُجَرَّدَ اجْتِهَادٍ فِقْهِيٍّ، بَلْ هُوَ اسْتِجَابَةٌ إِلَهِيَّةٌ مُخْبَرٌ بِوُقُوعِهَا.

ثُمَّ نَأْتِي إِلَى (الْإِلْزَامِ الْقَاصِمِ) فِي هَذَا النَّصّ؛ إِذْ سَرَدَ الْإِمَامُ طَوَائِفَ الْأُمَّةِ وَمَذَاهِبَهَا وَاحِدَةً وَاحِدَة (الْحَنَفِيَّةُ، الْمَالِكِيَّةُ، الْأَشْعَرِيَّةُ، الصُّوفِيَّةُ..)، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى رُؤُوسِ دُعَاةِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ بِصَخْرَةِ (الْإِجْمَاعِ) قَائِلًا: «الَّذِينَ لَيْسُوا كُفَّارًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِين».

فَتَقْرِيرُ التَّكْفِيرِ بِالْخَطَأِ يُلْزَمُ مِنْهُ إِخْرَاجُ جُمْهُورِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَلَازِمُ هَذَا الْقَوْلِ بَاطِلٌ فَاحِشٌ، فَالْمَذْهَبُ الْبَانِي لَهُ بَاطِلٌ مِنْ أَسَاسِه.

وَهُنَا نَقِفُ مَعَ شُبْهَةٍ سَقِيمَةٍ يَلُوكُهَا الْحَدَّادِيَّة؛ فَإِنَّكَ إِذَا وَاجَهْتَهُمْ بِهَذَا الْإِجْمَاعِ السَّاطِعِ عَلَى نَفْيِ الْكُفْرِ عَنْ تِلْكَ الطَّوَائِفِ وَعَنْ أَئِمَّةٍ كَأَبِي حَنِيفَةَ، نَبَشُوا فِي بُطُونِ الْكُتُبِ، وَاسْتَخْرَجُوا لَكَ أَقْوَالًا شَدِيدَةً لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِهِم!

وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ صَمِيمِ هَذَا النَّصّ: لَقَدْ حَكَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُنَا (اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ)، وَالْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ لَا يُنْقَضُ بِكَلِمَةٍ شَاذَّةٍ لِعَالِمٍ، وَلَا بِغَضْبَةٍ فِي وَقْتِ فِتْنَةٍ أَوْ مِحْنَة!

فَالسَّلَفِيَّةُ الْحَقَّةُ هِيَ لُزُومُ (الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ) الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِي النِّهَايَةِ، وَلَيْسَ تَتَبُّعَ (الشُّذُوذَاتِ) وَالْمَقَالَاتِ الْمَهْجُورَةِ وَالْمَرْدُودَةِ الَّتِي تُخَالِفُ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِين.

فَاحْذَرْ أَيُّهَا الْغَالِي مِنْ مَسْلَكِكَ الْمُهْلِك؛ أَئِمَّةُ الْهُدَى يَنْقُلُونَ (اتِّفَاقَ الْمُسْلِمِينَ) عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ طَوَائِفِ الْأُمَّةِ وَحِفْظِ إِسْلَامِهِمْ، وَأَنْتَ تَنْبُشُ فِي مَزَابِلِ الْخِلَافِ عَنْ قَوْلٍ شَاذٍّ مَهْجُورٍ لِتُكَفِّرَهُمْ وَتَسْتَبِيحَ حُرُمَاتِهِم!

فَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ بِمُخَالَفَةِ إِجْمَاعِ الْمُؤْمِنِين؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ شَذَّ عَنْ إِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فِي حِفْظِ مَقَامَاتِ الْأَئِمَّةِ شَذَّ فِي النَّارِ، وَلَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ تَعَلُّقُهُ بِنَقْلٍ شَاذٍّ مَبْتُورٍ يَوْمَ الْعَرْضِ الْأَكْبَر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ، بَلْ دَفْعَ التَّكْفِيرِ عَنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَؤُوا: هُوَ مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة.

البيانوَثِيقَةٌ تَيْمِيَّةٌ تَقْلِبُ الْمَوَازِينَ، وَتَجْعَلُ الذَّبَّ عَنْ أَعْرَاضِ الْأَئِمَّةِ الْمُخْطِئِينَ قِمَّةً فِي تَحْقِيقِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، لَا تَمْيِيعًا لَهَا!

انْظُرْ إِلَى الرُّتْبَةِ السَّامِيَةِ الَّتِي أَنْزَلَ فِيهَا الْإِمَامُ هَذِهِ الْقَضِيَّة: «مِنْ أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة». فَلَمْ يَجْعَلِ الدِّفَاعَ عَنِ الْعُلَمَاءِ (تَقْدِيسًا لِلْأَشْخَاصِ) أَوْ (مَنْهَجًا فَاسِدًا) كَمَا يُرْجِفُ بِهِ الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم!

وَلَمْ يَجْعَلْهُ حَتَّى مُجَرَّدَ فِعْلٍ (مُبَاحٍ) أَوْ (مَنْدُوبٍ)؛ بَلِ ارْتَقَى بِهِ لِيَكُونَ (قَصْدًا شَرْعِيًّا وَغَرَضًا رَبَّانِيًّا) فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّين.

وَهُنَا مَرْبِطُ الْفَرَسِ الَّذِي يَفْضَحُ إِرْهَابَ الْغُلَاةِ؛ فَالْقَوْمُ يُمَارِسُونَ تَرْهِيبًا نَفْسِيًّا لِيُصَوِّرُوا الذَّبَّ عَنِ الْأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَكَأَنَّهُ (تَنَازُلٌ وَتَمْيِيعٌ وَتَسَاهُلٌ) يَجِبُ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنْهُ وَتَعْتَذِرَ عَنْهُ!

بَيْنَمَا يَجْعَلُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (مَقْصِدًا شَرْعِيًّا) يُطْلَبُ لِذَاتِهِ، يُنَافِحُ عَنْهُ أَئِمَّةُ السُّنَّة. فَالْقَضِيَّةُ عِنْدَهُ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، لَا مُجَرَّدَ مَسْأَلَةٍ ذَوْقِيَّة.

ثُمَّ تَأَمَّلِ الْقَيْدَ التَّيْمِيَّ الْعَبْقَرِيَّ: «وَإِنْ أَخْطَؤُوا»! فَالدِّفَاعُ عَنِ الْأَئِمَّةِ وَالذَّبُّ عَنْهُمْ لَيْسَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَتِهِمْ مِنَ الْأَخْطَاءِ، وَإِلَّا بَطَلَ مَعْنَى النَّصِّ أَصْلًا؛ فَالْعَالِمُ الْمَعْصُومُ الَّذِي لَمْ يُخْطِئْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُ غَائِلَةَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيع!

وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ مَسْلَكِ الْحَدَّادِيَّةِ فِي تَرْهِيبِ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ وَإِسْكَاتِهِمْ حَتَّى لَا يُدَافِعُوا عَنْ أَئِمَّتِهِم.

فَهُمْ يَبْتَزُّونَكَ بِـ "الْخَطَأ" لِيَمْنَعُوكَ مِنَ الدِّفَاعِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ يُقَرِّرُ أَنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْعَالِمِ (وَاجِبٌ وَغَرَضٌ شَرْعِيٌّ) حَتَّى مَعَ ثُبُوتِ ذَلِكَ الْخَطَأ!

فَلَا تَسْتَوْحِشْ أَيُّهَا السُّنِّيُّ الصَّادِقُ مِنْ نَعِيقِ الْغُلَاةِ، وَلَا تُرْهِبْكَ أَلْسِنَتُهُمُ الْحِدَادُ؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ ذَبَّكَ عَنْ أَعْرَاضِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ تَمْيِيعًا، بَلْ هُوَ تَحْقِيقٌ لِأَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّة.

وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ بِالْإِسْقَاطِ؛ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِصَنِيعِكَ هَذَا إِنَّمَا تُصَادِمُ (مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ) وَجْهًا لِوَجْهٍ، فَكَيْفَ تَرْجُو النَّجَاةَ غَدًا وَأَنْتَ تَهْدِمُ بِعَمَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِحِفْظِهِ وَصِيَانَتِهِ؟!

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَفِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِعُ، يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ الْعُمُومَاتِ لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِه». وَقَالَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَد: «وَإِنَّمَا كَانَ يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ الْمُنْكِرِينَ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، لِأَنَّ مُنَاقَضَةَ أَقْوَالِهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ تَعْطِيلُ الْخَالِقِ، وَكَانَ قَدِ ابْتُلِيَ بِهِمْ حَتَّى عَرَفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ وَأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى التَّعْطِيل. وَتَكْفِيرُ الْجَهْمِيَّةِ مَشْهُورٌ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، لَكِنْ مَا كَانَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَهُم».

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ، وَتَأَمَّلْ هَذَا الْفِقْهَ النَّيِّرَ الَّذِي خَطَّهُ يَرَاعُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِتَعْلَمَ يَقِينًا الْبَوْنَ الشَّاسِعَ بَيْنَ فِقْهِ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ، وَبَيْنَ طَيْشِ الْمُتَعَالِمِينَ مِنَ الْغُلَاةِ وَالْحَدَّادِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا التَّكْفِيرَ سَيْفًا مُسَلَّطًا يُقَطِّعُونَ بِهِ أَوْصَالَ الْأُمَّةِ بِجَهْلٍ مُطْبِق.

لَقَدْ أَسَّسَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً مِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَاعِدَةً لَوْ فَقِهَهَا الْغُلَاةُ لَعَصَمَتْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي وَحَلِ التَّكْفِيرِ الْأَعْمَى.

يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ: «إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَفِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِع».

تَأَمَّلْ يَا رَعَاكَ اللَّهُ هَذَا التَّفْرِيقَ الدَّقِيقَ الْمَنِيع!

إِنَّ إِطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ «مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِر»، أَوْ «مَنْ فَعَلَ كَذَا فَقَدْ كَفَر» - وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالتَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ - لَا يَعْنِي بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ تَنْزِيلَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى فُلَانٍ بِعَيْنِهِ مِنَ النَّاسِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْل.

فَالْحُكْمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِالرِّدَّةِ بَابٌ عَظِيمُ الْخُطُورَةِ، دُونَهُ عَقَبَاتٌ كَأْدَاءُ مِنَ التَّحَقُّقِ مِنْ تَوَافُرِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ مِنْ جَهْلٍ، أَوْ تَأْوِيلٍ، أَوْ خَطَأٍ، أَوْ إِكْرَاه.

وَلِهَذَا يُقَرِّرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَعَامَّةَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مَعَ إِطْلَاقِهِمْ لِعُمُومَاتِ التَّكْفِيرِ فِي مَقَالَاتٍ بِدْعِيَّةٍ، «لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِه».

ثُمَّ انْظُرْ أَيُّهَا الْبَاحِثُ عَنِ الْحَقِّ، إِلَى الْمِثَالِ الْأَجْلَى الَّذِي سَاقَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَقْمَعَ بِهِ تَطَرُّفَ الْغُلَاة. لَقَدْ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِطَائِفَةِ «الْجَهْمِيَّةِ»، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْجَهْمِيَّة؟!

طَائِفَةٌ مُنَاقَضَتُهَا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ تَؤُولُ إِلَى إِنْكَارِ الْخَالِقِ وَتَعْطِيلِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِه.

لَقَدِ ابْتُلِيَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهِمْ، وَسَبَرَ أَغْوَارَهُمْ، وَعَلِمَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمُ الْخَبِيثِ، وَكَانَ تَكْفِيرُ طَائِفَةِ الْجَهْمِيَّةِ تَكْفِيرًا مُطْلَقًا مَشْهُورًا مُسْتَفِيضًا عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّة.

وَلَكِنْ، وَهُنَا مَوْضِعُ الشَّاهِدِ الَّذِي يَنْسِفُ بُنْيَانَ الْغُلَاةِ مِنَ الْقَوَاعِدِ: هَلْ قَامَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِتَنْزِيلِ هَذَا التَّكْفِيرِ عَلَى أَعْيَانِ الْجَهْمِيَّةِ وَأَفْرَادِهِمُ الْمُحَدَّدِينَ؟ الْجَوَابُ الصَّارِخُ الَّذِي يُقَرِّرُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُوَ: «لَكِنْ مَا كَانَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَهُم».

فَيَا دُعَاةَ الْغُلُوِّ وَالتَّكْفِيرِ، وَيَا مَنِ اسْتَسْهَلْتُمْ إِخْرَاجَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ؛ إِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ- لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، مُرَاعَاةً لِانْتِفَاءِ الشُّرُوطِ أَوْ وُجُودِ الْمَوَانِعِ كَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ، فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ تَكْفِيرَ أَئِمَّةِ هُدًى، وَعُلَمَاءِ سُنَّةٍ أَعْلَوْا رَايَةَ التَّوْحِيدِ وَنَصَرُوا الدِّينَ، كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِم؟!

كَيْفَ تُكَفِّرُونَ أَعْيَانَهُمْ بِمَسَائِلَ اجْتِهَادِيَّةٍ، أَوْ أَخْطَاءٍ وَقَعُوا فِيهَا بِتَأْوِيلٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي نُصْرَةِ سُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِين؟!

إِنَّ فِقْهَ الْأَئِمَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالِاحْتِيَاطِ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ، بَيْنَمَا مَنْهَجُكُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَجَلَةِ، وَالتَّشَهِّي، وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَة.

فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ بِهَذَا الْمِيزَانِ التَّيْمِيِّ الدَّقِيقِ، وَدَعُوا عَنْكُمْ هَذَا الْغُلُوَّ الْمُهْلِكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ حِينَ تَقِفُونَ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ جَعَلْتُمْ دِمَاءَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمُسْلِمِيهِمْ مُسْتَبَاحَةً بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا بُرْهَان.