التحدّي الكبير: سمّوا لنا رجالكم

براءةٌ لا بدّ منها

نشر أخونا الشيخ علاء خميس الأزهري مقطعًا وصف فيه ردّي بأنه أقوى ردّ علمي. ويعلم ربّي تبارك وتعالى أني والله ما ارتضيتُه ولا رضيتُ به، وأكرهُ شيءٍ عليّ المدحُ والثناء وأن يُرفع المرء فوق قدره.

وقد علّقتُ عليه أولَ ما رأيتُه، وكتبتُ فيه: إن حبَّك للشيء يُعمي ويُصمّ، وإني لا أرضى بهذا، وأرسلتُ إليه أن يحذف المقطع.

فاللهم إني أبرأ إليك من هذا المدح فإني لا أستحقّه، وأبرأ إليك سبحانك مما فهمه بعض الناس من تفضيل ردّي على ردود إخواننا ومشايخنا. ووالله إني لأعلم أن فيمن سبقني ممن ردّ على هؤلاء من هو أعلمُ منّي، وأحسبه أتقى وأزكى عند الله منّي. فما أنا إلا طويلبُ علم، أسأل الله أن أكون طالب علمٍ على سبيل نجاة. والفضلُ لمن سبق، وأسأل الله أن نلحق بركبهم بالصدق والعلم والحلم والأدب.

ماذا قلتُ، وماذا نُقل عني

كان الذي قلتُه أني ألزمتُهم بالجثوّ على الرُّكب بين يدي العلماء، والجلوس تحت أقدامهم؛ فتلك جادّةٌ مسلوكة عند السلف الصالح الذين يزعمون الانتساب إليهم، وحالُ السلف في طلب العلم معلوم.

وقلتُ: لستم أنتم أهل السنة. فأهل السنة كثر، وغايةُ الأماني أن تكونوا من أهل السنة، كما هي غايةُ أمنية كل مسلمٍ صادق. ولكنكم أخطأتم فيما تعرّضتم به. وإنما قلتُ ذلك لأنهم كلما رُدّ عليهم قالوا: هؤلاء يردّون على السلف، ويردّون على السنة، ويهاجمون السنة.

فجاء محمد بن شمس الدين فصنع ما هو من عادته، وأراد أن يزعم أني أقول إنهم ليسوا من أهل السنة. والسنةُ على بابها، يدخل منها من يشاء الله. وأنا أقول إلى هذه اللحظة: لا أحكم عليكم بالبدعة والضلال، وإنما أخشى على من سلك هذا الطريق. لكن حين تزعمون أنكم أنتم أهل السنة، فيقال: ليس هذا عُشَّكِ فادْرُجي. ائتونا بعالمٍ واحد يقول إنكم أنتم أهل السنة.

وقد أراد في مقطعه أن يستزلّ قدمي عن طريق الأدب إلى غيره، وكأنه يريد أن أجاريه في سبٍّ وشتمٍ وغمزٍ ولمز. وأعوذ بالله من ذلك، ولا أريد النزول إلى هذا الدرَك.

«ومن الذي ردّ عليّ من العلماء؟»

هذه كلمةٌ يكرّرها. ويقول: محمد صالح المنجّد حُبس قبل أن أتكلم بسنوات، فكيف يكون ردًّا عليّ؟

والجواب: أنك صنعتَ كرّاسةً تزعم فيها أنها عقيدة النووي، تأتي بالكلمة له ثم تقول: قال العلماء في هذا كذا. فكلامُ محمد صالح المنجّد ردٌّ عليك وإن كان قد قاله قبل أن تتكلم؛ لأن العبرة بالمسألة لا بتاريخ الكلام. أسأل الله أن يفرّج كربه.

وكذلك قولُ صالح الفوزان: «من بدّع النووي فهو المبتدع». فهذا ردٌّ عليك وإن لم يسمّك باسمك. ولستُ أقول لك: من أنت حتى تُسمّى على ألسنة العلماء، لكن العبرة بأن الحكم قد قيل في المسألة.

«أئمتكم جهمية»

ويقولون: أئمتكم جهمية. ووالله إن أئمتنا هم أهل السنة والجماعة، من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا العصر، وليس أحدٌ من أئمتنا جهميًّا. بل أئمتنا أصحابُ الحديث، يُترجَم لهم في كتب طبقات المحدّثين، وهم من ورثة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم إن ألزمناكم بطريقتكم أنتم، فأنتم الذين جهّمتم. أنت الذي جهّمتَ أبا ثور وهشام بن عمّار، وغيرُك جهّم ابن الزاغوني ونسبه إلى السالمية، وغيرُه جهّم فلانًا وفلانًا. وقد رددتُ في هذا على عبد الله الخليفي، والردّ في شأن ابن الزاغوني في الطريق.

وأمرٌ آخر: لمّا ذكر عبد الله الخليفي أسماء علماءَ يرتضي منهجهم في التعامل مع المخالف العَقَدي، أتيتُه بهم واحدًا واحدًا، فكان كلُّ واحدٍ منهم حجةً عليه لا له. احتجّ بالدشتي فأتيتُه بكلام الدشتي، واحتجّ بابن المبرد فإذا ابن المبرد يردّ على تبديعكم وتكفيركم وتضليلكم لأبي حنيفة وللنووي ولغيرهما، وكذلك ابن عبد الهادي صاحب «الصارم المنكي»، وكذلك ابن مفلح. ولم يبقَ إلا عبد الغني المقدسي، وسآتي به إن شاء الله. فأنتم لا ترتضون منهجهم عند الحقيقة.

التحدّي الكبير

وأنا كتبتُ هذا الكلام حتى لا أنسى منه شيئًا. فعلى سبيل التحدّي نقول لمحمد بن شمس الدين، ولعبد الرحمن دمشقية، ولعبد الله الخليفي، ما قاله ابن سيرين:

سمّوا لنا رجالكم؛ فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثُهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثُهم.

سمّوا لنا خمسة رجالٍ من كل قرن. خمسةً من علماء أهل السنة الأحياء في هذا العصر، وخمسةً من أموات هذا العصر، ثم خمسةً من القرن الذي قبله، ثم الذي قبله، ثم الذي قبله - حتى نصل إلى القرن الخامس أو السادس؛ فإنّا في الجملة محلُّ اتفاق في القرون المفضّلة. وإن سمّيتم من كل قرنٍ من لدن الصحابة إلى زماننا فعلى العين والرأس.

لا أريد إطالة السجال، ولا أن نقول: فلان وعِلّان. اختاروا أنتم خمسةً من كل قرن، حتى نعلم من هم عندكم علماء الفرقة الناجية.

فأيُّ قرنٍ تركتموه ولم تختاروا منه خمسة، عَلِم الناس أن هذا القرن ليس فيه عندكم طائفةٌ منصورة ولا فرقةٌ ناجية.

ثم إذا سمّيتموهم، أَلزمناكم بكلامهم، كما فعلتُ تمامًا مع عبد الله الخليفي: اختار الدشتي فأتيتُه بكلام الدشتي، واختار ابن عبد الهادي فأتيتُه بكلام ابن عبد الهادي، فلم يردّ من ذلك على شيء، وإنما هو التشغيب.

ولماذا هذا التحدّي؟

لأنّا إذا حاكمناكم إلى من نرى أنهم من أئمة أهل السنة، ويرى علماء أهل السنة أنهم من أعلامها - رددتم كلامَنا، بل وطعنتم فيهم. حتى لمّا احتججنا عليكم بالخطّابي، أخرج بعضكم الخطّابيَّ من أهل السنة والجماعة. فالله المستعان.

وأنتم حين طلبتم منّا ذلك فعلنا والحمد لله: أتيتُكم بإمامين، إمامِ أهل السنة في المشرق وإمامِها في المغرب، ولكلٍّ منهما كتابٌ في التراجم فيه الكلام على الموافق العَقَدي والمخالف، يُستخرج منه منهجٌ في التعامل مع المخالف.

وأخيرًا

فأسأل الله أن يجعل هذا التحدّي سبيلَ قطعٍ لهذه الفتنة، وسببًا في اجتماعنا على كلمةٍ سواء يرضاها ربُّنا.

سمّوا لنا رجالكم يا عبد الرحمن دمشقية. سمِّ لنا رجالك من كل عصرٍ يا عبد الله الخليفي. سمِّ لنا رجالك من كل عصرٍ يا محمد بن شمس الدين. سمّوا لنا أئمتكم من أهل السنة والجماعة في هذا العصر من الأحياء ومن الأموات، ثم العصر الذي قبله، والذي قبله، حتى نصل إلى زمان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وأسأل الله الهدى والهداية لنا ولكم أجمعين.

الشيخ أبو الفضل المصري

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى