محمود الحدّاد المصري
المُؤسِّس الأصلي للفرقةمُؤسِّس الفرقة، مَصريّ من طنطا، انتقل إلى المدينة المنوّرة، عَمل مع ربيع المدخلي ثم انفصل عنه لِغُلوّه، ودَعا إلى حَرق كُتب النووي وابن حجر.
رأسُ الغلوّ التبديعيّ في العصر الحديث، والمتصدِّرُ الذي جعل تمزيقَ الصفوف مشروعًا، والرجلُ الذي لبس ثوبَ الذبِّ عن السنة ثم جرَّد سيفَه فضرب به أعناقَ أئمتها وحملةِ تراثها: محمود بن أحمد الحدّاد المصري، وقيل: محمود بن محمد الحدّاد.
وُلد بمصر سنة 1374 هـ الموافق 1954 م، وهو من طنطا بمحافظة الغربية، ثم شدَّ الرحال إلى المملكة العربية السعودية فاستقرَّ بالمدينة المنورة، فما هي إلا سنواتٌ معدودات حتى صار رأسًا لتيارٍ منشقٍّ حمل اسمه: «الحدادية»، ورُفعت إليه في زمانه رايةُ الغلوّ في الجرح والتعديل.
ولم يكن مشروعه بناءً علميًّا بقدر ما كان صناعةَ هدمٍ متكاملة؛ إذ استغلَّ موجةَ الصحوة السلفية، وحوَّل قواعدَ نقد الرجال من ميزانٍ أُريد به العدلُ وحفظُ الشريعة إلى آلةٍ حادَّةٍ لطحن العلماء، متقدِّمِهم ومتأخِّرِهم؛ فأسقط الأئمة، وامتحن العوامَّ، وبدَّع باللوازم. أراد أن ينصر السنة بزعمه فطعن في أئمتها الذين حفظوها: دعا إلى إحراق كتب الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام النووي، وتطاول على الإمام أبي حنيفة، وأدرج السيوطيَّ في سجلّ المطعونين، ورمى شيخَ الإسلام ابنَ تيمية بالتهاون مع أهل البدع، وصنَّف في تبديع العلامة الألباني، ثم امتدَّت أحكامه إلى الشيخ عبد العزيز بن باز وطبقتِه من علماء العصر.
فكانت فتنتُه في أواخر القرن العشرين من أشدِّ الفتن الداخلية التي عصفت بالمنتسبين إلى المدرسة السلفية، حتى تبرَّأ منه من قرأ عليهم، وطُرد من مهجره، وبقي أثره المنهجيُّ مرضًا يسري في طوائف من الشباب إلى اليوم. ولم تعد القضية عنده خطأً لعالمٍ يُناقَش ويُوزَن، بل صار الخطأ الجزئيُّ بابًا لإسقاط صاحبه، ثم بابًا لإسقاط من لم يُسقطه، في سلسلةٍ لا يكاد يقف لها حدّ.
قلتُ: وهذا الرجل نموذجٌ فريد في باب الانحراف؛ فإنّ الانحراف المعتاد يكون بترك السنة إلى البدعة، أو بترك الدليل إلى الرأي، أمّا انحرافُ الحدّاد فكان بادّعاء احتكار السنة، ونفيِها عن كل من سواه، حتى ضاقت عليه الدائرة فلم يسلم له فيها أحد، لا من الأحياء ولا من الأموات.
من طنطا إلى أروقة المدينة
نشأ محمود الحدّاد في مصر، بطنطا من محافظة الغربية، في بيئةٍ لم تُعرف في بداياتها بطلب العلم الشرعيّ المتين. وكانت مصر في تلك الحقبة تموج بالتيارات المختلفة، وتفتقر في كثير من أوساطها إلى التأصيل العلميّ الحديثيّ الذي يُعنى بضبط الرواية وفقه الأثر. وعمل الحدّاد في المحاسبة، ثم شدَّ الرحال إلى المملكة العربية السعودية للعمل والإقامة، فاستقرَّ به المقام في المدينة النبوية في الثمانينيات الميلادية.
ولا يُعرف له في نشأته الأولى بمصر شيوخٌ كبار أخذ عنهم الركب، ولا رحلةٌ في طلب العلم تُذكر في صباه؛ بل كانت بضاعته مزجاة، يتلقَّط العلم من بطون الكتب بغير آلةٍ ضابطة. وكانت تستهويه كتب الجرح والتعديل والردود، وهي الكتب التي إذا قرأها المبتدئ قبل أن يُحكِم أصولَ الفقه وقواعدَ الاستنباط ومقاصدَ الشريعة، أورثته جرأةً على العلماء وغرورًا في النفس.
حلقاتٌ لم يُثنَ إليها الركب: تكوينٌ على غير آلة
ولمّا بلغ المدينة وجد بيئةً علميةً تختلف عمّا عهده؛ بيئةً تعجُّ بطلاب العلم والعلماء والمحدِّثين. وجاءت الأخبار في صلته بها على وجهين: فقيل إنه انتظم في بعض الحلقات، وجلس إلى عددٍ من الشيوخ المعاصرين وتلقّى عنهم؛ وقيل إنه لم يُعرف له شيوخٌ جالسهم على طريقة أهل العلم، ولا اشتُهر بثني الركب في حلقات المسجد النبويّ التي كانت تضجُّ بالعلماء، بل كان تعليمه صُحُفيًّا في جانبٍ كبير منه، قائمًا على القراءة في الكتب، وجمع النصوص، واستخراج ما يراه موافقًا لأصوله.
وأيًّا كان وجه الخبر في بداياته، فصورةُ التحوُّل بعدها واحدة. فقد أظهر في أول أمره حماسًا منقطع النظير في محاربة البدع والردِّ على الجماعات الحزبية، فقرَّبه بعض شيوخ المدينة، وظنّوا فيه مشروعَ باحثٍ منافحٍ عن السنة. وكان قد دخل ساحةً تشهد غليانًا شديدًا بين تياراتٍ متعددة، وقد أخذ بابُ الجرح والتعديل يتبلور عند جماعاتٍ من المتصدِّرين بطابعٍ حادٍّ في مواجهة الحركات السياسية. ولم يدخل الحدّاد تلك الساحة من بابٍ اشتُهر فيه بفقهٍ أو تفسيرٍ أو أصول، بل ظهر اسمه في باب تصنيف الرجال ونقدِهم وتتبُّعِ أقوالهم؛ إذ كان تكوينه معطوبًا من أساسه، فانكبَّ على الجرح والتعديل وأخبار الرجال، متجاوزًا علومَ الآلة واللغة والفقه والأصول.
قلتُ: ومن قرأ سِيَرَ الرجال وتراجمهم وجرحَهم قبل أن يقرأ فقههم، صار قاضيًا قبل أن يكون طالبًا. وهذا الذي أصاب الحدّاد؛ فقد ظنّ أنّ حفظه لبعض الأسانيد ومطالعته لكتب الجرح تعطيه صلاحيةَ إصدار الأحكام على أممٍ من العلماء، فكان يقرأ عباراتِ الجرح الشديدة التي أطلقها بعض السلف في مقاماتٍ معيَّنة، فيُسقطها بجهلٍ مركَّب على أعيان علماء الأمة في كل عصر، من غير فقهٍ لمقامات الكلام، ولا مراعاةٍ لاختلاف الأعصار والأصول. وإنّما تبدأ المأساة من التصدُّر بغير آلةٍ راسخة؛ فمن يتعامل مع النصوص المنقولة من غير تربيةٍ تُورث صاحبَها الفهمَ والسمتَ والرحمةَ قبل الحفظ، قد يعرف كيف ينتزع النصَّ، لكنه لا يعرف أين يضعه.
رجل الساعة: كيف صنع الحدّاد جمهورَه
في بداية ظهوره كان الحدّاد يُحسب على تيار الشيخ ربيع بن هادي المدخلي في المدينة المنورة، وعمل معه في تتبُّع أخطاء العلماء والدعاة المعاصرين والطعن فيهم وتصنيفهم. وكان ذلك التيار يعتمد لغةً شديدةً في نقد المخالفين والتبديع، ويخوض آنذاك معارك حادَّةً ضد جماعة الإخوان المسلمين، وسيد قطب، وحسن البنّا، والحركات الإسلامية السياسية، فوجد في الحدّاد قلمًا حادًّا ولسانًا قويًّا في نقد هؤلاء. وناصره في تلك المرحلة طائفةٌ من المتصدِّرين للجرح، ظنًّا منهم أنه رجلٌ سلفيٌّ شديدٌ على الحزبيين، وقرَّبه بعضُ من كانوا يرون في نشاطه عونًا على خصومهم.
فكيف لرجلٍ بهذه الآراء أن يجد أتباعًا؟ الجواب في طبيعة الخطاب الذي تبنّاه: فقد استغلَّ عاطفة الشباب وحبَّهم للسنة والتوحيد، ورفع شعار الولاء والبراء وتصفيةِ الدين من المبتدعين، والشابُّ الصغير يستهويه الحسم واللونان الأسود والأبيض، وتأسره اللغة القاطعة الجازمة التي لا تترك مجالًا للتردُّد. فاجتمع حوله أتباعٌ من الشباب تحت غطاء ما كانوا يظنّونه نصرةً للسنة وكسرًا لشوكة المخالفين، وتشكَّلت منهم عصابةٌ من الغلاة، يجتمعون في مجالسَ يُسبُّ فيها الأئمة ويُحكَم فيها على النيّات. واستطاع في فترةٍ وجيزة أن يُحدث دويًّا عظيمًا، وأن يجعل اسمه يتصدَّر النقاشات في المساجد والتسجيلات الإسلامية، مستفيدًا من حالة الاستقطاب العالية يومئذ.
ليلةُ الميادين: يوم دُعي إلى إحراق «فتح الباري»
في مجالس المدينة المنورة التي طالما عُرفت بتوقير أهل العلم، في ما بين أواخر الثمانينيات ومنتصف التسعينيات الميلادية، ارتفع صوتٌ ناعقٌ بدعوةٍ زلزلت أوساط طلاب العلم. كان عددٌ من الشباب المتحمِّس مجتمعين، والحدّاد متصدِّرٌ يتكلم بنبرةٍ حادَّةٍ لا تعرف المراجعة. ولم يكن الحديث يومئذ عن نشر التوحيد بين العوامّ، ولا عن تعليم الناس عباداتهم، وإنما دار الكلام على كتابين من أشهر شروح السنة: «فتح الباري شرح صحيح البخاري» للحافظ ابن حجر العسقلاني، و«المنهاج شرح صحيح مسلم» للإمام النووي.
فلم يكتفِ الحدّاد بنقد التأويلات الأشعرية في كتب السلف، بل قرَّر أنّ ابن حجر والنووي أشعريّان مبتدعان ضالّان، وأنه لا كرامة لهما، ولا يجوز الترحُّم عليهما، وأنّ كتبهما مشتملةٌ على الضلال تنشر البدعة فلا نفع فيها؛ إذ كانت حجّته أنّ الإمامين وقعا في تأويل بعض الصفات. ثم جهر بصوته، وتبعه غلاتُه، بالدعوة الصريحة إلى جمع هذه الكتب وإحراقها في الميادين العامة حتى لا يضلَّ بها المسلمون.
وما كانت تلك زلّةَ لسانٍ ولا فورةَ غضبٍ عارضة، بل تطوَّرت إلى قاعدةٍ عملية أُشربتها قلوبُ أتباعه: أنّ كل من وقع في بدعة، أو وافق الأشاعرة في مسألة، فهو مبتدعٌ هالكٌ لا يُترحَّم عليه ولا يُستفاد من علمه. فكان المشهد حجرًا كاشفًا لمشروعٍ كامل؛ إذ لم تكن يده تمتدُّ إلى التراث لتنقيته، بل لهدم مكتبة الإسلام، وتجريدِ الأمة من أئمتها الذين أجمعت على تلقّي كتبهم بالقبول، وفي مقدمة ذلك كتابان هما من أجلِّ ما خدمت به الأمةُ السنةَ.
وانقسم من سمع ذلك الكلام: فمنهم من اقشعرَّ جلده وانصرف، ومنهم من رأى في تلك الشدة شجاعةً فطار بها ونشرها. ثم استحالت الفكرة امتحانًا: إمّا أن تحكم بتبديع ابن حجر والنووي وتوافق الحدّاد، وإلا اتُّهمتَ بالتمييع والضلال، وهُجرتَ وحُذِّر منك. ومن تلك الليلة تُؤرَّخ ولادةُ «الحدادية» منهجًا، لا خصومةً شخصية.
أصول الحدادية: قواعدُ يتولّد بعضها من بعض
لم تكن أصول الحدّاد أخطاءً متناثرةً يجمع بينها الاتفاق العارض، بل تكوَّن منها منهجٌ محكم النسج، يُسلم أولُه إلى آخره.
ومن ثَمَّ استحقَّ هذا النهج وصفَ «خوارج الجرح والتعديل»؛ فوجه الشبه إلغاءُ الحسنات، والغلوُّ في تنزيل الأحكام، والانتقالُ من الخطأ إلى إسقاط صاحبه. فإن كان خوارج الأوّلين قد حملوا الحديد فاستباحوا الدماء، فقد حمل هؤلاء سلاح اللسان فاجتثّوا به حرمات العلماء، ودار أثر منهجهم في الأعراض والديانات والتصنيف والهجران.
من أبي حنيفة إلى ابن تيمية: التطاول على قمم الأمة
بلغت جرأة الحدّاد على الأئمة مبلغًا لم يصله أحدٌ من معاصريه.
فأمّا الإمام أبو حنيفة النعمان، فجمع فيه كتابًا طبعته دارٌ تابعة له، حشد فيه ما ورد من رواياتٍ ضعيفة وأقوالٍ قيلت زمن الخصومات بين الأقران، فانتهى به ذلك إلى صورةٍ شديدة السلبية عن الإمام؛ ولم يكن الغرض تحرير مسألةٍ فقهية أو عقدية، بل كسرَ هيبة واحدٍ من الأئمة الأربعة المتبوعين. ولم يقف عند نقل الخلاف الفقهي القديم، بل أطلق لسانه فلعنه وبدَّع من يترحَّم عليه، متجاوزًا ما استقرَّ عليه إجماع أهل السنة من توقير الأئمة الأربعة وترك التعصُّب المذموم.
وأمّا ملفّ الحافظ ابن حجر والإمام النووي، فهو أكثر الملفات اتصالًا باسمه؛ إذ جعل من الطعن فيهما قضيةً منهجية، ودعا إلى طرح كتبهما بل إلى إحراقها، ورفض أن يكون ما وقع فيه الرجلان من تأويلٍ لبعض الصفات بابًا يُردُّ فيه الخطأ مع إبقاء قدرهما وعلمهما. وفي مقابل ذلك كان موقف كبار علماء العصر، كابن باز وابن عثيمين والألباني، أنّ ابن حجر والنووي من كبار أئمة الإسلام، وأنّ ما وقع لهما يُردُّ ويُناقَش ولا يمحو ما لهما من خدمةٍ جليلة للسنة والحديث.
ولم تقف الأسماء عندهما؛ فقد أُدرج جلال الدين السيوطي في جملة من تناولهم بالطعن والنقد الشديد، مع تفاوت ما حفظته الأخبار من التفصيل في كل اسم.
وأمّا شيخ الإسلام ابن تيمية، فلمّا وجد الحدّاد أنّ قواعده في العذر بالجهل والتأويل، وفي التفريق بين النوع والعين، وفي الإنصاف مع المخالف، تهدم مشروعه التبديعيّ من أساسه؛ تجرَّأ عليه واتهمه بأنه يُمالئ أهل البدع ويتساهل معهم.
وهنا تبرز المفارقة التي لا تكاد تُصدَّق: رجلٌ لم يُشتهر بشيءٍ من مرتبة أولئك الأئمة في العلم والحديث والفقه، ثم اتّسعت دائرة نقده حتى امتدّت من أبي حنيفة في القرن الثاني إلى علماء عصره.
«الخميس»: معركة الألباني
كان الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله في ذلك الوقت شوكةً في حلوق الغلاة والمبتدعة، وكان من أبرز من اصطدم بهم الحدّاد؛ إذ رأى فيه عالمًا يقف أمام منهجه في معاملة المتقدمين، ولا يوافق على إسقاط العلماء بتلك الطريقة.
فرماه بالإرجاء، واتّهمه بالتساهل مع أهل البدع والدفاع عن الأشاعرة، ونُشرت عنه وعن أتباعه ملازمُ وكتيّبات تطعن في عقيدة الألباني ومنهجه. ولم يقف الأمر عند المقالات، بل صنَّف كتابًا سمّاه «الخميس»، خصَّصه لتبديع الألباني والطعن فيه وإسقاط مكانته في الحديث. وبذلك دخل في خصومةٍ مع رجلٍ كان يمثِّل عند طوائفَ واسعةٍ من السلفيين أبرزَ مرجعيةٍ حديثيةٍ في عصره.
وكان هذا تطبيقًا مطّردًا لأصل التسلسل؛ فإذا كان الألباني لا يوافقه في موقفه من ابن حجر والنووي صار هو نفسه موضعَ تجريح، وإذا امتنع غيره عن تبديع الألباني انتقل الحكم إليه.
ابن باز في دائرة النزاع
ولم يسلم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من آثار تلك القاعدة. فلمّا دافع عن قدر ابن حجر والنووي، ورفض مسلك إحراق كتبهما وإسقاطهما، وصفته الحدادية بالضعف والجهل بحقيقة المناهج، ورمته بتمييع عقيدة الولاء والبراء.
وكان ابن باز في المقابل من أبرز من حذَّر من الحدّاد؛ سُئل عن قوله في إحراق «فتح الباري»، فغضب وقال ما معناه: «هذا كلام باطل، وهذا رجل مبتدع ضالّ يجب الحذر منه ومن كلامه، وكتب ابن حجر والنووي من أنفع كتب الأمة».
فصار النزاع في هذا الموضع كاشفًا عن حقيقة الخلاف كلِّه: أيُردُّ خطأ العالم مع حفظ علمه وفضله، أم تُجعل الزلّةُ بابًا لإهدار الرجل وتراثه جميعًا؟
حين عاد السيف إلى حامليه: الانقلاب على المداخلة
كان الصدام مع ربيع المدخلي من أخطر فصول هذه السيرة، لأنه كشف أنّ منهج التصنيف إذا أُطلق بلا ضابطٍ لا يلبث أن يرتدَّ على أصحابه.
فقد رأى الحدّاد أنّ الاقتصار على الأحياء لا ينسجم مع القواعد الحادّة التي يجري بها الحكم على الرجال، وأنّ الزلّة إذا كانت مُسقطةً لصاحبها فلا معنى للتفريق بين حيٍّ وميت. وهنا أخذت المسافة تتّسع؛ إذ رأى أنّ المدخليّ يكتفي بتبديع الأحياء وتتبُّع أخطائهم، بينما أراد هو أن يوسِّع الدائرة إلى الأموات، فانفصل عنه لما رآه من تناقضٍ في عدم تطبيق الأحكام نفسها على المتقدمين. فكان غلوّه زائدًا على غلوّ من تعلّم في أوساطهم.
ثم بدأ يطبِّق قواعده على ربيع المدخلي وأصحابه أنفسهم، فطالبهم بأن يبدِّعوا الألبانيَّ بما اتّهمه به من الإرجاء، وأن يبدِّعوا من لا يبدِّع النوويَّ وابن حجر؛ فلمّا لم يوافقوه على هذا الاتّساع اتّهمهم بالتمييع والبدعة والضلال. ولمّا وجَّه سهامه إلى الأكابر كالألباني وابن عثيمين وابن تيمية، انتبه شيوخ المدينة لخطره، فتصدّى له ربيع بمقالاتٍ وكتبٍ ورسائل في نقضه، منها «مميزات الحدادية»، و«المحجة البيضاء في حماية السنة الغرّاء من زلّات أهل الأخطاء وجور الغلاة»، ومقالُ «الحداد وحزبه أسوأ طوائف البدع وأشدّها تدميرًا»، فصَّل فيها غلوّهم وطيشهم.
ورَدَّ الحدّاد بحملاتٍ مضادّة، واتّهم المداخلة بأنهم سروريّة متستِّرون وأنهم ضيَّعوا السلفية. وامتدَّ النزاع إلى أوساطٍ ومساجد في أوروبا وعددٍ من البلاد العربية، وتقاطعت جماعاتٌ وتدابرت بسبب هذه التصنيفات، حتى صار النزاع في بعض البيئات صراعًا بين من يتبع المدخليَّ ومن يتبع الحدّاد. وفي هذا السياق نُقل عن ربيع المدخلي قوله: «الحدّاديّون قادهم رجلٌ صاحبُ هَوًى، صاحبُ حَسَدٍ وبُغضٍ واحتقارٍ للعلماء، حياتُه وهو في مصر قبل أن يأتي إلى البلاد معروفٌ بالطعن في العلماء والإساءة إليهم».
قلتُ: وهنا ينبغي التنبيه على أمرٍ محكم، وهو أنّ غلوَّ الحدّاد إنما خرج من رحم البيئة التي بالغت في أمر التجريح والتصنيف قبل ظهوره نفسه؛ فهو الثمرة المرّة لذلك المنهج حين ينفلت من كل ضابط. ولذلك لمّا أنكروا عليه، أنكروا تماديه في ضرب الأئمة، لكنّ الآلة التي استخدمها في الضرب هي الآلة نفسها التي تعلّمها في تلك الأوساط. والغلوّ وحشٌ لا يعرف الوفاء؛ فمن ربّى أتباعه على أنّ التديُّن هو الهدم والتصنيف، يأتيه يومٌ ينهدم فيه بيته بأيدي من تعلّموا منه تلك الآلة. وسيفُ الجرح إذا سُحب بغير حقٍّ قطع يد صاحبه.
الفتاوى القاصمة والترحيل
لمّا اتّسعت آثار النزاع تصدّى له عددٌ من كبار العلماء، وفي مقدمتهم عبد العزيز بن باز، ومحمد بن صالح العثيمين، ومحمد ناصر الدين الألباني، وبكر أبو زيد، وابن غديان، وصالح الفوزان، وغيرهم. وجاءت تحذيراتهم رافضةً لغلوِّه في العلماء، وللدعوة إلى إحراق كتب ابن حجر والنووي، ولتوسيع باب التبديع حتى يستحيل سلسلةً يأكل بعضها بعضًا.
ثم تنبّهت السلطات والعلماء لخطورة ما يطرحه من تكفيرٍ وتبديعٍ وتمزيقٍ للصفّ وتطاولٍ على أئمة الدين، فأفضت كثرة الردود والتحذيرات إلى صدور القرار بترحيله وإبعاده من المملكة العربية السعودية نهائيًّا في التسعينيات، فعاد إلى مصر.
وكانت عودته نهايةً لمرحلة صعوده العلنيّ. حاول بعدها لملمة من بقي حوله، واستمرّ في إصدار بياناتٍ وملازمَ غلب عليها السبُّ والتبديع، لكنّ صوته أخذ يخفت تدريجيًّا، وانفضَّ عنه عددٌ من الشباب بعد أن رأوا تناقضات المنهج وما يفضي إليه من العزلة والخصومات. فعاد إلى البلد الذي خرج منه، وانحسر حضوره بعد أن كان اسمه عنوانًا لمعركةٍ واسعة داخل بعض الأوساط السلفية.
على أنّ المحنة الحقيقية لم تكن محنته هو بالترحيل، بل محنة الأمة بما زرع؛ فقد رُحِّل جسده، وبقيت أفكاره تبثُّ سمومها عبر أتباعه وملازمه التي تسرَّبت إلى عقول بعض الشباب.
الأعمال والآثار
لم يُعرف للحدّاد مصنَّفاتٌ علمية محرَّرة تُذكر في أبواب الفقه أو التفسير أو الاعتقاد؛ فجُلُّ إنتاجه مذكِّراتٌ ووُريقاتٌ في الطعن والتجريح. وأشهر ما نُسب إليه أو إلى أتباعه المقرَّبين رسالة «الخميس» في الردّ على الألباني، وكتابه في الإمام أبي حنيفة، ومقدماتٌ وتعليقاتٌ على بعض كتب التراث بتر فيها النصوص ووجَّهها لخدمة غلوّه. والحقيقة أنّ مصنَّفاته لا تُقرأ لعلمٍ فيها، وإنما تُدرس بوصفها وثائق تاريخية توضِّح كيف يفكِّر الغلاة.
مجامع المآخذ
أعظم ما يُؤخذ على محمود الحدّاد أربعة:
وتجتمع هذه المآخذ في ثلاث علاماتٍ بقيت ملتصقةً باسمه: الدعوة إلى حرق كتب النووي وابن حجر، وهي من أعظم خدمات الأمة للسنة! وتأليفُ «الخميس» في تبديع محدِّث العصر. والطردُ من السعودية بعد أن انتشر شرُّه وحذّر منه العلماء. ولا تقف دلالة هذه الوقائع عند أعيانها؛ فالأولى مثالٌ على إهدار التراث كلِّه بسبب خطأ، والثانية مثالٌ على انتقال آلة التبديع إلى من كان يُعدُّ من أعلام السلفية المعاصرة، والثالثة مثالٌ على المآل الذي ينتهي إليه صراعٌ تتّسع دوائره حتى تأكل بعضها بعضًا.
رواية الجامي: تكفيريٌّ متستِّر أم جاهلٌ متورِّط؟
وقد تداولت مصادر علمية في المدينة، وعلى رأسهم الشيخ محمد أمان الجامي، تحليلًا لظاهرة الحدّاد. قال الجاميّ في تسجيلٍ مشهورٍ له ما معناه: إنّ هذا الرجل لا يخلو من أحد أمرين؛ إمّا أن يكون من جماعة التكفير اندسَّ في صفوف أهل السنة ليرفع راية التوحيد ظاهرًا ويحارب الإسلام في الباطن بتمزيق أهله، وإمّا أن يكون جاهلًا تورَّط فيما لا يُحسن فوقع في عقيدة الخوارج والمعتزلة من حيث لا يشعر.
ودعوى التستُّر التكفيريّ قويةُ الشواهد من جهة أفعاله؛ فإنه حين يطعن في ابن تيمية والألباني والنووي وابن حجر، ويقول عن القول الصواب إنه زندقة، لا يُبقي للأمة مرجعيةً تُلاذ بها، وهذا صنيع من يريد هدم الدين من أساسه، لا صنيع من يخطئ في فهمه. غير أنّ إثبات الانتماء التنظيميّ السرّيّ لجماعة التكفير يبقى دعوى استقرائيةً لا وثيقةَ قاطعةً عليها، فتُذكر في سياق تقييم الحالة لا في سياق الجزم بالتهمة.
والباحث في سيرته عن علمٍ محرَّرٍ يُرجع إليه، أو فقهٍ يُعتمد عليه، لا يجد ما يضعه في رتبة العلماء الذين نازعهم وطعن فيهم. ثم إنّ هذه الحسنة قد غمرتها آثار منهجه؛ لأنه اتّخذ ما جمعه من كتبٍ ونقولٍ جسرًا للطعن في أصحابها وغيرهم، وحوَّل الغيرة على العقيدة إلى بابِ خصومةٍ مع علماء العقيدة أنفسهم.
من الرجل إلى العقلية: الأثر الباقي
ليس أخطرَ ما خلَّفه الحدّاد كلماتٍ قالها في مجلس، ولا صفحاتٍ كتبها في ردّ، وإنما العقليةُ التي غرسها في بعض الشباب. فمن آثارها شابٌّ لا يفتح كتابًا إلا بحثًا عن زلّة مؤلِّفه، ولا يسمع شيخًا إلا ممتحِنًا له، ولا يلقى طالب علمٍ حتى يسأله عن موقفه من سلسلةٍ طويلة من الرجال.
وهي حالةٌ أشبه ما تكون بالبارانويا المنهجية؛ حيث يتحوّل الدين من علمٍ وعبادةٍ ورحمةٍ ودعوة إلى محكمة تفتيشٍ دائمة، ويتحوّل السؤال من: ما الدليل؟ إلى: ما موقفك من فلان؟ ثم يصير الجواب بطاقةَ عبورٍ إلى دائرة السنة أو سببًا للطرد منها. وبذلك تصدَّعت بعض الجاليات والمراكز الإسلامية في الغرب، حتى قيل إنّ المسلم الجديد كان يُواجَه أحيانًا بأسئلةٍ عن الأشخاص قبل أن يتعلّم وضوءه، وإنّ الخصومات المنهجية أغلقت مراكز وفرّقت جماعاتٍ كان الأولى أن تجتمع على تعليم الناس أصول دينهم. ولذلك كان الأثر النفسيّ والفكريّ لهذه الطريقة أشدَّ من بعض المقالات نفسها؛ لأنّ المقالة تموت بانتهاء وقتها، أمّا النمط العقليّ فينتقل من جيلٍ إلى جيل.
ولذلك لم ينتهِ كلُّ أثرٍ للمنهج بخفوت صوت صاحبه وانقطاع أخباره بعد عودته إلى مصر وانزوائه؛ فقد بقيت النواة كامنةً ثم تناسلت، وتجدَّدت في القرن الجديد عبر تلامذةٍ وأنصارٍ وأسماءٍ لاحقة، منهم الخليفي، وشمس الدين، وآل حمدان، وفالح الحربي في إحدى مراحله، ويحيى الحجوري وبعض أتباعه في اليمن ممّن رماهم خصومهم بالحدادية بسبب الغلوّ الشديد في التجريح وإن تبرّؤوا من اسم الحدّاد، وصولًا إلى شبابٍ في ساحات الإنترنت اليوم يمتحنون الناس بالأسماء، ويُسقطون الدعاة والعلماء بزلّاتٍ يسيرة، ويحرِّمون الترحُّم على المخالف. وليس هؤلاء امتدادًا تنظيميًّا ثابت التفاصيل، وإنما هم تجدُّدٌ للأفكار نفسها: تتبُّعِ الزلات، والتبديعِ بالجزئيات، والتسلسلِ في الأحكام، والامتحانِ بالأشخاص، وتوسيعِ معارك الرجال حتى تشمل الأحياء والأموات. فهم أبناءٌ شرعيّون لمنهج محمود الحدّاد وإن لم يحفظوا اسمه؛ ولذلك صار اسم «الحدادية» أوسع من شخصه، وصفًا لمنهجٍ في الغلوّ لا لقبًا لجماعةٍ بعينها.
الخلاصة النهائية
والذي يستقرّ عليه النظر في مجموع حال محمود بن أحمد الحدّاد أنه لم يكن عالمًا زلَّ، ولا مجتهدًا أخطأ الدليل، ولا طالبَ علمٍ وقعت منه زلّةٌ عابرة؛ بل كان صاحبَ فتنة، ورأسَ بدعةٍ غالية، ومؤسِّسَ تيارٍ هدميّ جعل إسقاط علماء الإسلام وتمزيق صفوف المسلمين دينَه الذي يتقرَّب به.
وإنّ قوله بتبديع أئمة السنة كابن حجر والنووي وابن تيمية والألباني، وتحريمَ الترحُّم عليهم، وامتحانَ الناس بذلك، لَمِن أبطل الباطل، ومن منهج الخوارج في استباحة الحرمات المعنوية للأمة.
فلا يُؤخذ عنه الدين، ولا يُعتدُّ بجرحه وتعديله لافتقاره إلى الأهلية العلمية والعدل والورع اللازمة في هذا الباب، ولا يحلُّ لطالب علمٍ أن يقرأ في مذكِّراته إلا على وجه التحذير ومعرفة مسالك الغلاة.
ولم تُطوَ عنه غيرتُه المبكرة ولا عنايته بشيءٍ من كتب السنة والاعتقاد، لكنّ الميزان انحرف يوم صار حفظُ العقيدة ذريعةً لإهدار العلماء الذين خدموها. وهذا هو الدرس الذي تلحُّ عليه سيرته كلُّها: أنّ مشروعًا يقوم على الهدم والنقض وقياس السنة بالأسماء لا يجد حدًّا طبيعيًّا يقف عنده؛ فالآلة التي استُعملت أولًا ضد الحركيين استُعملت بعد ذلك ضد الحلفاء المداخلة، ثم صار كل طرفٍ يردّ على الآخر بالتصنيف نفسه، حتى طُرد ونُبذ، وصار اسمه علمًا على أسوأ مناهج الغلوّ المعاصر.
وليكن عبرةً لمن يقرأ في الجرح والتعديل قبل أن يتربّى على فقه السلف ورحمتهم بالأمة؛ فإنّ العلم بلا فقهٍ سيفٌ بيد أعمى، يقتل به أهله وهو يظنّ أنه يجاهد في سبيل الله.
وهكذا انتهى الطريق الذي بدأ بدعوى الغيرة على السنة إلى محاولة إحراق كتبها والنيل من حَفَظتها، وعادت ليلةُ الميادين تلك شاهدةً على أنّ من طلب الارتفاع بهدم الجبال سقط في الهاوية وسقطت الجبال عليه. وإنّ المرء ليعجب كيف ينام ليله قريرَ العين رجلٌ جعل بينه وبين علماء الأمة خصومةً يوم القيامة، وصدَّ شباب المسلمين عن كنوز التراث بشبهاتٍ واهية.
وحسابه على ربّه؛ ونسأل الله عزّ وجلّ أن يقطع عن الأمة شرَّ ما أصَّل من غلوّ، وأن يردَّ من اغترَّ بشعاراته إلى الحقّ ردًّا جميلًا، وأن يحمي شباب المسلمين من فتن الغلوّ والتكفير والتبديع، وأن يقيِّض لهم من يفقِّههم في الدين ويرحمهم من عادية الغلاة الجاهلين، وأن يرزقهم الفقه في الدين، والرحمة بالعباد، والعدل مع الموافق والمخالف.
رموز أُخرى من الفِرقة
مُحرِّك الخطاب الحدّادي الرقمي المعاصر، يَستأسد على المسلمين من ألمانيا، يُكفِّر العلماء ويُسقطهم، وقد فضحه العلماء وأصحابه أنفسهم.
المُحرِّك الفِكري الخفيّ للحدّاديّة المُعاصرة، يُؤصِّل لتَكفير مِئات العلماء ثم يُمارس التَّقيَّة، تاركًا غِلمانه يَتحمَّلون نتائج تأصيلاته.
لُبنانيّ الأصل، له جُهود سابقة في الردّ على الشيعة والصوفيّة، انتَكس مُؤخّرًا والتَحق بالحدّاديّة، وَوَقع في أَخطاء عَقَديّة…
سعوديّ يَعمل في الخفاء عبر تحقيق كُتب السنّة وحَشوها بحواشٍ تُمرِّر المنهج الحدّادي بطريقةٍ غير مُباشرة.
