عُرضت 28 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ: فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُمْ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ بَاغُونَ بِالْخَطَأ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يُعْصَمُونَ وَلَا يُؤَثَّمُونَ.

البيانتَشْخِيصٌ تَيْمِيٌّ عَبْقَرِيّ، يَضَعُ الْمِبْضَعَ عَلَى شِرْيَانِ الْغُلُوِّ، وَيُفَكِّكُ الْعُقْدَةَ الْمَنْهَجِيَّةَ الَّتِي صَنَعَتِ الْحَدَّادِيَّة!

فِي سَطْرٍ وَاحِد، كَشَفَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ جِذْرَ الْمَرَضِ الَّذِي يَجْمَعُ طَوَائِفَ الِانْحِرَافِ (الْغَالِيَةَ وَالْجَافِيَةَ)؛ وَهُوَ اعْتِقَادُهُمُ الْفَاسِدُ بـ (التَّلَازُمِ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْإِثْمِ)؛ أَيْ ظَنُّهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَقَعَ فِي الْخَطَأِ فَهُوَ آثِمٌ وَمُبْتَدِعٌ قَطْعًا!

فَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا التَّلَازُمَ، وَقَعَ حَتْمًا فِي أَحَدِ مُسْتَنْقَعَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَنْفِيَ الْخَطَأَ عَنْ إِمَامِهِ لِيَدْفَعَ عَنْهُ الْإِثْمَ (فَيَغْلُوَ وَيَجْعَلَهُ مَعْصُومًا)، وَإِمَّا أَنْ يُثْبِتَ الْإِثْمَ وَالتَّبْدِيعَ عَلَى الْعَالِمِ لِثُبُوتِ خَطَئِهِ (فَيَجْفُوَ وَيَجْعَلَهُ بَاغِيًا).

وَهُنَا تَجَلَّتْ عَبْقَرِيَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ إِذْ كَسَرُوا هَذَا التَّلَازُمَ الْفَاسِدَ مِنْ جُذُورِه! فَقَرَّرُوا: أَنَّ (الْخَطَأَ) قَدْ يَثْبُتُ، وَ(الْإِثْمَ) قَدْ يَنْتَفِي كُلِّيًا.

وَبِهَذَا الْفِقْهِ النَّيِّرِ وَحْدَه، يَسْتَقِيمُ لَكَ أَنْ تَقُولَ بِثِقَة: "أَخْطَأَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي التَّأْوِيلِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِه". هَذِهِ الْعِبَارَةُ السُّنِّيَّةُ الْمَوْزُونَةُ الَّتِي لَوْ تَفَوَّهْتَ بِهَا الْيَوْمَ فِي مَجَالِسِ الْغُلَاةِ لَرَمَوْكَ بِالتَّمْيِيعِ وَالضَّلَالِ؛ هِيَ عَيْنُ تَقْرِيرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حِينَ حَسَمَ الْمَوْقِفَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فَقَالَ: «لَا يُعْصَمُونَ، وَلَا يُؤَثَّمُونَ».

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ سَاوَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْوَصْفِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَأَسْمَاهُمَا مَعًا: (أَهْلَ الضَّلَال)! فَلَمْ يَجْعَلْ تَقْدِيسَ الْمُتَعَصِّبِينَ لِشُيُوخِهِمْ، بِأَهْوَنَ مِنْ طَعْنِ الْحَدَّادِيَّةِ وَإِسْقَاطِهِمْ لِأَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

فَالَّذِي يَكْسُو إِمَامَهُ بُرْدَةَ الْعِصْمَةِ، وَالَّذِي يَنْصِبُ الْمَشَانِقَ لِعَالِمٍ مُجْتَهِدٍ أَخْطَأَ؛ كِلَاهُمَا عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ ضَالٌّ عَنْ قَصْدِ السَّبِيل.

فَزِنْ نَفْسَكَ أَيُّهَا الْمَفْتُونُ بِهَذَا الْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ: مَنْهَجٌ سَلَفِيٌّ أَبْيَضُ يَقُولُ: «الْمُجْتَهِدُ إِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَخَطَؤُهُ مَغْفُور»، وَمَنْهَجٌ حَدَّادِيٌّ أَسْوَدُ يَقُولُ: «مَتَى مَا أَخْطَأَ الْعَالِمُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ يُسْقَطُ وَيُهْجَر»!

فَأَيُّ الْمَنْهَجَيْنِ وَصَفَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ (أَهْلِ الضَّلَال)؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَرَاجِعْ أُصُولَكَ؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ الْبَقَاءَ مَعَ (أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ) فِي عُذْرِ الْمُجْتَهِدِينَ وَحِفْظِ مَقَامَاتِهِمْ، خَيْرٌ لَكَ وَأَسْلَمُ لِدِينِكَ مِنْ تَصَدُّرِ مَجَالِسِ الضَّلَالِ الَّتِي لَا تُبْقِي لِعَالِمٍ حُرْمَة، وَلَا تَتْرُكُ لِلْإِسْلَامِ إِمَامًا.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَفِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِعُ، يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَعَامَّةَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ أَطْلَقُوا هَذِهِ الْعُمُومَاتِ لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِه». وَقَالَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَد: «وَإِنَّمَا كَانَ يُكَفِّرُ الْجَهْمِيَّةَ الْمُنْكِرِينَ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، لِأَنَّ مُنَاقَضَةَ أَقْوَالِهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمْ تَعْطِيلُ الْخَالِقِ، وَكَانَ قَدِ ابْتُلِيَ بِهِمْ حَتَّى عَرَفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ وَأَنَّهُ يَدُورُ عَلَى التَّعْطِيل. وَتَكْفِيرُ الْجَهْمِيَّةِ مَشْهُورٌ عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، لَكِنْ مَا كَانَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَهُم».

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ، وَتَأَمَّلْ هَذَا الْفِقْهَ النَّيِّرَ الَّذِي خَطَّهُ يَرَاعُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، لِتَعْلَمَ يَقِينًا الْبَوْنَ الشَّاسِعَ بَيْنَ فِقْهِ الْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ، وَبَيْنَ طَيْشِ الْمُتَعَالِمِينَ مِنَ الْغُلَاةِ وَالْحَدَّادِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا التَّكْفِيرَ سَيْفًا مُسَلَّطًا يُقَطِّعُونَ بِهِ أَوْصَالَ الْأُمَّةِ بِجَهْلٍ مُطْبِق.

لَقَدْ أَسَّسَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً مِنْ قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، قَاعِدَةً لَوْ فَقِهَهَا الْغُلَاةُ لَعَصَمَتْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي وَحَلِ التَّكْفِيرِ الْأَعْمَى.

يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ: «إِنَّ التَّكْفِيرَ لَهُ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ قَدْ تَنْتَفِي فِي حَقِّ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّ تَكْفِيرَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ الْمُعَيَّنِ إِلَّا إِذَا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ الْمَوَانِع».

تَأَمَّلْ يَا رَعَاكَ اللَّهُ هَذَا التَّفْرِيقَ الدَّقِيقَ الْمَنِيع!

إِنَّ إِطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّ «مَنْ قَالَ كَذَا فَهُوَ كَافِر»، أَوْ «مَنْ فَعَلَ كَذَا فَقَدْ كَفَر» - وَهُوَ مَا يُعْرَفُ بِالتَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ - لَا يَعْنِي بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ تَنْزِيلَ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى فُلَانٍ بِعَيْنِهِ مِنَ النَّاسِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْل.

فَالْحُكْمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ بِالرِّدَّةِ بَابٌ عَظِيمُ الْخُطُورَةِ، دُونَهُ عَقَبَاتٌ كَأْدَاءُ مِنَ التَّحَقُّقِ مِنْ تَوَافُرِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ مِنْ جَهْلٍ، أَوْ تَأْوِيلٍ، أَوْ خَطَأٍ، أَوْ إِكْرَاه.

وَلِهَذَا يُقَرِّرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَعَامَّةَ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مَعَ إِطْلَاقِهِمْ لِعُمُومَاتِ التَّكْفِيرِ فِي مَقَالَاتٍ بِدْعِيَّةٍ، «لَمْ يُكَفِّرُوا أَكْثَرَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ بِعَيْنِه».

ثُمَّ انْظُرْ أَيُّهَا الْبَاحِثُ عَنِ الْحَقِّ، إِلَى الْمِثَالِ الْأَجْلَى الَّذِي سَاقَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَقْمَعَ بِهِ تَطَرُّفَ الْغُلَاة. لَقَدْ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِطَائِفَةِ «الْجَهْمِيَّةِ»، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْجَهْمِيَّة؟!

طَائِفَةٌ مُنَاقَضَتُهَا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ تَؤُولُ إِلَى إِنْكَارِ الْخَالِقِ وَتَعْطِيلِهِ سُبْحَانَهُ عَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِه.

لَقَدِ ابْتُلِيَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِهِمْ، وَسَبَرَ أَغْوَارَهُمْ، وَعَلِمَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمُ الْخَبِيثِ، وَكَانَ تَكْفِيرُ طَائِفَةِ الْجَهْمِيَّةِ تَكْفِيرًا مُطْلَقًا مَشْهُورًا مُسْتَفِيضًا عَنِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّة.

وَلَكِنْ، وَهُنَا مَوْضِعُ الشَّاهِدِ الَّذِي يَنْسِفُ بُنْيَانَ الْغُلَاةِ مِنَ الْقَوَاعِدِ: هَلْ قَامَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِتَنْزِيلِ هَذَا التَّكْفِيرِ عَلَى أَعْيَانِ الْجَهْمِيَّةِ وَأَفْرَادِهِمُ الْمُحَدَّدِينَ؟ الْجَوَابُ الصَّارِخُ الَّذِي يُقَرِّرُهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هُوَ: «لَكِنْ مَا كَانَ يُكَفِّرُ أَعْيَانَهُم».

فَيَا دُعَاةَ الْغُلُوِّ وَالتَّكْفِيرِ، وَيَا مَنِ اسْتَسْهَلْتُمْ إِخْرَاجَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ؛ إِنْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -وَهُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ- لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، مُرَاعَاةً لِانْتِفَاءِ الشُّرُوطِ أَوْ وُجُودِ الْمَوَانِعِ كَالشُّبْهَةِ وَالتَّأْوِيلِ، فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ تَكْفِيرَ أَئِمَّةِ هُدًى، وَعُلَمَاءِ سُنَّةٍ أَعْلَوْا رَايَةَ التَّوْحِيدِ وَنَصَرُوا الدِّينَ، كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِم؟!

كَيْفَ تُكَفِّرُونَ أَعْيَانَهُمْ بِمَسَائِلَ اجْتِهَادِيَّةٍ، أَوْ أَخْطَاءٍ وَقَعُوا فِيهَا بِتَأْوِيلٍ، وَهُمُ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي نُصْرَةِ سُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِين؟!

إِنَّ فِقْهَ الْأَئِمَّةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالِاحْتِيَاطِ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ، بَيْنَمَا مَنْهَجُكُمْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَجَلَةِ، وَالتَّشَهِّي، وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ بِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَة.

فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ بِهَذَا الْمِيزَانِ التَّيْمِيِّ الدَّقِيقِ، وَدَعُوا عَنْكُمْ هَذَا الْغُلُوَّ الْمُهْلِكَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَعَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ حِينَ تَقِفُونَ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ جَعَلْتُمْ دِمَاءَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَمُسْلِمِيهِمْ مُسْتَبَاحَةً بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا بُرْهَان.

قال الإمام ابن القيم: وَمِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَالْحِكْمَةِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ كَثُرَتْ حَسَنَاتُهُ وَعَظُمَتْ، وَكَانَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ لَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ لِغَيْرِهِ، وَيُعْفَى عَنْهُ مَا لَا يُعْفَى عَنْ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ خُبْثٌ، وَالْمَاءُ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ، بِخِلَافِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ أَدْنَى خُبْث.

البيانقَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ قَاطِعَة، وَقِيَاسٌ فِقْهِيٌّ مُبْهِر، يُفَكِّكُ مِيزَانَ الْحَدَّادِيَّةِ الْأَعْوَجَ وَيُعِيدُ الْأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا!

أَوَّلُ مَا يَسْتَوْقِفُكَ فِي هَذَا النَّصِّ الْعَظِيمِ هُوَ تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ لَهُ: «مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَالْحِكْمَة». فَهُوَ لَمْ يَجْعَلْهُ مُجَرَّدَ ذَوْقٍ شَخْصِيٍّ أَوْ مُجَامَلَة، بَلْ جَعَلَهُ (قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً مُطَّرِدَة).

فَمَنْ أَرَادَ رَدَّهَا فَلْيَرُدَّهَا بِمَا تُرَدُّ بِهِ الْقَوَاعِدُ (أَيْ بِالْبُرْهَانِ وَالدَّلِيلِ)، لَا بِالصُّرَاخِ وَالتَّشْنِيعِ وَاتِّهَامِ الْمُخَالِفِ بِالتَّمْيِيعِ!

وَأَجْمَلُ مَا فِي هَذَا التَّأْصِيلِ هُوَ الْمِثَالُ الْفِقْهِيُّ الَّذِي ضَرَبَهُ؛ إِذْ نَقَلَ النِّزَاعَ بِعَبْقَرِيَّةٍ مِنْ فَوْضَى الْعَوَاطِفِ إِلَى انْضِبَاطِ الْفِقْه! فَمِقْدَارُ الْمَاءِ (الْقُلَّتَانِ) يُغَيِّرُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ الْوَاقِعَةِ فِيه، مَعَ أَنَّ النَّجَاسَةَ هِيَ ذَاتُهَا فِي الْحَالَيْنِ.

وَكَذَلِكَ (الزَّلَّة)؛ فَهِيَ زَلَّةٌ وَخَطَأٌ فِي الْحَالَيْنِ، لَكِنَّ حُكْمَهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي بَحْرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَمِيرَاثٍ مِنَ الْعِلْمِ، غَيْرُ حُكْمِهَا إِذَا وَقَعَتْ فِي قَطْرَة!

وَهُنَا تَنْكَشِفُ عَوْرَةُ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ؛ فَهُمْ يَزِنُونَ (الزَّلَّةَ) مَعْزُولَةً تَمَامًا عَنْ صَاحِبِهَا وَتَارِيخِهِ؛ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُمْ عَالِمٌ كَبِيرٌ زَلَّ وَلَهُ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ، وَمُبْتَدِعٌ زَلَّ وَلَيْسَ لَهُ فِي الدِّينِ سَابِقَةٌ وَلَا لَاحِقَة!

وَهَذَا وَاللَّهِ هُوَ عَيْنُ مَنْ يَزِنُ (حَجْمَ النَّجَاسَةِ) وَيَغْفُلُ تَمَامًا عَنِ النَّظَرِ فِي (حَجْمِ الْمَاء)!

وَلَاحِظِ الدِّقَّةَ السَّلَفِيَّةَ الْمُتَنَاهِيَةَ؛ فَابْنُ الْقَيِّمِ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الزَّلَّةَ تَنْقَلِبُ حَسَنَةً، بَلْ قَالَ: «يُحْتَمَلُ لَهُ مَا لَا يُحْتَمَلُ لِغَيْرِه». فَالْخَطَأُ بَاقٍ عَلَى وَصْفِهِ وَيُرَدّ، وَالْمُتَغَيِّرُ الْوَحِيدُ هُوَ (الْعَفْوُ عَنْ صَاحِبِهِ) لِسَابِقَةِ فَضْلِهِ. وَهَذَا هُوَ مَفْرِقُ الطُّرُقِ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي تَصْحِيحِ الْخَطَأِ، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي إِسْقَاطِ صَاحِبِهِ.

ثُمَّ اقْرَأِ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فَإِنَّهُ يَرْتَدُّ عَلَى الْغُلَاةِ لَا لَهُمْ: «بِخِلَافِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ أَدْنَى خُبْث». فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ تَأْثِيرٌ ظَاهِرٌ وَلَا حَسَنَاتٌ عِظَامٌ؛ فَأَدْنَى خُبْثٍ يُفْسِدُهُ وَيُسْقِطُهُ!

فَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ؛ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ الَّذِينَ تَطْعَنُ فِيهِمْ هُمُ (الْبَحْرُ الْمُحِيطُ) الَّذِي لَا يُنَجِّسُهُ الْخَبَثُ، فَانْظُرْ إِلَى رَصِيدِكَ أَنْتَ فِي الْإِسْلَام: أَأَنْتَ الْبَحْر، أَمْ أَنْتَ (الْمَاءُ الْقَلِيلُ) الَّذِي أَفْسَدَتْهُ أَدْنَى نَجَاسَةٍ بِظُلْمِكَ وَتَطَاوُلِكَ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَوَاضَعْ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ التَّمَادِيَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى بُحُورِ الْعِلْمِ سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخُسْرَانِ، يَوْمَ تَجِفُّ قَطَرَاتُ مَائِكَ الْقَلِيل.

قال الإمام ابن القيم: وَمَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرْعِ وَالْوَاقِعِ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ الَّذِي لَهُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمٌ صَالِحٌ وَآثَارٌ حَسَنَةٌ، وَهُوَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِمَكَانٍ، قَدْ تَكُونُ مِنْهُ الْهَفْوَةُ وَالزَّلَّةُ، هُوَ فِيهَا مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُورٌ لِاجْتِهَادِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ وَإِمَامَتُهُ وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِين.

البيانوَثِيقَةٌ ذَهَبِيَّةٌ مُحْكَمَةٌ، تَجْمَعُ الْمَجْدَ مِنْ طَرَفَيْهِ، وَتَنْسِفُ خُرَافَةَ (التَّضَادِّ الْمَوْهُومِ) فِي عُقُولِ الْحَدَّادِيَّة!

فَهُنَا يُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ (الْجَمْعَ السَّلَفِيَّ) الَّذِي يَزْعُمُ الْغُلَاةُ أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ؛ فَصَاغَهُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ وَبِنَفَسٍ وَاحِدٍ: «فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُه». نَهْيَانِ مُتَقَابِلَانِ، وَكِلَاهُمَا جَازِمٌ حَاسِم!

فَالنَّهْيُ الْأَوَّلُ (فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهَا) يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى التَّمْيِيعِ؛ فَلَا مُدَاهَنَةَ فِي الْحَقِّ، وَلَا مُتَابَعَةَ عَلَى الزَّلَّة. وَالنَّهْيُ الثَّانِي (وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُهْدَرَ مَكَانَتُهُ) يَقْطَعُ دَابِرَ دَعْوَى الْإِسْقَاطِ وَالْحَدَّادِيَّةِ؛ فَلَا طَعْنَ فِي الْإِمَامِ الْمُخْطِئِ وَلَا مَسْحَ لِتَارِيخِه. فَمَنْ أَخَذَ بِأَحَدِهِمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ، فَقَدْ أَخَذَ نِصْفَ الْحَقِّ، وَشَوَّهَ النِّصْفَ الْآخَر.

ثُمَّ تَأَمَّلْ تَدَرُّجَ الْإِمَامِ الْمُذْهِلَ فِي بَيَانِ حَقِّ الْمُخْطِئِ: «مَعْذُورٌ، بَلْ وَمَأْجُورٌ لِاجْتِهَادِه». فَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ (رَفْعِ الْإِثْمِ وَالْعَتْبِ) عَنْهُ، بَلْ تَرَقَّى لِيُثْبِتَ لَهُ (الْأَجْر)!

وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الْمَحْضُ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئ. فَبَيْنَمَا يُشَنِّعُ الْغَالِي عَلَى الْإِمَامِ الْمُخْطِئِ وَيُسْقِطُه.. يَكُونُ الْعَالِمُ فِي ذَاتِ اللَّحْظَةِ مَعْذُورًا مَأْجُورًا عِنْدَ رَبِّه!

وَلَعَلَّ أَنْفَسَ مَا فِي هَذَا النَّصِّ هُوَ قَوْلُهُ: «وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ قُلُوبِ الْمُسْلِمِين»!

وَهُنَا يُكْشَفُ السِّرُّ الْخَطِير.. فَحَرْبُ الْغُلَاةِ لَيْسَتْ حَرْبًا عَلَى الْأَوْرَاقِ وَالْمُصَنَّفَاتِ، بَلْ هِيَ حَرْبٌ ضَرُوسٌ عَلَى (الْقُلُوب)! إِنَّهُمْ يَهْدِفُونَ بِمَشْرُوعِهِمُ الْإِسْقَاطِيِّ إِلَى انْتِزَاعِ "هَيْبَةِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ" مِنْ قَلْبِ الشَّابِّ الْمُسْلِمِ؛ فَإِذَا سَقَطَ الْأَئِمَّةُ مِنْ قَلْبِهِ، سَقَطَ الدِّينُ الَّذِي يَحْمِلُونَهُ وَسَهُلَ التَّلَاعُبُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الْهَدْمُ الْخَبِيثُ الَّذِي لَا يُبْنَى بَعْدَهُ حَقّ.

فَاحْذَرْ أَيُّهَا الشَّابُّ مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ؛ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ لِتَفْرِيغِ قَلْبِكَ مِنْ إِجْلَالِ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى. فَوَاللَّهِ إِنَّ بَقَاءَ مَنْزِلَتِهِمْ فِي قَلْبِكَ، هُوَ بَقَاءٌ لِتَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي نَقَلُوهَا إِلَيْك.

وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الطَّاعِنُ؛ فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَسَاعِيَكَ فِي إِهْدَارِ مَنْزِلَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ سَتَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَلَنْ تُسْقِطَ عَالِمًا رَفَعَهُ اللَّهُ، بَلْ سَتُورِدُكَ الْمَهَالِكَ، وَتُثْقِلُ مِيزَانَكَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر.

قال الحافظ الذهبي: ثُمَّ إِنَّ الْكَبِيرَ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ إِذَا كَثُرَ صَوَابُه، وَعُلِمَ تَحَرِّيهِ لِلْحَقِّ، وَاتَّسَعَ عِلْمُه، وَظَهَرَ ذَكَاؤُه، وَعُرِفَ صَلَاحُهُ وَوَرَعُهُ وَاتِّبَاعُه: يُغْفَرُ لَهُ زَلَلُه، وَلَا نُضَلِّلُهُ وَنَطْرَحُهُ وَنَنْسَى مَحَاسِنَه. نَعَمْ، وَلَا نَقْتَدِي بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وَخَطَئِه، وَنَرْجُو لَهُ التَّوْبَةَ مِنْ ذَلِك.

البياندُسْتُورٌ مُتَكَامِل، يَضْبِطُ الْمِيزَانَ بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ مُحْكَمَة، وَيُغْلِقُ الطَّرِيقَ عَلَى الْغُلَاةِ وَالْمُمَيِّعِينَ مَعًا!

هَذَا النَّصُّ مِنْ أَدَقِّ مَا قُرِّرَ فِي هَذَا الْبَاب؛ لِأَنَّهُ لَا يُطْلِقُ الْعُذْرَ كَدَعْوَى مُرْسَلَة، بَلْ يَضْبِطُهُ بِـ (شُرُوطٍ سَبْعَة): كَثْرَةُ الصَّوَاب، وَتَحَرِّي الْحَقّ، وَسَعَةُ الْعِلْم، وَظُهُورُ الذَّكَاء، وَالصَّلَاحُ، وَالْوَرَعُ، وَالِاتِّبَاع. فَمَنِ اكْتَمَلَتْ فِيهِ غُفِرَتْ زَلَّتُه، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُطَّرِدُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ السُّنَّة.

وَبِهَذَا التَّقْيِيدِ الذَّهَبِيِّ يَنْكَسِرُ أَشْهَرُ اعْتِرَاضَاتِ الْحَدَّادِيَّةِ حِينَ يَصْرُخُون: "قَاعِدَتُكُمْ فِي الْعُذْرِ تُدْخِلُ كُلَّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ وَتُمَيِّعُ الدِّين!"؛ فَنَقُول: كَلَّا! بَلْ هِيَ لَا تُدْخِلُ إِلَّا مَنْ جَمَعَ هَذِهِ (الْأَوْصَافَ السَّبْعَة)؛ فَهَاتِ رَجُلًا يَعْقِل، يُنَازِعُ فِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيَّ وَابْنَ حَجَرٍ وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ قَدِ اسْتَكْمَلُوهَا! فَالْعُذْرُ حِكْرٌ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّين، وَلَيْسَ رُخْصَةً لِكُلِّ مُتَعَالِم.

ثُمَّ قِفْ عِنْدَ اللَّآلِئِ الثَّلَاثِ الَّتِي نَفَاهَا الذَّهَبِيُّ عَنْ مَنْهَجِه: «وَلَا نُضَلِّلُه، وَنَطْرَحُه، وَنَنْسَى مَحَاسِنَه». (لَا تَضْلِيلَ، وَلَا إِسْقَاطَ، وَلَا نِسْيَانَ لِلْمَحَاسِن)! بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ يَفْعَلُونَ الثَّلَاثَةَ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْأَئِمَّة، ثُمَّ يُسَمُّونَ جِنَايَتَهُمْ هَذِهِ (غِيرَةً وَتَحْقِيقًا)!

وَلَا تَدَعِ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ فَإِنَّهُ (حَارِسُ الْبَاب): «نَعَمْ، وَلَا نَقْتَدِي بِهِ فِي بِدْعَتِهِ وَخَطَئِه». فَالْخَطَأُ مَرْدُودٌ لَا يُتَابَعُ عَلَيْه، وَالْإِمَامُ مَحْفُوظٌ لَا يُسْقَطُ؛ فَمَنْ أَخَذَ بِرَدِّ الْخَطَأِ وَأَسْقَطَ الْإِمَامَ فَقَدْ جَفَا وَظَلَم، وَمَنْ حَفِظَ الْإِمَامَ وَتَابَعَهُ عَلَى خَطَئِهِ فَقَدْ مَيَّعَ وَضَلّ.

وَلِعِظَمِ هَذَا الدُّسْتُور؛ سَطَّرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ (قَتَادَة)، وَهُوَ مِنْ أَعْمِدَةِ الْإِسْنَادِ رَغْمَ رَمْيِهِ بِبِدْعَةِ الْقَدَر! بَلْ زَادَ الذَّهَبِيُّ فِي نَفْسِ التَّرْجَمَةِ مُعْتَذِرًا لِقَتَادَة: «وَلَعَلَّ اللَّهَ يَعْذُرُ أَمْثَالَهُ مِمَّنْ تَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمَ الرَّبِّ وَتَنْزِيهَه»؛ فَاعْتَدَّ بِصَلَاحِ الْقَصْد.

فَزِنْ أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ صَنِيعَكَ بِهَذَا الدُّسْتُورِ الذَّهَبِيّ؛ فَإِنَّ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ قَدِ اسْتَكْمَلُوا الشُّرُوطَ السَّبْعَة، فَبِأَيِّ حَقٍّ تُضَلِّلُهُمْ وَتَطْرَحُهُمْ وَتَنْسَى مَحَاسِنَهُمْ؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَدَعْ عَنْكَ مَسْلَكَ الطَّرْحِ وَالْإِسْقَاطِ، وَاعْلَمْ أَنَّ تَمَادِيَكَ فِي تَضْلِيلِ أَئِمَّةِ الْهُدَى سَيَعُودُ عَلَيْكَ بِالْخِذْلَانِ، وَسَتُسْأَلُ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَنْ حَسَنَاتِهِمُ الَّتِي طَوَيْتَهَا، لِتَرْفَعَ بِهَا رَايَةَ غُلُوِّك.

قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّه: وَإِذَا كُنَّا لَا نُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الْقَادِرِ، وَالصَّنَمَ الَّذِي عَلَى قَبْرِ أَحْمَدَ الْبَدَوِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا، لِأَجْلِ جَهْلِهِمْ وَعَدَمِ مَنْ يُنَبِّهُهُمْ؛ فَكَيْفَ نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْنَا؟

البيانقِفْ أَيُّهَا الْمُوَفَّقُ وَاقْرَأْ هَذَا النَّصَّ بِقَلْبٍ حَاضِر، وَانْظُرْ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ فِيمَنْ هُوَ الَّذِي نَالَ الْعُذْر! إِنَّ الْمَعْذُورَ هُنَا فِي مَقَالَةِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ لَيْسَ عَالِمًا مُتَأَوِّلًا أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا هُوَ فَقِيهٌ زَلَّتْ قَدَمُهُ فِي مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ فَرْعِيَّة؛ بَلْ هُوَ رَجُلٌ يَعْبُدُ صَنَمًا عِنْدَ قَبْر، وَيَقْتَرِفُ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ الظَّاهِرَ الْبَوَاح، وَهُوَ ذَاتُ الشِّرْكِ الَّذِي قَامَ إِمَامُ الدَّعْوَةِ يُجَاهِدُهُ، وَسَلَّ سَيْفَ قَلَمِهِ وَبَيَانِهِ لِدَحْرِه، بَلْ وَيُكَفِّرُ «النَّوْعَ» وَالْفِعْلَ بِأَغْلَظِ الْعِبَارَات! ثُمَّ تَأَمَّلْ كَيْفَ يَقِفُ هَذَا الْإِمَامُ الْجَبَلُ أَمَامَ هَذَا الْفِعْلِ الشَّنِيعِ، وَيَمْتَنِعُ بِصَلَابَةٍ وَتَوَرُّعٍ عَنْ تَكْفِيرِ «الْمُعَيَّنِ» مِنْ هَؤُلَاءِ الْفَاعِلِينَ، وَيُعَلِّلُ مَوْقِفَهُ هَذَا تَعْلِيلًا فِقْهِيًّا دَقِيقًا بِقَوْلِهِ: «لِأَجْلِ جَهْلِهِمْ وَعَدَمِ مَنْ يُنَبِّهُهُمْ»!

تَأَمَّلْ يَا رَعَاكَ اللَّهُ هَذَا الْإِنْصَافَ الْعَظِيم؛ لِتَعْلَمَ يَقِينًا أَنَّ تَقْرِيرَ «الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ» لَيْسَ قَوْلًا مُمَيِّعًا لِلدِّينِ صَنَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ الْمُنْهَزِمُونَ، وَلَا هُوَ - كَمَا يَزْعُمُ الْغُلَاةُ - مِنْ قَبِيلِ «إِرْجَاءِ الْعَصْرِ» الْمَذْمُوم؛ بَلْ هُوَ نَصٌّ مُحْكَمٌ وَحُكْمٌ رَاسِخٌ قَرَّرَهُ إِمَامُ الدَّعْوَةِ نَفْسُهُ، ذَلِكَ الْإِمَامُ الَّذِي يَرْفَعُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ اسْمَهُ كَذِبًا، وَيَزْعُمُونَ زُورًا وَبُهْتَانًا أَنَّهُمُ الْمُتَحَدِّثُونَ بِاسْمِهِ وَالْمُمَثِّلُونَ لِمَنْهَجِه.

وَهَذَا الْوَرَعُ لَيْسَ كَلِمَةً عَارِضَةً فَلَتَتْ فِي سِيَاقِ نِقَاش، بَلْ هُوَ أَصْلٌ مَتِينٌ وَمَنْهَجٌ مُتَوَارَثٌ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ فِي بَيْتِ الدَّعْوَةِ وَمَدْرَسَتِهَا. اسْتَمِعْ إِلَى ابْنِهِ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ يُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِوُضُوحٍ جَلِيّ، قَائِلًا: «وَلَا نُكَفِّرُ إِلَّا مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُنَا لِلْحَقِّ، وَوَضَحَتْ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَأَصَرَّ مُسْتَكْبِرًا مُعَانِدًا». قِفْ هُنَا وَقْفَةً مُتَأَنِّيَةً، وَانْظُرْ فِي هَذِهِ الشُّرُوطِ الْعَظِيمَةِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْخُ كَطَوْقِ نَجَاةٍ قَبْلَ إِطْلَاقِ سَيْفِ التَّكْفِيرِ: «بُلُوغُ الدَّعْوَةِ»، ثُمَّ «وُضُوحُ الْمَحَجَّةِ»، ثُمَّ «قِيَامُ الْحُجَّةِ»، ثُمَّ تَتْوِيجُ ذَلِكَ بِـ«الْإِصْرَارِ اسْتِكْبَارًا وَعِنَادًا». فَبِاللَّهِ عَلَيْكَ، أَيْنَ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْعِلْمِيَّةُ الدَّقِيقَةُ، وَالْمَرَاحِلُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُتَأَنِّيَةُ، مِمَّنْ يَجْلِسُ بِاسْتِرْخَاءٍ لِيَفْتَحَ كِتَابًا لِإِمَامٍ جَلِيلٍ مَاتَ قَبْلَ خَمْسَةِ قُرُونٍ، فَيُسَارِعَ إِلَى تَكْفِيرِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ بِمُجَرَّدِ لَفْظَةٍ مُحْتَمَلَةٍ قَرَأَهَا فِي سَطْرٍ، دُونَ أَنْ يَسْأَلَهُ، أَوْ يَسْتَبِينَ قَصْدَهُ، أَوْ يُقِيمَ عَلَيْهِ حُجَّة؟!

وَلَمْ يَقِفْ وَرَعُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلِ ارْتَقَى الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ إِلَى مَرْتَبَةٍ أَعْلَى مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، حِينَ تَحَدَّثَ عَنِ الْإِمَامِ ابْنِ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيّ. فَمَعَ كُلِّ مَا عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ مِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَيُخَالَفُ فِيهِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِغَاثَةِ الشَّائِكَةِ، قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ مُقَرِّرًا مَنْهَجَ الْعَدْلِ: «وَلَا نُنْكِرُ سَعَةَ عِلْمِهِ، وَلِهَذَا نَعْتَنِي بِكُتُبِهِ كَشَرْحِ الْأَرْبَعِينَ وَالزَّوَاجِرِ وَغَيْرِهَا، وَنَعْتَمِدُ عَلَى نَقْلِهِ إِذَا نَقَلَ؛ إِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ». تَأَمَّلْ هَذَا الْمِيزَانَ الْقِسْطَ!

لَقَدْ جَمَعَ الشَّيْخُ بِبَرَاعَةٍ وَتَقْوَى بَيْنَ «إِنْكَارِ الْخَطَأِ الْعَقَدِيِّ» وَبَيْنَ «الِانْتِفَاعِ بِالْعِلْمِ الْوَاسِعِ»، وَحَافَظَ عَلَى «مَنْزِلَةِ الْإِمَامِ» وَلَمْ يُسْقِطْهُ، وَهُوَ الْجَمْعُ الْمُتَّزِنُ الَّذِي أَعْجَزَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةَ وَالْأَدْعِيَاءَ الْيَوْمَ، فَقَادَهُمْ قُصُورُهُمْ إِمَّا إِلَى قَبُولِ الْبَاطِلِ كُلِّهِ، أَوْ حَرْقِ الْإِمَامِ وَتَكْفِيرِهِ وَتَضْلِيلِهِ كُلِّه!

وَعَلَى ذَاتِ الدَّرْبِ الْمُنِيرِ، سَارَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ لِيُقَرِّرَ الْأَصْلَ نَفْسَهُ بِعِبَارَةٍ قَاطِعَةٍ، فَقَالَ: «فَالْأَصْلُ فِيمَنْ يَنْتَسِبُ لِلْإِسْلَامِ بَقَاءُ إِسْلَامِهِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ ذَلِكَ عَنْهُ بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا يَجُوزُ التَّسَاهُلُ فِي تَكْفِيرِهِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَحْذُورَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَحَدُهُمَا افْتِرَاءُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ فِي الْحُكْمِ، وَالثَّانِي عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي نَبَذَهُ بِهِ». فَالْأَمْرُ إِذَنْ جِدُّ خَطِيرٍ؛ فَالْمُتَسَاهِلُ فِي التَّكْفِيرِ السَّاعِي فِيهِ، يَرْتَكِبُ جَرِيمَةً مُرَكَّبَةً، وَيَفْتَرِي كَذْبَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ لَا كَذْبَةً وَاحِدَةً: فَهُوَ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ حِينَ يَفْتَئِتُ عَلَى حُكْمِهِ فَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اللَّهُ، وَيَكْذِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ حِينَ يَرْمِيهِ بِوَصْفِ الْكُفْرِ الْبَغِيضِ الَّذِي نَبَذَهُ بِهِ ظُلْمًا.

وَأَمَامَ هَذِهِ النُّصُوصِ السَّاطِعَةِ، يَبْرُزُ التَّحَدِّي الْمُحْرِجُ لِلْحَدَّادِيِّ الْمُعَاصِرِ: لِمَاذَا لَا يَخْرُجُ هَذَا الْحَدَّادِيُّ بِشَجَاعَةٍ وَوُضُوحٍ لِيَقُولَ: لَقَدْ أَخْطَأَ إِمَامُ الدَّعْوَةِ، وَأَخْطَأَ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَخْطَأَ ابْنُ عُثَيْمِين!

وَحِينَئِذٍ، إِذَا امْتَلَكَ هَذِهِ الْجُرْأَةَ، يَسْقُطُ بِالْكُلِّيَّةِ انْتِسَابُهُ الْكَاذِبُ إِلَيْهِمْ، وَيَنْقَطِعُ تَسَلُّقُهُ لِلْحَدِيثِ بِاسْمِهِمْ، وَلَا يَبْقَى لَهُ فِي مَنْهَجِهِ التَّكْفِيرِيِّ سَلَفٌ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ؛ أَوْ فِي الْمُقَابِلِ، يُذْعِنُ وَيَقْبَلُ أَصْلَهُمُ الَّذِي أَصَّلُوهُ، وَيَلْزَمُ غَرْزَهُمْ.

وَإِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ فِي دُنْيَانَا، أَنْ تَرَى رَجُلًا يَتَحَدَّثُ بِمِلْءِ فِيهِ بِاسْمِ إِمَامٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُصْلِحِينَ (كَمَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ شَمْسُ الدِّينِ وَقَدَّمَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ الْمُتَحَدِّثُ الرَّسْمِيُّ بِاسْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ)، ثُمَّ هُوَ يُخَالِفُهُ وَيَنْقُضُ مَنْهَجَهُ فِي أَشْهَرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُشَنِّعُ بِهَا هَذَا الدَّعِيُّ عَلَى أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَيَنْتَقِدُهُمْ عَلَيْهَا!

يَا هَذَا الَّذِي تُسْرِعُ فِي التَّكْفِيرِ وَالتَّضْلِيلِ! إِنَّ إِمَامَ الدَّعْوَةِ وَقَفَ بِشَحْمِهِ وَلَحْمِهِ أَمَامَ رَجُلٍ يَطُوفُ بِقَبْرٍ، وَيُشْرِكُ بِاللَّهِ، وَيَدْعُو صَاحِبَ الْقَبْرِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَعَ تَفْظِيعِهِ لِلشِّرْكِ، تَوَقَّفَ وَارْتَجَفَ عَنْ تَكْفِيرِهِ بِعَيْنِهِ؛ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَشْيَةً مِنْ أَنْ يَتَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ يَقِينًا تَحَقُّقَهُ مِنَ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. بَيْنَمَا أَنْتَ، فِي مُفَارَقَةٍ مُبْكِيَةٍ مُضْحِكَةٍ، تَجْلِسُ آمِنًا مُطْمَئِنًّا خَلْفَ شَاشَةِ حَاسُوبِكَ، لِتُوَزِّعَ صُكُوكَ التَّكْفِيرِ عَلَى مَنْ لَمْ تَرَهُ يَوْمًا وَلَمْ تَسْمَعْهُ! تُكَفِّرُ أَئِمَّةً وَجِبَالًا مَاتُوا قَبْلَ قُرُونٍ مِنَ الزَّمَانِ، بِمُجَرَّدِ كَلِمَةٍ أَوْ زَلَّةٍ قَرَأْتَهَا فِي سَطْرٍ مِنْ كِتَاب!

فَأَسْأَلُكَ بِاللَّهِ، وَبِكُلِّ إِنْصَافٍ: أَيُّ الرَّجُلَيْنِ أَعْرَفُ بِاللَّهِ، وَأَخْوَفُ مِنْهُ، وَأَشَدُّ تَعْظِيمًا لِحُرُمَاتِهِ؟ وَأَيُّ الْقَلْبَيْنِ أَرَقُّ، وَأَتْقَى، وَأَكْثَرُ وَرَعًا فِي دِينِ اللَّه؟!

قال العلّامة الشنقيطي: وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلَّذِينَ مَاتُوا عَلَى هَذَا الِاعْتِقَاد؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ تَشْبِيهَ اللَّهِ بِخَلْقِهِ، وَإِنَّمَا يُحَاوِلُونَ تَنْزِيهَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ خَلْقِه. فَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَلَكِنْ طَرِيقُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ سَيِّئَة. وَإِنَّمَا نَشَأَ لَهُمْ ذَلِكَ السُّوءُ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا لَفْظَ الصِّفَةِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مُشَابَهَةِ صِفَةِ الْخَلْقِ، فَنَفَوُا الصِّفَةَ الَّتِي ظَنُّوا أَنَّهَا لَا تَلِيقُ قَصْدًا مِنْهُمْ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ، وَأَوَّلُوهَا بِمَعْنًى آخَرَ يَقْتَضِي التَّنْزِيهَ فِي ظَنِّهِمْ. فَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّه: رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا. وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ خَطَأَهُمْ، وَأَنْ يَكُونُوا دَاخِلِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وَخَطَؤُهُمُ الْمَذْكُورُ لَا شَكَّ فِيهِ، وَلَوْ وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِتَطْهِيرِ قُلُوبِهِمْ مِنَ التَّشْبِيهِ أَوَّلًا، وَجَزَمُوا بِأَنَّ ظَاهِرَ صِفَةِ الْخَالِقِ هُوَ التَّنْزِيهُ عَنْ مُشَابَهَةِ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ، لَسَلِمُوا مِمَّا وَقَعُوا فِيه.

البيانوَثِيقَةٌ قُرْآنِيَّةُ النَّزْعَةِ، مِنْ إِمَامٍ رَاسِخٍ، تُشَرِّحُ عَقْلِيَّةَ الْمُخَالِفِ بِمِبْضَعِ الرَّحْمَةِ، وَتَفْصِلُ بِعَبْقَرِيَّةٍ بَيْنَ (نُبْلِ الْقَصْدِ) وَ(سُوءِ الطَّرِيق)!

اعْرِفْ أَوَّلًا مَوْضِعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لِتَعْرِفَ قَدْرَهَا؛ فَقَدْ سَطَّرَهَا الشِّنْقِيطِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (أَضْوَاءِ الْبَيَانِ) عَقِبَ نَقْضِهِ الصَّارِمِ لِتَأْوِيلَاتِ الْأَشَاعِرَة!

فَهِيَ إِعْذَارٌ جَاءَ بَعْدَ التَّفْنِيدِ وَالتَّحْقِيقِ، وَفِي مَقَامِ تَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ، لَا فِي مَقَامِ الِاسْتِطْرَاد. وَهَذَا يَنْسِفُ دَعْوَى الْغُلَاةِ الْقَائِلَةَ بِأَنَّ "الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَزْمِ بِالْخَطَأِ وَالتَّرَحُّمِ عَلَى الْمُخْطِئِ مُسْتَحِيل"! فَهَا هُوَ الْإِمَامُ يَجْزِمُ بِضَلَالِ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ لِلْمُتَأَوِّل.

وَجِمَاعُ الْحُجَّةِ فِي هَذَا الْأَثَرِ يَتَلَخَّصُ فِي تِسْعِ كَلِمَاتٍ فَارِقَة: «فَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَلَكِنْ طَرِيقُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ سَيِّئَة». هُنَا يَتَجَلَّى فِقْهُ الرَّاسِخِينَ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْهُ الْغُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةُ؛ فَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ مِيزَانًا يُفَرِّقُ بَيْنَ (الْقَصْدِ) وَ(الطَّرِيقِ)، بَلْ مِيزَانُهُمْ وَاحِدٌ يُصَبُّ عَلَى الرَّجُلِ كُلِّهِ: "إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ سَيِّئًا، فَالرَّجُلُ خَبِيثٌ وَمُبْتَدِع"! أَمَّا الْإِمَامُ الشِّنْقِيطِيُّ فَفَصَلَ بَيْنَ فَسَادِ الْأَدَاةِ وَنُبْلِ الْغَايَة.

وَأَنْفَسُ مَا فِي هَذَا النَّصِّ، أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَكْتَفِ بِإِطْلَاقِ الْعُذْرِ، بَلْ غَاصَ فِي (مَأْخَذِ الشُّبْهَةِ)، فَكَشَفَ الْعِلَّةَ النَّفْسِيَّةَ لِلْمُتَأَوِّلِينَ، مُبَيِّنًا أَنَّهُمْ هَرَبُوا مِنَ التَّشْبِيهِ فَوَقَعُوا فِي التَّعْطِيل. وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ (الْعَالِمِ الرَّاسِخِ) وَ(الْمُتَعَالِمِ الطَّعَّانِ)؛ فَالرَّاسِخُ يُشَخِّصُ الدَّاءَ ثُمَّ يَصِفُ الدَّوَاءَ بِعِلْمٍ وَرَحْمَةٍ، أَمَّا الْمُتَعَالِمُ فَيَكْتَفِي بِإِصْدَارِ صُكُوكِ الْإِعْدَامِ وَالْإِسْقَاط! وَلِذَلِكَ كَانَ أَعْرَفُ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْمُخَالِفِينَ وَأُصُولِهِمْ.. أَرْحَمَهُمْ بِهِمْ، وَأَقْدَرَهُمْ عَلَى نَقْضِ شُبُهَاتِهِمْ دُونَ ظُلْم.

ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ الدَّقِيقِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَٰكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَلَّقَ الْمُؤَاخَذَةَ بِـ (تَعَمُّدِ الْقَلْبِ لِلْمُخَالَفَةِ)، لَا بِمُجَرَّدِ (وُقُوعِ الْخَطَأ). وَالْأَئِمَّةُ الْمُتَأَوِّلُونَ كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ لَمْ تَتَعَمَّدْ قُلُوبُهُمْ مُصَادَمَةَ النُّصُوصِ، بَلْ رَامُوا تَنْزِيهًا فَأَخْطَؤُوا طَرِيقَه.

فَاعْرِضْ بَيْتَ الشَّافِعِيِّ الَّذِي سَاقَهُ الشِّنْقِيطِيُّ عَلَى نَفْسِكَ أَوَّلًا أَيُّهَا الْمُتَصَدِّرُ لِلتَّبْدِيعِ: «رَامَ نَفْعًا فَضَرَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ .. وَمِنَ الْبِرِّ مَا يَكُونُ عُقُوقًا»!

كَمْ مِنْ غَيُورٍ مَغْرُورٍ يَظُنُّ أَنَّهُ (يَنْفَعُ) الْعَقِيدَةَ بِتَنْقِيصِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِسْقَاطِهِمْ، فَإِذَا بِهِ (يَضُرُّ) الدِّينَ وَيُنَفِّرُ شَبَابَهُ وَيَهْدِمُ أَرْكَانَه! وَكَمْ مِنْ طَعَّانٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِـ (بِرِّ) السُّنَّةِ، فَإِذَا بِصَنِيعِهِ فِي أَعْرَاضِ الْعُلَمَاءِ هُوَ أَقْبَحُ (الْعُقُوقِ) لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاء!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ سَلَامَةَ صَدْرِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، خَيْرٌ لَكَ مِنْ غَيْرَةٍ عَمْيَاءَ وَجَفَاءٍ غَلِيظٍ يُورِدُكَ الْمَهَالِك.

قال العلّامة الألباني: فَإِذَا كَانَ هَذَا عُذْرَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا وَقَعَ مِنْهُ مَعَ الْمُخَالَفَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ قَصْدٍ، وَهُوَ عُذْرٌ مَقْبُولٌ قَطْعًا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فَلَا يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيهِ كَمَا قَدْ يَفْعَلُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ، بَلْ يَجِبُ التَّأَدُّبُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِهِمْ حُفِظَ هَذَا الدِّينُ وَوَصَلَ إِلَيْنَا مَا وَصَلَ مِنْ فُرُوعِهِ، وَأَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَصَابَ أَمْ أَخْطَأ.

البيانشَهَادَةٌ قَاصِمَةٌ مِنْ (مُحَدِّثِ الْعَصْرِ)، تُسْقِطُ رَايَةَ الْحَدَّادِيَّةِ، وَتَجْعَلُ الْأَدَبَ مَعَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (فَرِيضَةً شَرْعِيَّةً) لَا خِيَارًا ذَوْقِيًّا!

إِنَّ أَعْظَمَ مَا يَصْفَعُ الْغُلَاةَ فِي هَذَا النَّصِّ هُوَ هُوِيَّةُ قَائِلِهِ؛ فَقَدْ قَالَهُ أَعْلَمُ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ، وَأَشَدُّهُمْ نَكِيرًا عَلَى مَنْ خَالَفَ السُّنَّة! فَلَوْ كَانَ الطَّعْنُ فِي أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ إِسْقَاطُهُ مَنْهَجًا سَلَفِيًّا صَحِيحًا؛ لَكَانَ الْأَلْبَانِيُّ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ، وَلَكِنَّهُ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، حَرَّمَهُ وَشَنَّعَ عَلَى فَاعِلِه!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ حَشَدَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ فِي هَذَا النَّصِّ الْقَصِيرِ أَرْبَعَةَ أَحْكَامٍ قَطْعِيَّةٍ تَسْحَقُ مَنْهَجَ الطَّعْنِ مِنْ جُذُورِه:

1. (الْقَطْعُ بِقَبُولِ الْعُذْر): حَيْثُ قَالَ: «عُذْرٌ مَقْبُولٌ قَطْعًا»؛ فَقَطَعَ الشَّكَّ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ.

2. (التَّحْرِيمُ الْقَاطِع): حَيْثُ صَرَّحَ: «لَا يَجُوزُ الطَّعْنُ فِيه».

3. (تَصْنِيفُ الطَّعَّان): حَيْثُ سَمَّى الْفَاعِلِينَ بِاسْمِهِمُ اللَّائِقِ بِهِمْ فَقَالَ: «كَمَا قَدْ يَفْعَلُ بَعْضُ (الْجَهَلَةِ)»! فَالْحَدَّادِيُّ الَّذِي يَنْفُشُ رِيشَهُ وَيَظُنُّ نَفْسَهُ "مُحَقِّقًا لِلسُّنَّةِ"؛ هُوَ فِي مِيزَانِ الْأَلْبَانِيِّ مَحْضُ "جَاهِل".

4. (إِيجَابُ الْأَدَب): حَيْثُ قَالَ: «بَلْ يَجِبُ التَّأَدُّبُ مَعَه».

ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ أَقَامَ الْإِمَامُ هَذَا الْإِعْذَارَ عَلَى عِلَّةٍ لَا تُرَدُّ؛ وَهِيَ قَوْلُهُ: «لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا». فَرَدَّ الْأَمْرَ إِلَى أَصْلٍ مُحْكَمٍ، لَا إِلَى عَاطِفَةٍ أَوْ مُجَامَلَة. ثُمَّ بَلَغَ فِي الْإِعْذَارِ أَقْصَاهُ وَمُنْتَهَاهُ حِينَ أَطْلَقَ رَصَاصَةَ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ عَلَى مَنْهَجِ الْغُلَاةِ قَائِلًا: «وَأَنَّهُ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ». فَالْغَالِي يَبْحَثُ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ لِيُثْبِتَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (مُبْتَدِعٌ ضَالٌّ يَجِبُ إِسْقَاطُهُ)، وَالْأَلْبَانِيُّ يُقَرِّرُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (مَأْجُورٌ وَمُثَابٌ مِنَ اللَّهِ) حَتَّى فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا الْحَدِيث! فَكَيْفَ تَجْتَرِئُ فَتَطْعَنُ فِي رَجُلٍ يُثِيبُهُ اللَّه؟!

فَيَا أَيُّهَا (الْجَاهِلُ) الْمُتَطَاوِلُ عَلَى فَقِيهِ الْمِلَّةِ -كَمَا سَمَّاكَ الْأَلْبَانِيُّ-؛ أَيْنَ تَذْهَبُ مِنْ هَذَا الْمِيزَان؟! أَنْتَ تَذُمُّ وَتَهْجُرُ رَجُلًا أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُثْبِتُهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَيُؤَجِّرُهُ! فَهَلْ أَنْتَ أَغْيَرُ عَلَى السُّنَّةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَمِنْ شُرَّاحِ حَدِيثِه؟!

اتَّقِ اللَّهَ، وَتَأَدَّبْ مَعَ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا (أَوْجَبَ) الْأَلْبَانِيُّ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ وَالْمَغْفِرَةِ غَدًا، حِينَ تَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَات.