محمد شمس الدين: هل نحن حدادية؟ .. حين يُكذّب السجلُّ لسانَ صاحبه!
إن من أعجب العجب في زماننا هذا أن ينقلب ميزان المتناقضين، فيدّعون البراءة مما هم غارقون فيه إلى الأذقان!
فقد طالعتُ مقالاً عجيباً سطره محمد شمس الدين تحت عنوان: «هل نحن حدادية؟»، وهو مقالٌ إن دلّ على شيء فإنما يكشف بشفافية تامة حجم الأزمة المنهجية، وحالة النفاق الفكري التي يعيشها هذا الرجل؛ إذ ينفي عن نفسه الانتماء إلى فرقة «الحدادية» بلسانه، لكنه في الوقت ذاته يطبق أصولها، وينفذ قواعدها، ويمارس فجورها بحذافيره!
يبدأ الرجل مراوغته بدعوى عريضة يقول فيها: «لو بحثت في كل كتب الفرق لما وجدت فرقة تسمى بالحدادية، إنما هو نبزٌ حديث أطلقه الشيخ ربيع بن هادي المدخلي على صديقه وزميله الشيخ محمود الحداد، بعد أن زعم أنه يخالف الفرقة التي ينتسب إليها ربيع وهي السلفية، ثم تداول المنتسبون إلى السلفية - والذين يسميهم الناس مداخلة - هذا النبز، وأطلقوه على جماعة من خصومهم».
قف أيها الموفق وتأمل هذا التدليس العجيب! إن الرجل الذي يبكي من رميه بالألقاب الحديثة، هو نفسه الذي ابتدع من كيسه فرقةً سماها «المدجنة»، فضمّ إليها كل مسلمٍ صادقٍ يدافع عن أئمة الإسلام الأعلام، ويرفض فجوره وتكفيره وتبديعه الهجين لأعلام الأمة! فجعل هؤلاء المنصفين «مدجنةً» يعملون لحساب الأشاعرة، وأطلق عليهم هذا اللقب الخبيث، بل وبلغ به الفجور أن صنع لهم صفحات ومواقع إلكترونية مخصصة للتشنيع عليهم وتسقيطهم!
فهل رأيتم في الناس تناقضاً وبغياً كهذا من قبل؟! يتباكى من نبزٍ أُطلق عليه، ويمارس أقبح النبز ضد مخالفيه بسفاهة ووقاحة منقطعة النظير!
فأين في كتب الفرق والطوائف ما تطلقه أنت عن المنصفين وتنبزهم به بلقب «المدجنة»؟!
على أننا نسلم له جدلاً وبكل أريحية أن «الحدادية» ليست فرقةً مسطورةً في أمهات كتب الملل والنحل، ولن يجدها الباحث في كتاب «الفَرق بين الفِرق»، ولا في «المِلل والنِّحل»، ولا في «مقالات الإسلاميين».
وهذا ليس اكتشافاً علمياً باهراً كشفه لنا، بل هو أول سطرٍ نكتبه في تعريفنا بهذه الفرقة: «إنها لا تُعدّ فرقةً قديمة في كُتب الملل والنِّحَل، بل هي نَبتةٌ خَبيثةٌ حَديثة».
فالرجل هنا كمن يهدم باباً مفتوحاً، ويقاتل بشراسةٍ دعوى لم يدّعها أحدٌ من العالمين.
ونسلم له أيضاً أن هذا الاسم هو نسبةٌ إلى رجلٍ بعينه (محمود الحداد)، أطلقه عليهم العلماء الذين تصدوا له وردوا عليه، وليس لقباً اختاروه لأنفسهم. وهذا حقّ مدونٌ عندنا؛ إذ نقول: «وقد أطلق عليهم هذا الاسمَ العلماءُ الذين تصدَّوا له وردّوا عليه؛ لأنّه هو الذي جَمع أُصولها ونَشرها».
وإنما موضع النزاع الفعلي يكمن في خطوةٍ ماكرةٍ زادها بعد هذا كله: أن يجعل «حداثةَ الاسم» دليلاً على «بطلان المسمّى»، ثم يعمد إلى استبدال لائحة الاتهام الحقيقية الموجهة إليه، بلائحةٍ أخرى قديمة يختارها هو بيده وعلى مقاسه، ثم ينفي بنودها بنداً بنداً، ليخرج على الناس منتشياً يقول: «وبهذا يتبين لك براءتنا جملةً وتفصيلًا!».
فهذه هي الدعوى الباطلة، وهذا هو المكر الذي نحن بصدد تفكيكه وإبطاله.
حصرُ التسمية في ربيع المدخلي: تنفيرٌ لا توثيق
وتأمل يا رعاك الله كيف حاول حصر التسمية في شخص «ربيع المدخلي» ليخفي بقصدٍ وسوء نية سائر العلماء الكبار الذين تصدوا لضلالات محمود الحداد.
فقد تصدى لهذا المبتدع أساطين العلم في العصر: الإمام ابن باز، والعلامة ابن عثيمين، والمحدث الألباني، والشيخ بكر أبو زيد، والعلامة الفوزان، والشيخ ابن غديان (عضو هيئة كبار العلماء)، ثم يأتي دور ربيع المدخلي!
فذِكرُ ربيع في هذا الباب هو آخِرٌ لا أوّل، وإنما يُذكر لأنه كان في بادئ الأمر على وفاق معهم، ثم كان أشدّهم في الرد عليه، فكان في شهادته حجة زائدة.
فلو كان الأمر مجرد «نبزٍ في خصومةٍ بين زميلين»، فهل يعقل أن يشاركه فيها ستةٌ من كبار أهل العلم، وتسير بها الركبان على ألسنة العلماء من بعده؟!
إنما أراد محمد شمس الدين بوضع اسم «المدخلي» التنفير لا التوثيق؛ لأنه يعلم يقيناً نفرة المسلمين من هذه الفرقة المدخلية التي فرخت لنا - من بين ما فرخت - نبتة «الحدادية» السامة.
حجّة الاسم تنقلب على صاحبها
ثم يقول متبجحاً: «لم أجد في كتب الفرق فرقةً اسمها الحدادية، فالاسم نبز». وهذه حجةٌ تافهة تنقلب على صاحبها وتذبحه في سطر واحد؛ فالتاريخ يشهد أنه ما من فرقةٍ إسلامية تسمّت طواعيةً بالاسم الذي عُرفت به!
فلم يقل أتباع الجهم بن صفوان يوماً: «نحن جهمية»، بل سماهم أهل السنة بذلك نسبةً إلى رأس مقالتهم. والقدرية كانوا يدفعون هذا الاسم عن أنفسهم ويرمون به مخالفيهم. والخوارج الأوائل ما رضوا هذا الاسم قط، بل سمّوا أنفسهم «الشُّراة» و«أهل الإيمان». والرافضة يقولون: «نحن شيعة أهل البيت». والمعتزلة يتدثرون بشعار: «أهل العدل والتوحيد».
فإن كان عدم ورود الاسم في كتب المتقدمين، أو عدم رضا المسمَّى به، مبطلاً للتسمية من أساسها؛ فلتسقط إذن أسماء الفرق كلُّها، ولتُمحَ كتب الملل والنحل من أولها إلى آخرها! وإن كانت التسمية تثبت بثبوت «الأصول» لا بإقرار أصحابها، فقد سقطت حجته وتهاوت.
ثم يُقال له مفحماً: إن الفرق تحدث وتتجدد في كل زمان، والاسم يتبع الحدوث. فهل كانت الأزارقة والنجدات مذكورة في كتب من قبلهم؟ وهل نجد «الأحباش» أو «القاديانية» في كتب الملل القديمة؟ متى كان تأخُّرُ الاسم عن مسمّاه دليلاً عقلياً على أن المسمّى لا وجود له؟! أفتُنكر الأمراضَ العصرية الحادثة والخطيرة لمجرد أنها ليست مدونة في كتب الطب القديم؟!
الحيلة الكبرى: أن يختار لائحة الاتهام بنفسه ليتبرأ منها
الحيلة الكبرى والتدليس الأعظم في مقال الرجل يكمن في أنه «اختار لائحة الاتهام بنفسه ليتبرأ منها»! وهذه هي عمدة المنشور وأساسه المتهالك. فالرجل لم يُجب البتة عن التهمة الحقيقية الموجهة إليه، وإنما مارس ألاعيب الخفة ونقل الملفّ برمته؛ فذهب يبحث عن قائمةٍ قديمة كتبها ربيع المدخلي قبل عقودٍ طويلة يصف فيها الحدادية الأصلية (جماعة محمود الحداد في المدينة)، ثم نصبها لجمهوره على أنها «لائحة الاتهام»، وأخذ ينفي بنودها بنداً بنداً ليعلن البراءة!
وهذا هو ما يُعرف منطقياً بـ «مغالطة رجل القشّ» في أدقّ صورها المجسدة: أن تصنع لخصمك دعوى لم يدّعها ولم يقل بها، ثم تنقضها وتنسفها، لتوهم العوام أنك حققت انتصاراً ساحقاً.
ونحن نقول له بملء الفيه: نحن لا نحاكمك إلى كلام ربيع المدخلي، ولا إلى قائمته التاريخية، ولا نجعل كلامه ميزاناً نزنك به؛ فقائمة ربيع هي وصفٌ لحال جماعةٍ بعينها في زمنٍ بعينه، اشتملت على وقائع شخصية لا تلزم غيرَ أصحابها؛ كقضية كتاب «الخميس»، وتهديد السلفيين بالضرب المبرح، ومجالس جرت في أزقة المدينة المنورة قبل أن يولد كثيرٌ من أتباعك المخدوعين!
فانظر وتأمل ماذا صنع: اختار بذكاءٍ ماكر اللائحة التي يسهل عليه نفيها، وترك اللائحة العصرية التي تُدينه وتفضحه. ولو كان يملك ذرةً من الإنصاف العلمي، لعرض على الناس ما يُنسب «إليه هو» بالذات، في موقعه هو وفي غيره - وهو منشورٌ وموثق بأسماء الصفحات وتواريخها - ثم تولى الإجابة عنه. لكنه، لضعف حجته، أجاب عن تُهمة الحداد القديمة، وولى هارباً من تُهمة نفسه!
الأصل الحاكم: العبرة بالتطبيق المطّرد لا بالشعار المعلن
وهنا نقف لنقرر أصلاً عظيماً يقطع الطريق على كل مدلس: «العبرة بالتطبيق المطّرد لا بالشعار المعلن».
فليس التصريح بالقاعدة شرطاً في إثباتها على القوم؛ فكثيرٌ من أهل الأهواء ينكرون القواعد الفاسدة بألسنتهم، ويمارسونها بشراسة بأفعالهم في خصومهم. ولا يُقبل من خصمٍ قولُه الأجوف: «نحن لا نبدّع من لم يبدّع»، بينما سجله وتاريخه مع خصومه ينضح بخلاف ذلك. ومن حاكم هؤلاء إلى بريق ألسنتهم وترك سواد أفعالهم، فقد أعطاهم عين ما يشتهون من طوق النجاة.
ولو كانت البراءة تثبت بمجرد الإعلان والادعاء، لما بقي في الأرض مبتدعٌ واحد! فالجهمي ينفي عن نفسه التجهُّم، والمرجئ يبرأ من الإرجاء، والخارجي ينكر الخروج.
ولو جاءك رجلٌ سجله في الناس مليء بالظلم والعدوان والطغيان، ثم زعم قائلاً: «أنا لست ظالمًا، ولا أُحبّ الظلم، ولا أرى الظلم»، فهل يصدقه عاقلٌ ويُبرّئه بقوله وتترك سجله الأسود؟!
فالميزان إذن واضحٌ جلي: نحن لا نسألك عمّا تنفيه عن نفسك بلسانك، بل نعرض ما فعلتَه واقترفته يداك ونشرتَه أنت. فهلمّ بنا إلى بنودك التي ادعيتها، لنزنها بميزان الحقيقة واحداً تلو الآخر:
البند الأول: زعمك «لا نبغض علماء المنهج السلفي المعاصرين، بل نحبّهم»!
تخيلوا أيها العقلاء! يقول هذا الكلام رجلٌ صار ديدنه وعمله الأوحد تتبع عثرات وزلات علماء السلفية! يا هذا، إن المحبة تُعرف بآثارها وثمارها لا بدعواها الكاذبة. فماذا صنعتَ بمن تزعم محبّتهم؟
أولاً: أطلقت عليهم لقب «المدجنة»، لا لشيء إلا لأنهم يقرون بإمامة النووي وغيره، ويرفضون منهجك في تكفيره ويردون عليك.
ثانياً: لقد بلغت بك الجرأة أن تعذر الأموات الكبار أمثال العلامة ابن باز والعلامة ابن عثيمين بـ «الجهل»! صرحت بأنك تعذرهما في قولهما بإمامة الإمام النووي، وتعذرهما بالجهل! وفي هذه الكلمة المتغطرسة وحدها فضائح منهجية مجتمعة:
- أنك جعلتَ القولَ بإمامةٍ أطبقت عليها الأمة خطأً يحتاج إلى عذر!
- وأنك نصبتَ نفسك طاغوتاً فوق أئمة العصر، تمنحهم صكوك العذر من عليائك وتصفهم بالجهل!
ثالثاً: قلتَ بلسانك باللغتين العربية والألمانية معلناً براءتك: «أنا لست سلفيًّا يا أخي، لا أنتمي إلى السلفية»، ثم ختمتَ كلامك بما لا يحتمل تأويلاً: «سحقًا لجماعتكم، أنا أساسًا لست منضمًّا لجماعتهم». فبالله عليك، هل يُقال لمن تُحبّه وتواليه: سحقاً لك؟!
رابعاً: ألسنة قومك وأتباعك في حق العلماء معروفةٌ ومدونة بالصوت والصورة، حيث يصفونهم بـ: «مخانيث»، و«فَسَقة وجهلة»، و«مُدجَّنة»، و«أبو كرش». فأيّ محبّةٍ مزعومة هذه التي تُنطق بمثل هذه اللغة السوقية البذيئة؟
خامساً، وهو الفيصل والحكم القاطع: انظر ماذا صنعتَ بمن زكّيتَهم أنت بلسانك!
فقد نشرتَ في موقعك مقالاً بقائمة «الشيوخ الذين أنصح بهم»، فإذا هم بضعةٌ وستون عالماً وطالب علم، وكلُّهم بلا استثناء يصف الإمام النووي بالإمامة والفضل. فلما احتُجَّ عليك بواحدٍ منهم لتلزم مذهبك، لم تسحب التزكية ولم تردّ على الكلام بحرف!
وكنتَ بالأمس تنشر للشيخ ناصر السوهاجي وتكتب مفاخراً: «قناة شيخنا ناصر السوهاجي»، فلما صدع بالحق وخالفك في النووي، قلبت له ظهر المجن، وعرضتَ صورته في كلامك عمّن تسمّيهم «المدجَّنة» وقلتَ باحتقار: «واحدٌ منهم، من شيوخهم»، ورميتَه بالكذب الصراح، وقلتَ له بصلف: «أنا الذي شهّرتك»!
وكنتَ تُثني على الشيخ وليد السعيدان ثناءً عطراً شديداً وتقول متودداً: «من أحبّ الشيوخ إلى قلبي»، فلما تجرأ وانتقد منهج الحدادية الباطل، انقلبتَ عليه وصوبت سهامك نحوه، ووصفتَه بأوصافٍ لا تليق بطالب علمٍ مبتدئ فضلًا عن عالمٍ مشهود له. وصنعتَ نحو ذلك تماماً بالشيخ محمد صالح المنجد.
وتزعم علنًا حب الشيخ الألباني وفي الخفاء تذمه وقد كشفت التسريبات صفحات تديرها منها صفحة تتهم الشيخ بالتجهم وهذا عين ما يقوله الحداد! أنت فقط تمارس التقية!
فهذه هي حقيقة «المحبّة» في ميزانك: تحب الشيخ ما دام موافقاً ومطأطئاً، فإذا خالفك في تقييم «اسمٍ واحد» صار منبوذاً و«منهم»! إن محبّةً شرطُها الموافقة المطلقة في الحكم على الأعيان ليست محبةً في الله قط، بل هي «ولاءٌ حزبيٌّ» مقيت. وقد سمّى أهلُ العلم هذا الصنيع بعينه: «الامتحان بالأشخاص».
ثم إن كنتَ تحب هؤلاء الأعلام المعاصرين حقاً، فأجب بشرف عن سؤالٍ واحد: ابن باز، والعثيمين، والألباني، وبكر أبو زيد، والفوزان؛ جميعهم ردّوا على محمود الحداد وحذّروا الأمة من طريقته. فإن كنتَ تحبّهم صادقاً، فخُذ بقولهم في هذا الباب بعينه! وإن كنت تخالفهم فيه وتهدر شهادتهم، فلا تحتجّ علينا بمحبّةٍ باردة لا أثر لها في قضيةٍ واحدة.
البند الثاني: زعمك «لا نبدّع كل من وقع ببدعة»!
هذا البند ما هو إلا نفيٌ لقاعدةٍ مجردة، ونحن لا نحاكمك أبداً إلى قاعدةٍ أعلنتَها على الورق، بل نحاكمك إلى أعيانٍ حكمتَ عليها بلسانك وشهد عليك بها الملايين.
فالإمام النووي والحافظ ابن حجر: بدّعتَهما بدعوى الأشعرية وحذّرتَ الأمة منهما، وتناسيت أنك كنتَ تحتجّ في مقالٍ سابق لك منشور بأن نسبتهما إلى الأشاعرة إنما هي صنيع الأشاعرة أنفسهم ليتكثروا بهم!
وقد صار الإمام النووي في ميزانك «مبتدعاً ضالاًّ لا يعرف ربّه»!
أما الحافظ جلال الدين السيوطي: فلم تقف عند حد تبديعه، بل ارتقيت مرتقىً صعباً فـ «كفّرتَه» صراحة، وباهلتَ على تكفيره ولعنت نفسك وأهلك في مجلسٍ شاهده الملايين! وفي نفس المجلس المظلم، رميتَ الإمام أبا حنيفة النعمان بالبدعة!
فيُقال لك: أليس هذا هو البند الثاني بعينه يتجسد في أفعالك؟ بل هو أشدُّ وأنكى مما وصفه به ربيع المدخلي! فربيع اتّهم الحدادية بأنهم «يبدّعون كل من وقع في بدعة»، وأنت قد تجاوزتَ مرحلة التبديع إلى التكفير البواح، وتجاوزتَ التجرؤ على الأحياء إلى التجرؤ على أئمةٍ مضى على وفاتهم خمسة قرون! فبأيّ وجهٍ صفيق تنفي البند وأنت تسبح فوقه؟!
واسمع بقلبك كلام من تزعم محبته، العلّامة ابن عثيمين، وهو يصف صنيعكم هذا بعينه ويستنكره قائلاً:
«فكيف يقال عن هذين (النووي وابن حجر): إنهما مبتدعان ضالان، لا يجوز الترحم عليهما، ولا يجوز القراءة في كتبهما سبحان الله! ... من كان يستطيع أن يقدّم للإسلام والمسلمين مثلما قدّم هذان الرجلان، إلا أن يشاء الله. فأنا أقول: غفر الله للنووي، ولابن حجر العسقلاني، ولمن كان على شاكلتهما ممن نفع الله بهم».
فهذا هو موضع النزاع بحرفه: الإمام ابن عثيمين يترحّم عليهما ويعدّهما إمامين، وأنت تُبدّعهما وتحذّر الأمة منهما، بل وتتّهم من يقول بقول ابن عثيمين بأنه «مدجنة»! فأيّ محبّةٍ كاذبة تبقى في قلبك لرجلٍ تخالفه في أخصّ ما تكلّم فيه، ثم تستعلي لتعذره فيه بالجهل؟!
البند الثالث: زعمك «لا نبدّع كل من لا يبدّع من وقع ببدعة»!
قف أيها الموفق، فإن هذا البند هو أخطر بنوده نفيًا، وأظهرها وأبشعها نقضًا في الواقع! فقد طالبتَ العوام والناس أن يُطلقوا التكفير العام على أعيان الأشاعرة، واحتججتَ بجهلٍ بأن «ألف عالمٍ كفّروا الأشاعرة»، وجعلتَ الامتناعَ والورع عن ذلك مأخذاً وتهمةً على الممتنع. ولما خرج عبد الله رشدي ينكر ويستنكر تكفيرهم، جابهته وقابلت كلامه بنصوص التكفير!
فأنت إذن تمتحن الناس بحكمٍ قاسٍ لا تلتزمه أنت في حقيقة أمرك! تطالبهم بالتكفير لتورطهم، ثم تتبرّأ منه جبناً إذا لزمك، وتجعل توقُّفَهم وورعهم تهمة، وتجعل توقُّفَك وهروبك مجرد «نقل»!
ها هو شيخ الإسلام ابن تيمية - الذي ترفع اسمه زلفى - وتزعم أنك المتحدث الرسمي باسمه يقول بملء فيه عن الأشاعرة: «ليسوا كفّارًا باتفاق المسلمين». فإمّا أن تتشجع وتُبدّع ابن تيمية هو أيضًا، وإمّا أن تسقط دعواك الباطلة وتصمت!
ثم إن هذا الأصل الخبيث الذي تنفيه بلسانك له في واقعكم صورةٌ أخصّ منه وأدلُّ عليه، وهي أفة العصر: «الامتحان بالأشخاص». فصار السؤال الأول عندكم لتقييم أي مسلم: «ما موقفك من فلان؟»، فيُختبر الرجل المسلم بقائمة أسماء، فإن وافقكم فهو سنّي متبع، وإن توقّف متورعاً في اسمٍ واحد فهو متّهم مبتدع! وهذا لعمري امتحانٌ بدعي محدث لم يعرفه السلف الصالح قط، ومن جعل اجتهاده وهواه في شخصٍ شرطًا في صحة الدين، فقد نصّب نفسه مشرّعًا طاغوتاً فوق الأمة.
وأنت يا هذا آخر من يحق له أن يتحدث عن التبديع، فأنت في حقيقتك لم تعد تكتفي بالتبديع، بل تجاوزته لتكفر كل خصومك بلا هوادة، وتنسب إليهم تهماً شنيعة لتكفرهم بها؛ فأنت لست مبتدعاً مضللاً فحسب، بل أنت «تكفيري جلد» بامتياز!
البند الرابع: زعمك «لا نحرّم الترحّم على المبتدع المسلم»!
وهذا لعمري أعجب وأوقح ما في المنشور بأسره! فأنت لم تقف عند حد منع الترحّم فحسب، بل تألّيتَ على الله رب العالمين! قلتَ بلسانك استكباراً ورداً على من ترحّم على الحافظ السيوطي:
«رحم الله الإمام السيوطي، إمام الضلالة! إن رحمه الله سبحانه وتعالى فسيرحم كثيرًا من الروافض... لا، وين روافض، خلّينا نقول نصارى مثلًا، الذين استهزؤوا بالقرآن». ثم ختمتَ طغيانك بقولك: «إن غفر الله للسيوطي فمن ذا الذي لا يغفر له؟».
فهذه الكلمات ليست مجرد منعٍ عادي للترحّم، بل هي سخريةٌ سمجة بالدعاء، ثم قطعٌ جازم وتألٍّ على الله بمنع المغفرة! تفتتح بلفظ الرحمة استهزاءً، ثم تُتبعه بلقب «إمام الضلالة»، وتتجرأ لتقيس إماماً جليلاً أفنى عمره وخدم القرآن خمسين سنة، تقيسه على كافرٍ نصراني استهزأ بالقرآن!
فيا سبحان الله! أيقول رجلٌ: لا أحرّم الترحّم، وهو قد شهد على عالم معيّنٍ بأنه مستحيل أن يُغفر له؟! وأيّ منعٍ لرحمة الله أشدُّ وأعتى من هذا التألي؟! إن من حرّم الترحّم فقد منع مجرد دعاء، أما أنت فقد جزمتَ وقطعت بردّه على الله!
ثم إن الأصل الفاسد الذي يُنسب إلى فرقتكم ليس مجرد «تحريم الترحّم» في نفسه، بل هو جنايتكم بتحويل «الترحّم على المسلم» إلى «تزكيةٍ مطلقة لجميع أقواله»، ثم بناءً عليه تبديع المترحِّم! والرحمة إنما هي دعاء، والنقد العلمي بيان، وقد اجتمعا بإنصاف في كلام كبار العلماء على أئمةٍ وقعوا في أخطاء وتأويلات.
وقد فُضحت طويتك في هذه المسألة علانية عندما خرجت في مباهلتك المشؤومة، ورفضت بعناد الترحم على النووي وأبي حنيفة، وأنت في الوقت ذاته تزعم كذباً عدم تكفيرهما!
البند الخامس: زعمك «لا نبدّع من يترحّم على أبي حنيفة»!
ونحن هنا نرد عليك قائلين: نحن لم نتّهمك بالطعن في «المترحِّم»، بل الخطيئة الكبرى في طعنك بـ «المترحَّم عليه»! فأنت قد رميتَ الإمام أبا حنيفة نفسه بالبدعة؛ والإمام الأعظم هو أحدُ الأئمة الأربعة الذين استقرّت الأمة وتلقت مذهبه بالقبول والتعظيم!
وهذه من أبشع صور الميزان المعوجّ التي نبّه عليها أهل العلم والتحقيق: أن يُبدَّع الرجل السني لمجرد أنه قال قولًا قاله إمامٌ معظَّم، ولا يُتعرَّض للإمام المعظم نفسه؛ فيصير مجرد النقل عن الإمام جريمةً لا تغتفر، بينما القولُ الأصلي في كتب صاحبه مغفورٌ لا يُمَسّ! وهذا قلبٌ ظاهرٌ للحقائق: فإن كان القول بدعةً فصاحبه الأول أولى بإنزال الحكم عليه، وإن كان صاحبه الأول معذوراً مأجوراً فناقله أولى وأجدر بالعذر!
ثم إنّ هذا البند ثابتٌ في أصحابك بالنص الصريح الذي لا يحتاج إلى عناء استنباط: فصديقك عبد الله الخُليفي - وهو مؤصِّل فرقتكم - يقول بملء فيه إن من ترحّم على أبي حنيفة فهو «قليل الديانة أو عديم الديانة»! وينكر بصلف الترحّم على السيوطي وابن حجر الهيتمي ومحمد رشيد رضا. فالبند الخامس إذن ثابتٌ ومطبق في جماعتك بالنصّ القاطع، فبأيّ شيءٍ تنفيه؟ أتنفيه كذباً عن لسانك وتُقرّه باطمئنان على لسان من تُؤصِّل بهم مذهبك؟!
وهل نسيت، أم تناسيت، كلام مشرف قناتك الذي قال بوقاحة عن الإمام أبي حنيفة: «الدجال المرتد، أشهد أنه يعذب في قبره الآن، ملأ الله قبره نارًا»؟!
البند السادس: زعمك «لسنا نعادي السلفيين معاداةً شديدة ولا خفيفة»!
يا سبحان الله! تنفي العداوة وتمارس بلسانك وفعلك ضدهم أبشع الأفعال!
زعمك نفيُ العداوة، ينقضه لسانُك وتفضحه أفعالك؛ فلسانك يقول محتقراً: «سحقًا لجماعتكم». وينقضه سجلُّك الأسود الذي يشهد بأن خصومتُك مع السلفيين أشدُّ وأعتى من خصومتك مع الأشاعرة أنفسهم! تطعن في علمائهم، وتسقط دعاتهم، وتصفهم بـ«المدجَّنة»، وتجعل حربهم وتتبع عوراتهم جزءًا ثابتًا وأصيلاً من مشروعك. فرجلٌ يفرغ طاقته اليومية وجهده في تسقيط طائفةٍ، ثم يقف ليقول ببرود: «لا أعاديها لا شديدًا ولا خفيفًا»؛ فأي لسان ناطقٍ بالكذب هذا؟!
البند السابع: زعمك «لسنا نعرف الحدّاد جيدًا فكيف نغلو فيه»!
وهذه مغالطةٌ مكشوفة في تحرير محلّ النزاع وتدليس متعمد. فنحن ما اتّهمناك يوماً بالتلمذة المباشرة على الحداد، ولا بالصحبة الشخصية، ولا بلقاءٍ جمعكم ولا بمراسلة. إنما النسبة في الفِرَق تكون إلى «الأصول» والقواعد لا إلى الأشخاص العابرين! فما تتلمذ القدرية كلُّهم على معبد الجهني، ولا التقى الجهميةَ المتأخّرون بجهم بن صفوان، ولا رأى خوارجُ اليوم وجه ذا الخويصرة!
إنما تثبت النسبة بموافقة «الأصل» والمنهج، لا بمعرفة الرجل ورؤيته. فانظر يا رعاك الله إلى الأصل الخبيث الذي انفصل محمود الحدّاد لأجله عن العلماء: لقد رأى أن الاقتصار على تبديع وتجريح «الأحياء» هو توقُّفٌ في منتصف الطريق وجبن، فأراد أن يمضي بجرأته إلى آخره، فبدأ يبدّع «الأموات» من أئمة الإسلام. فهل تصنع أنت شيئاً غير هذا؟! رجلٌ مات قبل خمسة قرون تُفتح كتبه ليُكفَّر، وآخر مات قبل سبعة قرون يُبدَّع ويُحذَّر المسلمون منه!
وقد سبقك إلى هذه الحجّة المتهالكة بعينها غيرُك فلم تنفعه؛ فبعد خفوت نجم محمود الحدّاد، ظهر طورٌ جديد سمّاه العلماء «الحدادية الجديدة»، وبرز فيه فالح الحربي؛ وهو رجلٌ كان محسوبًا على أهل السنة، وشارك في الردود، وكانت له صلةٌ وثيقة بربيع المدخلي، ثم غلا في التبديع والتجريح حتى انقلب على شيخه، فردّ عليه ربيع ووصف طائفته بأنها «حدادية». فعادت الفكرة البغيضة في صورة رجلٍ آخر، وفي خضم نزاعٍ آخر، وبألفاظٍ جديدة مستحدثة، والآلة التكفيرية واحدة!
وهذا الطور التاريخي وحده ينقض حجّتك من أساسها؛ فإنه يثبت بالدليل أن الوصف لا يتوقّف البتة على معرفة المؤسّس ولا على الانتساب الصوري إليه، بل يلحق حكماً بمن تبرّأ من المؤسّس إذا أبقى على قواعده وأصوله. فأنت إذن لا تُحاكَم بصحبةٍ لم تكن، بل بقاعدةٍ باطلة أنت تُجريها وتطبقها.
وانظر لتتأكد إلى ثاني أصولهم: الطعن في الإمام الذهبي! قال محمود الحدّاد في تعقيبه البذيء على الذهبي: «فردّ الذهبي بلسانه المقطوع المزيَّف»، ووصف كلام الإمام بأنه «مجازفةٌ قبيحة». وأنت اليوم تعيد نفس الأسطوانة وتقول: «إن الذهبي لم يقرأ كتب النووي ولا يعرف عقيدته»! وكأنك تتجاهل أن الذهبي وُلد والنووي حيّ، وفي ذات بلده، وعلى ذات مذهبه الشافعي، وأخذ العلم عن أخصّ تلاميذه، وسرد مصنّفاته العظيمة كتابًا كتابًا! وصاحبك وحليفك عبد الله الخُليفي يجعل تعليقات الإمام الذهبي «منتهيةً في الغرابة»، ويصف متنَ «الموقظة» بأنه ضعيفَ السبك، ثم يبني على ذلك هدم الثقة به قائلاً: «عليك أن تدرس من هو هذا الرجل قبل أن تستدلّ بكلامه في الحكم على الأشخاص».
فيا عجباً! الرجل العظيم الذي أسقطه الحدّاد بلسانه، هو نفس الرجل الذي تُسقطه أنت وحلفاؤك بقلمك! فإن لم تكن تعرف الحداد شخصياً، فقد وافقتَه حذو القذة بالقذة في أخصّ أصوله من غير معرفة، وهذا لعمري أدهى وأمرّ؛ لأن الموافقة التامة عن غير تقليدٍ مباشر، تدلّ دلالة قطعية على أن الأصل المولد واحد، والمنبع الكدر واحد!
ألم تحتجّ بعبارةٍ وجدتها في «تاريخ الإسلام» ونسبتَها للإمام الذهبي؟ فلما عُورضتَ بالمخطوط الأصلي الذي يثبت خلافها، قلتَ لمخالفك بكل صلف: «عليك أن تقول إن محقّق الكتاب كذب»! ثم خرج المحقّق الكبير بشار عوّاد بنفسه فأعلن بشفافية أن العبارة من خطّ السبكي وليست من خطّ الذهبي، واعترف بأنه أخطأ علمياً. ووعدتَ أنت بملء فيك بالاعتذار عن تسرعك واتهامك... فلم تعتذر!
وألم ترمِ ناقلَ كلام الإمام النووي بالبتر والتدليس لأنه اقتصر على موضع الشاهد؟ بينما أنت الذي عرضتَ مسألة من كتاب «روضة الطالبين» وأسقطتَ وبترت عمداً ما قبلها بصفحة كاملة، وفيه نصُّ النووي الجلي على المنع، وتوضيحه أن الذبح للمعبود نازلٌ منزلة السجود وفعلُه كفر صراح!
فالتهمة إذن قائمة وثابتة عليك، وإنما اختلف فقط اسم المتَّهَم المستهدف: لم تكن جنايتُك في زمانك على علماء المدينة، بل تجرأت بجنايتك على المحقّقين الثقات، والنقلة العدول، وأئمة الحديث!
البندان التاسع والعاشر: اللعن، ولعن المعيَّن!
قلتَ متبرئاً: «لم نمتزْ باللعن، بل ننهى أن يكون المؤمن لعّانًا»، ثم أضفت قاعدة: «الأصل عندنا النهي عن لعن المعيَّن إلا من مات على الكفر».
قف عند الاستثناء الذي استثنيته، فهو والله موضع الجناية كلِّها! فالقاعدة التي ذكرتَها نظرياً هي قاعدةٌ صحيحة سلفية، لا ننازعك فيها حرفًا واحداً. لكن المصيبة أنك أدخلتَ الحافظ السيوطي -رحمه الله- في هذا الاستثناء المظلم بيدك! فكفّرتَه، وقطعتَ وتألّيت على الله بأنه لا يُغفر له، وقِسته بكل وقاحة على النصارى المستهزئين بالقرآن!
فالنفي عندك مجرد تلاعب لفظي، والإثبات تطبيقي عملي: تنفي بلسانك لعن المعيَّن ادعاءً للقاعدة، ثم تشرع وتفتح للمعيَّن باب الاستثناء بتكفيرك له! وهذا بعينه ما قرّرناه وأصلناه: أن العبرة بالتطبيق الفعلي لا بالشعار المرفوع. ولو كان اللعن المحرم يسقط بمجرد إعلان القاعدة نظرياً، لما لُعن في الأرض أحد قط!
البند الحادي عشر: زعمك «لا نقول عن القول الصواب زندقة»!
أمّا الزندقة، فقد فصّلتَ فيها تفصيلًا حسناً في الظاهر يوهم بالتبحر. ولكنّ العبرة عندنا دوماً بما تُنزّله على الأعيان والأقوال.
فأنت الذي وصفتَ كلامًا دقيقاً لشيخ الإسلام ابن تيمية - احتجّ به عليك مخالفٌ - بأنه «كلام فارغ»! وقلتَ بجرأة عن القول بأن (المكان مخلوق): «كلامٌ فارغ»! وهو عين قولُ ابن تيمية بنصّه حيث قال: «فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه»، وقد نقل الإمام السجزي اتفاق وإجماع أهل السنة على أن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان!
فمن سمّى الصوابَ المجمع عليه كلاماً فارغاً، فقد قال وتجرأ في القول الصواب بأعظمَ بكثير مما ينفيه عن نفسه! وليست القضية ولا البطولة أن تُحسن في التنظير تقسيم الخطأ إلى: زندقةٍ، وبدعةٍ، ومعصيةٍ، وخلافٍ سائغ - فهذا تقسيمٌ نظري صحيح نوافقك عليه - وإنما القضية الكبرى والطامة العظمى أنك حين تُنزّل هذا التقسيم عملياً، لا تُبقي للخلاف السائغ بابًا، ولا للمعصية بابًا، ولا للزلّة والاجتهاد بابًا؛ بل يمضي سيف حكمك الأرعن إلى أقصى الدرجات (الزندقة والكفر) دفعةً واحدة بلا هوادة!
البند الثاني عشر: زعمك «ليس عندنا كبرٌ وعنادٌ يؤدّيان لردّ الحق»!
واستدللتَ على زعمك هذا بقولك المتهافت: «بدليل أنّا خالفنا كثيرًا مما تربّينا عليه مما شاع في الوسط السلفي». وهذا الدليل والله ينقض دعواك ويفضحها ولا يبنيها! فمخالفة ما نشأتَ عليه ليست في حد ذاتها تواضعاً وانقياداً للحق، بل قد تكون هي عين الانفراد والشذوذ؛ فالخارجيّ خالف ما نشأ عليه ليركب بدعته، والمعتزليّ خالف، وكلٌّ منهم يظنّ بغروره أنه تحرّر!
وكل من جالسك أو خاصمك يعرف يقيناً مدى كبرك وعنادك، فما رأت العيون مثلك في الكبر والعناد والمكابرة! وجرب أن تسأل الناس المنصفين عن نفسك، وسترى حكم الناس عليك مطابقاً لأفعالك.
وميزان ردّ الحقّ والكبر ميزان واحد جلي: ماذا صنعتَ أنت حين قامت عليك الحجّة وسطعت شمس الدليل؟
لقد قامت عليك الحجة البينة في مسألة العبارة المنسوبة زوراً إلى الإمام الذهبي، فخرج محقّق الكتاب نفسه معلنًا براءته وخطأه، ومبيّنًا بالأدلة أن الخطّ هو خطّ السبكي، ووعدتَ أنت بلسانك بالاعتذار... فلم تعتذر تكبراً!
وقامت عليك حجّة ثناء أئمة وعلماء السنة العظماء على الإمام النووي وأمثاله، فماذا كان جوابك؟ قلتَ مكابراً: إن كتب أهل السنة العقدية «دُثِرت وأُخفيت وأُحرقت ولا ندري أين هي» بعد عصر ابن تيمية، فلم يجد العلماء إلا كتب الأشاعرة التي طبعها الأزهر فاستفادوا منها وتأثروا بها!
فتأمّل يا رعاك الله هذا الشطط: حين لم يمكنك علمياً ردُّ شهادة العلماء المتكاثرة، رددتَ التاريخ الإسلامي كلَّه! اتّهمتَ الأمة المحفوظة بحفظ الله بأنها فقدت كتبها وتراثها، واتّهمتَ علماءها الجهابذة بأنهم بنَوا عقائدهم على مطبوعات خصومهم لجهلهم! وهذه دعوى باطلة سقيمة بلا مستند، تنقضها وتكذبها الكتبُ التي تحتجّ أنت بها، وهي بين يديك اليوم مطبوعةٌ محقّقة محفوظة لم تحرق ولم تندثر! وهل يُوجد كبرٌ وردٌّ للحقّ أبلغُ وأقبح من أن تُتَّهم القرونُ المفضلة واللاحقة كلُّها بالجهل والضياع... فقط لتسلم لك دعواك المتهالكة؟!
وفيما فات من نقض مقالتك ما يغنينا عن تتبع والرد على كل كلمة، فقد أثبتنا لكم بالدليل القاطع أنه كذابٌ أشر في دعواه وبراءته!
جِماع الأمر وخلاصته
إن الرجل بنى صرح براءته الموهومة على ثلاث خطوات، وسقطت الثلاث وتحطمت على صخرة الحقيقة: جعل «حداثة الاسم» دليلاً على بطلان المسمّى، وهي حجّةٌ باردة لو صحّت لأبطلت أسماء الفرق كلَّها، بل هي تبطل نسفاً نبزه القبيح لأهل السنة بلقب «المدجنة»؛ ثم اختار بمكر لائحة اتهامٍ كتبها غيرُنا في غيره، فنفى بشجاعة مصطنعة بنودًا لم نُحاكمه قط إليها؛ ثم حاكم نفسه إلى «شعاره» المرفوع، لا إلى «سجلّه» الموثق.
ونحن في الختام لا نطالبه بأن يقبل اسمًا أو يرضى بلقب، بل نطالبه بأن يُجيب عن «فعلٍ» اقترفه! فمن كفّر الحافظ السيوطي وتألّى على الله أن لا يغفر له، وبدّع الإمامين النووي وابن حجر، ورمى أبا حنيفة العظيم بالبدعة، وعذر الإمامين ابنَ باز والعثيمين بالجهل، وسمّى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً فارغاً، وقال لمخالفه مكابراً: قل إن المحقّق كذب، ثم وعد بالاعتذار الصريح فلم يعتذر - فليس واجب هذا الرجل أن ينفي عن نفسه اسماً ولقباً، بل واجبه المحتم أن يتوب إلى الله من فعلٍ وجرم!
قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾. ومن تمام القسط والعدل أن يُحاكم المرء وتوزن أعماله بـ «سجله وتطبيقه»، لا بـ «دعواه وشعاره». وليست العبرة قط بأن تكتب للناس مانشيتات عريضة تقول فيها: «لسنا كذا ولسنا كذا»، بل العبرة كل العبرة بأن يشهد لك سجلُّك الصادق بما كتبتَ بيمينك. فإذا نطق السجلّ بخلاف ما يلهج به اللسان... فالسجلّ أصدق، والواقع أبلغ!
