عبد الله بن فهد الخُليفي
المُنظِّر المُتخفِّي للفرقةالمُحرِّك الفِكري الخفيّ للحدّاديّة المُعاصرة، يُؤصِّل لتَكفير مِئات العلماء ثم يُمارس التَّقيَّة، تاركًا غِلمانه يَتحمَّلون نتائج تأصيلاته.
المُحرِّك الفِكري الخفيّ للحدّاديّة المُعاصرة، يُؤصِّل لتَكفير مِئات العلماء ثم يُمارس التَّقيَّة، تاركًا غِلمانه يَتحمَّلون نتائج تأصيلاته.
السيرة والنشأة
أبو جعفر عبد الله بن فهد الخُليفي، يعيش في الكويت، يُعتبر المُؤصِّل الفِكري للحدّاديّة الجديدة. يَعمل بشكلٍ شِبه خفيّ عبر مدوّنته وقناته على تيليجرام وملفّات الصوت، بعيدًا عن واجهة اليوتيوب الصاخبة.
وهذا الوصف يَحتاج إلى تدقيق حتى لا يُفهَم على غير وجهه. فالرجل ليس صامتًا ولا قليل الإنتاج؛ بل هو من أغزر القوم كتابةً وأسرعهم استحضارًا للنصوص، وله مدوّنة وموقع وحسابات نَشِطة يَنشر فيها بلا انقطاع. وإنّما خَفاؤه في موضعٍ واحد: أنّه يَتجنّب الظهور بوجهه وصوته على منصّات الفيديو، ويَتجنّب أن يَنطق بالنتيجة الأخيرة التي تُنتجها تأصيلاته. فهو ظاهرٌ بقلمه، خفيٌّ بشخصه، صامتٌ عند لحظة الحُكم. وإليه انتهت في الحقيقة رئاسة الغلوّ التجريحي في الفضاء الرقمي، فلا يَكاد يَسلم من قلمه عالِمٌ أو داعية.
وُلد في الكويت في أواخر القرن العشرين الميلادي، ولم نَقف على تاريخ ولادته على وجه التحديد؛ إذ لا يَعتني أمثاله بنشر سِيَرهم الشخصيّة المستقلّة. ونشأ في بيئة تيسَّرت فيها سُبل المعرفة الرقميّة، فكان تكوينه منها.
نشأة بلا شيوخ
لم نَقف للرجل على ترجمة ذاتيّة تُبيّن مساره العلمي، ولا عُرف له سَندٌ متّصل بأهل العلم الراسخين. لا شيوخ كبار لازَمهم، ولا حَلقات علمٍ ثَنى الرُّكب فيها، ولا إجازة، ولا تزكية من عالِمٍ معتبَر. كان نتاجًا خالصًا لقراءة الكُتب وجمع النصوص من المكتبات الإلكترونيّة.
وهذه سِمة بارزة في هذا الصِّنف من المُتصدِّرين المعاصرين: حلَّت الشاشة محلّ الحَلقة، وصار مُحرِّك البحث بديلًا عن مُلازمة المشايخ.
وقد تكوَّن الخُليفي فكريًّا وعقديًّا بالانكباب على مُصنَّفات أئمّة السنّة الأوائل، ككُتب الإمام أحمد، والدارمي، وعبد الله بن الإمام أحمد، وابن خُزيمة، وابن بطّة، واللالكائي. وهذا أصلٌ حسن لو صحِبه فهمٌ ثاقب وتلقٍّ عن أهله. لكنّه أخَذ النصوص مُجرَّدةً من قيودها، وقرأها بعين الناقد المُتعقِّب لا بعين الطالب المُتفقِّه، فظنّ أنّه أدرَك ما غاب عن الأمّة قُرونًا.
ولْيَتنبّه القارئ إلى وظيفة الشيخ في التعليم، فهي مسألة يُساء فهمها. فالشيخ لا يُلقِّن طالبه المتن فحسب؛ بل يُعلِّمه متى يتكلّم ومتى يَسكت، وكيف يَعذر المخالف، وكيف يَزن الأقوال، وأين تَقف القاعدة. فإذا سقَط هذا القيد خرَج مُتصدِّر يَملك آلةً واسعة في الحفظ والجمع، ويَفتقر افتقارًا شديدًا إلى الميزان. وهذا هو الفَرق بين من قرأ الكُتب وبين من تعلَّم؛ فالكُتب تُعطي المعلومة، والشيخ يُعطي الميزان الذي تُوزن به.
كُتبه ومُصنَّفاته
ألَّف كُتبًا مَنهجيّة لِخدمة الفِكر الحدّادي، أبرزها:
وله إلى جانب ذلك مقالات لا تُحصى في مدوّنته وموقعه، فيها الردّ على العلمانيّين والنسويّات والملاحدة، وفيها الطعن في العلماء والدعاة. وسيأتي بيان كيف صار الشقّ الأوّل بابًا يُدخَل منه إلى الثاني.
منهجه
وأخطر هذه الأربعة أوّلها، ويَحتاج شَرحًا لأنّ كثيرًا من الناس لا يَنتبه له.
فالفَرق بين التكفير المُطلق وتكفير المُعيَّن أصلٌ من أصول أهل السنّة. فقولنا إنّ هذا القول كُفر حُكمٌ على المعنى في نفسه. وقولنا إنّ فلانًا كافر حُكمٌ على شخصٍ بعينه، لا يَثبت إلا بعد ثبوت القول عنه، وثبوت عِلمه بمعناه، وقَصده إليه، وقيام الحُجّة عليه، وانتفاء الموانع من جهلٍ أو تأويلٍ أو إكراه. وبين الحُكمين مسافة عِلميّة لا يَملك أحدٌ حذفها.
وصنيع الخُليفي أن يَجمع نصوص السلف في القسم الأوّل، ثمّ يَبني عليها ما يُفضي إلى القسم الثاني، ثمّ يَقف عند الحرف الأخير فلا يَنطق به. فيَتلقّاه صغار أتباعه وقد وُضِعت لهم المقدّمات كلّها، فيَنطقون هم بالنتيجة. وهو بعد ذلك يَستطيع أن يقول: أنا لم أقل هذا. وهذه هي الصنعة كلّها.
خلف الشاشات
في نقاشٍ محموم على إحدى المنصّات، طُلب منه موقفٌ واضح من بعض أئمّة العلم المتأخّرين ممّن لهم تأويلات في بعض الصفات، ومن أئمّة الفقه الذين انعقد الإجماع على جلالتهم كالإمام أبي حنيفة. فلم يَتورَّع، ولم يَستعمل طريقة أهل العلم في الجمع بين حفظ المقامات ونقد الزلّات؛ بل سرَد نصوص الجرح القديمة مُجرَّدة، واعتمدها حُكمًا نهائيًّا، ورتَّب عليها تبديعًا وتضليلًا، وشنَّع على من يَحفظ للإمام مقامه.
وكانت تلك اللحظة كاشفة عن أصل مشروعه: أنّ الرجل لا يَرى لإجماع الأمّة العملي المتأخّر أيّ حُرمة تَمنع من نبش الخلافات التي ماتت. ومنهجه قائم على استدعاء جَرحٍ قيل في سياقٍ تاريخيّ مُعيَّن، ثمّ إطلاقه في هذا العصر ليُمتحَن به الشباب؛ فمن لم يُبدِّع من يُبدِّعه الخُليفي، لحِقه سيف التجريح.
منهج المتقدّمين أم هَدم المتأخّرين؟
اتّخذ الخُليفي شعار «منهج المتقدّمين» في العقيدة والحديث دِرعًا يَضرب به مخالفيه. والمتقدّمون من أئمّة الحديث هم تيجان الأمّة، ومنهجهم هو الحقّ؛ وإنّما الانحراف في طريقة توظيف الشعار. وقام منهجه على ثلاث ركائز:
الأولى: التبديع باللازم والزلّات. فإذا أخطأ عالِمٌ معاصر في مسألة عقديّة دقيقة، أو اختار رأيًا مرجوحًا في العذر بالجهل، أو تساهَل في لفظ — لم يُعامله معاملة المُخطئ المتأوِّل، بل سحَب عليه أحكام الجهميّة والمبتدعة، وأنزَله منزلة من عانَد النصوص وهو يَعلم.
الثانية: إحياء الفتن الميتة. تعمَّد إثارة الطعن في الإمام أبي حنيفة رحمه الله، مُستندًا إلى نصوص قديمة رُويت في سياق مِحنة خلق القرآن وما قبلها. وتجاهَل أنّ الأمّة عبر قرون متطاولة أجمعَت على تلقّي فقه الإمام بالقبول، وأنّ أئمّة الجرح والتعديل كالذهبي وابن حجر وابن تيمية وابن كثير طَووا تلك الصفحات وعظَّموا الإمام. لكنّه جعَل الطعن في أبي حنيفة من علامات «السلفيّة الحقّة»، فأسَّس بذلك مدرسةً من الشباب الأغرار يَتطاولون على أئمّة الإسلام.
الثالثة: التشديد في العذر بالجهل. تبنّى أشدّ الآراء في هذه المسألة، مُتأثِّرًا ببعض تقريرات أئمّة الدعوة النجديّة في مراحل الصدام، لكنّه جرَّدها من سياقها وجعَلها قاعدة مُطلقة يُكفَّر بها الأعيان، ويُبدَّع بها من توقَّف في التكفير، ورمى مخالفيه من علماء السنّة بـ«الإرجاء». فكلّ من عذَر جاهلًا بتأويلٍ أو شُبهة فهو عنده مُرجئ جهميّ ضالّ.
سجلّ المآخذ
التَّناقُض
الخُليفي يَكتب رسائل في تكفير الأشاعرة بالجملة (مِئات الملايين من المسلمين عبر القرون)، لكنّه إذا سُئل مُباشرةً «هل تُكفِّرهم بأَعيانهم؟» يَتهرَّب بالعموميّات. هذا منهجٌ ماكر: يُؤصِّل ولا يُصرِّح بلازِمه — فيَقع غِلمانه في تَكفيرٍ صريحٍ ويتحمَّلون النتائج، بينما هو يَنام في أَمان.
ولهذا التناقض ثلاثة أوجه أخرى، كلُّها من كُتبه هو.
الوجه الأوّل، وهو القاصم: كتابه في الدفاع عن الألباني.
ألَّف الخُليفي كتابًا اسمه «التوفيق الرباني في الذبّ عن العلّامة الألباني»، ردَّ فيه على كتاب حسن بن علي السقّاف «تناقضات الألباني الواضحات». وطريقة السقّاف في كتابه معروفة: يَجمع أخطاء العالِم وتناقضاته، ويَرصفها بعضها إلى بعض، ثمّ يُقدِّمها للقارئ ليَخرج بنتيجة واحدة — أنّ الرجل ساقط لا يُؤخذ عنه.
فالخُليفي — بقلمه — أقام كتابًا كاملًا على هذا الأصل: أنّ جمع أخطاء العالِم لإسقاطه صنيعُ أهل البدع، وأنّ إمام أهل السنّة يُذَبّ عنه. ثمّ ماذا صنَع بعد ذلك؟ ألَّف «الترجيح بين أقوال المُعدِّلين والجارحين في أبي حنيفة»، فجمَع أقوال الجرح في إمامٍ من الأئمّة الأربعة ورجَّحها. وهي طريقة السقّاف بعينها، غير أنّ الضحيّة تغيَّرت.
فالميزان عنده ليس ميزان الحقّ، وإنّما ميزان الاسم: إذا جُمعت أخطاء الألباني فهو صنيع مبتدع يُردّ عليه بمُجلَّد، وإذا جمَع هو أخطاء أبي حنيفة فهو تحقيقٌ علميّ. والقاعدة الواحدة لا تُنتج حُكمين إلا إذا كان الذي يُحرِّكها الهوى. ثمّ زاد الأمر أنّه صار يَلمز الألباني نفسه بعد أن ذبَّ عنه؛ فالكتاب الذي كتَبه دفاعًا عن الرجل صار اليوم حُجّةً على كاتبه.
الوجه الثاني: دعوى الإجماع التي تَنقض نفسها.
كتابه «الوجوه في إثبات الإجماع على أنّ بدعة الأشاعرة مُكفِّرة» يَدَّعي إجماعًا. فيُقال له: وأين شيخ الإسلام ابن تيمية من هذا الإجماع؟ فإنّه لم يُكفِّر الأشاعرة، وهذا معلوم من كلامه، حتى إنّ الحدّاديّة الأولى طعَنت فيه لهذا السبب بعينه.
فلا يَخرج من هذا إلا بأحد ثلاثة، وكلُّها خسارة عليه: إمّا أن يقول إنّ ابن تيمية خالَف الإجماع فيَلزمه فيه ما يُلزم به غيره، وإمّا أن يُقرّ بأنّه لا إجماع في المسألة فيَسقط كتابه من أساسه، وإمّا أن يَسكت فيَشهد على نفسه.
الوجه الثالث: يَطلب لنفسه ما يَمنعه عن غيره.
يُنكر العذر بالجهل والتأويل ويَعُدّه تمييعًا وإرجاءً، ثمّ هو نفسه إذا نُوقش في لازمِ كلامه فرَّ إلى أنّه لم يُصرِّح، وأنّ كلامه فُهم على غير وجهه، وأنّه يُريد كذا لا كذا. وهذا هو طلب العذر بالتأويل بعينه. فليَختر: إمّا أن يكون التأويل عُذرًا فيَعذر النووي وأبا حنيفة والأشاعرة، وإمّا ألّا يكون عُذرًا فيَقبل أن يُحاسَب على لوازم كلامه كما يُحاسِب غيره.
أثره في الأتباع
وأخطر ما جناه الخُليفي ليس كلماته المُتناثرة، بل الجيل الذي صنَعه.
صنَع جيلًا من الشباب يُتقنون الهدم ولا يَعرفون البناء، يَحفظون مقولات الجرح الميتة ويَجهلون فقه العبادات والمعاملات. جيلًا يَتصدَّر الشابّ منهم وهو في العشرين ليَحكم على إمامٍ أفنى عمره في العلم بأنّه «جهميّ جَلْد» أو «مُرجئ خبيث».
وهنا موضع الحيلة التي ينبغي أن يَنتبه لها كلّ شابّ. فالرجل له مواضع أصاب فيها: ردودٌ على الملاحدة والعلمانيّين والنسويّات وأصحاب المذاهب الفكريّة المعاصرة. لكنّ هذه المواضع صارت فخًّا يُصاد به الشباب. يُعجَب الشابّ بردوده على الزنادقة، فيُتابعه ويَثق به، ثمّ يُسقى بعد ذلك سُمّ التجريح والغلوّ وهو لا يَشعر؛ فيَخرج ناقمًا على علماء أمّته، مُحتقرًا لكلّ داعية، مُنكمشًا في زُمرةٍ صغيرة تَظنّ أنّها وحدها الفرقة الناجية.
والقاعدة أنّ الحقّ يُقبل ممّن جاء به، والباطل يُردّ على من جاء به؛ فإصابته في بابٍ لا تَمنحه سُلطةً في بابٍ آخر، ولا تُبيح له أعراض العلماء.
وقد تصدّى للردّ عليه جمعٌ من طلبة العلم والباحثين، فبيَّنوا غُلوّه وكشفوا تناقضاته. ومن أقوى ما نُقد به: ضعفه في أصول الفقه، واضطرابه في فهم قواعد المحدّثين التي يَدّعي نصرتها، وبَتره للنصوص ليُوظِّفها في خصوماته.
أَبرز ما يُؤخذ عليه
الخلاصة
عبد الله بن فهد الخُليفي باحث واسع الاطّلاع سريع البديهة، ابتُلي بغُلوٍّ فاحش في التبديع والتجريح، وجعَل من الطعن في العلماء والدعاة منهجًا ومسلكًا. وهو رأسٌ من رؤوس الحدّاديّة المعاصرة وإن أنكَر الاسم. خلَط الحقّ بالباطل، واستعمل نصوص السلف سيفًا لضرب أهل السنّة المعاصرين، وأحيا فتنًا أطفأها الإجماع.
وعليه؛ فإنّه لا يُتابَع في غُلوّه وتجريحه البتّة. ولا يَنبغي لطالب علمٍ مبتدئ أن يَتلقّى عنه، ولا أن يَقرأ كُتبه في الردّ على المخالفين من أهل السنّة؛ فإنّ في أسلوبه من الحِدّة والكِبر وسوء الأدب ما يُفسد القلوب ويُورث الغرور. وهو مُتصدِّر يَفتقر إلى تربية المشايخ وحكمة العلماء، بلَغ من الشهرة الرقميّة ما لم يَبلغه من الفقه والأناة.
وهكذا انتهى الطريق الذي بدأ بجمع النصوص إلى تفريق الصفوف. فكم من طالب علمٍ زعَم نُصرة المتقدّمين، فلم يَصنع شيئًا سوى تمزيق المتأخّرين. والعصمة دُفنت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وما ضلَّ من ضلَّ في هذا العصر إلا حين ظنّ أنّه القيّم الأوحد على ميراث النبوّة.
نسأل الله أن يَهديه إلى الحقّ ويَرُدّه إليه ردًّا جميلًا، وأن يَكُفّ عن المسلمين وأعراض العلماء شرَّ ما أخطأ فيه، وأن يَرزقنا وإيّاه الإنصاف وحفظ المقامات.
رموز أُخرى من الفِرقة
مُؤسِّس الفرقة، مَصريّ من طنطا، انتقل إلى المدينة المنوّرة، عَمل مع ربيع المدخلي ثم انفصل عنه لِغُلوّه، ودَعا…
مُحرِّك الخطاب الحدّادي الرقمي المعاصر، يَستأسد على المسلمين من ألمانيا، يُكفِّر العلماء ويُسقطهم، وقد فضحه العلماء وأصحابه أنفسهم.
لُبنانيّ الأصل، له جُهود سابقة في الردّ على الشيعة والصوفيّة، انتَكس مُؤخّرًا والتَحق بالحدّاديّة، وَوَقع في أَخطاء عَقَديّة…
سعوديّ يَعمل في الخفاء عبر تحقيق كُتب السنّة وحَشوها بحواشٍ تُمرِّر المنهج الحدّادي بطريقةٍ غير مُباشرة.
