عُرضت 28 نقلًا بحسب اختيارك. عرض النقول كلِّها

قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِمَامُ أَهْلِ مِصْر: أَحْصَيْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ سَبْعِينَ مَسْأَلَةً كُلُّهَا مُخَالِفَةٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، مِمَّا قَالَ فِيهِ بِرَأْيِه.

البياناقْرَأْ هَذَا الْأَثَرَ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ اسْأَلْ سُؤَالًا وَاحِدًا: أَيْنَ ذَهَبَتْ هَذِهِ السَّبْعُون؟ لِمَاذَا لَمْ تَصِرْ مَشْرُوعًا لِإِسْقَاطِ مَالِك؟ وَلِمَاذَا لَمْ يُبْنَ عَلَيْهَا كِتَابٌ فِي تَجْرِيحِهِ وَلَا قَائِمَةٌ يُمْتَحَنُ بِهَا النَّاس؟

وَالْقَائِلُ لَيْسَ خَصْمًا وَلَا مَجْهُولًا. هُوَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، إِمَامُ أَهْلِ مِصْرَ، الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ: «اللَّيْثُ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ لَمْ يَقُومُوا بِه». فَهَذَا إِمَامٌ كَبِيرٌ يُحْصِي عَلَى إِمَامٍ كَبِير، ثُمَّ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِحْصَاءِ إِسْقَاطٌ وَلَا تَبْدِيع؛ بَلْ بَقِيَتْ بَيْنَهُمَا الْمُرَاسَلَةُ وَالْمَوَدَّة، وَبَقِيَ مَالِكٌ إِمَامَ دَارِ الْهِجْرَةِ فِي قُلُوبِ الْأُمَّةِ إِلَى الْيَوْم.

وَانْظُرْ إِلَى صَنِيعِ الْأُمَّةِ بِهَذَا الْإِحْصَاء: طَوَتْهُ وَلَمْ تُشِعْه. مَا صَارَ كِتَابًا يُتَدَاوَل، وَلَا مَادَّةً تُدْرَس، وَلَا سِلَاحًا يُشْهَرُ فِي وَجْهِ مَالِك؛ بَلْ بَقِيَ أَثَرًا فِي بُطُونِ الْكُتُبِ يُذْكَرُ لِبَيَانِ أَدَبِ الْأَئِمَّةِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْض، لَا لِإِسْقَاطِ أَحَد. ثُمَّ انْظُرْ إِلَى غِلْمَانِ الْيَوْم: يُنَقِّبُونَ فِي كُتُبِ الْأَئِمَّةِ عَنِ الزَّلَّة، فَإِذَا ظَفِرُوا بِهَا بَثُّوهَا فِي الْمَقَاطِعِ وَالْمَنْشُورَاتِ وَعَدُّوا الْعُثُورَ عَلَيْهَا فَتْحًا. فَالسَّلَفُ كَانُوا يَطْوُونَ، وَهَؤُلَاءِ يَنْشُرُون؛ وَهَذِهِ وَحْدَهَا تَكْشِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْغَيْرَةِ عَلَى الدِّينِ وَالْغَيْرَةِ عَلَى الْجَمَاعَة.

وَمَوْضِعُ الْحُجَّةِ أَنَّ الْعَدَدَ بَلَغَ سَبْعِينَ، لَا وَاحِدَةً وَلَا اثْنَتَيْن. وَلَوْ أَنَّ حَدَّادِيًّا وَجَدَ الْيَوْمَ مُخَالَفَةً وَاحِدَةً لِسُنَّةٍ عِنْدَ إِمَامٍ لَجَعَلَهَا عُنْوَانَ مَقْطَعٍ وَمَادَّةَ مُبَاهَلَة. فَمَا الَّذِي مَنَعَ اللَّيْثَ وَهُوَ أَعْلَمُ وَأَتْقَى؟ مَنَعَهُ فِقْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّلَّةِ وَالْمَنْهَج: أَنَّ الْعَالِمَ يُخَالِفُ السُّنَّةَ وَهُوَ يَقْصِدُ اتِّبَاعَهَا، لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ، أَوْ بَلَغَتْهُ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَثِقْ بِه، أَوْ تَأَوَّلَهَا، أَوْ ظَنَّهَا مَنْسُوخَة.

وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فَقَالَ: «لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ، دَقِيقٍ وَلَا جَلِيل؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُول». فَالْمُخَالَفَةُ وَاقِعَة، وَالتَّعَمُّدُ مُنْتَفٍ. وَمَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَقَدْ جَنَى عَلَى الْأَئِمَّةِ كُلِّهِم.

ثُمَّ إِنَّ فِي الْأَثَرِ إِلْزَامًا لَا مَخْرَجَ مِنْه: إِنْ كَانَتِ الْمُخَالَفَةُ لِلسُّنَّةِ تُسْقِطُ صَاحِبَهَا، فَمَالِكٌ أَوَّلُ السَّاقِطِينَ بِشَهَادَةِ اللَّيْث. فَإِنْ قُلْتَ: مَعَاذَ اللَّه، مَالِكٌ إِمَامٌ مُتَأَوِّلٌ مَعْذُور - فَقَدْ قُلْتَ بِقَوْلِنَا فِي النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ سَوَاءً بِسَوَاء. وَإِنْ قُلْتَ: بَلْ يَسْقُطُ - فَقَدْ هَدَمْتَ الْمَذَاهِبَ الْأَرْبَعَةَ بِيَدِك، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْأُمَّةِ إِمَام.

وَلَمْ يَبْقَ هَذَا فَرْضًا نَظَرِيًّا. فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَدَّادِيَّةِ مَنْ نَبَشَ أَخْطَاءَ الْإِمَامِ مَالِكٍ ثُمَّ طَعَنَ فِيه، فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ، وَلَا عَبْدُ اللَّهِ الْخَلِيفِيُّ، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ دِمَشْقِيَّة. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَنْفَجِرُ غَيْرَتُهُمْ عَلَى مَنْ تَرَحَّمَ عَلَى النَّوَوِيِّ نَامُوا عَنِ الطَّاعِنِ فِي إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَة. وَبِمِثْلِ هَذَا الْأُسْلُوب - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ إِلَى كُتُبِ الْإِمَامِ فَيَلْتَقِطَ زَلَّاتِهِ ثُمَّ يَبْنِيَ عَلَيْهَا حُكْمًا - يَسْتَطِيعُ كُلُّ جَاهِلٍ أَنْ يُسْقِطَ مَنْ شَاءَ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَام؛ فَمَا مِنْ إِمَامٍ إِلَّا وَلَهُ مَا يُنْتَقَد، فَإِذَا صَارَ الِالْتِقَاطُ مِيزَانًا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْأُمَّةِ أَحَد.

يَا هَذَا، مَا مِنْ عَالِمٍ إِلَّا وَلَهُ زَلَّة، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَعَصَمَهُمْ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَبْقَى الْعِصْمَةُ لِنَبِيِّهِ وَحْدَهُ حَتَّى لَا يُعْبَدَ أَحَدٌ مِنْ دُونِه. فَمَنْ أَسْقَطَ كُلَّ مَنْ زَلَّ فَقَدْ أَسْقَطَ نَفْسَهُ أَوَّلًا، فَإِنَّهُ أَكْثَرُهُمْ زَلَلًا وَأَقَلُّهُمْ عِلْمًا. وَسَتَقِفُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَلَيْسَ مَعَكَ مِنْ عِلْمِكَ إِلَّا مَا عَمِلْتَ بِه، فَأَيُّهُمَا تُحِبُّ أَنْ تُبْعَثَ عَلَيْه: عَلَى صَحِيفَةٍ فِيهَا ذَبٌّ عَنْ أَعْرَاضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَمْ عَلَى صَحِيفَةٍ فِيهَا إِحْصَاءُ زَلَّاتِهِم؟

قال الإمام الشافعي: وَأَمَّا أَنْ نُخَالِفَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَابِتًا عَنْهُ فَأَرْجُو أَلَّا يُؤْخَذَ ذَلِكَ عَلَيْنَا إِنْ شَاءَ اللَّه، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَد؛ وَلَكِنْ قَدْ يَجْهَلُ رَجُلٌ السُّنَّةَ فَيَكُونُ لَهُ قَوْلٌ يُخَالِفُهَا، لَا أَنَّهُ عَمَدَ خِلَافَهَا. وَقَدْ يَغْفُلُ الْمَرْءُ وَيُخْطِئُ فِي التَّأْوِيل.

البياناقْرَؤُوا هَذَا الْأَصْلَ الشَّافِعِيَّ الْعَظِيم، لِتَرَوْا كَيْفَ تَتَبَدَّدُ الشُّبُهَاتُ حِينَ تُرَدُّ إِلَى مَوَازِينِ الْعِلْمِ الرَّاسِخَة.

إِنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ مِيزَانِ السَّلَفِ وَمِيزَانِ الْحَدَّادِيَّةِ الْجُدُدِ، يَتَجَلَّى كُلُّهُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْقَلِيلَة: «لَا أَنَّهُ عَمَدَ خِلَافَهَا».

فَالْمُخَالَفَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ جَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ هِيَ شَيْء، وَالْمُخَالَفَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ مُعَانَدَةٍ وَاسْتِكْبَارٍ هِيَ شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا. الْأُولَى خَطَأٌ يُصَحَّحُ وَيُعْذَرُ قَائِلُهُ لِصِدْقِ نِيَّتِهِ، وَالثَّانِيَةُ ضَلَالٌ وَمُكَابَرَةٌ يُدَانُ بِهَا صَاحِبُهَا.

وَقَائِلُ هَذَا الْكَلَامِ لَيْسَ رَجُلًا مُتَسَاهِلًا فِي أَبْوَابِ الِاعْتِقَادِ لِيُزَايِدَ عَلَيْهِ غُلَاةُ الْيَوْم! بَلْ هُوَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيّ، الْمُلَقَّبُ بِـ "نَاصِرِ السُّنَّة"، الَّذِي شَدَّدَ فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الْأَثَرِ أَشَدَّ التَّشْدِيدِ، حَتَّى كَانَ يَقُولُ مَقَالَتَهُ الشَّهِيرَة: «إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عُرْضَ الْحَائِط». فَلَا يَمْلِكُ الْحَدَّادِيُّ أَنْ يَهْرُبَ وَيَقُولَ: قَالَهَا مُتَسَاهِلٌ أَوْ مُمَيِّع!

ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ شَرْعِيَّةٍ لِلْعُذْرِ، يُنْكِرُهَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ وَيُغْلِقُونَهَا بِقَسْوَةٍ فِي وُجُوهِ الْعُلَمَاء:

الْأَوَّل: "الْجَهْلُ بِالسُّنَّة".

وَالثَّانِي: "الْغَفْلَة".

وَالثَّالِث: "الْخَطَأُ فِي التَّأْوِيل".

وَهَذِهِ الْأَعْذَارُ الثَّلَاثَةُ -الَّتِي أَقَرَّهَا الشَّافِعِيُّ- هِيَ مَوَانِعُ شَرْعِيَّةٌ يَقْفِزُ مِنْ فَوْقِهَا الْغُلَاةُ الْيَوْمَ وَكَأَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، لِيُسَارِعُوا إِلَى الْحُكْمِ بِالتَّضْلِيلِ وَالتَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِمْ لِزَلَّةِ الْإِمَام!

فَيَا سُبْحَانَ اللَّه! قِفْ أَمَامَ هَذَا الْغَالِي الَّذِي يُبَدِّعُ عَالِمًا مُجْتَهِدًا لِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ لِنَصٍّ، وَاسْأَلْهُ:

هَلْ أَثْبَتَّ عَلَى الْإِمَامِ "الْعَمْد" وَقَصْدَ الْمُعَانَدَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ أَمِ اكْتَفَيْتَ بِمُجَرَّدِ "وُقُوعِ الْمُخَالَفَة" لِتُسْقِطَ الرَّجُل؟!

فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَثْبَتَ الْعَمْدَ؛ فَقَدْ شَقَّ عَنْ قَلْبِهِ وَادَّعَى عِلْمَ الْغَيْبِ، وَاتَّهَمَ أَئِمَّةَ الدِّينِ وَحُفَّاظَهُ بِمُعَانَدَةِ الشَّرِيعَةِ عَمْدًا، وَهَذَا مِنْ أَبْشَعِ الِافْتِرَاء!

وَإِنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ دُونَ النَّظَرِ فِي الْقَصْدِ وَالتَّأْوِيلِ؛ فَقَدْ حَكَمَ بِلَا أَسَاسٍ شَرْعِيٍّ، وَخَالَفَ مِيزَانَ الشَّافِعِيِّ وَمِيزَانَ السَّلَفِ قَاطِبَةً، الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ زَلَّةِ الْمُجْتَهِدِ الْمُتَأَوِّلِ، وَبَيْنَ جُرْأَةِ الْمُبْتَدِعِ الْمُعَانِد!

يَقُولُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ (أَحَدُ أَبْرَزِ أَرْكَانِ الْمُعْتَزِلَة): «إِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَوَحْيُهُ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ لِيَكُونَ عَلَمًا وَدَالًّا عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَجَعَلَهُ دَلَالَةً لَنَا عَلَى الْأَحْكَامِ لِنَرْجِعَ إِلَيْهِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَام». وَمِثْلُهُ الْجَاحِظُ الَّذِي أَلَّفَ كِتَابَيْنِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ صَاحِبُ الْكَشَّافِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ صَرَّحُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَتَعْطِيلِ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِه. فَهَلْ نُقِلَ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورِينَ تَكْفِيرُ هَؤُلَاءِ الرُّؤُوسِ بِأَعْيَانِهِمْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَاتِ الْمُكَفِّرَة؟

البيانقِفْ عَلَى هَذَا التَّسَاؤُلِ طَوِيلًا؛ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ يُمَثِّلُ "حَجَرَ الزَّاوِيَةِ" الَّذِي يَنْسِفُ بُنْيَانَ الْغُلُوِّ مِنْ قَوَاعِدِهِ، وَيَكْشِفُ عَوَارَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ الْمُعَاصِرِ الَّذِي يَتَدَثَّرُ زَيْفًا بِعَبَاءَةِ السَّلَف.

إِنَّ هَذَا الْإِلْزَامَ يَضَعُ الْقَوْمَ فِي زَاوِيَةٍ ضَيِّقَةٍ، لَا مَخْرَجَ لَهُمْ مِنْهَا إِلَّا بِالِاعْتِرَافِ بِبِدْعَتِهِمْ، أَوِ الطَّعْنِ صَرَاحَةً فِي إِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام.

تَأَمَّلْ -أَرْشَدَكَ اللَّهُ- فِي مَقَالَاتِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَنَفْيَ رُؤْيَةِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَعْطِيلَ الْبَارِي عَنْ صِفَاتِهِ، هُوَ كُفْرٌ صُرَاح.

وَهُوَ بِلَا رَيْبٍ أَشَدُّ ضَلَالًا، وَأَغْلَظُ كُفْرًا، وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَحُرَّاسُ السُّنَّةِ الَّذِينَ يَطْعَنُ فِيهِمْ غُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ؛ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَأَضْرَابِهِم.

فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْجِبَالُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- يُقِرُّونَ إِقْرَارًا جَازِمًا بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَيُثْبِتُونَ رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الْجَنَّةِ، وَيُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةَ، وَإِنَّمَا زَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ فِي تَأْوِيلِ نَزْرٍ يَسِيرٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ؛ مُتَأَثِّرِينَ بِبَعْضِ مُقَرَّرَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فِرَارًا مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ فِي ظَنِّهِمْ، وَطَلَبًا لِتَنْزِيهِ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا. فَخَطَؤُهُمْ مَحْصُورٌ، وَقَصْدُهُمْ حَسَنٌ، وَزَلَّتُهُمْ مَغْمُورَةٌ فِي بِحَارِ حَسَنَاتِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ لِلْإِسْلَامِ، بَيْنَمَا بِدْعَةُ الْمُعْتَزِلَةِ أَغْلَظُ، وَمُصَادَمَتُهُمْ لِلنُّصُوصِ أَشَدُّ وَأَقْبَح.

وَمَعَ هَذِهِ الشَّنَاعَةِ الْبَالِغَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ، هَلْ كَفَّرَ عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَعْيَانَهُم؟

الْجَوَابُ الَّذِي أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ: لَا؛ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى تَكْفِيرُ أَعْيَانِ هَؤُلَاءِ الرُّؤُوسِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَضْلًا عَنْ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَام. لَقَدْ فَرَّقَ السَّلَفُ الصَّالِحُ تَفْرِيقًا حَاسِمًا بَيْنَ "الْحُكْمِ عَلَى الْمَقَالَةِ" بِأَنَّهَا كُفْرٌ، وَبَيْنَ "تَنْزِيلِ الْحُكْمِ عَلَى قَائِلِهَا الْمُعَيَّن".

فَهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، الَّذِي جُلِدَ فِي فِتْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ عَلَى يَدِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَقُضَاتِهِمْ، لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَهُمْ، بَلْ كَانَ يَدْعُو لِلْخُلَفَاءِ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، وَيَقُولُ كَلِمَتَهُ الْعَظِيمَةَ وَهُوَ يُسَامِحُ الْمُعْتَصِمَ: «مَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ بِسَبَبِكَ؟».

وَهَذَا الزَّمَخْشَرِيُّ، رَأْسُ الْمُعْتَزِلَةِ وَصَاحِبُ الْكَشَّافِ، لَمَّا تَرْجَمَ لَهُ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، نَعَتَهُ بـ «الْعَلَّامَةُ، كَبِيرُ الْمُعْتَزِلَة»، وَحَذَّرَ تَحْذِيرًا شَدِيدًا مِنْ بِدْعَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ أَقَرَّ بِفَضْلِهِ فِي اللُّغَةِ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْمُخْطِئ.

وَكَذَلِكَ الْجَاحِظُ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ؛ تُرَدُّ بِدَعُهُمْ، وَتُنْقَضُ حُجَجُهُمْ بِقَسْوَةٍ، وَلَكِنْ تُصَانُ أَعْرَاضُهُمْ وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ، لِعُذْرِ "التَّأْوِيلِ" وَالْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ مَآلِ أَقْوَالِهِم.

بَلْ دُونَكَ مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقْطَعُ: فَهَذَا الْجَاحِظُ نَفْسُهُ قَدْ رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ النَّزْرَ الْيَسِيرَ، وَرَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، ابْنُ صَاحِبِ السُّنَنِ! فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ: هَلْ يُرْوَى الْحَدِيثُ عَنْ كَافِرٍ مُرْتَدّ؟! وَالْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، فَكَيْفَ يُدْخِلُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ فِي دِينِهِمْ رِوَايَةَ مُرْتَدّ؟! إِنَّ رِوَايَتَهُمْ عَنْهُ شَهَادَةٌ عَمَلِيَّةٌ قَاطِعَةٌ بِأَنَّهُمْ عَامَلُوهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْمُبْتَدِعِ، لَا الْكَافِرِ الْمَارِقِ مِنَ الْمِلَّة!

ثُمَّ اسْمَعْ مِيزَانَ الذَّهَبِيِّ النَّاقِدِ الْبَصِيرِ حِينَ تَرْجَمَ لَهُ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ فَقَالَ: «كَفَانَا الْجَاحِظُ الْمَؤُونَةَ، فَمَا رَوَى مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ، وَلَا هُوَ بِمُتَّهَمٍ فِي الْحَدِيثِ، بَلْ فِي النَّفْسِ مِنْ حِكَايَاتِهِ وَلَهْجَتِهِ، فَرُبَّمَا جَازَفَ، وَتَلَطُّخُهُ بِغَيْرِ بِدْعَةٍ أَمْرٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ عَلَّامَةٌ، صَاحِبُ فُنُونٍ وَأَدَبٍ بَاهِرٍ، وَذَكَاءٍ بَيِّنٍ، عَفَا اللَّهُ عَنْه». فَانْظُرْ كَيْفَ وَزَنَهُ بِالْقِسْطِ: أَثْبَتَ تَلَطُّخَهُ بِالْبِدَعِ، وَنَفَى عَنْهُ التُّهْمَةَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَقَرَّ لَهُ بِالْعِلْمِ وَالذَّكَاءِ الْبَاهِرِ، ثُمَّ خَتَمَ تَرْجَمَتَهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ: «عَفَا اللَّهُ عَنْه»! فَهَلْ يَدْعُو إِمَامُ النُّقَّادِ وَجِهْبِذُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ بِالْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ لِمُرْتَدٍّ خَارِجٍ مِنَ الْإِسْلَامِ؟! أَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَعْرِفُونَ مَا جَهِلَهُ الْغُلَاةُ: الْفَرْقَ بَيْنَ مَقَالَةِ الْكُفْرِ وَقَائِلِهَا الْمُتَأَوِّل؟

وَلِئَلَّا يَبْقَى لِلْمُكَابِرِ مُتَعَلَّق، فَدُونَكَ النَّصَّ الصَّرِيحَ مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى: «وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ بِبَعْضِ التَّجَهُّمِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمُ الَّذِينَ يَتَدَيَّنُونَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَهَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا رَيْب. وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ كَالْكُلَّابِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّة». فَهَذَا حُكْمُهُ الصَّرِيحُ فِي الْمُعْتَزِلَةِ أَنْفُسِهِمْ: مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِلَا رَيْبٍ؛ فَبِأَيِّ وَجْهٍ يُخْرِجُ غُلَاةُ الْيَوْمِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ بِمَرَاحِلَ، كَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر؟!

وَهُنَا نُوَجِّهُ مِدْفَعَ الْحُجَّةِ إِلَى صُدُورِ الْغُلَاةِ (كَالْحَدَّادِيَّةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ مِنْ أَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ وَالْخُلَيْفِيِّ وَدِمَشْقِيَّةَ) وَنُلْزِمُهُمْ إِلْزَامًا يَكْسِرُ ظُهُورَهُمْ، فَنَقُولُ بِمِلْءِ الْفَمِ: إِذَا كَانَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِمْ، قَدْ عَذَرُوا بِالتَّأْوِيلِ رُؤُوسَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ -الَّذِينَ نَفَوُا الصِّفَاتِ، وَقَالُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَامْتَحَنُوا الْأُمَّةَ بِالسِّيَاطِ- فَلَمْ يُكَفِّرُوهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَلَمْ يُهْدِرُوا إِسْلَامَهُمْ.. فَكَيْفَ تَسْتَجِيزُونَ لِأَنْفُسِكُمْ تَكْفِيرَ، أَوْ تَبْدِيعَ، أَوْ إِسْقَاطَ أَئِمَّةٍ جِبَالٍ كَالْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، وَابْنِ حَجَرٍ، وَالْبَيْهَقِيِّ؟! وَهُمُ الَّذِينَ أَفْنَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي نُصْرَةِ السُّنَّةِ، وَشَرْحِ الْأَحَادِيثِ، وَقَمْعِ الْمُبْتَدِعَة!

أَيُعْذَرُ رُؤُوسُ الْمُعْتَزِلَةِ بِاجْتِهَادِهِمُ الْبَاطِلِ وَتَأْوِيلِهِمُ الْفَاسِدِ، وَيَكُونُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَحُرَّاسُ السُّنَّةِ مُهْدَرِينَ مُسْقَطِينَ عِنْدَكُم؟!

أَيُّ مِيزَانٍ جَائِرٍ، وَأَيُّ عَقْلٍ كَاسِدٍ هَذَا الَّذِي تُعَامِلُونَ بِهِ سَادَاتِ الْأُمَّة؟!

ثُمَّ قِفْ مُتَعَجِّبًا أَمَامَ هَذِهِ الْمُفَارَقَةِ الْمُضْحِكَةِ الْمُبْكِيَةِ الَّتِي تَفْضَحُ حَقِيقَةَ الْقَوْمِ: هَلْ يُعْقَلُ فِي مِيزَانِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، أَنْ تُجَنَّدَ الطَّاقَاتُ، وَتُعْقَدَ الْمَجَالِسُ، وَتُخَصَّصَ السَّلَاسِلُ الْمَرْئِيَّةُ وَالْمُنَاظَرَاتُ، بَلْ وَتُطْلَبَ "الْمُبَاهَلَاتُ" لَيْلَ نَهَارٍ؛ سَعْيًا مَحْمُومًا لِإِسْقَاطِ جِبَالِ السُّنَّةِ وَحُرَّاسِ الشَّرِيعَةِ، وَالطَّعْنِ فِي دِينِهِمْ، وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ دَائِرَةِ أَهْلِ الْهُدَى؟! فِي حِينِ نَرَى أَئِمَّةَ السَّلَفِ الْأَوَائِلَ -وَهُمُ الْأَشَدُّ غَيْرَةً عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْأَعْلَمُ بِمَقَاصِدِهِ- قَدْ أَعْرَضُوا تَمَامًا عَنْ هَذَا الْمَسْلَكِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَعْيَانِ مَعَ مَنْ هُمْ أَشْنَعُ بِدْعَةً وَأَغْلَظُ كُفْرًا!

فَلَمْ نَرَهُمْ يَعْقِدُونَ مَحَاكِمَ التَّفْتِيشِ، وَلَمْ يُجَيِّشُوا الْأَتْبَاعَ لِتَكْفِيرِ أَعْيَانِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَلَا عَقَدُوا لِتَبْدِيعِهِمْ وَإِسْقَاطِهِمُ الْمِهْرَجَانَاتِ وَالْمُبَاهَلَاتِ! بَلِ اكْتَفَوْا بِهَدْمِ مَقَالَاتِهِمُ الْكُفْرِيَّةِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، مَعَ تَوَرُّعِهِمُ التَّامِّ عَنْ سَلْبِ إِسْلَامِهِمْ أَوْ إِهْدَارِ أَعْيَانِهِم.

وَمِمَّا يَزِيدُ الْعَجَبَ وَيَقْصِمُ ظَهْرَ مِصْدَاقِيَّتِهِمْ: أَنَّكَ لَوْ نَقَّبْتَ فِي أَرْشِيفِ هَؤُلَاءِ الْمُتَصَدِّرِينَ لِلْفِتْنَةِ الْيَوْمَ -أَمْثَالِ مُحَمَّدِ بْنِ شَمْسِ الدِّينِ، وَدِمَشْقِيَّةَ، وَأَضْرَابِهِمْ- لَوَجَدْتَ مُفَارَقَةً تُصِيبُ بِالذُّهُولِ! فَلَمْ يُعْثَرْ لَهُمْ عَلَى حَمَلَاتٍ تُذْكَرُ، وَلَا كَلَامٍ مُسْتَفِيضٍ، وَلَا مَجَالِسَ تُعْقَدُ لِتَكْفِيرِ رُؤُوسِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَارِقِينَ أَوِ الْحُكْمِ بِرِدَّتِهِمُ الْبَتَّةَ! بَلْ غَايَةُ مَا عِنْدَهُمْ مُرُورٌ بَاهِتٌ وَإِشَارَاتٌ عَابِرَةٌ، لَا تَتَنَاسَبُ أَبَدًا مَعَ شَنَاعَةِ الْكُفْرِيَّاتِ وَالطَّوَامِّ الَّتِي مَلَأَتْ بُطُونَ كُتُبِ الِاعْتِزَال.

كُلُّ هَذَا السُّكُوتِ الْمُرِيبِ وَالتَّغَافُلِ الْعَجِيبِ يَقَعُ رَغْمَ أَنَّ مُصَنَّفَاتِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَالْجَاحِظِ، وَالزَّمَخْشَرِيِّ، لَا تَزَالُ مَبْثُوثَةً مُنْتَشِرَةً وَمُتَدَاوَلَةً بَيْنَ أَهْلِ التَّخَصُّصِ فِي التَّفْسِيرِ وَاللُّغَةِ! فَكَيْفَ بَرَدَتْ غَيْرَتُهُمُ الْمَزْعُومَةُ وَاسْتَكَانَتْ أَلْسِنَتُهُمْ أَمَامَ مَنْ صَرَّحَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَعَطَّلَ الْخَالِقَ جَلَّ وَعَلَا، ثُمَّ الْتَهَبَتْ حَنَاجِرُهُمْ، وَسُلَّتْ سُيُوفُهُمْ، وَاشْرَأَبَّتْ أَعْنَاقُهُمْ حِقْدًا وَغَيْظًا عَلَى أَئِمَّةِ السُّنَّةِ الْعِظَامِ كَابْنِ حَجَرٍ وَالنَّوَوِيِّ لِمُجَرَّدِ زَلَّةٍ وَتَأْوِيل؟!

إِنَّ هَذَا التَّبَايُنَ الْعَجِيبَ لَيَدُلُّكَ دَلَالَةً قَاطِعَةً لَا لَبْسَ فِيهَا؛ عَلَى أَنَّ مَا يُمَارِسُهُ غُلَاةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ لَيْسَ مِنَ "الْغَيْرَةِ عَلَى الْعَقِيدَةِ" فِي شَيْءٍ كَمَا يُدَلِّسُونَ عَلَى الْعَوَامِّ، بَلْ هُوَ جَهْلٌ مُطْبِقٌ بِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهَوَسٌ بِالتَّجْرِيحِ، وَانْتِفَاخٌ مَرَضِيٌّ، وَغِلْظَةٌ فِي الْقُلُوبِ، وَمَسْلَكٌ خَوَارِجِيٌّ خَفِيٌّ، يَسْعَى أَصْحَابُهُ لِتَسَلُّقِ أَكْتَافِ الْكِبَارِ، وَإِسْقَاطِ رُمُوزِ الْأُمَّةِ، وَإِطْفَاءِ مَصَابِيحِ الْهُدَى لِيَخْلُوَ لَهُمْ ظَلَامُ السَّاحَةِ؛ فَيُصْبِحَ الْيُوتْيُوبَرُ وَالْجَاهِلُ حَاكِمًا عَلَى وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَتُبْنَى الزَّعَامَةُ الزَّائِفَةُ عَلَى أَنْقَاضِهِم!

لَقَدْ أَخَذُوا شِقًّا مِنْ نُصُوصِ السَّلَفِ (وَهُوَ تَكْفِيرُ الْمَقَالَةِ) وَتَرَكُوا الشِّقَّ الْآخَرَ (وَهُوَ الْعُذْرُ لِلْمُعَيَّنِ بِالتَّأْوِيلِ وَالْجَهْلِ)، فَخَرَجُوا بِمَنْهَجٍ مَسْخٍ مُبْتَدَعٍ، لَا هُوَ إِلَى السَّلَفِ يَمُتُّ، وَلَا هُوَ بِضَوَابِطِ الْعِلْمِ يَلْتَزِم.

فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ، إِنْ كُنْتَ تَزْعُمُ اتِّبَاعَ السَّلَفِ، فَهَذَا صَنِيعُ السَّلَفِ وَتَوَرُّعُهُمْ مَعَ مَنْ أَتَى بِمَا هُوَ أَشْنَعُ وَأَغْلَظُ مِنْ زَلَّاتِ النَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَر. فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا تَسْلِيطَ سَيْفِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى أَعْيَانِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ حَكَمْتَ -بِمَنْهَجِكَ هَذَا- عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ، بِالتَّمْيِيعِ وَالْإِرْجَاء!

فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ: إِمَّا أَنْ تَعُودَ إِلَى رَحَابَةِ فِقْهِ الْأَئِمَّةِ وَعَدْلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ تُعْلِنَ انْشِقَاقَكَ الصَّرِيحَ عَنْ مَسْلَكِ أَهْلِ السُّنَّةِ، لِتَنْضَمَّ إِلَى رَكْبِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا وَسِعَ الْأُمَّةَ الْمَرْحُومَة.

قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيّ: قُلْتُ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ قَال: أَنَا أَتْرُكُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ كُلَّ مَنْ كَانَ رَأْسًا فِي بِدْعَة. فَضَحِكَ يَحْيَى وَقَال: كَيْفَ يَصْنَعُ بِقَتَادَة؟ كَيْفَ يَصْنَعُ بِعَمْرِو بْنِ ذَرٍّ الْهَمْدَانِيّ؟ كَيْفَ يَصْنَعُ بِابْنِ أَبِي رَوَّاد؟ - وَعَدَّ قَوْمًا - ثُمَّ قَال: إِنْ تَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا الضَّرْبَ تَرَكَ كَثِيرًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيّ: لَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لِحَالِ الْقَدَر، وَلَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ لِذَلِكَ الرَّأْي، خَرِبَتِ الْكُتُب.

البيانقِفُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ عِنْدَ هَذِهِ الْمُحَاكَمَةِ التَّارِيخِيَّةِ الْقَاطِعَة! فَهُنَا تُعْرَضُ أَعْظَمُ قَوَاعِدِ الْغُلَاةِ الْيَوْمَ (إِسْقَاطُ كُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ أَوْ خَطَأ) عَلَى كِبَارِ جَهَابِذَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل، لِتَسْقُطَ سُقُوطًا مُدَوِّيًا.

انْظُرُوا أَوَّلًا إِلَى رِدَّةِ فِعْلِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان: «فَضَحِكَ يَحْيَى»! لَمْ يُطِلْ فِي الْمُنَاظَرَة، وَلَمْ يَتَشَنَّجْ لِيَرُدّ، بَلْ ضَحِكَ مُسْتَخِفًّا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْخَيَالِيَّةِ الَّتِي تَنْهَارُ بِمُجَرَّدِ مُحَاوَلَةِ تَطْبِيقِهَا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِع. وَهَذِهِ الضَّحْكَةُ مِنْ إِمَامِ الْمُحَدِّثِينَ هِيَ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى كُلِّ قَاعِدَةٍ يَبْتَكِرُهَا الْغُلَاة؛ يَبْدُو ظَاهِرُهَا "الْحَزْمُ وَالْغَيْرَةُ عَلَى الْعَقِيدَة"، وَحَقِيقَتُهَا وَبَاطِنُهَا "هَدْمٌ لِلدِّينِ وَتَضْيِيعٌ لِلسُّنَّة".

ثُمَّ أَلْقَى يَحْيَى بِحُجَّتِهِ الدَّامِغَةِ قَائِلًا: «كَيْفَ يَصْنَعُ بِقَتَادَة؟!». وَقَتَادَةُ هُوَ حَافِظُ الْعَصْرِ وَمُفْتِيه، وَلَكِنَّهُ رُمِيَ بِالْقَدَر! وَهَكَذَا يَحْيَى يَسُوقُ أَسْمَاءَ الْجِبَالِ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِبَعْضِ الْبِدَع، ثُمَّ يَخْتِمُهَا بِقَوْلِه: «إِنْ تَرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا الضَّرْبَ، تَرَكَ كَثِيرًا». وَهَذَا هُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ "الْإِلْزَامَ بِالنَّتِيجَةِ الْمُدَمِّرَة"؛ فَلَوْ أَسْقَطْنَا كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي التَّأْوِيلِ أَوْ وَقَعَ فِي بِدْعَة، لَمَا بَقِيَ لَنَا مِنْ تُرَاثِ الْأُمَّةِ وَحُفَّاظِهَا أَحَد!

وَتَكْتَمِلُ الضَّرْبَةُ الْقَاضِيَةُ بِكَلِمَةِ الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ الَّتِي تَرْتَجِفُ لَهَا الْقُلُوب: «خَرِبَتِ الْكُتُب!» أَيْ لَضَاعَ الْحَدِيث، وَلَانْدَرَسَتِ السُّنَن، وَلَتَمَزَّقَ الدِّين. فَإِنَّ نَقَلَةَ الشَّرِيعَةِ وَحُفَّاظَ الْأَسَانِيد؛ فِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالْقَدَر، وَفِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالْإِرْجَاء، وَفِيهِمْ مَنْ رُمِيَ بِالتَّشَيُّع! فَلَوْ طُبِّقَتْ قَاعِدَةُ الْحَدَّادِيَّةِ الْيَوْمَ فِي إِسْقَاطِ الْمُخَالِف، لَضَاعَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَانْقَطَعَ سَنَدُه!

وَهُنَا نَقِفُ لِنُلْجِمَ الْحَدَّادِيَّ بِحُجَّةٍ لَا قِبَلَ لَهُ بِرَدِّهَا: يَا هَذَا! إِنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ تَحْتَجُّ بِهِ الْيَوْمَ لِتُبَدِّعَنَا بِه، وَكُلَّ آيَةٍ تَقْرَأُ تَفْسِيرَهَا، إِنَّمَا وَصَلَتْكَ عَبْرَ أَسَانِيدِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ وَهَذِهِ الطَّبَقَات. فَإِنْ أَسْقَطْتَ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ وَتَلَبَّسَ بِبِدْعَةٍ (كَمَا تَقْتَضِي قَاعِدَتُك)، فَقَدْ هَدَمْتَ أَسَانِيدَك، وَخَرَّبْتَ كُتُبَك، وَأَضَعْتَ دِينَكَ بِيَدِك! وَإِنْ أَبْقَيْتَهُمْ وَرَوَيْتَ عَنْهُمْ وَقَبِلْتَ عِلْمَهُم، فَقَدْ أَقْرَرْتَ رَغْمًا عَنْ أَنْفِكَ بِـ "قَاعِدَةِ الْعُذْرِ وَالتَّكَامُل" الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا مَنْهَجُ السَّلَف، وَسَقَطَ مَنْهَجُك!

فَيَا أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ الْمَفْتُون: حِينَمَا تُحَاكِمُ أَئِمَّةَ الْإِسْلَامِ بِقَاعِدَةِ الْإِسْقَاطِ وَالتَّبْدِيع، فَتَذَكَّرْ ضَحْكَةَ يَحْيَى بْنِ سَعِيد، وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَا تَهْدِمُ الْأَشْخَاصَ كَمَا تَتَوَهَّم، بَلْ تَسْعَى -بِجَهْلِكَ وَغِلْظَتِكَ- إِلَى أَنْ (تُخَرِّبَ الْكُتُب) وَتَهْدِمَ الدِّين.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَفِظَ دِينَهُ بِأَئِمَّةِ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَاف.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَمَنْ ظَنَّ بِأَبِي حَنِيفَةَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ يَتَعَمَّدُونَ مُخَالَفَةَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِقِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ عَلَيْهِمْ، وَتَكَلَّمَ إِمَّا بِظَنٍّ وَإِمَّا بِهَوًى؛ فَهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ يَعْمَلُ بِحَدِيثِ التَّوَضُّؤِ بِالنَّبِيذِ فِي السَّفَرِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، وَبِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ، لِاعْتِقَادِهِ صِحَّتَهُمَا وَإِنْ كَانَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا.

البيانحُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ وَنَقْلِيَّةٌ بَالِغَةٌ، تَنْفُذُ إِلَى النَّوَايَا وَالْمَقَاصِدِ، وَتَفْضَحُ أَدْعِيَاءَ نُصْرَةِ الْأَثَر!

حَصَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ حَالَ الطَّاعِنِ الْمُفْتَرِي فِي قِسْمَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، فَقَال: «إِمَّا بِظَنٍّ وَإِمَّا بِهَوًى». فَلْيَخْتَرِ الطَّاعِنُ أَيَّ الْقِسْمَيْنِ شَاءَ، فَلَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ ثَالِثٌ يَدَّعِي فِيهِ أَنَّهُ يَطْعَنُ (اتِّبَاعًا لِلدَّلِيلِ) أَوْ (غَيْرَةً عَلَى السُّنَّة).

ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِالتَّقْرِيرِ النَّظَرِيِّ، بَلْ سَاقَ الْبُرْهَانَ الْعَمَلِيَّ السَّاطِع: إِمَامٌ يُتَّهَمُ بِأَنَّهُ يُقَدِّمُ "الْقِيَاسَ وَالرَّأْيَ" عَلَى "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ".. فَإِذَا بِهِ يَتْرُكُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ الصَّرِيحَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ، اسْتِجَابَةً لِحَدِيثَيْنِ ضَعِيفَيْنِ (لِاعْتِقَادِهِ هُوَ صِحَّتَهُمَا)، فِي حِينِ أَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ أَنْفُسَهُمْ لَمْ يُصَحِّحُوهُمَا!

فَبِاللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ أَيُّ مُتَّهَمٍ بِتَقْدِيمِ رَأْيِهِ وَهَوَاهُ عَلَى النَّصِّ يَفْعَلُ هَذَا الصَّنِيعَ، وَيَتْرُكُ رَأْيَهُ وَقِيَاسَهُ تَعْظِيمًا لِحَدِيثٍ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلًا؟!

وَفِي هَذَا قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ تَنْفَعُكَ فِي كُلِّ بَاب: أَنَّ الطَّعْنَ فِي نِيَّاتِ الْأَئِمَّةِ وَمَقَاصِدِهِمْ مُجَرَّدُ (دَعْوَى)، وَالدَّعْوَى تَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ، وَالْبُرْهَانُ هُنَا قَدِ انْقَلَبَ عَلَى الْمُدَّعِي وَأَبْطَلَ فِرْيَتَهُ مِنْ أَسَاسِهَا.

وَلْتَعْلَمْ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدْ أَفْرَدَ لِهَذَا التَّأْصِيلِ الْعَظِيمِ رِسَالَةً بَدِيعَةً أَسْمَاهَا رَفْعُ الْمَلَامِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ، وَهِيَ مُتَوَفِّرَةٌ عَلَى هَذَا الْمَوْقِعِ فِي قِسْمِ الْكُتُبِ.

فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ الْفَرْقَ الْجَلِيَّ بَيْنَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي (رَفْعِ الْمَلَامِ)، وَبَيْنَ الْمَنْهَجِ الْحَدَّادِيِّ فِي (جَمْعِ الزَّلَّاتِ).. فَلْيَقْرَأْهَا.

فَيَا أَيُّهَا الْخَائِضُ فِي نَوَايَا الْأَئِمَّةِ؛ لَيْسَ لَكَ فِي طَعْنِكَ مَخْرَجٌ شَرْعِيّ؛ فَإِمَّا أَنَّكَ تَتَّبِعُ (ظَنًّا) كَاذِبًا لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، أَوْ تَتَّبِعُ (هَوًى) يُرْدِيكَ.

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي مَقَاصِدِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ سَرَائِرَهُمْ أَطْهَرُ مِنْ أَنْ تُدَنَّسَ بِشُبُهَاتِكَ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أَحْمَدُ لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ، وَلَا كُلَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَهْمِيٌّ كَفَّرَهُ، وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَ الْجَهْمِيَّةَ فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ؛ بَلْ صَلَّى خَلْفَ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى قَوْلِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ وَعَاقَبُوا مَنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ بِالْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ، لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَحْمَدُ وَأَمْثَالُهُ؛ بَلْ كَانَ يَعْتَقِدُ إِيمَانَهُمْ وَإِمَامَتَهُمْ، وَيَدْعُو لَهُمْ، وَيَرَى الِائْتِمَامَ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ خَلْفَهُمْ وَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ مَعَهُمْ... ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ دَعَا لِلْخَلِيفَةِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَحَلَّلَهُمْ مِمَّا فَعَلُوهُ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ وَالدُّعَاءِ إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، وَلَوْ كَانُوا مُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ... تَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ مُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا جَاحِدُونَ لِمَا جَاءَ بِهِ، وَلَكِنْ تَأَوَّلُوا فَأَخْطَؤُوا، وَقَلَّدُوا مَنْ قَالَ لَهُمْ ذَلِك.

البيانقَاصِمَةُ الظُّهُورِ، وَفُرْقَانٌ يُمَزِّقُ الْغُلُوَّ، وَيَكْشِفُ عَوْرَةَ الْمُزَايِدِينَ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّين!

قِفْ هُنَا وَتَأَمَّلْ هَذِهِ النَّازِلَة: بِدْعَةُ (خَلْقِ الْقُرْآنِ) كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَأَصْحَابُهَا لَمْ يَكُونُوا مُتَأَوِّلِينَ مُسَالِمِينَ، بَلْ كَانَتْ بِيَدِهِمْ سِيَاطُ السُّلْطَةِ؛ فَدَعَوْا لِبِدْعَتِهِمْ، وَامْتَحَنُوا الْأُمَّةَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَجَلَدُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ حَتَّى غَابَ عَنِ الْوَعْيِ، وَقَطَعُوا الْأَرْزَاقَ، وَكَفَّرُوا مَنْ خَالَفَهُم.

وَمَعَ هَذَا الْبَلَاءِ الْمُرَوِّعِ، انْظُرْ إِلَى (فِقْهِ الْأَئِمَّةِ) كَيْفَ يُفَارِقُ (طَيْشَ الْخَوَارِجِ): لَمْ يُكَفِّرِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَعْيَانَهُمْ، بَلْ صَلَّى خَلْفَهُمْ، وَاعْتَقَدَ إِيمَانَهُمْ، وَدَعَا لِمَنْ جَلَدَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَحَلَّلَه!

لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْإِمَامَ فَرَّقَ بِعَبْقَرِيَّةِ السُّنَّةِ بَيْنَ (الْمَقَالَةِ الْكُفْرِيَّةِ) وَبَيْنَ (الْمُعَيَّنِ الْمُتَأَوِّلِ)، فَعَذَرَهُمْ بِالتَّأْوِيلِ وَالتَّقْلِيدِ رَغْمَ فَدَاحَةِ الْجُرْم.

وَهُنَا نَضَعُ الْحَدَّادِيَّ فِي زَاوِيَةِ الْإِلْزَامِ الصَّارِمِ، فَنَسْأَلُهُ: أَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَهَاوِنًا فِي حَقِّ اللَّهِ وَمُمَيِّعًا لِلدِّين؟!

أَكَانَتْ غَيْرَتُهُ عَلَى صِفَاتِ اللَّهِ أَقَلَّ مِنْ غَيْرَتِكَ أَيُّهَا الْمُتَأَخِّر؟!

إِنْ قُلْتَ: نَعَم! فَقَدْ مَرَقْتَ مِنَ السُّنَّةِ وَفَضَحْتَ حَقِيقَةَ مَنْهَجِك.

وَإِنْ قُلْتَ: لَا! فَقَدْ هَدَمْتَ مَنْهَجَكَ الْإِسْقَاطِيَّ بِلِسَانِك.

فَكَيْفَ صَارَ عُذْرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْجَهْمِيَّةِ الْجَلَّادِينَ (سُنَّةً وَوَرَعًا).. وَصَارَ عُذْرُنَا لِأَئِمَّةِ الْهُدَى فِي زَلَّاتِهِمْ (تَمْيِيعًا وَضَلَالًا)؟!

فَيَا أَيُّهَا الْمَغْرُورُ؛ أَفِقْ مِنْ سَكْرَتِك! الْإِمَامُ أَحْمَدُ يُجْلَدُ فِي ذَاتِ اللَّهِ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يَمْسَحُ الدَّمَ وَيَسْتَغْفِرُ لِجَلَّادِيهِ الْمُتَأَوِّلِينَ.. وَأَنْتَ تَتَّكِئُ عَلَى أَرِيكَتِكَ، تَشُقُّ قُلُوبَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ الْأَعْلَامِ لِتُكَفِّرَهُمْ وَتُسْقِطَهُمْ فِي زَلَّةِ اجْتِهَاد!

فَاتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَيْرَةَ عَلَى الدِّينِ لَا تَكُونُ بِانْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ وَاسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ أَئِمَّتِهِ، وَتَوَاضَعْ لِمِيزَانِ السَّلَفِ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَكَ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّه.

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة: «وَلِهَذَا كُنْتُ أَقُولُ لِلْجَهْمِيَّةِ مِنَ الْحُلُولِيَّةِ وَالنُّفَاةِ الَّذِينَ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى فَوْقَ الْعَرْشِ لَمَّا وَقَعَتْ مِحْنَتُهُم: أَنَا لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا، لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَكُمْ كُفْر، وَأَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُونَ لِأَنَّكُمْ جُهَّال. وَكَانَ هَذَا خِطَابًا لِعُلَمَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ».

البيانقِفْ أَمَامَ هَذَا الْمَشْهَدِ الْمَهِيبِ طَوِيلًا مُتَأَمِّلًا؛ فَوَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ نَصًّا يَجْمَعُ أَطْرَافَ الْحَقِّ وَيُؤَصِّلُ الْمَسْأَلَةَ كَمِثْلِه.

إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَسِيرًا فِي قَبْضَةِ خُصُومِهِ الْأَلِدَّاء، وَالْمِحْنَةُ عَلَى أَشُدِّهَا، وَمَفَاتِيحُ السُّجُونِ وَقَوَارِعُ السِّيَاطِ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ يَقِفُ أَعْزَلًا إِلَّا مِنْ سِلَاحِ الْحُجَّةِ الدَّامِغَة. فَمَا دَاهَنَهُمْ لِيَنْدَفِعَ عَنْهُ أَذَى شَرِّهِمْ، وَلَا هُوَ سَارَعَ إِلَى تَكْفِيرِهِمْ لِيَشْتَفِيَ لِغَيْظِ صَدْرِهِ مِنْهُم. بَلْ نَطَقَ بِكَلِمَتِهِ الْفَصْلِ الَّتِي حُقَّ لَهَا أَنْ تُسَطَّرَ بِمَاءِ الذَّهَب: «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا، وَأَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُون».

تَدَبَّرْ -أَرْشَدَكَ اللَّهُ- شَطْرَيْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ؛ فَفِيهَا مِيزَانُ الدِّينِ الْقَوِيمِ قَدِ اخْتُزِلَ فِي سَطْرٍ وَاحِد. «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا»: فَالْقَوْلُ فِي مِيزَانِهِ كُفْرٌ صُرَاح، لَا يَقْبَلُ الْمُدَاهَنَةَ وَلَا التَّلْطِيف.

«وَأَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُون»: فَلِلْقَائِلِ الْمُعَيَّنِ عُذْرٌ يَدْرَأُ عَنْهُ التَّكْفِيرَ مَا لَمْ تَنْتَفِ الْمَوَانِع.

إِنَّهَا الشِّدَّةُ الصَّارِمَةُ عَلَى «الْمَقَالَةِ» بِلَا حُدُودٍ، وَالرَّحْمَةُ الْوَاسِعَةُ بِـ«الْمُعَيَّنِ» بِلَا تَمْيِيع.

ذَلِكُمْ هُوَ التَّرْكِيبُ الْبَدِيعُ الَّذِي يَزْعُمُ الْغُلَاةُ الْمُعَاصِرُونَ اسْتِحَالَتَهُ وَتَنَاقُضَهُ، قَدْ صَاغَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مُحْكَمَة.

ثُمَّ أَمْعِنِ النَّظَرَ، فِي أَيِّ مَسْأَلَةٍ عَذَرَهُمْ؟ لَقَدْ عَذَرَهُمْ فِي صِفَةِ «عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ»؛ وَهِيَ قِمَّةُ بَابِ الصِّفَاتِ وَأَجْلَى مَسَائِلِهِ وَأَظْهَرُهَا.

فَالْقَوْمُ الَّذِينَ قَارَعَهُمُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لَمْ يَتَأَوَّلُوا صِفَةً وَاحِدَةً وَيُمْسِكُوا، بَلِ اسْتَأْصَلُوا أَصْلَ الصِّفَةِ فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ الْبَارِي فَوْقَ الْعَرْشِ أَصْلًا، وَهُمْ مِنْ غُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ الْمُتَأَرْجِحِينَ بَيْنَ حُلُولِيٍّ مَارِقٍ وَنَافٍ مُعَطِّل!

فَإِنْ كَانَ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْعُتَاةِ لَا يُكَفَّرُونَ عِنْدَهُ بِأَعْيَانِهِمْ لِغَلَبَةِ الْجَهْلِ عَلَيْهِمْ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ هُوَ دُونَهُمْ بِمَرَاحِلَ فِي دَرَكَاتِ الْخَطَأِ، مِمَّنْ رَامَ تَنْزِيهَ اللَّهِ فَأَخْطَأَ التَّأْوِيل؟!

وَهَا هُنَا الْقَاصِمَةُ الَّتِي تَدُكُّ بُنْيَانَ الْغُلُوِّ مِنَ الْقَوَاعِدِ: «وَكَانَ هَذَا خِطَابًا لِعُلَمَائِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَشُيُوخِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ». فَلَمْ يَقُلْ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: أَعْذِرُ عَوَامَّهُمُ الْمُقَلِّدَةَ وَأُكَفِّرُ رُؤُوسَهُمُ الْمُتَصَدِّرَةَ، بَلْ أَنْزَلَ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ عَلَى عِلْيَةِ الْقَوْمِ وَسَادَتِهِمْ: عَلَى الْعَالِمِ الْمُتَصَدِّرِ لِلْفُتْيَا، وَالْقَاضِي الْجَالِسِ لِلْحُكْمِ، وَالشَّيْخِ الْمُتَصَدِّرِ لِلْإِقْرَاء.

فَأَيْنَ هَذَا الْفِقْهُ الرَّاسِخُ مِنْ هَذَرِ الْغُلَاةِ الْيَوْمَ حِينَ يَزْعُمُونَ: «الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ مَقْصُورٌ عَلَى الْعَوَامِّ، أَمَّا الْعَالِمُ فَلَا يُعْذَرُ مُطْلَقا»؟!

وَتَأَمَّلْ عُمْقَ اسْتِدْلَالِهِ فِي قَوْلِهِ: «لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَكُمْ كُفْر». لَقَدْ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِكُفْرِهِ -لَوْ وَافَقَهُمْ- بِـ«عِلْمِهِ» بِحَقِيقَةِ الْقَوْلِ، لَا بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ. فَالْكَلِمَةُ الْوَاحِدَةُ يَتَفَوَّهُ بِهَا رَجُلَانِ: عَالِمٌ بِحَقِيقَتِهَا وَمَآلَاتِهَا قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ فَيَكْفُرُ بِهَا، وَجَاهِلٌ مُتَأَوِّلٌ غَشِيَهُ الِاشْتِبَاهُ وَلَمْ تَنْكَشِفْ لَهُ الْمَحَجَّةُ فَيُعْذَر.

فَمَنَاطُ التَّكْفِيرِ وَمَرْبِطُهُ عِنْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ هُوَ «قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُعَيَّنِ»، لَا مُجَرَّدُ «وُقُوعِ اللَّفْظِ مِنَ اللِّسَانِ». وَهَذَا نَقْضٌ لِصَنْعَةِ الْقَوْمِ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَسَاسِهَا؛ إِذْ إِنَّ صَنْعَتَهُمُ الْبَائِسَةَ تَدُورُ حَوْلَ مَدَارٍ وَاحِدٍ: ثَبَتَ اللَّفْظُ مِنَ الْقَائِلِ، إِذَنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِرِدَّتِهِ!

ثُمَّ أَيْقِنْ أَنَّ مَوْقِفَ الْإِمَامِ هَذَا لَمْ يَكُنْ وَرَعًا بَارِدًا طَارِئًا، وَلَا زَلَّةَ ضَعْفٍ نَطَقَ بِهَا مُضْطَهَدٌ يَتَّقِي شَرَّ سَاجِنِيهِ؛ فَالْإِمَامُ ذَاتُهُ هُوَ مَنْ سَوَّدَ الْمُجَلَّدَاتِ فِي نَسْفِ شُبُهَاتِهِمْ، وَنَاظَرَ طَوَاغِيتَهُمْ حَتَّى أَفْحَمَهُمْ، وَسِيقَ إِلَى ظُلُمَاتِ السُّجُونِ بِسِعَايَتِهِمْ حَتَّى لَقِيَ رَبَّهُ فِيهَا.

فَلَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ بِأَسْرِهَا رَجُلٌ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَ أَعْرَاضَهُمْ وَأَعْيَانَهُمْ بِجَرْحٍ أَوْ تَكْفِيرٍ، لَكَانَ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ، صَدَعَ بِهَا فِي وُجُوهِهِمْ: «لَا تُكَفَّرُون». إِنَّهَا كَلِمَةُ دِيَانَةٍ وَرُسُوخِ مَنْهَجٍ، لَا كَلِمَةُ مُصَانَعَةٍ وَتَلَمُّسِ مَخْرَج.

وَلَمْ يَكُنِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بِدْعًا فِي هَذَا؛ بَلْ هُوَ وَارِثٌ لِإِمَامِهِ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ فَقَدْ سَلَكَ أَحْمَدُ مَعَ جَهْمِيَّةِ زَمَانِهِ الْمَسْلَكَ ذَاتَهُ: جَلَدُوهُ بِسِيَاطِهِمْ، وَغَيَّبُوهُ فِي سُجُونِهِمْ، وَحَمَلُوا الْأُمَّةَ قَسْرًا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَمَعَ ذَلِكَ دَعَا لَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ، وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْأَثِيرَةَ: «مَا يَنْفَعُكَ أَنْ يُعَذَّبَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ فِي سَبَبِك؟».

وَقَدْ نَقَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ أَعْيَانَ الْجَهْمِيَّةِ؛ فَلَمْ يُكَفِّرْ كُلَّ مَنِ انْتَحَلَ التَّجَهُّمَ، وَلَا كُلَّ مَنْ وَافَقَهُمْ فِي بَعْضِ بِدَعِهِمْ. بَلْ أَقَامَ الصَّلَاةَ خَلْفَ قُضَاةِ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى ضَلَالَتِهِمْ وَامْتَحَنُوا النَّاسَ عَلَيْهَا وَأَنْزَلُوا الْعُقُوبَاتِ الْغَلِيظَةَ بِالْمُخَالِفِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَكَانَ يَدْعُو لَهُمْ، وَيَرَى مَشْرُوعِيَّةَ الِائْتِمَامِ بِهِمْ فِي الصَّلَوَاتِ، وَالْمُضِيَّ مَعَهُمْ فِي الْحَجِّ وَالْغَزْوِ، وَيُحَرِّمُ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ، شَأْنُهُمْ فِي ذَلِكَ شَأْنُ سَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

فَسُبْحَانَ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ! أَحْمَدُ فِي أَتُونِ مِحْنَتِهِ، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كَرْبِ غُرْبَتِهِ، كِلَاهُمَا وَازَنَ بَيْنَ الشِّدَّةِ فِي تَكْفِيرِ «الْمَقَالَةِ» وَالرَّحْمَةِ الْبَالِغَةِ بِـ«قَائِلِهَا».

فَمَنِ ادَّعَى بِجَهْلِهِ أَنَّ هَذَا الْجَمْعَ الْمُحْكَمَ إِرْجَاءٌ وَتَمْيِيعٌ، فَلْيُلْحِقِ الْإِمَامَيْنِ الْجَبَلَيْنِ بِطَوَائِفِ الْمُرْجِئَةِ! وَلْيُسْفِرْ لَنَا عَنْ وَجْهِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِيُرِيَنَا أَيْنَ يَقِفُ هُوَ مِنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِح.

وَيَا لَلَّهِ الْعَجَبُ مِنْ مُفَارَقَةٍ تُدْمِي الْقُلُوبَ حُزْنًا: فَالرَّجُلُ الَّذِي يَزْعُمُ مُحَمَّدُ بْنُ شَمْسِ الدِّينِ وَغِلْمَانُهُ أَنَّهُمُ الْمُتَحَدِّثُونَ الرَّسْمِيُّونَ بِاسْمِهِ وَالْمُنَافِحُونَ عَنْ تُرَاثِهِ، هُوَ ذَاتُ الْإِمَامِ الَّذِي وَسِعَ بِعُذْرِهِ قُضَاةَ الْجَهْمِيَّةِ وَشُيُوخَهُمْ فِي أَشْنَعِ بِدْعَةٍ كَنَفْيِ الْعُلُوّ!

بَيْنَمَا تَرَاهُمُ الْيَوْمَ يُسَلِّطُونَ نُصُوصَ شِدَّةِ الْأَئِمَّةِ -بَعْدَ انْتِزَاعِهَا مِنْ سِيَاقِهَا- لِتَكْفِيرِ إِمَامٍ جَلِيلٍ كَالنَّوَوِيِّ؛ الَّذِي أَثْبَتَ لِلَّهِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا لَمْ يَخْطُرْ لِغُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ بِبَالٍ، وَأَثْبَتَ الْعُلُوَّ، وَخَدَمَ السُّنَّةَ النَّبَوِيَّةَ بِمَا يَفُوقُ خِدْمَةَ قَرْنٍ كَامِلٍ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ بَعْضَ الصِّفَاتِ مُتَدَثِّرًا بِقَصْدِ التَّنْزِيه!

لَقَدِ اخْتَطَفَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةُ مِنْ أَحْمَدَ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ سَوْطَهُمَا وَطَرَحُوا مِيزَانَهُمَا، وَتَقَلَّدُوا سَيْفَهُمَا وَنَبَذُوا عَدْلَهُمَا وَإِنْصَافَهُمَا!

المقدِّم يقدِّم محمد بن شمس الدين بلقب «المتحدث باسم ابن تيمية»

فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ الْغَالِي، أَقِمْ نَفْسَكَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ الْعَصِيبِ: لَوْ شَهِدْتَ مِحْنَةَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَسَمِعْتَهُ يَصْدَعُ فِي وُجُوهِ قُضَاةِ الْجَهْمِيَّةِ: «أَنْتُمْ عِنْدِي لَا تُكَفَّرُونَ لِأَنَّكُمْ جُهَّال»، مَا الَّذِي كُنْتَ صَانِعًا يَوْمَئِذٍ؟ أَكُنْتَ تَنْتَفِضُ فِي وَجْهِ الْإِمَامِ صَارِخًا: هَذَا إِرْجَاءٌ وَتَمْيِيعٌ، وَالْعَالِمُ لَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ مُطْلَقا؟! فَاعْلَمْ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ خُصُومَتَكَ الْمُفْتَعَلَةَ لَيْسَتْ مَعَ «مُتَسَاهِلِي هَذَا الزَّمَانِ وَمُمَيِّعِيهِمْ» كَمَا تُمَوِّهُ عَلَى أَتْبَاعِكَ وَتُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ، بَلْ خُصُومَتُكَ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ مَعَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَيْنِهِ، فِي أَسْطَعِ مَوَاقِفِهِ وَأَصْرَحِ أَلْفَاظِهِ! بَلْ قُلْ لِي: مَاذَا كُنْتَ فَاعِلًا لَوْ أَبْصَرْتَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُخَاطِبُ جَلَّادَهُ -الَّذِي أَوْقَدَ نَارَ فِتْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ- مُنَادِيًا إِيَّاهُ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ»؟!

وَلَا يَتَوَهَّمَنَّ مُتَوَهِّمٌ أَنَّنَا بِهَذَا التَّقْرِيرِ نُهَوِّنُ مِنْ شَنَاعَةِ أَقْوَالِ الْجَهْمِيَّةِ الْمَارِقَةِ، أَوْ نَشْرَعُ أَبْوَابَ الْأَعْذَارِ لِكُلِّ نَاعِقٍ بِالْبَاطِلِ؛ فَقَدْ تَوَلَّى النَّصُّ نَقْضَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قَبْلَ أَنْ تُلْفَظَ، حَيْثُ قَالَ: «لَوْ وَافَقْتُكُمْ كُنْتُ كَافِرًا».

فَالْبِدْعَةُ ضَلَالَةٌ، وَالْكُفْرُ كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَالْبَيَانُ فَرْضٌ مَحْتُومٌ، وَنَقْضُ الْمَقَالَاتِ الْفَاسِدَةِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ. وَإِنَّمَا مُعْتَرَكُ النِّزَاعِ وَمَنَاطُ الْخِلَافِ فِي إِهْدَارِ عَيْنِ الرَّجُلِ «الْمُعَيَّنِ» وَتَكْفِيرِهِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ؛ فَذَلِكُمْ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي حَرَّمَهُ الشَّرْعُ الْمُطَهَّرُ، وَأَبَاهُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ يُسَامُ سُوءَ الْعَذَابِ تَحْتَ السِّيَاط.

وَأَيْقِنْ أَنَّ التَّارِيخَ مَا خَلَّدَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ التَّيْمِيَّةَ إِلَّا لِأَنَّهَا كَانَتْ أَثْقَلَ عَلَى النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ مَسْلَكَيِ الْمُوَافَقَةِ وَالتَّكْفِيرِ كِلَيْهِمَا؛ فَالْمُوَافَقَةُ لِلْمُبْطِلِينَ كَانَتْ سَتَشْرَعُ لَهُ أَبْوَابَ السَّلَامَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ كَانَ سَيَشْفِي غَلِيلَ صَدْرِهِ مِنْ ظَالِمِيهِ وَيُطْفِئُ لَوْعَتَهُ. لَكِنَّهُ اخْتَارَ أَوْعَرَ السُّبُلِ وَأَشَقَّهَا عَلَى النُّفُوسِ: طَرِيقَ الْحَقِّ الْمُجَرَّدِ وَالْعَدْلِ الْمُطْلَقِ. فَتَبَصَّرْ فِي أَمْرِكَ، وَانْظُرْ أَيَّ السُّبُلِ الثَّلَاثَةِ تَسْلُكُ إِذَا بُلِيتَ بِالْمُخَالَفَةِ: أَتَرْكَنُ إِلَى الْمُدَاهَنَةِ؟! أَمْ تَنْجَرِفُ فِي تَيَّارِ التَّكْفِيرِ الْأَعْمَى؟! أَمْ تَصْدَعُ بِالْحَقِّ فِي نَقْضِ «الْمَقَالَةِ» وَتَلْتَزِمُ الْعَدْلَ فِي «الْقَائِلِ»، وَلَوْ كَانَ خَصْمُكَ الْأَلَدَّ الَّذِي سَامَكَ الْخَسْفَ وَالْأَذَى؟!

نَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ الَّذِي رَبَطَ عَلَى قَلْبِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَثَبَّتَهُ فِي مِحْنَتِهِ، أَنْ يَرْزُقَنَا صَلَابَتَهُ وَشِدَّتَهُ فِي الْحَقِّ، وَسَعَةَ رَحْمَتِهِ بِالْخَلْقِ، وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنْ أَنْ نَجْعَلَ حَظَّنَا مِنْ تُرَاثِهِ وَعِلْمِهِ سَوْطَ عَذَابٍ نَجْلِدُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيب.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قَوْلُ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ: لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّة، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْهُمُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُه. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّين: أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ وَلَا يُفَسِّقُونَ وَلَا يُؤَثِّمُونَ أَحَدًا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُخْطِئِينَ، لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّة.

البيانضَرْبَةٌ تَيْمِيَّةٌ قَاضِيَة، تَنْسِفُ أَضْخَمَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يَبْنِي عَلَيْهَا الْغُلَاةُ دِينَهُمْ، وَتُسَوِّي صَرْحَ تَدْلِيسِهِمْ بِالْأَرْضِ!

فَهُنَا يَقِفُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَدُكَّ (بِدْعَةَ التَّفْرِيقِ) الَّتِي يَتَتَرَّسُ بِهَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْم؛ فَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعُذْرَ بِالِاجْتِهَادِ مَحْصُورٌ فِي الْفِقْهِيَّاتِ، أَمَّا مَسَائِلُ الْعَقِيدَةِ (الْأُصُولُ) فَلَا عُذْرَ فِيهَا لِمُجْتَهِدٍ أَخْطَأ!

فَجَاءَهُمُ النَّصُّ كَالصَّاعِقَة: «لَا يُؤَثِّمُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا فِي الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَلَا فِي الْفُرُوعِيَّة».

وَلِسَدِّ مَنَافِذِ الْهَرَبِ وَالتَّأْوِيلِ، كَرَّرَ الْإِمَامُ تَقْرِيرَ الْقَاعِدَةِ بِلَفْظٍ حَاسِمٍ آخَرَ فَقَال: «لَا فِي مَسْأَلَةٍ عَمَلِيَّةٍ وَلَا عِلْمِيَّة»! وَالْمَسَائِلُ الْعِلْمِيَّةُ هِيَ (مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ) نَصًّا وَإِجْمَاعًا.

ثُمَّ تَأَمَّلُوا كَيْفَ حَظَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ مُتَتَالِيَةٍ تُجَاهَ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ فَقَال: «لَا يُكَفِّرُونَ، وَلَا يُفَسِّقُونَ، وَلَا يُؤَثِّمُونَ». فَلَمْ يَكْتَفِ بِنَفْيِ الْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، بَلْ رَفَعَ عَنِ الْعَالِمِ الْمُخْطِئِ حَتَّى أَدْنَى الدَّرَجَاتِ (وَهِيَ الْإِثْم)!

فَالْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ مَأْجُورٌ شَرْعًا غَيْرُ مَأْزُورٍ، بَيْنَمَا الْحَدَّادِيَّةُ الْيَوْمَ لَا يَكْتَفُونَ بِتَأْثِيمِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ يُفَسِّقُونَهُمْ، وَيُبَدِّعُونَهُمْ، وَيُخْرِجُونَهُمْ مِنَ السُّنَّة!

وَانْظُرُوا إِلَى مَنْ نُسِبَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْعَظِيمَة؟ لَمْ يَجْعَلْهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ اجْتِهَادًا شَخْصِيًّا لَه، بَلْ حَكَاهَا إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا نَاصِعًا عَنِ (الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ الْفَتْوَى كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ).

فَمَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ وَمَنَعَ الْعُذْرَ، فَلَمْ يُخَالِفِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ وَحْدَهُ، بَلِ انْسَلَخَ مِنْ مَذْهَبِ الصَّحَابَةِ وَإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الدِّين.

فَيَا مَنْ فَرَّقَ مَا جَمَعَهُ السَّلَفُ، وَضَيَّقَ مَا وَسَّعَهُ الشَّرْع؛ تَدَّعِي حِرَاسَةَ الْعَقِيدَةِ بِمَنْعِ الْعُذْرِ فِيهَا، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ يَنْقُلُ لَكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى عُذْرِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْأُصُولِ كَالْفُرُوعِ! فَهَلْ أَنْتَ أَعْلَمُ بِمَذْهَبِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْإِمَامَيْنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ حَزْم؟!

طَأْطِئْ رَأْسَكَ لِسَطْوَةِ الْإِجْمَاعِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَئِمَّةِ الْهُدَى؛ فَوَاللَّهِ إِنَّ وُقُوفَكَ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَتُسْأَلُ عَنْ تَبْدِيعِ وَإِسْقَاطِ مَنْ (أَجَرَهُمُ اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُمْ)، لَمَوْقِفٌ تَذُوبُ مِنْهُ الْقُلُوبُ حَيَاءً وَرُعْبًا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الْمُتَأَوِّلُ الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ لَا يُكَفَّرُ، بَلْ وَلَا يُفَسَّقُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأ. وَهَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ النَّاسِ فِي الْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّة. وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَان، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِين؛ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ، كَالْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة.

البيانوَثِيقَةٌ تَيْمِيَّةٌ حَارِقَة، تَنْسِفُ شَجَرَةَ الْغُلُوِّ مِنْ جُذُورِهَا التَّارِيخِيَّة، وَتَرُدُّ بِضَاعَةَ الْحَدَّادِيَّةِ الْفَاسِدَةَ إِلَى نُحُورِهِمْ!

فَهُنَا يَقِفُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِيَجْتَثَّ (بِدْعَةَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ بِالْخَطَأِ فِي الْعَقِيدَة) وَيَرُدَّهَا إِلَى أَصْلِهَا الْأَسْوَد.

وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ عَلَى مَنْ يَتَسَتَّرُ بِرِدَاءِ السَّلَف؛ إِذْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِأَنَّ التَّفْرِيقَ وَمَنْعَ الْعُذْرِ فِي الْعَقَائِدِ لَيْسَ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَة، وَلَا التَّابِعِين، وَلَا أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَطّ!

بَلْ هُوَ مِيرَاثٌ خَبِيثٌ تَلَقَّفَهُ الْغُلَاةُ الْيَوْمَ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْبِدَعِ الصَّافِيَةِ كَالْخَوَارِج، وَالْمُعْتَزِلَة، وَالْجَهْمِيَّة!

ثُمَّ وَضَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ عَلَى الْعَلَامَةِ الْفَارِقَةِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَع، وَهِيَ: (أَنَّهُمْ يَبْتَدِعُونَ بِدْعَةً، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ). فَالْقَضِيَّةُ لَيْسَتْ فِي ذَاتِ الْخِلَاف، بَلْ فِي تَحْوِيلِ الْمَسْأَلَةِ إِلَى (مِحْنَةٍ وَمِقْصَلَة) يُعْقَدُ عَلَيْهَا الْوَلَاءُ وَالْبَرَاء، وَيُسْقَطُ بِهَا الْمُخَالِفُ الْمَعْذُور؛ وَهَذَا هُوَ دِينُ الْحَدَّادِيَّةِ الْمُعَاصِرُ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّة!

وَتَأَمَّلْ كَيْفَ حَسَمَ الْإِمَامُ مَوْضِعَ النِّزَاعِ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَة، فَقَالَ: «وَأَمَّا مَسَائِلُ الْعَقَائِدِ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ كَفَّرَ الْمُخْطِئِينَ فِيهَا».

فَهُوَ يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ الْهَدْمِيَّ مَوْجُود، وَأَنَّ فَاعِلِيهِ (كَثِير)، وَمَعَ ذَلِكَ أَخْرَجَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ بِجُرْأَةٍ عِلْمِيَّةٍ صَرِيحَةٍ مِنْ دَائِرَةِ مَذْهَبِ السَّلَف!

وَعَلَّقَ عُذْرَ الْمُخَالِفِ عَلَى شَرْطٍ وَاحِد: «الَّذِي قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُول». وَالْقَصْدُ سِرٌّ مَدْفُونٌ فِي الْقَلْب؛ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْلَمُ سُوءَ قَصْدِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالنَّوَوِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ وَغَيْرِهِمْ لِيُسْقِطَهُمْ، فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إِلَيْه.

فَيَا لَلْعَجَبِ مِنْ حَالِكَ أَيُّهَا الْمَفْتُون! تَزْعُمُ أَنَّكَ تَرْفَعُ سَيْفَ الْجَرْحِ لِتَقْمَعَ الْخَوَارِجَ وَالْجَهْمِيَّة، فَإِذَا بِشَيْخِ الْإِسْلَامِ يُخْبِرُكَ نَصًّا أَنَّكَ تَسْتَعْمِلُ (قَوَاعِدَ الْخَوَارِجِ وَالْجَهْمِيَّةِ) ذَاتَهَا فِي قَمْعِ إِخْوَانِكَ وَإِسْقَاطِ أَئِمَّةِ الْهُدَى!

فَاتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، وَلَا تَهْدِمْ صَرْحَ السُّنَّةِ بِمَعَاوِلِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ تُحْسِنُ صُنْعًا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ السَّلَفِيَّ الصَّرِيحَ عَلَى عُذْرِ الْمُتَأَوِّل، لَنْ تَنْقُضَهُ قَسْوَتُكَ وَلَا كَثْرَةُ طُعُونِكَ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الْأَقْوَالُ الَّتِي يَكْفُرُ قَائِلُهَا قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَمْ تَبْلُغْهُ النُّصُوصُ الْمُوجِبَةُ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَقَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ فَهْمِهَا، وَقَدْ يَكُونُ قَدْ عَرَضَتْ لَهُ شُبُهَاتٌ يَعْذِرُهُ اللَّهُ بِهَا. فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مُجْتَهِدًا فِي طَلَبِ الْحَقِّ وَأَخْطَأَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ كَائِنًا مَا كَانَ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّة. هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام، وَمَا قَسَّمُوا الْمَسَائِلَ إِلَى مَسَائِلِ أُصُولٍ يُكَفَّرُ بِإِنْكَارِهَا، وَمَسَائِلِ فُرُوعٍ لَا يُكَفَّرُ بِإِنْكَارِهَا.

البياندَكَّةٌ عِلْمِيَّةٌ عُظْمَى تَهْدِمُ آخِرَ حُصُونِ الْغُلُوِّ، وَتَسُدُّ مَنَافِذَ الْهَرَبِ عَلَى مَنْ يَتَسَتَّرُ بِبِدْعَةِ التَّفْرِيق!

فَإِنَّكَ مَتَى مَا حَاصَرْتَ الْغَالِيَ بِنُصُوصِ السَّلَفِ الْقَاطِعَةِ فِي (الْعُذْرِ بِالْخَطَأ)، فَرَّ إِلَى حِصْنِهِ الْأَخِيرِ قَائِلًا: "هَذَا الْعُذْرُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالْفُرُوعِ، أَمَّا الِاعْتِقَادُ وَالْأُصُولُ فَلَا عُذْرَ فِيهَا لِمُخْطِئ"!

فَجَاءَهُ نَصُّ ابْنِ تَيْمِيَّةَ لِيَقْتَلِعَ هَذَا الْحِصْنَ الْمَوْهُومَ مِنْ أَسَاسِهِ، وَيُقَرِّرَ نَصًّا: «وَمَا قَسَّمُوا الْمَسَائِل..»؛ لِيُثْبِتَ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ ذَاتَهُ (تَقْسِيمٌ مُحْدَث)، لَمْ يَعْرِفْهُ الصَّحَابَةُ وَلَا جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّة.

وَتَأَمَّلِ الْحَسْمَ التَّيْمِيَّ فِي إِغْلَاقِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ؛ إِذْ قَالَ فِي خَطَأِ الْمُجْتَهِدِ: «يَغْفِرُ لَهُ خَطَأَهُ كَائِنًا مَا كَان»، ثُمَّ فَصَّلَهَا تَصْرِيحًا لَا تَلْمِيحًا: «سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّة». وَالْمَسَائِلُ النَّظَرِيَّةُ هِيَ (مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ) عَيْنُهَا الَّتِي يُكَابِرُ الْغُلَاةُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِلْمُخْطِئِ فِيهَا!

ثُمَّ قِفْ مَبْهُوتًا أَمَامَ فِقْهِ الْأَعْذَارِ؛ فَقَدْ سَرَدَ الْإِمَامُ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ رَحِيمَةٍ تَدْرَأُ الْحُكْمَ عَنِ الْمُخْطِئِ: (أَلَّا يَبْلُغَهُ النَّصُّ، أَوْ يَبْلُغَهُ وَلَا يَثْبُتَ عِنْدَهُ، أَوْ يَثْبُتَ وَلَا يَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِهِ، أَوْ تَعْرِضَ لَهُ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْذِرُهُ اللَّهُ بِهَا).

أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ سَلَفِيَّةٍ لِلْعُذْرِ، يَمُرُّ عَلَيْهَا الْغَالِي الْيَوْمَ وَهُوَ أَعْمَى الْقَلْبِ، ثُمَّ يُنْزِلُ حُكْمَ التَّبْدِيعِ وَالْإِسْقَاطِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ اللَّفْظِ مِنَ الْإِمَامِ الْمُخَالِفِ، دُونَ أَدْنَى الْتِفَاتٍ لِعُذْرٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ تَأْوِيل!

وَلْتَعْلَمْ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ لَمْ يَسُقْ هَذَا الْكَلَامَ كَرَأْيٍ يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ، بَلْ قَالَ: «هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَجَمَاهِيرُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَام». فَمَنْ رَدَّ الْعُذْرَ الْيَوْمَ؛ فَلْيَعْلَمْ يَقِينًا أَنَّهُ لَا يَرُدُّ اجْتِهَادَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، بَلْ يَنْقُضُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَيُفَارِقُ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ أَيُّهَا الْمُتَعَالِمُ؛ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ مِنَ الرَّحْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ تُفْتَحُ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَأَنْتَ تُوصِدُهَا جَمِيعًا فِي وَجْهِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ لِتُسْقِطَهُم!

هَلْ تَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ أَقَامَكَ جَلَّادًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ تَمْنَعُ رَحْمَتَهُ أَنْ تَنَالَ عِبَادَهُ الْمُخْلِصِين؟!

اتَّقِ اللَّهَ فِي وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ؛ وَاعْلَمْ أَنَّكَ بِمَنْعِكَ الْعُذْرَ عَنْهُمُ الْيَوْمَ، إِنَّمَا تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْعُذْرِ غَدًا؛ فَقَدْ تَقَعُ فِي زَلَّةٍ أَوْ خَطَأٍ فَاحِشٍ، وَتَتَمَنَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْ عَذَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، فَتَجِدُهُ قَدْ حُرِمَ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ ضَيَّقْتَهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَئِمَّةِ الْخَيْر!

فَوَاللَّهِ لَوْ عَامَلَكَ دَيَّانُ السَّمَاوَاتِ غَدًا بِمِثْلِ قَسْوَتِكَ وَظُلْمِكَ الْيَوْمَ، لَهَلَكْتَ وَلَمْ يَنْفَعْكَ ادِّعَاءُ السُّنَّة.