الحدادي المتخفي.. عبد الرحمن ذاكر الذي أعرفه!

19 يوليو 2026

يكرر الدكتور عبد الرحمن ذاكر أنه يسعى منذ سنوات إلى معالجة الخلافات بين الدعاة في المجالس الخاصة، وأنه يفعل ذلك كما يفعل الرجال، بعيدًا عن مراهقي العالم الرقمي وأبطال الديجيتال. وهي عبارة يبدو أنه استلفها من محمد شمس الدين حين قرر الأخير الهروب من مواجهة الشيخ حسن الحسيني.

الحدادي المتخفي.. عبد الرحمن ذاكر الذي أعرفه!

كنت أسمع هذه الادعاءات وأصمت، لكن اليوم لم يعد السكوت خيارا، فمن يسمع هذا الكلام من بعيد قد يظن أن كل من تعامل معه في هذه المجالس قد وجد العدل والإنصاف وحفظ الحقوق، وأن الرجل كان ملاذًا لمن ظُلم أو اعتُدي عليه. لكنني كنت واحدًا ممن دخلوا هذه التجربة وهم يحسنون الظن، ثم خرجوا منها وهم يحملون مرارة الخذلان، بعدما اكتشفوا أن الكلام الجميل عن الإصلاح شيء، وما يقع على الأرض عندما يكون المظلوم خصمًا للحدادية شيء آخر تمامًا.

وأنا أشهد أمام الله بما رأيته وعشته بنفسي أن هذه الصورة التي يقدمها عن دوره في المجالس الخاصة ليست هي الحقيقة التي عرفتها بل العكس تمامًا.

لم يكن سهلًا علي أن أكتب هذه الشهادة، ولا أن أستعيد تفاصيل مرحلة كنت أتمنى أن تُغلق بالعدل والصلح. فقد دخلت تلك المجالس طالبًا الإنصاف لا طالبًا للخصومة، ووضعت ثقتي في رجل يقدم نفسه للناس مربيًا ومصلحًا، ثم وجدت نفسي في النهاية وحدي أمام الاعتداء، بينما من يفترض أنه الوسيط اختار الصمت والغياب.

وفي الواقعة التي كنت طرفًا فيها (وغيرها من الوقائع)، لم يكن عبد الرحمن ذاكر رجلًا محايدًا يسعى إلى منع الفتنة، بل كان جزءًا من المشكلة، ويحاول إسكات خصوم الفرقة الحدادية التكفيرية، وأنا شخصيًا كنت من هؤلاء الذين سعى إلى إسكاتهم بكل الطرق وبأساليب مختلفة وسأذكر واقعة من هذه الوقائع.

ولا أقول هذا طلبًا لتعاطف أحد، ولكن لأن من أقسى صور الظلم أن يُعتدى عليك، ثم يُطلب منك أنت وحدك أن تصمت باسم المصلحة والفتنة والتقوى، بينما يُترك المعتدي حرًا يفعل ما يشاء، ثم يظهر الوسيط أمام الناس في صورة الحكيم الذي حاول الإصلاح بين طرفين متساويين!

تنبيه: هذه الواقعة بالذات ليست خصومة مبنية على الظنون، ولا كلامًا عن النيات والسرائر ولا مراسلات نقلها لي فلان وعلان. أنا أتحدث عن واقعة عشتها بنفسي واتفاق واضح كنت أحد أطرافه، ومحكمة شرعية اتفقنا على تشكيلها، والتزام مسبق مني بقبول حكمها مهما كان، ثم محاولة خسيسة من محمد شمس الدين لإغلاق قناتي في أثناء ترتيب تلك المحكمة، وصمت كامل من الرجل الذي كان يقدم نفسه وسيطًا ومصلحًا!

كان أشد ما آذاني يومها أنني وضعت نفسي وقناتي وعملي كله تحت حكم هذه المحكمة الشرعية ظنًا مني أن الرجل يسعى فعلاً للخير هذه المرة ولكنني للأسف صدمت من صمته وخذلانه لي.

هذه الواقعة منذ عامين تقريبًا وليست جديدة، وقد تحدثت عنها ووثقتها في حينها (وهذا من فضل الله) لم يتجرأ عبد الرحمن ذاكر ولا محمد شمس الدين على نفيها إلى الآن أو الرد عليها!

المحكمة الشرعية التي كشفت الحقيقة

في تلك الفترة كنت على تواصل مع عبد الرحمن ذاكر وكانت مراسلاته في الغالب إما نصيحة بخصوص منشورات عامة نشرتها، أو بخصوص الفرقة الحدادية بعد أن بدأت في الرد عليهم.

فيما يتعلق بالأمور الأخرى في الغالب استجبت لها، مثل فيديو نشرته لشخص وهو نصحني بإضافة قيد إلى المنشور وقد فعلت ذلك وأفعله مع كل شخص يناصحني سرًا وهذا يعرفه كل الأصدقاء.

تدخل عبد الرحمن ذاكر ذات مرة بدعوى الصلح بيني وبين محمد شمس الدين وكان بتدخله ذلك يحاول إنقاذ محمد شمس الدين بعد أن فجر في خصومته معنا ولم تكن هذه هي المرة الأولى فقد سبقتها محاولات فاشلة لذلك قررت أن تكون هذه المرة حاسمة وليست مجرد مناقشات تنتهي بتعهدات شخصية.

لما راسلني وافقت على الصلح دون تردد. ولم أطلب من عبد الرحمن ذاكر هذه المرة أن يحكم لي أو ينصفني من فجور محمد شمس الدين، ولم أطلب مكسبًا شخصيًا، ولم أشترط إدانة لخصمي، ولم أطالب بتنازلات من الطرف الآخر.

كنت أستطيع أن أرفض بعد التجارب السابقة والجلسات الأخرى الفاشلة، وأن أقول إنني لم أعد أثق في الوعود، لكنني غلبت حسن الظن، وقبلت أن أفتح بابًا جديدًا للصلح. تنازلت عن أي شعور شخصي، ولم أطلب إلا ميزانًا واحدًا يخضع له الجميع، لأنني كنت أريد أن تنتهي الفتنة بحكم واضح يحفظ للناس دينهم وأعراضهم وأن نغلق باب الفتنة.

لذلك كان طلبي واضحًا وعادلًا: أن نقيم محكمة شرعية أو هيئة تحكيم شرعية تتكون من فضلاء يرتضيهم جميع الأطراف. يرضى بهم عبد الرحمن ذاكر (أو يكون من ضمنهم)، ويرضى بهم محمد شمس الدين، وأرضى بهم أنا.

وقلت بوضوح إنني سألتزم بالحكم أيًّا كان. لو قضت المحكمة بأنني مخطئ فسأقبل. ولو قضت بأن أحذف مقاطعي أو أعتذر أو أعتزل يوتيوب فسألتزم وأكدت على ذلك مرات. وطالبت أن يلتزم محمد شمس الدين بالحكم نفسه، حتى لو قضت المحكمة ضده بالاعتذار أو حذف المقاطع أو ترك يوتيوب.

أي إنسان يقرأ هذا يدرك أنني لم أكن متمسكًا باستمرار الخلافات ولا الانتصار لشخصي، فقد وضعت سنوات عملي وقناتي وسمعتي أمام حكم شرعي، وكنت مستعدًا أن أدفع الثمن كاملًا إن ثبت أنني مخطئ!

بدأنا بالفعل في ترتيب المحكمة وكانت البداية بأن أرشح شخصيات من طرفي فرشحت من أراه أهلًا للتحكيم، وانتظرت الشخصيات التي سيرشحها الطرف الآخر. وصدرت موافقة مبدئية من محمد شمس الدين على أصل التحاكم، لا على الشخصيات ولا على الالتزام بما ستقضيه المحكمة لكن اعتبرت موافقته على التحاكم موافقة ضمنية على النتائج ولم أكن أعلم أنه يتلاعب ويخطط للغدر.

وخلال ترتيب هذه الإجراءات انقطع التواصل لأيام وكنت أنتظر البدء في الإجراءات، وفي أثناء انتظار استكمال تشكيل المحكمة والبدء في الإجراءات فوجئت بمحمد شمس الدين يبادر إلى الإبلاغ عن قناتي والسعي إلى حذفها فجأة بدون مقدمات للانقلاب على هذه المحكمة الشرعية التي وافق عليها فقط حتى لا يقال إنه رفضها فيُفتضح أمره، لا أستطيع الجزم بأن المحكمة كانت ستحكم لصالحي وتدين هذا الحدادي التكفيري (موضوع التحاكم عن الموقف من الإمام النووي) ولكن وضعت نفسي تحت تصرف هذه المحكمة لثقتي من قوة حجتي لأن موقفي هو موقع علماء الأمة، وكنت مستعدًا لقبول أي حكم يصدر مهما كان.

لا يستطيع من لم يعش هذه اللحظة أن يتصور مقدار الخذلان فيها. كنت أنتظر رسالة البدء في التحاكم إلى الشرع، فإذا بي أواجه في الخفاء محاولة لمحو قناتي وإسكاتي تمامًا. كنت قد سلمت أمري للتحكيم، بينما كان الطرف الآخر يحاول أن يحسم النزاع بالحذف والبلاغات قبل أن يسمع أحد القضية.

مع العلم أن هذا الإجراء الذي قام به محمد شمس الدين لم يقع بعد فشل التحكيم مثلا وانتهاء الصلح، بل وقع ونحن في أثناء ترتيب الجهة الشرعية التي اتفقنا على الاحتكام إليها ونحن في مجموعة خاصة أنشأها عبد الرحمن ذاكر شخصيًا ودعاني إليها!

ولذلك اعتبرت تصرف محمد شمس الدين وصمت عبد الرحمن ذاكر نقضًا واضحًا لمسار الصلح، ومحاولة غادرة لإسكات أحد الطرفين بدل مواجهته أمام جهة يرتضيها الجميع.

هنا ظهر الموقف الحقيقي لعبد الرحمن ذاكر وسقط بالنسبة لي وإن لم أصرح بذلك.

لم أطلب منه أن ينحاز إلي، بل أن ينحاز إلى الاتفاق الذي شارك في ترتيبه.

لم أطلب منه أن يدين محمد شمس الدين قبل سماع الطرفين، بل أن يطالبه بإيقاف الاعتداء حتى تنظر المحكمة في القضية.

لكن عبد الرحمن لم يقل لمحمد شمس الدين: توقف عن البلاغات أو اسحبها حتى يكتمل التحكيم.

لم يقل له: لقد وافقت على المحكمة، فلا يجوز أن تحاول حذف قناة خصمك في أثناء الإجراءات.

لم يدافع عن مسار الصلح الذي كان يتحدث عنه.

لم يطالب بتنفيذ ما اتُّفق عليه.

لم يصدر عنه موقف واضح يحفظ الحد الأدنى من العدل بين الطرفين.

اختفى من المشهد، وترك محمد شمس الدين يحاول إغلاق قناتي، وكأن الهدف لم يكن الوصول إلى حكم شرعي، بل منع الطرف الذي ينتقد محمد شمس الدين والتيار الحدادي من الكلام. وأنا شخصيًا كنت أنتظر رسالته باستكمال الإجراءات رغم البلاغات لأن القضية أكبر من هذه البلاغات لكنه اختفى واكتفى بالصمت والمشاهدة!

كنت، رغم كل ما وقع، مستعدًا لأن أواصل المحكمة وأتحمل ما أصابني، لأنني كنت أظن أن الوصول إلى الحق أكبر من جرح نفسي أو خسارة مقاطع. لكن حتى هذا الباب تُرك معلقًا، وبقيت أنا أواجه خطر ضياع القناة وحدي، بلا كلمة إنصاف، ولا حتى رسالة تقول إن ما جرى خطأ لا يجوز السكوت عنه.

لكن الله سلّم، وفشلت محاولات إغلاق القناة واسترجعت المقاطع، وعادت المواد التي أُبلغ عنها لأنه كذاب وقدم ادعاءات كاذبة بحقوق الملكية وأقسم على ذلك (وهذه فضيحة بحد ذاتها).

وقد تحدثت عن جزء من الواقعة في بدايتها قبل استرجاع المقاطع في حلقة بتاريخ (04‏/04‏/2024) وثقت فيها تجاوزات محمد شمس الدين كما رأيتها وأعلنت عن إنشاء قناة مكافح الحدادية، ومع ذلك لم أهاجم عبد الرحمن ذاكر في الحلقة، بل وصفته بالوسيط حرصًا مني على عدم توسيع الخصومة.

ومع أنني كنت الطرف الذي تعرضت قناته للخطر، فإنني كتمت ألمي، وحفظت لعبد الرحمن صورته أمام الناس، ولم أفضحه ولم أتهمه علنًا، بل بقيت أصفه بالوسيط. كنت أرجو أن يراجع نفسه، وأن يدرك أنني لم أستغل الواقعة لتصفية حساب، وأن يقابل هذا الستر بموقف منصف، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

وهذا رابط الحلقة منذ عامين:

بعد هذه الواقعة يستطيع أبسط إنسان منصف أن يكتشف من الفاجر في الخصومة، ومن الذي أجج الفتنة وسعى في إشعالها أكثر ومن الذي سكت وكان وسيطًا للشر ولم يكن نزيهًا!

منذ تلك الواقعة سقط ما بقي في نفسي من تقدير لموقف عبد الرحمن ذاكر، لأن الرجل الذي يدعو الناس إلى التحاكم إلى شرع الله، ثم يصمت عندما ينقلب أحد الطرفين على الاتفاق ويحاول إسكات خصمه بالقوة، لا يحق له بعد ذلك أن يقدم نفسه معلمًا للناس في الرجولة والتقوى والعدل في الخصومة.

عبد الرحمن يقول دائمًا إنه يتحرك في المجالس الخاصة لمنع الفتنة ومعالجة الأمور كما يفعل الرجال، وأنا أقول إن هذا كذب صريح على الأقل في الوقائع التي عشتها معه بنفسي وهي كثيرة ولا أتحدث هنا عن غيري، ولذلك فقط ذكرت هذه الواقعة وركزت عليها لوضوحها وعدم الحاجة لشرحها ولأنني تحدثت عنها سابقًا بالفعل.

يا عبد الرحمن ذاكر: منع الفتنة لا يكون بإقناع المظلوم بالصمت، ثم ترك الطرف الآخر يواصل عدوانه.

والإصلاح لا يكون باستغفال أحد الطرفين، بينما يُسمح للطرف الآخر باستخدام البلاغات والحذف والتشهير والاستمرار في الطعن بالعلماء وتكفيرهم.

والتحاكم إلى الشرع لا يكون مجرد كلام يقال لتهدئة الخصم، ثم يُتخلى عنه عندما يظن أحد الأطراف أنه قادر على حسم النزاع بعيدًا عن المحكمة.

متى تظهر المجالس الخاصة؟

لم تكن واقعة المحكمة الشرعية موقفًا منعزلًا عن بقية مواقف عبد الرحمن ذاكر وهنا ننتقل إلى تلك العبارات التي يرددها دائمًا ضد خصومه بدون دليل أو تفاصيل وهذا عيبه يشنع على الناس ولا يذكر شيئًا ويترك الناس في حيرة وكأنه هو شخصيًا الدليل وقد تعلمنا أن قول الشخص يستدل له ولا يستدل به لكنه للأسف ينشر التهم ويسب ولا يذكر الوقائع بالتفصيل لأنه غالبًا سوف يتورط ولذلك سأذكر لكم تحليلي الشخصي للأحداث من زاويتي التي رأيته بها.

ما لاحظته على امتداد سنوات أن تدخله وحماسته للمجالس الخاصة كانا يظهران غالبًا عندما يُكشف تجاوز لمحمد شمس الدين أو عبد الله أبي جعفر الخليفي، أو حين يتصدى أحد للرد عليهما وتحذير الناس منهما.

عندها تظهر رسائل التهدئة، والكلام عن التقوى، والتحذير من الفتنة، والدعوة إلى السكوت، والتذكير بأخلاق الرجال.

أما عندما يعتدي هؤلاء على مخالفيهم، أو يطعنون في العلماء والدعاة، أو يتوسعون في التبديع والتفسيق والتصنيف والتكفير فلا نجد الحماسة نفسها، ولا الإنكار نفسه، ولا الدعوة نفسها إلى مجالس الرجال.

لماذا لا تبدأ المجالس الخاصة قبل أن يضطر المظلوم إلى الدفاع عن نفسه؟

لماذا لا يتحرك عبد الرحمن لإيقاف الاعتداء عند بدايته؟

لماذا لا يسمع الناس مواعظ التقوى والقبور ولقاء الله عندما يكون المعتدي من الدائرة التي يدافع عنها؟

ولماذا لا تظهر الحكمة المزعومة إلا بعد أن يبدأ الناس في كشف أخطاء محمد شمس الدين أو أبي جعفر الخليفي؟

النتيجة العملية لهذه التدخلات لم تكن تحقيق العدل بين المتخاصمين، بل حماية صورة أشخاص بعينهم، واحتواء ما يخرج عنهم من تجاوزات، والضغط على من ينتقدهم حتى يصمت.

وفي كل مرة كان الثمن يدفعه الطرف الذي وقع عليه الاعتداء: يُطلب منه التراجع، وضبط عباراته، ومراعاة المصلحة، ويُسبّ ويُتَّهم بالفجور أحيانًا، بينما لا يرى من الطرف الآخر اعتذارًا ولا ردعًا ولا خوفًا مماثلًا من الله. وهكذا يصبح المظلوم محاصرًا بين أذى خصمه وضغط من يزعمون أنهم جاءوا لإصلاح ذات البين!

هذه ليست وساطة محايدة.

وهذا ليس صلحًا عادلًا.

وهذه ليست تربية على التقوى.

ما سمعته منه عن العلماء والدعاة

لم أتخذ موقفي أو أكون فكرتي عن عبد الرحمن ذاكر فقط بسبب الوقائع الخاصة وإن كانت كافية لكن بسبب التدخلات الواضحة في قناته باستمرار لصالح الفرقة الحدادية التكفيرية، فكما تلاحظون لم أهاجمه بسبب الأمور الشخصية التي وقعت بيننا رغم انحيازه للحدادية.

كانت بيننا مراسلات واتصالات، وسمعت منه في المجالس الخاصة كلامًا شديد السلبية عن عدد من العلماء والدعاة الذين لم يكونوا يهاجمونه، ولم يكونوا منشغلين به أصلًا!

وكنت أخرج من بعض هذه الأحاديث مثقلًا، لا لأنني أرفض نقد العلماء أو الدعاة، بل لأنني كنت أشعر أنني أُدفع دفعًا إلى إساءة الظن برجال لم أر منهم ما يبرر تلك الصورة القاتمة. كان يؤلمني أن أجد مجلسًا ظننته بابًا للإصلاح يتحول إلى باب يزرع الشك في صدري تجاه من يخدمون الإسلام.

حسب ظني لدى الرجل حقد شديد على الشيخ أحمد السيد بالذات، وكذلك بقية الدعاة أمثال الدكتور سامي عامري، والدكتور أحمد عبد المنعم، والمهندس عبد الله العجيري، وغيرهم من العاملين في الدعوة والفكر.

فيما يبدو لي من تحليل شخصيته: الرجل يعاني من عزلة كبيرة منذ أن صار مع الحدادية، حيث تركه جميع الدعاة والمشاهير تقريبا ونبذوه، ومن خلال كلامنا كان يشككني دائما بهم ويقول لي لو قلت ما عندي عن هؤلاء لحصل كذا وكذا…. لا أريد ذكر كلماته بالضبط لأنها بحد ذاتها فتنة للناس لكن شريكه آدم صقور صرح بها وقد أدبته في فيديو قصير وكشفت أنه يسير على منهج وسيم يوسف والكيالي والفايد وغيرهما فسكت بعدها واختفى!

لم يكن كلام عبد الرحمن ذاكر في المجالس الخاصة مثلا عن مسائل علمية أو انتقادات محددة لمسألة أو موقف حتى أقتنع برأيه، فالنقد العلمي حق، ولا أحد فوق النقد. بل كان يتجاوز في كثير من الأحيان إلى بناء صورة قاتمة عن الأشخاص، والتشكيك في مناهجهم وأهليتهم ودوافعهم بدون أدلة واضحة، وجعل المستمع يخرج بانطباع أن عامة من فتح الله عليهم في التأثير في الشباب محل تهمة وهذا والله كان يؤذيني كثيرًا!

وأقولها بصدق: كان هذا الأذى داخليًا وثقيلًا، لأنني لم أدخل تلك المحادثات لأتعلم الطعن في الناس، ولا لأخرج فاقد الثقة في كل داعية وعالم. كنت أبحث عن كلمة تجمع ولا تفرق، وتنصف ولا تشوه، فإذا بي أقاوم في نفسي أثر كلام يجعل العاملين للدين جميعًا محل ريبة إلا دائرة واحدة بعينها.

رأيت عنده نزعة متكررة إلى تفتيش أخطاء دعاة كثيرين، وإعادة تفسير أعمالهم ومشروعاتهم بأقسى الاحتمالات، مع تلميحات لا تنتهي إلى خلل في النفوس أو المقاصد أو المناهج إضافة إلى التفكير المؤامراتي كلما اجتمعوا على الخير.

والخطير في هذا المسار أنه لا يسقط أفرادًا فقط، بل يهدم ثقتك في عامة العلماء والدعاة. لو استمع أي إنسان إلى هذا الخطاب مدة طويلة، سيخرج حتمًا وهو يشك في الجميع. هذا طالب شهرة، وذاك غير ناضج، والثالث مميع، والرابع متآمر، والخامس فاقد للأهلية!

وفي النهاية لا يبقى أحد على الساحة إلا هو والخليفي والفرقة الحدادية التكفيرية.

بمتابعة بسيطة لخطاب عبد الرحمن ذاكر (لكن بتركيز وعمق وفهم للقصة) تستطيع أن تصل إلى نتيجة واحدة وهي: إسقاط الشخصيات المنافسة له، وتكوين جمهور لا يثق إلا في أشخاص محددين منهم هو والخليفي والشلة الحدادية!

حتى إني لاحظت أنه عندما ينشر مادة لشيخ أو عالم أو داعية، يعمد إلى كتابة ديباجة طويلة يشرح فيها أنه ليس بالضرورة يوافقه على كل ما يقول، وأنه لا يتفق معه ووووو وهذا الأسلوب الخفي يزرع الشك في نفوس الناس ويزهدهم في المادة التي يفترض أن ينتفعوا منها، بل ربما هو يتقصد ذلك لقطع عزلته وإظهار أن هناك شخصيات أخرى يحيل إليها أو على علاقة بها، وفي نفس الوقت يشكك فيها ويطعن فيها بطريقة خبيثة! عافانا الله من هذا السلوك!

وهذا هو سلوك الحدادية عمومًا في التعامل مع العلماء والدعاة فقد سأل أحدهم محمد شمس الدين عن كتاب الدكتور سامي عامري فقال له كتاب جيد لكن أنقم عليه كذا وكذا (الذي يفعله هو بالمناسبة) فأي انتفاع بعد ذلك بكتابه؟!

ومن الأمور التي لاحظتها أن عبد الرحمن ذاكر يتعامل مع شخصيات كثيرة بصرامة وحزم بدعوى عدم التمييع والحفاظ على المنهج، والعجيب أن هذه الصرامة لا تظهر بالقدر نفسه تجاه رموز التيار الحدادي.

لا نرى التفتيش نفسه في توسعهم في التكفير والتبديع والتفسيق، ولا في قسوة خطابهم، ولا في طعنهم في العلماء والدعاة، ولا في إسقاطهم للمرجعيات، ولا في سوء أدبهم مع المخالفين!

عبد الرحمن يفتش عن أخطاء خصوم الحدادية بالمجهر، ثم يلتمس الأعذار لكوارث واضحة عند رموزها.

يشنع على هفوة عند أحد مخالفيهم، ثم يتعامل مع تجاوزاتهم الكبيرة وكأنها اختلافات عادية أو اجتهادات سائغة.

ويقدم بعض رموزهم للناشئة وطلاب العلم بوصفهم أهل تحقيق وفكر، ويحسن تصوير أخلاقهم في الاختلاف، بينما يوجه سهامه إلى من يتصدى لغلوهم ويحذر الشباب منهم ويتهمهم بالفجور!

هذا الفيديو يشرح لكم حقيقة عبد الرحمن ذاكر وتلميعه للخليفي على حساب خصومه، وهو تكفيري جلد، وفاجر في الخصومة يلعن من يترحمون على العلماء (أبو حنيفة وغيره) ويسبهم ويحكم عليهم بجهنم لدفاعهم عن الإمام ابن حجر المتفق على إمامته!

هل هذه مسافة واحدة من الجميع؟ هذا ميزان مختل.

ولذلك لما نشرت هذا الفيديو كتبت عليه التعليق الآتي:

لماذا يلمع عبد الرحمن ذاكر عبد الله الخليفي، صاحب الخطاب الحدادي التكفيري؟

يخرج عبد الرحمن ذاكر ليقدم الخليفي نموذجًا في فقه الاختلاف، ويقول إنه يخالفه في سيد قطب، ومع ذلك يتصل به متأثرًا بمحاضرته ويشكره عليها، ثم يسأل متفاخرًا: هل خصومه عندهم فقه اختلاف كما عند أبي جعفر؟

لكن ما الذي يدعو الخليفي أصلًا إلى مهاجمة عبد الرحمن ذاكر؟

عبد الرحمن ذاكر محسوب على دائرته وعصابته، يمدحه، ويفخم شأنه، ويقدمه لطلابه، ويسهم في تلميعه والدفاع عنه؛ فهل يُنتظر من الخليفي أن يسبّ من يخدم صورته ويعزز مكانته في منبره أمام مئات الآلاف من المتابعين؟

هذا ليس فقه اختلاف، هذا شغل عصابات وانسجام بين رجلين يجمعهما الاتجاه نفسه، وإن اختلفا في بعض التفاصيل!

الخليفي ومحمد شمس وغيرهما لا يظهرون فجورهم مع من يمدحهم ويقدمهم للناس، وإنما يظهرونه عندما يمس أحد أصول غلوهم، أو يترحم على أبي حنيفة، أو يدافع عن النووي وابن حجر، أو يرفض منهجهم في تبديع المسلمين ولعنهم والدعاء عليهم بالنار.

فلماذا تجاهل عبد الرحمن ذاكر لعن الخليفي للمسلمين، وشتائمه، وتفسيقه، ووصفه مخالفيه بالحمير والبهائم والمرضى النفسيين؟!

من السهل أن يكون الخليفي مهذبًا مع رجل من دائرته يخدم مشروعه ويجمل صورته، لكن الاختبار الحقيقي للأخلاق يكون مع المخالف، لا مع المصفق والمروّج.

والمفارقة أن طبيبًا نفسيًّا مثل عبد الرحمن ذاكر ينشغل بتحليل خصومه واتهامهم بالأمراض النفسية، بينما يتجاهل أمراض القلب الظاهرة في الحقد والحسد والعجب والغرور والسب. فربما هو أحوج الناس إلى العلاج والمراجعة!

الهجوم على خالد النجار

الموقف الأخير من الأستاذ خالد النجار كان نموذجًا للطريقة نفسها التي يكررها مع الدعاة ولكنه هذه المرة فضح نفسه وأظهر حداديته.

وربما كان هذا الموقف هو الذي أعاد إلي تفاصيل ما عشته أنا، لأن صورة المعتدى عليه الذي يُترك وحده ثم يُلام عندما يدافع عن نفسه كانت صورة أعرفها جيدًا. رأيت في مشهد خالد تكرارًا لنفس الجرح: تبدأ الإساءة من طرف، ثم تتحول كل الأضواء إلى رد المظلوم، وكأن المطلوب منه أن يتلقى السب والشتم ويصمت حتى يبقى المعتدي في صورة الهادئ المتزن.

نشر الأستاذ خالد شهادة شاب كان قريبًا من ذلك التيار، وتحدث الشاب عن تجربته وعن الفكر الذي تأثر به، ولا سيما ما يتعلق بأبي جعفر الخليفي ولم يذكر عبد الرحمن ذاكر في الموضوع لا من قريب ولا من بعيد. والأحق بالهجوم على خالد النجار هو الخليفي وشلة الحدادية لكن المفاجأة أن الهجوم جاء من عبد الرحمن ذاكر!

كان من الممكن لعبد الرحمن أن يناقش الشهادة، أو يبين مواضع الخطأ فيها، أو يطالب بالتثبت من بعض تفاصيلها. لكنه اتجه إلى الهجوم على خالد نفسه، وسبه والتشهير به، وكأن المشكلة ليست فيما ورد في الشهادة من وقائع وأفكار، بل في الشخص الذي سمح بنشرها.

توثيق منشوره والتفاصيل في هذا الفيديو للأستاذ خالد النجار.

وعندما دافع خالد عن نفسه، قلب عبد الرحمن المشهد، وتحدث وكأنه هو المستهدف، وكأن دفاع الرجل عن نفسه هو مادة الفتنة!

هكذا يقلب الأمور، بل وتمادى فأقحم خال الأستاذ خالد في الموضوع بشكل فج، ونسج قصة مكذوبة حول أصل وسبب المشكلة ووضع فيها صورة قناتي وصورة الشيخ حسن الحسيني والأخ عابر السبيل بطريقة طفولية تدخل فقط على من لا يعرفون حقيقة الأمور!

نرجع للأستاذ خالد النجار ونسأل عبد الرحمن ذاكر: أي رجولة في أن تبدأ بإهانة إنسان والتشهير به، فإذا رد عليك اتهمته بأنه صاحب فتنة؟

وأي تقوى في أن تعظ الناس بما ينبغي أن يلقوا الله به، ثم ترفض الاعتذار عن إساءة خرجت منك علنًا؟

وأي عدل في أن تُعرض إساءتك بوصفها نصيحة أو غيرة على الدين، ثم يُعرض دفاع خصمك عن نفسه بوصفه مرضًا أو حقدًا أو رغبة في الشهرة؟

الرجولة ليست كلمة تقال في المنشورات لخداع عامة الناس والحفاظ على جمهورك المخدوع فيك.

والتقوى ليست لغة وعظية تُستخدم عند الحاجة فقط لتصفية الحسابات وتشويه الخصوم.

من أخطأ في حق إنسان فليعتذر له بوضوح. ومن اتهمه أو سبه علنًا فليصحح علنًا. أما الهروب إلى الهجوم العكسي، وتحليل نفسية الخصم، والتشكيك في نياته، فلا يغير حقيقة الخطأ الأول.

ومن حق المظلوم كذلك ألا يُجبر كل مرة على تقديم ملف كامل يثبت أنه إنسان مظلوم يتألم، وأن كرامته ليست مباحة، وأن دفاعه عن نفسه ليس مرضًا نفسيًا ولا طلبًا للشهرة. الاعتذار الصريح كان يمكن أن يوقف كثيرًا من المشكلات، لكن الإصرار على قلب الأدوار يضاعف الظلم ويشعل الفتنة أكثر.

هل عبد الرحمن ذاكر حدادي؟

لا يعنيني كثيرًا الاسم الذي يختاره عبد الرحمن لنفسه، ولا أزعم أنني أعلم ما في قلبه. القضية ليست بطاقة انتماء إلى الفرقة الفلانية، بل مواقف عملية وسلوك متكرر يثبت أن الرجل على الأقل منحاز بشكل فج للحدادية ويدافع عنهم باستماتة ويقدمهم بأفضل صورة ويهاجم خصومهم ويشوه سمعتهم، ولذلك نظرتي الشخصية له بعد هذه المواقف أنه حدادي متخفي، وهذا يعني أنه لا يقوى على المواجهة المباشرة، وتحمل فاتورة اعتناق هذا الفكر التكفيري في العلن أمام الناس، وكل أحاديثه عن المجالس الخاصة إنما لإبعاد الشبهة عن نفسه وإظهار نفسه وكأنه شخصية محايدة تسعى لإنهاء الفتنة بينما هو أحد أطرافها!

ولذلك من حق الناس أن يسألوا: ما موقف عبد الرحمن ذاكر الحقيقي من التيار الحدادي المعاصر؟

هل يخالفه في أصوله وأساليبه، أم يتفق معه ويخشى التصريح؟

هل يرى التوسع في تكفير الناس وتبديعهم وتفسيقهم والطعن في العلماء والدعاة مسارًا خاطئًا، أم يراه تحقيقًا وانتصارًا للسنة؟

هل يرفض الأحكام التي يطلقها محمد شمس الدين وأبو جعفر الخليفي وعبد الرحمن دمشقية على مخالفيهم، أم يوافق عليها؟

المشكلة أن عبد الرحمن لا يقدم جوابًا واضحًا، وإنما تظهر مواقفه من خلال الانحياز العملي لهذه الفرقة ولذلك أتمنى أن يتحلى بالشجاعة والرجولة التي لم تظهر منه إلى الآن ويخرج ويفصل في الأمر لأن الفتنة الحقيقية أن تصمت عن فجور وتكفير هؤلاء للمسلمين وتهاجم خصومهم الذين يدفعون تهم التكفير والتبديع عن علماء الأمة.

ما يفعله كالآتي: يهاجم من يكشف غلو رموز هذا التيار، ويهوّن من أخطائهم، يقدم بعضهم لطلابه ومتابعيه بصورة إيجابية، ويشوه عددًا من خصومهم، ويتدخل في الخاص لتحييد من يرد عليهم، ثم يصمت عندما ينقضون الاتفاقات أو يتجاوزون في حق الناس وخصوصًا العلماء.

لهذا أرى أن عبد الرحمن ذاكر ضمن رموز الحدادية حتى وإن لم يصرح بذلك، ولو لم يقدم للناس درسًا عقديًا يعلن فيه انتسابه إليهم.

الأفكار لا تُمرر دائمًا من خلال درس مباشر يقول فيه المعلم لتلاميذه: تبنوا هذا التيار.

قد تُمرر الأفكار عن طريق تشكيل خريطة الثقة والعداوة في عقل الطالب.

يشوه له العلماء والدعاة الذين يردون على الحدادية، بينما يقرب له رموز الحدادية ويقدمهم في صورة أهل التحقيق، ويهوّن له من غلوهم، ويصرف غضبه كله إلى الطرف المقابل، وبعد مدة يتشرب الطالب الانحياز كاملًا من غير أن يقال له صراحة إنه أصبح حداديًا.

لهذا من حق أولياء الأمور وطلاب الدكتور أن يطلبوا منه موقفًا واضحًا، لا كلامًا عامًا عن الحياد، ولا عبارات تحتمل كل تفسير.

ازدواجية المعايير

من الأمور التي تحتاج إلى جواب أيضًا اختلاف معايير عبد الرحمن ذاكر باختلاف الأشخاص.

ينتقد بعض الدعاة لأنهم يتعاونون فيما بينهم أحيانًا مع وجود خلافات، أو يجتمعون على مشروعات تخدم المسلمين، ويصور بعض صور هذا التعاون كأنها تمييع أو تنازل عن المبادئ أو تحالف مريب أو مؤامرة عليه!

نعم هكذا ينظر إلى الدعاة عند اجتماعهم والتقاط الصور الجماعية مثلا!

لكنه عندما يتعامل بنفسه مع مؤسسة أو جهة فيها من يخالفه في القرآن وفي النبوة، يصبح الأمر مصلحة وحكمة وتقديرًا للواقع.

وقد ألقى محاضرة منذ أشهر قليلة في قطر تحت رعاية وزارة الثقافة القطرية المعروفة باستضافة شخصيات مشبوهة.

الحدادي المتخفي.. عبد الرحمن ذاكر الذي أعرفه!

والجهة نفسها (وزارة الثقافة) سبق أن استضافت على سبيل المثال لا الحصر، المدعو فوزي البدوي الطاعن في القرآن والمشكك في رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبوته، واستضافت شخصيات أخرى كثيرة ليست على المنهج الإسلامي الصحيح، فلماذا يستحل لنفسه ما ينقمه على غيره؟!

الحدادي المتخفي.. عبد الرحمن ذاكر الذي أعرفه!

ما يراه لنفسه تعاونًا جائزًا تقتضيه المصلحة، لا يجوز أن يجعله تمييعًا وتنازلًا عندما يفعله داعية آخر.

إما أن يكون التعامل مع المؤسسات والشخصيات المختلفة جائزًا بضوابطه للجميع، وإما أن يكون موضع اتهام للجميع.

أما أن تكون المصلحة حكمة حين يتعلق الأمر به، ثم تصبح تآمرًا وتنازلًا حين يتعلق الأمر بغيره، فهذه ازدواجية لا تستقيم.

الميزان الشرعي في الخصومات

يتحدث عبد الرحمن كثيرًا عن التقوى ولقاء الله، وهذه معان عظيمة لا خلاف عليها. لكن التقوى لا تُعرف بكثرة الحديث عنها، بل تظهر عند تعارض الحق مع مصلحة النفس والصديق.

قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين.

وقال سبحانه: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى.

العدل لا يعني أن تنصر من تحب لأنه قريب منك ومن فكرك ونفسيتك، ولا أن تصمت عن ظلمه ثم تعظ المظلوم حين يدافع عن نفسه!

ومن معاني نصرة الأخ الظالم أن تمنعه من ظلمه، لا أن تحمي صورته وتبحث له عن الأعذار وتطلب ممن ظلمه أن يصمت.

والوفاء بالعهود ليس أمرًا اختياريًا. إذا اتفق أطراف النزاع على محكمة شرعية، فالواجب أن تُصان إجراءاتها، وأن يُمنع كل طرف من اتخاذ وسائل تهدم التحكيم قبل اكتماله.

المحكمة الشرعية ليست ديكورًا، والصلح ليس وسيلة لتجميد طرف حتى يتمكن الطرف الآخر من إسكاته ثم تصمت ولا تنطق بكلمة حق وتفضح الظالم وتنصف المظلوم.

والمجالس الخاصة ليست فضيلة في ذاتها. تكون المجالس فضيلة حين يقام فيها العدل، ويُردع المعتدي، وتُحفظ الحقوق. أما إذا تحولت إلى وسيلة لاحتواء الفضائح الحدادية التكفيرية والضغط على المظلوم وحماية الصديق (الخليفي)، فإن سريتها لا تجعلها شرعية ولا رجولية بل يمكن وصفها بوصف آخر لا أحب ذكره حتى لا أجرح مشاعره.

لماذا سكت كل هذه المدة؟

لم أكن أرغب في الحديث عن عبد الرحمن ذاكر، ولا في كشف ما أعرفه عن طريقته في الكلام عن الدعاة والعلماء رغم خطورة الأمر.

ولم يكن صمتي عجزًا عن الكلام، ولا نقصًا في الوقائع التي أدين بها عبد الرحمن ذاكر، بل كان صمت إنسان يكره أن يهدم صورة أحد أمام الناس، ويخشى أن يؤدي كشف ما يعرفه إلى فتنة أوسع. تحملت أن تُروى الصورة ناقصة عبر قناة عبد الرحمن ذاكر، وأن يظهر في ثوب المصلح، بينما بقي ما وقع عليّ حبيس الصدر، لعل الأيام تصلح ما أفسدته الخصومة.

وأحسنت الظن به مدة طويلة، واحترمته، وتواصلت معه، والتَمست له الأعذار أثناء الفتنة الحدادية وظل الاتصال بيننا لعامين تقريبًا بعد الفتنة. وكنت أرى أن بعض المسلمين ينتفعون ببعض ما يقدمه فلا يخلو إنسان من خير، فخشيت أن يكون كلامي سببًا في تشويش يضر بمن لا يعرف تفاصيل الخلاف.

وهذا هو الجانب الذي لا يعرفه من يظن أنني أكتب اليوم بدافع التشفي أو الانتقام. لقد كنت أستر من آلمني، وأحفظ له ما بقي من مكانة، وأبحث له عن الأعذار، في الوقت الذي كنت أعيش فيه آثار موقف لم أجد فيه نصرة ولا إنصافًا. لم يكن سهلًا أن ترى من ظلمك أو خذلك يواصل الحديث أمام الناس عن العدل والرجولة، ثم تختار أنت الصمت حرصًا على المصلحة العامة.

هذا كله رغم تجاوزه في حقي علنًا في منشورات كثيرة ووضع شعار قناتي مع شخصيات كثيرة، وتجاوزت ذلك كله لفترة طويلة.

منشور سابق من قناته نشره ووضع شعار قناتي ضمن شخصيات متفرقة!

الحدادي المتخفي.. عبد الرحمن ذاكر الذي أعرفه!

ربما كان من حقي مهاجمته عندما نشر هذا الكلام لكن سكت حرصًا على المصلحة العامة وقد أكون أخطأت التقدير في الصمت كل هذه المدة فهذا حقي أولا وحق المسلمين لمعرفة حقيقة هذا الشخص.

لكن كان سكوتي سترًا عليه لعله يتوقف عن هذا الأسلوب الخبيث خصوصًا بعد أن أصبح معزولاً بالكلية عن العلماء والدعاة ولذلك قلت من المؤكد أنه سيراجع نفسه ويلتفت إلى عمله ويصلح ما بينه وبين الله أولاً، وما بينه وبين الناس ثانيًا.

لكن بعد مراسلات طويلة ظهر لي منها الكبر والعجرفة خصوصًا الرسالة الأخيرة بيننا وكانت مليئة بالسب والتطاول وكتب في نهايتها ما معناه (لا أنتظر ردك ولا يهمني ردك) لا أذكر بالضبط الكلمات لأنه حذف الرسائل، فحظرته مباشرة ولم أعلق، والعجيب هو في منشوراته يتهم خصومه بحذف المراسلات والخوف من نشر مضمونها، وأنا عندما قررت منذ أيام مراجعة المحادثات وجدته حذفها لأننا كنا نتواصل على تليجرام ويمكن من خلاله حذف الرسائل من عندي وعنده بضغطة زر!

لذلك كل ما فعلته خلال الفترة الماضية بعد انكشاف أمره بالنسبة لي توقفت حتى عن متابعته كما في السابق وتجاهلته تمامًا ولم أتحدث عنه، ولكن مع الأيام ظهر لي أنه يمارس نفس اللعبة مع غيري واستمر في نفس الأسلوب وكرره أكثر من مرة ومع شخصيات مختلفة (يظهر ويتدخل عندما تُمس صورة الحدادية، ويحاول تثبيط من ينتقدهم، ثم يغيب عندما تثبت تجاوزاتهم).

ومع استمرار هذه الطريقة، لم يعد السكوت سترًا محمودًا، بل صار بابًا للتمادي خصوصًا أنه يذكر وقائع كاذبة عكس الحقيقة.

وهنا وجدت نفسي أمام خيارين كلاهما مؤلم: إما أن أواصل الصمت، فتثبت في أذهان الناس صورة غير حقيقية ويستمر الأسلوب نفسه مع آخرين، وإما أن أتكلم فأُتهم بأنني صاحب فتنة، وأنني أنتقم لشخصي. وبعد طول صبر رأيت أن تحمل تهمة الكلام أهون من أن أكون بصمتي عونًا على استمرار الظلم على الأقل بحق الآخرين وليس بحقي فقط.

أنا لا أنكر أن للرجل مواد قد ينتفع بها بعض الناس، ولا أزعم أن كل ما يقوله باطل، ولا أطلب من الناس أن يلغوا عقولهم أو يحكموا عليه لمجرد كلامي. لكن وجود بعض النفع لا يمنح أحدًا حصانة من المحاسبة، ولا يبيح له ظلم خصومه أو تشويه العلماء والدعاة أو التلاعب بصورة النزاعات بطريقة يظهر فيها كأنه البطل وخصومه جبناء أو خبثاء، وأنا أشهد بحسب ما رأيته أنه كاذب فيما يقوله على الأقل بشأن المجالس الخاصة وما شهدت إلا بما علمت.

ولو كنت أبحث عن الانتقام لأنكرت كل خير عنده، لكنني لم أفعل. أنا أطلب فقط ألا تُقدم شهادتي على أنها حقد لمجرد أنها تكشف جانبًا لا يريد هو ظهوره. من حقي، بعد كل هذا الصمت، أن أقول للناس ما وقع كما عشته، ومن حقهم أن يسمعوا الطرف الذي ظل طوال هذه المدة خارج الصورة.

لذلك من يتصدر للحديث عن النفس والتربية والاتزان أولى الناس بأن يكون عادلًا عند الخصومة، واضحًا في مواقفه، وفيًا بعهوده، بعيدًا عن استخدام التحليل النفسي لتشويه من يخالفه وإلا فسوف يسقط ويُفضح مهما طالت الأيام.

أسئلة لا بد من الإجابة عنها

لا نريد من عبد الرحمن ذاكر منشورًا جديدًا عن المقابر وعن القصة القديمة والسعي للصلح ومنع الفتنة والرجولة ومراهقي العالم الرقمي. هذه الكلمات السخيفة المتكررة لتفخيم النفس لا تجيب عن الأسئلة المحددة الواضحة.

نريد منه أن يجيب: ماذا فعل عندما أبلغ محمد شمس الدين عن قناتي في أثناء ترتيب المحكمة الشرعية؟

هل أنكر عليه؟ هل طالبه بسحب البلاغات؟ هل قال له إن هذا التصرف يناقض موافقته على التحاكم؟

هل حاول استكمال المحكمة بعد ذلك بغض النظر عن تصرفات محمد شمس الدين؟

هل خرج وفضحه وشهر به كما يفعل مع خصومه الذين يراسلهم؟ (بحسب ما فعله معي أعرف لماذا يتجاهله الناس ويرفضون وساطته الكاذبة)!

وإن لم يفعل شيئًا، فلماذا صمت عن تجاوزات الحدادية وهي معلومة للجميع وعلى رأسها تكفير وتفسيق وتبديع علماء كبار كان يزعم عند حديثنا عنهم أنه يبكي كلما قرأ سيرتهم؟

ونريد منه أن يبين موقفه بوضوح من محمد شمس الدين وعبد الله أبي جعفر الخليفي وعبد الرحمن دمشقية ومنهجهم التكفيري.

ما موقفه من توسعهم في التكفير والتبديع والتفسيق والتجريح لعلماء الأمة ودعاتها؟

ما موقفه من طعنهم في العلماء والدعاة وهدمهم لثقة الشباب في المرجعيات؟

ما موقفه من الأحكام التي يطلقونها على مخالفيهم؟

إن كان يخالفهم، فأين نقده العلني الواضح والمفصل لهم؟

ولماذا يظهر غضبه على من يكشف أخطاءهم، ولا يظهر الغضب نفسه على أخطائهم؟

ولماذا يسهل عليه التشنيع على أحمد السيد وسامي عامري وأحمد عبد المنعم وعبد الله العجيري وغيرهم، بينما يختفي هذا الميزان الحاد حين يتعلق الأمر برموز الحدادية وعلى رأسهم الخليفي؟

ونريد منه أن يجيب عن موقفه من خالد النجار: هل أخطأ في سبه والتشهير به؟ وإن كان قد أخطأ، فهل يعتذر بوضوح، أم سيواصل تصوير نفسه على أنه الضحية؟

لا يكفي أن يقول إنه لا ينتمي إلى أحد.

ولا يكفي أن يقول إنه على مسافة واحدة من الجميع.

الحياد لا يكون بمهاجمة طرف واحد.

والحياد لا يكون بتشويه خصوم الحدادية ثم الصمت عن غلو رموزها.

والحياد لا يكون بمحاولة تحييد من ينتقدونهم، ثم الاختفاء عندما ينقضون عهودهم.

والذي لا يظهر نقده إلا في اتجاه واحد ليس محايدًا، مهما كرر كلمة الحياد.

كلمة أخيرة

أعلم أن عبد الرحمن قد يحاول الهروب من هذه الوقائع إلى تحليل شخصيتي، أو التشكيك في نيتي، أو تصوير المقال على أنه انتقام شخصي.

وهذا في ذاته جزء من المشكلة التي أتحدث عنها: أن يُترك أصل الاعتداء، ثم يتحول المظلوم إلى موضوع للفحص والتشخيص، ويُسأل لماذا تكلم، وكيف تكلم، وما الذي في نفسه، بدل أن يُسأل من ظلمه لماذا فعل كذا وكذا وصمت وتخلى عن الاتفاق.

القضية أبسط من كل هذا.

كانت هناك محكمة شرعية اتفقنا عليها.

وكان هناك التزام بقبول حكمها.

ثم حاول محمد شمس الدين حذف قناتي في أثناء الترتيب للمحكمة.

وصمت عبد الرحمن ذاكر واختفى تمامًا ولم يعلق سواء في السر أو في العلن.

هذه واقعة محددة، ولا تحتاج إلى تحليل نفسي.

كما أن الهجوم على خالد النجار واقعة علنية، والانحياز المتكرر إلى رموز الحدادية ظاهر في المنشورات والمواقف، والكلام الذي سمعته منه عن العلماء والدعاة شهادة أتحمل مسؤوليتها أمام الله.

سكتُ حين ظننت أن السكوت مصلحة. أما الآن فأرى أن استمرار السكوت يعني السماح بتقديم صورة غير حقيقية للناس.

لقد دفعت ثمن هذا السكوت من سمعتي، وتحملت أن يظن بعض الناس أن الطرف الآخر هو الحكيم المصلح وأنني أحد صناع الفتنة، مع أنني كنت من طلب المحكمة الشرعية وقبل حكمها ثم تُركت في مواجهة بلاغات محمد شمس الدين الكاذبة. ولذلك فإن كلامي اليوم ليس بداية القصة، بل نهاية صبر طويل لم يعد يحتمل مزيدًا من قلب الحقائق.

عبد الرحمن ذاكر الذي أعرفه ليس ذلك الوسيط المحايد الذي يتحرك دائمًا لمنع الفتنة. في تجربتي معه، كان يتدخل عندما يُفضح من يميل إليهم، ويحاول احتواء الردود عليهم، ثم يغيب عندما يكونون هم المعتدين.

يتحدث عن العدل، لكن ميزانه يختلف باختلاف الأشخاص.

يتحدث عن الرجولة، لكنه لم يدافع عن اتفاق شارك فيه بنفسه ولم يقف وقفة رجال بل رأيته تغيرت نظرتي تمامًا بعد هذا الموقف.

يتحدث عن التقوى، لكنه لم ينصف من اعتدى عليهم أو يعتذر لمن أساء إليه.

ويتحدث عن المجالس الخاصة، مع أن ما رأيته داخل هذه المجالس لم يكن دائمًا إصلاحًا، بل كان في بعض الأحيان عملًا لحماية طرف وإسكات طرف آخر والتشكيك في المسلمين.

ولهذا لم يعد السكوت خيارًا.

لم يعد خيارًا لأن الصمت الذي قصدت به الستر أصبح وسيلة من الطرف الآخر لنشر الأكاذيب والافتراءات، ولأن من ذاق الظلم ثم رأى صورته تتكرر مع غيره لا يجوز له أن يكتفي بالصمت والسكوت.

ومن حق الناس أن يعرفوا الوقائع، ومن حق عبد الرحمن أن يجيب عنها بوضوح. فإن أجاب بأدلة ناقشنا أدلته بالعدل، وإن عاد إلى التلميح والتشخيص النفسي وقلب الأدوار، فلن يغير ذلك شيئًا من أصل القضية.

هذه (بعض) الوقائع التي أعرفها، وليست كل ما أعرفه. وما سأذكره بعد اليوم سيكون بقدر الحاجة، حتى يعرف الناس عبد الرحمن ذاكر الذي عرفته في المواقف والمراسلات، لا الصورة المصنوعة التي يقدمها لنفسه في المنشورات العامة.

وما كنت أتمنى أن أصل إلى هذه اللحظة، ولا أن أضطر إلى فتح جراح آثرت إغلاقها عامين كاملين. لكنني تعلمت أن المظلوم حين يصمت طويلًا قد يستفيد الظالم من صمته ليصنع لنفسه رواية ومظلومية خاصة، ثم يصبح مجرد قول الحقيقة جريمة جديدة في حقه. لذلك أكتب اليوم لا لأطلب شفقة، بل لأسترد حقي في أن تُسمع شهادتي، وألا يبقى الألم الذي تحملته دليلًا يُستخدم ضدي وضد الآخرين.

مصطفى الشرقاوي
الأحد، 4 صفر 1448هـ
الموافق 19 يوليو 2026 م

كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى