نقض دعوى إلحاق محمد شمس الدين بالمنهج السلفي والرد على غلاة الأشعرية!
خرج محمد شمس الدين في مباهلة علنية شاهدها الملايين، فكفّر الحافظ جلال الدين السيوطي، وبدّع الإمام النووي، ورمى الإمام أبا حنيفة بالبدعة، حتى انتشرت فضيحته وتناقل الناس كلماته، ووصل صدى هذا الغلو إلى بلاد العرب والعجم. وكان الواجب على كل من يغار على أئمة الإسلام ويخشى على شباب الأمة أن يستثمر الحادثة في الاتجاه الصحيح: أن يقف المسلمون صفًا واحدًا في وجه هذا الخطاب، وأن يُنبذ صاحبه ويُعزل عن الأمة، ويُحذّر الناس من طريقته، حتى لا يجد تكفير العلماء وتبديعهم حاضنة ولا منبرًا ولا غطاء.
لو كانوا صادقين في غضبهم للنووي والسيوطي وأبي حنيفة، لقالوا للناس: هذا رجل تجاوز حدود العلم والعدل، فلا تتبعوه، ولا تحملوا جماعة كاملة جناية فرد لفظته وحذر منه علماؤها. وكان يمكن أن تتحول الفضيحة إلى لحظة وعي جامعة، يتفق فيها المسلمون، على اختلاف مدارسهم، على حرمة التسرع في التكفير والتبديع، وعلى صيانة أعراض العلماء، وعلى نبذ الغلو أيًا كان صاحبه.
لكن بعضهم لم يرد عزل الظاهرة، بل أراد استثمارها. لم يكن همه أن يطفئ نار الفتنة، وإنما حملها وألقاها على خصومه، وبدلًا من أن يعزل محمد شمس الدين عن الأمة، ألصقه بالسلفية، ثم جعل أقواله المنكرة تهمة جاهزة يضرب بها ملايين المسلمين الذين يرفضون مسلكه. فتحولت القضية من محاكمة رجل على كلامه إلى محاكمة منهج كامل بالزور والبهتان، ومن الدفاع عن الأئمة إلى تصفية حسابات مذهبية قديمة، ومن مقاومة الغلو إلى استخدام الغلو وقودًا لغلو مقابل.
خرج بعض غلاة الأشاعرة والماتريدية ومن يسير على طريقتهم في الخصومة (أحب أن أطلق عليهم: حدادية الأشاعرة)، لا ليقولوا: هذا رجل غال يجب التحذير منه، بل ليجعلوه ممثلًا رسميًا لخصومهم، فقالوا: هذا هو السلفي الحقيقي، وهذه ثمرة الوهابية، وهذا ما تؤول إليه دعوة ابن عبد الوهاب حين تنضج وتتكلم بصراحة!
وكان عبد القادر الحسين أول من دفع بهذه الدعوى واستثمرها بشكل كبير، ثم تلقفها محمد أبو العلا ورددها مؤخرًا، حتى تحولت إلى خطاب يتناقله القوم، ويعيد بعضهم إنتاجه كلما ظهرت فضيحة جديدة لمحمد شمس الدين. وعندما تصبح الأكذوبة عادة، ويغدو التلبيس حجة متداولة، لا يعود الرد المختصر كافيًا؛ ولهذا جاء هذا المقال مفصلًا، لا رغبة في الإطالة، بل لأن الدعوى مركبة، ولأن تفكيكها يقتضي الفصل بين الانتساب والمنشأ والمنهج، وكشف ما أخفاه أصحابها بالقفز بين هذه المعاني.
محمد شمس الدين، في حقيقته العلمية، ظاهرة صوتية نشأت على يوتيوب: رجل بلا إسناد معروف، ولا شيخ ملازم، ولا إذن، ولا تزكية معتبرة، ولا مؤسسة علمية، صعد على منبر لا يشترط أهلية (يوتيوب وتيك توك)، وخاطب جمهورًا واسعًا لا يملك أكثره أدوات الفرز، فأعطاه الجمهور ما لم يعطه العلماء: الصدارة بلا تحصيل، والجرأة بلا تزكية، والفتوى بلا إسناد، والحكم على الأئمة بلا أهلية فصار بالنسبة لهم الإمام المجدد!
وآلته في الحكم هي آلة الغلاة الحدادية: التوسع في الخصومات، والتسوية بين المقالة وقائلها، وإلغاء العذر والتأويل، والتكفير باللازم، وإسقاط الإمامة بالزلة، والنبش في كتب العلماء، والفرح بالعثور على الأخطاء، وتحويل تاريخ علماء الأمة إلى ساحة محاكمات يديرها شخص أمام الكاميرا من غرفته في ألمانيا، فأصبح علامة على التكفير والتبديع والتفسيق. وهذا غلو مردود عند أهل السنة، ولا يصبح ممثلًا لهم لمجرد أن خصومهم يحتاجون إليه في معركتهم.
ومن هنا تبدأ المفارقة التي تكشف مقدار الظلم والتلاعب: خصوم محمد شمس الدين في المباهلة كانوا سلفيين، والذين جمعوا كلامه وكشفوا تناقضاته وردوا على تكفيره وتبديعه وحذروا الشباب من خطابه كانوا سلفيين، والذين حملوا راية الدفاع عن النووي والسيوطي وأبي حنيفة كانوا سلفيين أيضًا. ثم جاء طرف ثالث يريد الصيد في الماء العكر، فنسبه إلى الطائفة التي فضحته، وألحقه بالمنهج الذي حاربه، وحمّل الطبيب مسؤولية المرض الذي شخّصه وحذّر الناس منه!
بل إنهم نسبوه إلى الطائفة التي يشتمها، وإلى المنهج الذي يسمي أبناءه ودعاته بالمدجنة، مع أن الرجل نفسه يكرر: «أنا لست سلفيًا»، و«لا أنتمي إلى السلفية»، و«كلمة سلفي أنا منذ زمن لا أنتسب إليها»، و«أنا لست أبدًا من الذين يسمون أنفسهم سلفية»، ثم تجاوز نفي اللقب إلى إعلان الخصومة فقال: «سحقًا لجماعتكم، أنا أساسًا لست منضمًا لجماعتهم».
فتأمل هذا المشهد العبثي: طائفة تنفي الرجل، والرجل ينفي نفسه عنها، ثم يأتي طرف ثالث من خارجها فيمسك بالرجل بيد وبالطائفة باليد الأخرى، ويحاول جمعهما قهرًا وهو يقول: بل هو منكم، رضيتم أم أبيتم، ورضي هو أم أبى!
فهل هذه نسبة علمية، أم عملية اختطاف فكري متعمدة؟
حين يقولون: «محمد شمس الدين سلفي»، فهم يخلطون ثلاث دعاوى مختلفة، لكل واحدة منها دليل مستقل.
الدعوى الأولى هي دعوى الانتساب: أي أنه يعد نفسه سلفيًا، وينتسب إلى السلفية، ويقر بأنه واحد من أهلها. وهذه يحسمها كلامه عن نفسه، وقد حسمها بالنفي المتكرر.
والدعوى الثانية هي دعوى الإنتاج: أي أن أقواله نتيجة لازمة لأصول المنهج السلفي، وأن السلفية متى طبقت أخرجت لنا محمد شمس الدين، فهو عندهم «ثمرة السلفية» و«حصيلة الوهابية» و«منهج ابن عبد الوهاب حين يتكلم بصراحة».
وهذه أخطر الدعاوى؛ لأنها لا تتعلق باسم الرجل وحده، بل تتهم منهجًا كاملًا بأنه المصنع الذي أنتجه، ولا تحسم بالشعارات العاطفية، وإنما بقياس أقوال الرجل على أصول المنهج أصلًا أصلًا.
أما الدعوى الثالثة فهي دعوى المنشأ: أي أن الرجل مر في مرحلة من حياته ببيئة سلفية، وسمع أشرطتها، واستعمل بعض مصطلحاتها، وكان في أول أمره يظهر القرب من بعض دعاتها. وهذه قد يكون فيها قدر من الواقع، لكنها أعجز الدعاوى عن إثبات المطلوب؛ فالمرور ببيئة لا يعني البقاء على أصولها، والتعلم من قوم لا يعني أن كل ما ينتهي إليه المتعلم بعد انقلابه عليهم يمثلهم.
والدليل القاطع على فساد هذه القاعدة أن أول موجات الغلو الكبرى في هذه الأمة خرجت من بين قوم قرؤوا القرآن وتعلموا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انحرفوا وكفّروا المسلمين واستحلوا الدماء وخرجوا على جماعة الصحابة، حتى وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، وقاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فهل قال مسلم يومًا إن مدرسة الصحابة فيها خلل أنتج الخوارج؟ وهل قال عاقل إن الحرورية ثمرة طبيعية لتعليم أصحاب رسول الله؟ لم يقلها أحد، ولا يجرؤ مسلم على قولها. فإذا كان خروج الغالي من بين المتعلمين على الصحابة لا يعيب الصحابة، فكيف صار مرور رجل ببيئة سلفية دليلًا على أن غلوه يمثلها؟
بل إن موقف الصحابة من الخوارج كان البرهان على أن الخوارج لا يمثلونهم؛ فقد أنكروا عليهم، وحاجوهم، وردوا شبهاتهم، وقاتلوهم حين استحلوا الدماء. وهذا هو وجه القياس هنا: السلفيون ردوا على محمد شمس الدين، وكشفوا غلوه، وجمعوا كلامه، وباهلوه، وحذروا من طريقته. فكيف يصبح إنكارهم عليه دليلًا على أنه يمثلهم؟
وهذه الحيلة نفسها هي عين ما يستعمله أعداء الإسلام كلما ظهرت جماعة غالية أو منحرفة تنتسب إلى الإسلام؛ فيتركون موقف علماء المسلمين منها، ويتجاهلون إدانة الأمة لأعمالها، ثم يقدمونها إلى العالم بوصفها «الإسلام الحقيقي» و«الممثل الرسمي للمسلمين». فإذا اعترض المسلمون وقالوا: هؤلاء غلاة منحرفون لا يمثلون ديننا، قيل لهم: كل جماعة تتبرأ من غلاتها! وهكذا تُحمّل أمة كاملة جريمة فئة لفظتها وحاربتها، ويشوّه الإسلام بمن خرج على أصوله.
فبأي وجه نستنكر هذه المغالطة حين يستعملها أعداء الإسلام ضد المسلمين، ثم نقبل استعمالها داخل الأمة ضد طائفة من المسلمين؟ وكيف يصبح تحميل الإسلام جرائم الغلاة ظلمًا وافتراء، ثم يصبح تحميل السلفية أقوال محمد شمس الدين تحقيقًا وإنصافًا؟
النسبة إلى مذهب يدرك بالنظر ويلزم به صاحبه شاء أم أبى، وإنما هي التزام بأصول، وانقياد لمرجعية، وانتماء إلى جماعة علمية معروفة. ولهذا لا تثبت النسبة لمجرد السمت أو الادعاء، بل بستة موازين واضحة: إقرار الرجل عن نفسه، وتلقيه وإسناده وتزكية العلماء له، ومطابقة مضمونه لأصول المنهج، وموالاته ومعاداته العملية، وحكم أهل المنهج فيه، ثم استقرار الانتساب واطراده.
وسنعرض محمد شمس الدين على هذه الموازين الستة واحدًا واحدًا، وستظهر النتيجة: أنه لا يسقط في ميزان أو ميزانين، بل في الستة جميعًا.
الميزان الأول: رجل ينفي النسبة ثم يسب أهلها!
قال محمد شمس الدين في مجالس متعددة: «أنا لست سلفيًا يا أخي، لا أنتمي إلى السلفية»، و«أنا لا أنتمي لهم»، و«أنا لا أنتسب إلى السلفية»، و«أنا لست منهم»، و«كلمة سلفي أنا منذ زمن لا أنتسب إليها»، ثم قال: «وأنا لست أبدًا من الذين يسمون أنفسهم سلفية»، وختم بجملة لا تسمح بتفسير نفيه بأنه مجرد تحرز من الألقاب: «سحقًا لجماعتكم، أنا أساسًا لست منضمًا لجماعتهم».
هناك فرق كبير بين رجل يقول: لا أحب الألقاب والتحزب، مع بقائه معظمًا لعلماء المنهج وملتزمًا بأصوله، وبين رجل يخرج نفسه من الجماعة، ويدعو عليها بالسحق، ويجعل أبناءها وعلماءها غرضًا دائمًا لهجومه. الأول قد يكون متحرزًا من لقب أو لا يحب التصنيف وهذا أمر محمود، أما الثاني فقد أعلن البراءة والخصومة، وصدق نفيه بعمله اليومي. وبالتالي نسبته إلى السلفية رغم نفيه من الكذب والبهتان!
الميزان الثاني: أين الشيوخ والتزكيات والإسناد؟
المنهج السلفي، في أصله، منهج تلق وإسناد وتزكية قبل أن يكون شعارًا. قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وقال محمد بن سيرين: «إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم»، ولم يجلس الإمام مالك للفتوى حتى شهد له شيوخه وأذنوا له.
فاسألوا الآن: من شيوخ محمد شمس الدين الذين لازمهم سنوات؟ ومن أذن له بالفتوى والكلام في أعيان العلماء؟ وأي عالم معتبر قال للناس: خذوا عنه؟ وأي هيئة علمية زكته؟ ومتى شهدوا له بالأهلية؟
لن تجدوا اسمًا واحدًا يملأ هذا الفراغ: رجل بلا إسناد علمي معروف، ولا شيخ ملازم، ولا إذن، ولا تزكية معتبرة!
لقد تصور خصوم السلفية أن السلفية هي كل من قال على يوتيوب: سنة وبدعة وتوحيد وشرك. وهذا تعريف صنعوه هم، ثم أدخلوا الرجل فيه، ثم حاكموا السلفية بناء عليه!
الميزان الثالث: عشرة أصول خالفها واحدًا بعد واحد
هذا هو الميزان الحاسم لأنه يقابل أقوال الرجل بأصول المنهج.
الأصل الأول: تُرد زلة العالم وتُحفظ إمامته. العالم المسلم قد يخطئ، فترد زلته ويبقى فضله وعلمه، أما خطاب محمد شمس الدين والغلاة الحدادية فيحول الخطأ إلى ممحاة تمحو تاريخ العالم كله؛ فالنووي عندهم ليس إمامًا أخطأ، بل «مبتدع ضال لا يعرف ربه»، وهذا مخالف لموقف علماء السلفية جميعًا من الإمام النووي.
الأصل الثاني: التفريق بين المقالة وقائلها. قد تكون المقالة بدعة أو كفرًا، ولا يكون كل من قالها مبتدعًا أو كافرًا؛ لاختلاف العلم والقصد والتأويل وقيام الحجة. أما آلة الغلو فتعمل آليًا: ثبت اللفظ، إذن ثبت الحكم على القائل، بلا نظر في سياق أو علم أو تأويل أو شروط أو موانع.
الأصل الثالث: حمل المجمل على المفصل. من العدل أن يفسر كلام العالم بعضه بعضًا، وألا تؤخذ عبارة محتملة وتترك عشرات النصوص الصريحة. لكن محمد شمس الدين جاء إلى الحافظ السيوطي، فانتزع لفظة وحملها على أسوأ محمل، ثم كفّره، مع أن السيوطي يقول في «الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع»: «فاقتد أيها المسلم إن كنت عبدًا لله بسلفك الصالح، وتحقق بالتوحيد الخالص، فلا تعبد إلا الله ولا تشرك بربك أحدًا»، ثم يأمر بألا يدعى إلا الله ولا يستغاث إلا به. ويقول في «معترك الأقران» عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، إن حذف «قل» يشير إلى أنه لا واسطة بين العبد ومولاه في الدعاء. ومع ذلك ترك شمس الدين هذه النصوص الصريحة، وتعلق بلفظة محتملة، ثم بنى عليها تكفير إمام من أئمة الإسلام.
الأصل الرابع: اعتبار العذر بالجهل والتأويل. قرر ابن تيمية أن العمل قد يكون كفرًا، ولا يكفر المعين حتى تقوم عليه الحجة، وقال محمد بن عبد الوهاب: «وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر وقبر أحمد البدوي وأمثالهما لأجل جهلهم وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله؟». واعتذر ابنه عبد الله لمن أخطأ بعد نظر واجتهاد، وذكر ابن حجر الهيتمي بوصفه من علماء المسلمين، وأثنى على علمه وكتبه. وقرر ابن عثيمين أن الأصل في المسلم بقاء إسلامه حتى يثبت زواله بالدليل، وأن التساهل في التكفير افتراء على الله وعلى المحكوم عليه. ثم يأتي محمد شمس الدين ليسخر من هذه التقريرات ويسميها «قول الأولاد الصغار»! فمن يمثل منهج هؤلاء: من قرر أصولهم أم من سخر منها؟
الأصل الخامس: لازم المذهب ليس مذهبًا. لا ينسب إلى الإنسان لازم كلامه ما لم يلتزمه، ولا يكفر بما فهمه خصمه من كلامه، ثم جعله عقيدة له. أما الغالي فيحول فهمه الشخصي إلى اعتراف من المتهم: يستنبط لازمًا، ثم ينسبه إلى العالم، ثم يحاكمه عليه.
الأصل السادس: اعتبار الشروط والموانع. الحكم على المعين ليس عملية آلية أو معادلة رياضية، بل له شروط وموانع، ونظر في العلم والقصد والتأويل وقيام الحجة. أما محمد شمس الدين فيجلس بعد قرون، فيصدر أحكامًا قاطعة على علماء ماتوا، ويباهل على تكفير وتبديع العلماء وهذا لم يسبقه فيه أحد من العلماء.
الأصل السابع: رد الأمر إلى أهل العلم. الفتوى في أعيان العلماء وأحكام التكفير والتبديع من أخطر أبواب الدين، فكيف يتصدر لها رجل لا إذن له ولا إسناد ولا تزكية، ثم يعلم صغار المتابعين أن يفتشوا في الكتب ويقتطعوا العبارات ويصدروا الأحكام؟ المنهج يقول: ردوا الأمر إلى أهله، أما هو فيحول الغلمان الصغار الجهلاء إلى قضاة يصدرون الأحكام.
الأصل الثامن: اعتبار تلقي الأمة للعلماء بالقبول. مضت قرون على وفاة السيوطي والنووي وابن حجر، والأمة تدرس كتبهم وتحققها وتترحم عليهم، ولم يعرف عالم معتبر كفّرهم بسبب ما كفّرهم به محمد شمس الدين. فهل كانت الأمة كلها غافلة خمسة قرون، حتى جاء صاحب قناة على يوتيوب فاكتشف ما عمي عن جميع العلماء؟ إذا جاز لشخص مجهول التزكية أن ينسف إمامة من تلقته الأمة بالقبول، فلن يبقى في تاريخ الإسلام إمام.
الأصل التاسع: العدل وذكر المحاسن. قرر ابن القيم قاعدة العدل مع المخالف، وطبقها الذهبي في تراجم العلماء؛ يذكر المخالفة، لكنه يضعها داخل سيرة العالم وعلمه وفضله. أما خطاب الغلو الحدادي فيجعل الخطأ ممحاة تمحو العمر كله، وموضعًا واحدًا يعيد تفسير عشرات الكتب، وربما كلمة محتملة تكفي لطرد العالم من الإسلام.
الأصل العاشر: صيانة الأعراض وترك تتبع الزلات. من أبرز ما حذر منه علماء السلفية في وصف الغلاة الحدادية: النبش في كتب العلماء، وتتبع الزلات، وإشهارها، والفرح بالعثور عليها، وبناء مشروع كامل على إسقاط الأعيان. وهذه هي آلة مشروع محمد شمس الدين: البحث عن لفظة، ثم تقديمها للجمهور بوصفها فضيحة، ثم إصدار حكم قاطع، ثم الانتقال إلى ضحية جديدة.
عشرة أصول كبرى خالفها واحدًا بعد واحد، ثم يصر خصوم السلفية على أنه ثمرتها! فليأتوا بأصل واحد في باب الحكم على الأقوال والأعيان وافق فيه الرجل علماء السلفية. لن يجدوا، وسيعودون إلى حجتهم الأولى: إنه يقول «بدعة»، وإنه أطلق لحيته؛ وكأن اللحية صك انتساب للسلفية، وكأن الخوارج لم يحفظوا القرآن ويستعملوا ألفاظ الشرع.
الميزان الرابع: انظروا إلى سهامه تعرفوا موقعه
الرجل يعرف بسهامه: من ينصر؟ ومن يهاجم؟ وإلى أين تتجه طاقته؟ السلفية مادة حاضرة في نقد محمد شمس الدين وهجومه، بل إن خصومته مع كثير من السلفيين أشد من خصومته مع الأشاعرة أنفسهم؛ يطعن في علمائهم ودعاتهم، ويحاول إسقاطهم، ويصفهم بالمدجنة، ويجعل حربهم جزءًا ثابتًا من مشروعه. فكيف يصنف رجل في طائفة جعل حربها مادة يومية له؟
والصورة بعد فضائحه واضحة: من خرج يرد عليه ويكشفه؟ السلفيون. من دخل في المباهلة ضده؟ سلفيون. من جمع مواده وحرر أخطاءه وحذر من غلوه؟ سلفيون. ومن حاول استثمار وجوده بوصفه «ثمرة السلفية»؟ غلاة من خصوم السلفية، وأما مدحه والثناء عليه فلا نعرفه إلا من بعض الشيعة والنصارى والملاحدة لأنهم وجدوه مدة نافعة للطعن في الإسلام وأهله.
حين يسقط الرجل، لا تجد عالمًا سلفيًا معتبرًا يقف خلفه، ولا مؤسسة تتبناه، ولا هيئة تسنده، ثم يأتي خصوم السلفية ليمنحوه لقب الممثل الرسمي للسلفية!
الميزان الخامس: أهل المنهج هم الذين ردوا عليه
أهل كل مذهب أعرف بمن ينتسب إليهم، ونحن لا ندعي أن لنا أن نفرض على الأشاعرة شخصًا يرفضونه، ثم نقول لهم: هذا هو ممثلكم الحقيقي. فلماذا يحق لهم أن يفعلوا ذلك مع السلفيين؟
حكم أهل المنهج في محمد شمس الدين ليس غامضًا: قاموا عليه بالردود، وجمعوا كلامه، ونقضوا أصوله، وحرروا أخطاءه في التكفير والتبديع، ووصفوا خطابه بالغلو الحدادي. والحدادية عند عامة أطياف السلفية غلو مردود في التكفير والتبديع والتجريح وتتبع الزلات. ثم يأتي شخص من خارج الطائفة ليقول: لا، هو منكم، وأنا أعرف منكم بمن يمثلكم!
إنه المشهد نفسه الذي يشخص فيه الطبيب المرض ويحذر منه، ثم يتهم بأنه سبب المرض لأنه أول من كشفه!
اختبار المكتبة الذي يفضح الدعاية
المناهج تعرف بمقرراتها ومكتباتها ومطابعها وجامعاتها، لا بمقاطع المنصات. خذ أي جامعة أو معهد أو دار نشر تنتسب إلى المنهج السلفي، ثم افتح فهرسها وابحث عن كتب العلماء الذين كفّرهم محمد شمس الدين أو بدّعهم.
ستجد الإمام النووي في قلب المكتبة؛ فـ«شرح صحيح مسلم» من أعمدة شرح السنة، و«رياض الصالحين» حققه الألباني وشرحه ابن عثيمين في مجلدات، و«الأربعون النووية» متن يبدأ به طلاب العلم، وكتب النووي الفقهية والحديثية مطبوعة مدروسة. وستجد الحافظ ابن حجر حاضرًا بكتابه «فتح الباري» الذي لا يكاد يستغني عنه درس في صحيح البخاري، وعليه تعليقات ابن باز، وقد طبع وخدم في جامعات السلفيين ومؤسساتهم.
وستجد الحافظ السيوطي حاضرًا بقوة؛ فقد وصفه سليمان بن عبد الله، حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بالإمام الحافظ، وحقق الألباني «الجامع الصغير»، وأكثر من النقل عنه والثناء عليه، وأثنى عليه ابن باز وابن عثيمين وأبو إسحاق الحويني ومحمد علي آدم الإثيوبي وغيرهم. و«تدريب الراوي» من أشهر كتب مصطلح الحديث، و«الإتقان» و«الدر المنثور» و«الأشباه والنظائر» و«المزهر» و«ألفية الحديث» حاضرة في الدروس والمكتبات. وستجد أبا حنيفة إمامًا سنيًا مجتهدًا، أحد الأئمة الأربعة، تلقّت الأمة مذهبه بالقبول، وتدرّس كتب مذهبه في كليات الفقه.
هذه هي مكتبة السلفيين: مكتبة يقوم جانب عظيم منها على كتب من كفّرهم محمد شمس الدين وبدّعهم. فكيف صار الرجل ثمرة لشجرة تقوم مكتبتها على تكريم من هدمهم؟
ثم اقلب الاختبار وابحث عن محمد شمس الدين في تزكيات علماء السلفية: أين ثناء العلماء عليه؟ غائب تمامًا، بينما الأئمة الذين هاجمهم حاضرون في صميم المكتبة السلفية!
وزيادة على ذلك، فإن البدعة الحدادية لم تصدر في بدايتها عن أئمة وعلماء المنهج السلفي، بل ارتبطت بالغلو الحدادي (محمود الحداد)، وكان من أوائل من كشفه ورد عليه علماء سلفيون وطردوه من السعودية!
الميزان السادس: الانتساب ليس قميصًا موسميًا
قد يقول قائل: لكنه انتسب في وقت ما إلى السلفية، أو ظهر في بيئاتها. والجواب أن الانتماء الحقيقي ليس صورة قديمة، بل التزام مستقر. أما رجل يقترب في مرحلة، ثم ينفي النسبة، ثم يسب الجماعة، ثم يشن حربًا على علمائها ودعاتها، ويجعل وصفهم بالمدجنة جزءًا من خطابه، فلا يجوز تجميده عند لقطة قديمة وحذف ما جاء بعدها.
ومن لبس ثوبًا ثم خلعه ومزقه وسب أصحابه، لا يقال إنه ما زال مرتديًا له لأن لدينا صورة قديمة له وهو يلبسه.
المغالطات التي صنعوا منها الأكذوبة
ما يقدمه خصوم السلفية ليس دليلًا واحدًا، بل مجموعة مغالطات ألقي بعضها فوق بعض. أولها إلزام الإنسان بنسبة ينفيها، مع أن الانتساب التزام وليس حكمًا قهريًا، وقد جاء مضمونه ومواقفه مؤيدًا لنفيه. وثانيها مغالطة المنشأ؛ فكون الإنسان نشأ في بيئة لا يعني أن كل ما ينتهي إليه يمثلها، وقد تقدم أن طرد هذه القاعدة يصل بها إلى الحرورية الذين تعلموا في بيئة الصحابة، دون أن يكون انحرافهم حجة على مدرسة الصحابة.
وثالثها تعميم الشاذ المنبوذ، مع أن المناهج لا تعرف بأكثر نماذجها شذوذًا، ولا بمن لفظه علماؤها، وإلا لم يبق مذهب في الأرض إلا أمكن هدمه بمنبوذ ظهر فيه أو ادعى الانتساب إليه. ورابعها رجل القش؛ إذ صنعوا صورة للسلفية من مقاطع المنصات لا من كتبها وعلمائها ومؤسساتها، ثم هاجموا الصورة التي صنعوها.
وخامسها الكيل بمكيالين؛ فهم يصدقون محمد شمس الدين في كل كلمة يهدمون بها خصومهم، ويكذبونه وحده حين ينفي السلفية عن نفسه، ويطالبون السلفيين بتحمل مسؤولية كل من اقترب منهم في مرحلة، ثم لا يقبلون القاعدة نفسها على طوائفهم. وسادسها جعل المنبوذ ناطقًا رسميًا؛ مع أن الجماعة تعرف بمن تحتضنه وتزكيه وتصدره، لا بمن ترد عليه وتحذر منه.
طبّقوا القاعدة على أنفسكم
القاعدة التي يريدون فرضها علينا تقول: إذا خرج غال من طائفة، أو انتسب إليها واستعمل مصطلحاتها، فإن الطائفة مسؤولة عن غلوه، ويصبح هو ممثلها وثمرتها الطبيعية. حسنًا، طبّقوا هذه القاعدة أولًا على أنفسكم، ثم انظروا هل تستطيعون احتمال نتائجها.
ماذا ستقولون في جماعة الأحباش؟ لقد تبنى مؤسسها عبد الله الهرري كثيرًا من الأصول الأشعرية والماتريدية، وانتسب أتباعه إلى هذا الفضاء العقدي، لكنه توسع في التكفير توسعًا شديدًا، حتى كفّر علماء الإسلام. ومع ذلك خلصت دراسة أكاديمية صادرة عن باحثة في قسم العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر إلى أن غلوه في التكفير يخالف المنهج الأشعري، وأن انتسابه إلى بعض أصوله لا يجعله ممثلًا تامًا للإمام الأشعري!
وهذا هو الإنصاف الذي نطالبكم به معنا: نحن لا نقول إن الأحباش يمثلون جميع الأشاعرة، ولا نحمل كل أشعري غلو عبد الله الهرري؛ فلماذا يصبح الغالي عندكم حالة شاذة لا تمثلكم، بينما يصبح محمد شمس الدين ـ الذي ينفي السلفية ويحارب أهلها ـ ممثلًا رسميًا لها؟
ثم ماذا تصنعون بالأقوال الغالية التكفيرية المنقولة عن بعض المنتسبين إلى الأشعرية عبر التاريخ وهي كثيرة جدًا؟
وهناك غلاة ينتسبون إلى الأشعرية يسمون مخالفيهم حشوية ومجسمة ويرمونهم بألفاظ تؤول إلى التكفير!
فهل نقول إن هذه الأقوال هي «الأشعرية الحقيقية»؟ نحن لا نقول ذلك؛ لأننا نفرق بين المذهب وبين غلاته، وبين أصول المدرسة وبين شذوذ بعض المنتسبين إليها.
لكن هذا التفريق الذي تطلبونه لأنفسكم هو نفسه الذي تحرمونه على خصومكم! فالغالي المنتسب إلى الأشعرية لا يمثل إلا نفسه، أما الغالي الذي ينسب إلى السلفية قسرًا فيتحول فجأة إلى «الممثل الحقيقي للسلفية» و«الثمرة الطبيعية للوهابية»!
هذا ميزان مختل: غلاتكم أفراد لا يمثلونكم، وغلاة خصومكم أئمة رسميون يمثلون الملايين. فإن أردتم العدل، فاجعلوا القاعدة واحدة: كل غال يحاسب على قوله، ولا تُحمّل طائفة كاملة جناية رجل خالف أصولها ورفضه علماؤها. وإن أبيتم إلا التعميم، فابدؤوا بأنفسكم، واقبلوا أن نحاكم الأشعرية كلها بأقوال الأحباش ومن جهروا بالتكفير واللعن؛ وعندها ستكتشفون أن القاعدة التي صنعتموها لضرب غيركم قد ارتدت عليكم قبل أن تصل إليهم.
أقوى الاعتراضات والجواب عنها
الاعتراض الأول: لكنه نشأ في بيئة سلفية. وقد تقدم جواب هذا الاعتراض عند تحرير دعوى المنشأ؛ فالمنشأ ليس المنهج النهائي، والخوارج تعلموا في بيئة الصحابة ثم خرجوا عليهم. والبيئة حين تنكر على المنحرف وترده وتحذر منه تكون قد أدت ما عليها، والذي يمثل المنهج هم علماؤه ومقرراته وطلبته المزكون.
الاعتراض الثاني: لكنه يستعمل مصطلحات السلفيين. استعمال المصطلح لا يعني الالتزام بضوابطه؛ فالخوارج رفعوا قول الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، وهي كلمة حق استعملوها في باطل. ومحمد شمس الدين أخذ لفظ «البدعة» وترك شروط التبديع، وأخذ «الجرح» وترك قواعده، وأخذ «العقيدة» وترك ضوابط الحكم على المعين.
الاعتراض الثالث: كل جماعة تتبرأ من غلاتها. يصح هذا لو كان موقفنا مجرد قول: هو لا يمثلنا، لكننا قدمنا نفيه الصريح، وغياب شيوخه وتزكياته، ومخالفته أصول المنهج، وعداوته العملية لأهله، ورد علماء المنهج عليه، والمباهلة التي كان خصومه فيها سلفيين، واختبار المكتبة والمقررات. فهذا ليس تبرؤًا إعلاميًا، بل ملف كامل من الأدلة، بينما لم يقدم الطرف الآخر دليلًا إيجابيًا سوى المنشأ القديم واستعمال بعض الألفاظ.
اثنا عشر سؤالًا تضع الأكذوبة أمام المحكمة
الرجل ينفي السلفية عن نفسه بالعربية والألمانية، ويقول: «سحقًا لجماعتكم». فبأي بينة تلزمونه بنسبة يرفضها؟
سموا شيخًا واحدًا لازمه سنوات، أو عالمًا معتبرًا زكاه، أو هيئة علمية أيدته، أو مؤسسة سلفية تبنته.
هاتوا أصلًا واحدًا من أصول السلفيين في الحكم على الأقوال والأعيان وافقهم فيه، أمام عشرة أصول خالفها بالنص والعمل.
من كانوا خصومه في المباهلة، ومن كتب أكثر الردود عليه؟ فإن كانوا سلفيين، فمتى صار الرجل ممثلًا للطائفة التي لا تكاد معركته تتوقف معها؟
افتحوا فهرس أي جامعة أو معهد أو دار نشر سلفية، ثم أخبرونا: هل تجدون كتب النووي والسيوطي وابن حجر مطبوعة ومدروسة ومحققة، أم تجدونها محروقة؟
سليمان بن عبد الله وصف السيوطي بالإمام الحافظ، والألباني حقق «الجامع الصغير»، وابن عثيمين شرح «رياض الصالحين»، وابن باز علق على «فتح الباري». فأين موقع تكفير السيوطي وتبديع النووي من هذه السلسلة؟
الخوارج تعلموا في بيئة الصحابة وحفظوا القرآن، فهل مدرسة الصحابة مسؤولة عن غلوهم؟ فإن أبيتم ذلك، فقد أسقطتم حجة المنشأ بأيديكم.
عندكم غلاة مثل الأحباش ومجموعات يطلقون على مخالفيهم «الحشوية المجسمة» و«السفهاء»، ويطعنون في ابن تيمية وعلماء الإسلام، فهل هؤلاء يمثلون جميع الأشاعرة، أم أن قاعدة التعميم محرمة عليكم ومباحة ضد خصومكم؟
إذا كان استعمال مصطلحات التوحيد والبدعة كافيًا لإثبات السلفية، فهل استعمال الخوارج للقرآن وشعارات تحكيم الشريعة جعلهم ممثلين لمنهج الصحابة؟
سموا عالمًا سلفيًا معتبرًا واحدًا وافقه في تكفير السيوطي، وتبديع النووي وأبي حنيفة، وإلا فمن أين أتيتم بدعوى أنه يمثل السلفية؟
الخاتمة: لا تجعلوا الغلو سلعة في سوق الخصومة
القضية لم تعد قضية محمد شمس الدين وحده، بل قضية عدل؛ قضية أمة يراد لها أن تحمل ملايين الناس جناية رجل، وأن تستبدل مواجهة الغلو باستثماره ضد خصومها، وأن تجعل من فضيحة فرد خنجرًا يطعن به الأبرياء. كان الواجب أن نتحد جميعًا في عزل هذا الخطاب عن الأمة، وأن نقول لشباب المسلمين: لا تأخذوا دينكم من مجهول التزكية، ولا تجعلوا المقاطع بديلًا عن العلماء، ولا تحولوا زلات الأئمة إلى أبواب للطعن في إيمانهم، ولا تتعاملوا مع تاريخ الأمة كأنه حقل ألغام تبحثون فيه عن ضحية جديدة.
لكن بعض خصوم السلفية لم يكتفوا بعدم المشاركة في عزل الغالي، بل حموه من العزلة حين جعلوه ممثلًا لملايين المسلمين، ومنحوه قيمة تتجاوز حجمه، وحولوا كل كلمة يقولها إلى بيان رسمي لطائفة كاملة. كلما فضح نفسه قالوا: هذه السلفية، وكلما طعن في إمام قالوا: هذه الوهابية، وكلما تكلم بجهل قالوا: هذه ثمرة ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب.
فمن الذي خدم هذا الغالي أكثر: الذين ردوا عليه وكشفوه وباهلوه وحذروا منه، أم الذين منحوه لقب «الممثل الحقيقي للسلفية»؟!
ومن ينسب الجاني إلى من حاربه لا يدافع عن الأئمة، بل يظلم الأئمة وخصوم الجاني معًا. ومن يجعل فضيحة شخص سلاحًا لضرب طائفة كاملة لا يقاوم الغلو، بل يعيد إنتاجه بلون آخر. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ فمحمد شمس الدين مسؤول عن كلامه، وكل من كفّر إمامًا أو بدّعه بغير علم مسؤول عن جنايته، أما أن تحمل السلفية وزره مع أنه ينفيها، ويحارب أهلها، ويخالف أصولها، ويرد عليه علماؤها ودعاتها، فذلك ليس نقدًا علميًا، بل ظلم صريح، وبغي واضح، وتزوير للوقائع.
فإما أن تثبتوا النسبة بموازينها: الإقرار، والتلقي، والتزكية، وموافقة الأصول، وموالاة أهل المنهج، وحكم علمائه، والاستقرار عليه؛ وإما أن تكفوا عن الاتجار بفضيحة محمد شمس الدين، وعن إلصاق جريمته بمن تصدوا لها.
اللهم يا حكم يا عدل، أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل. اللهم طهّر قلوبنا من الهوى والتعصب، وألسنتنا من البهتان والعدوان، واجعلنا ممن ينصفون في الرضا والغضب، ويقولون الحق ولو على أنفسهم.
اللهم احفظ أئمة الإسلام وعلماء المسلمين، وارحم من مضى منهم، واجزهم عن الأمة خير الجزاء، ولا تجعل زلاتهم مطية للطاعنين، ولا أعراضهم ميدانًا للغلاة والمبطلين. اللهم اكف الأمة شر التكفير بغير علم، والتبديع بغير حق، وتتبع العثرات، والفرح بسقوط العلماء، وردّ شباب المسلمين إلى أهل العلم الراسخين ردًا جميلًا.
اللهم إنّا نعوذ بك أن نقول عليك بغير علم، أو نظلم مسلمًا بقول أو حكم، أو نحمل طائفة وزر فرد، وأنت القائل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا، إنك رؤوف رحيم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
