محمد شمس الدين
الواجهة الإعلاميّة الحاليّة للفرقةمُحرِّك الخطاب الحدّادي الرقمي المعاصر، يَستأسد على المسلمين من ألمانيا، يُكفِّر العلماء ويُسقطهم، وقد فضحه العلماء وأصحابه أنفسهم.
الكاتبُ المتصدر لهدم أئمة الأمة باسم السنة، ومجددُ راية الحدادية في الفضاء الرقمي، وقاضي اليوتيوب الذي نصّب نفسه على رقاب الأحياء والأموات؛ محمد بن شمس الدين، واسمه القديم محمد السليمان، المقيم في ألمانيا.
وُلد بمحافظة دير الزور في شرقي سوريا سنة 1988 م (1408 هـ)، وقيل: قرابة سنة 1989 م.
والمعلومات الشخصية المتوفرة عنه قليلة؛ فالرجل لا يُعرف له نسب علم يُتتبع، ولا مسيرة حياة حافلة تُؤرخ، وهو مع تصدره للحكم على علماء الأمة وتقمص دور المجدد في الدين؛ شديد التكتم على نفسه. على أن هذا الشح لا ينقص من هذه الترجمة شيئًا؛ فسيرة المتصدرين الرقميين تُكتب من شاشاتهم لا من بيوتهم، وهذا الرجل إنما عُرف بمقالاته ومنهجه وانقلاباته، وهي كلها موثقة بالصوت والصورة، فكانت هي مادة سيرته وعمودها. ولذلك لن نقف عند تفاصيله الشخصية إلا ما دعت إليه ضرورة الفهم أو اقتضاه السياق: كبيتٍ يفسر نشأته، أو واقعةٍ تكشف تحولاته؛ ثم ننصرف إلى ما يعني القارئ حقًا: ماذا يقول هذا الرجل؟ وبأي حق يقوله؟ وماذا صنع بعقول الشباب؟
وجوابُ هذه الأسئلة الثلاثة مطويٌّ في قصة صعوده من أولها. جمع آلاف المتابعين في بداياته باسم الدفاع عن التوحيد والسنة والرد على المخالفين، ثم ما لبث أن وجّه سهامه إلى صدور علماء المسلمين وأئمتهم: جعل الإمام النووي والحافظ ابن حجر والإمام أبا حنيفة أهدافًا للتبديع والتضليل والطعن، وجاهر بتكفير الإمام السيوطي وباهل على ذلك، واخترع مصطلحات الشتم لمن خالفه من أهل السنة، وصار يمثل الحالة الصارخة لـ«المتعالِم» الذي أُعطي منبرًا فأسقط به الرموز، وحوّل الغيرة المدعاة على العقيدة إلى سيف يسلطه على رقاب المسلمين تكفيرًا وتبديعًا وتمزيقًا للصفوف.
جمع في مسيرته بين ضحالة التكوين العلمي وبين الجرأة الجسورة على إسقاط أئمة الإسلام، متخذًا من الاقتطاع التكفيري والتشغيب اللفظي منهجًا لصناعة جماهيرية رقمية بلغت مئات الآلاف، أورثت الشباب حيرة وتمزيقًا وغلوًا في التبديع والتكفير باللوازم والظنون.
لم يُعرف بجهاد في ميدان حقيقي، ولا بمقارعة لطغاة العصر، ولا بمشروع علمي متين يبني اليقين؛ إنما عُرف بصنعتين لا ثالثة لهما: اقتياتٌ على الترند، وأكلٌ من لحوم العلماء والدعاة. فهو يرابط على كل موجة رائجة، ويعلق على سفاسف الموضوعات وتوافه الأحداث مما لا ينفع في دين ولا دنيا، ليصطاد بها الجمهورَ الغافل؛ فإذا اجتمع له الجمعُ قدّم له مائدته الدائمة: لحوم طلبة العلم والعلماء، بل أئمة الإسلام المتقدمين، مادةً يومية لمقاطعه. تاجرُ شاشةٍ يعرف ما يبيع: يفتتح بالتافه الرائج، ويختم بالتكفير والتبديع.
وهو اليوم الواجهة الإعلامية الأبرز للفرقة الحدادية، يستأسد على المسلمين من ألمانيا، وقد فضحه العلماء وفضحه أصحابه أنفسهم قبل خصومه، وستقرأ في هذه الترجمة كيف تبدّل وجهه بعد استدعاء المخابرات الألمانية له، وكيف باهل على تكفير إمام مات قبل خمسة قرون، وكيف صار حبيب الملاحدة والنصارى وعدو الدعاة؛ ثم الحكم عليه بميزان لا يظلمه.
بيت الشبيحة والتربة التي خرج منها
وُلد في دير الزور ونشأ بها في أسرة شبيحة موالية لبشار الأسد وتربى في أحضان حزب البعث، في بيئة لا يُعرف فيها للعلم الشرعي مجلس، ويذكر من تتبع شأنه وعرف بيئته أن خاله، المعروف بالصياح، كان من المتورطين في الجرائم أيام النظام، وأن الأمن العام قبض عليه بعد سقوط بشار الأسد، وأن بعض أفراد أسرته كانوا يترددون على الملحقية الإيرانية، والمرء لا يؤاخذ بذنب أهله، وإنما يُذكر البيت لبيان التربة التي خرج منها: لا حاضنة علم، ولا سمت دين، ولا سند تربية. ولم يُعرف له في صغره ولا شبابه الباكر طلبٌ للعلم على جادة أهل العلم، ولا ثُنيت ركبته عند كبار أئمة الشام أو الحجاز أو غيرهما. وكانت دراسته الأكاديمية بعيدة عن التخصص الشرعي، وقيل إن اشتغاله الأول كان في مجالات تقنية أو هندسية. ثم دفعت به أحداث الشام إلى الهروب من سوريا، فاستقر في الأردن، ثم سافر إلى ألمانيا حيث يقيم اليوم، يبث سمومه في المسلمين متجاهلًا كوارث المجتمع الذي يعيش فيه وأمراضه ومشاكله من حوله.
فتأمل المفارقة التي تسير في سيرته كلها؛ نشأ في كنف بيت يوالي الطاغية وتصله أبوابه بملحقية القوم الذين يذبحون أهل السنة وتستر على جرائم خاله ولم يبلغ عنه، فلما تصدر لم يجد من يكفّره ويبدّعه إلا أئمة أهل السنة وحفاظها، وأما الطغاة والرافضة وجرائمهم فما سُمع له فيهم زئير. فالرجل الذي يحاكم العلماء الأموات على اللوازم والظنون، خرج من بيتٍ لو طُبقت عليه قواعده هو في الإلزام والتصنيف لما نجا منها!
من غرف الشات إلى كرسي القضاء على الأمة
إذا بحثتَ في سيرته عن «شيوخه» فلن تجد شيئًا. لا جثوّ على ركب العلماء في حلق راسخة، ولا جولات في المتون الفقهية والأصولية على يد مشايخ معروفين بالإمامة، ولا إجازات معتبرة تثبت أهلية لفتوى أو قضاء أو حكم على الرجال. تكوينه «عصامي سريع»: قراءة بتراء، واستمداد من شبكات الإنترنت وغرف المحادثات الصوتية، وملفات PDF، وتركيز شديد على كتب الردود والجرح والتعديل دون أصولها.
وقد سُئل مرارًا عن شيوخه فاضطربت أجوبته: تارة يذكر أسماء غير معروفة بالرسوخ، وتارة شيوخًا أخذ عنهم عبر الإنترنت، وتارة يكتفي بقوله قرأت ودرست. والمحصلة الفاضحة: جميع شيوخه الذين ذكرهم تبرؤوا منه وذموه وحذروا منه، فأصبح عاريًا أمام الناس بلا شيخ، فحذف كل الدعاة والعلماء، أحياءً وأمواتًا، من موقعه، ولم يعد يذكر لنفسه شيخًا، بعد أن ثبت له بالدليل أنه مخالف لسبيل المؤمنين، فاستبد برأيه وركب رأسه وصار رأسًا في الضلال، وصار اسمه علامة على الغلو والتطرف والتكفير.
وظهر أثر هذا الفقر الأصولي جليًا في كتاباته ومقاطعه: لا يفهم قواعد الاستدلال، ولا يدري شروط إنزال الأحكام وموانعها، ويجهل مراتب الخلاف بين الفرض والواجب وبين البدعة المكفرة والبدعة المفسقة، ويخطئ أخطاء فادحة في قراءة القرآن، ويجهل لسان العرب ومقاصد المتكلمين. والقراءة الذاتية وإن أكسبته حفظًا للمعلومات، فقد تركته أسير فهمه القاصر، ونفخت في نفسه العُجب، ونزعت منه ملكة التمييز بين المحكم والمتشابه، وبين زلة العالم ومنهج المبتدع.
قلتُ: ومن كان شيخُه كتابَه كان خطؤه أكثر من صوابه؛ فكيف بمن كان شيخه الشاشات والخصومات؟ غياب المربي الموجه أورثه جرأة عجيبة على الفتيا، وحدة في الطبع، وافتقارًا تامًا لآداب الخلاف وسمت طلبة العلم. ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه؛ فإن غياب التأسيس الرصين مع سرعة الشهرة الرقمية يصنعان في نفس المتصدر وهمًا يجعله يظن نفسه في مرتبة الإمام أحمد أو يحيى بن معين، فيشرع في توزيع صكوك السنة والبدعة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو لم يتقن بعدُ أدوات الاجتهاد والترجيح. وهذه أولى الكبائر المنهجية في حقه: التصدر بلا آلة، والحكم في الرجال بلا سابقة علم تسوغ المقام.
الليلة التي لعن فيها نفسه وأهله وأوصى بحرق كتب السلف
ولتعرف الرجل فانظر إليه في أغرب مشاهده: خرج في مباهلة علنية يدعو الله أن ينزل لعنته وسخطه عليه وعلى أهله إن لم يكن الإمام السيوطي كافرًا، والنووي وأبو حنيفة مبتدعين.
والمباهلة شعيرة شرعها الله في قضايا الأصول الكبرى مع المعاندين الجاحدين، يجتمع فيها الخصمان فيدعوان بالهلاك على الكاذب منهما. فجاء هذا فوظفها في مسائل اجتهادية تاريخية: هل النووي مبتدع؟ هل السيوطي كافر؟ هل أبو حنيفة مرتد؟ يراهن بنفسه وزوجه وولده على «تبديع» علماء ماتوا منذ قرون. فأي ضلال أعظم من ذلك؟ وأي عبث بالشريعة وسفهٍ في الفهم فوق هذا؟ رجلٌ يلعن نفسه وأهله ليثبت أن حفّاظ الدين في النار.
ثم لم تقف الليلة عند هذا الحد، بل ختمها بوصية هي أخطر ما نطق به لسانه في مسيرته كلها. قال لأتباعه: «إن ذهبت المباهلة إليهم وكان الحق معهم، فأحرقوا كتب السلف»؛ كتب السلف والخلف في التوحيد والعقيدة. ثم قال متهكمًا: «أقرب شيخ أشعري تروح عليه وتقول له: درسني الخريدة».
قف عند هذه الوصية طويلًا؛ فإنها تفضح المشروع كله في سطرين.
الرجل جعل صحة عقيدة السلف بتمامها رهينةَ أحكامه الشخصية على ثلاثة أئمة: فإن انكشف خطؤه في تكفير السيوطي وتبديع النووي وأبي حنيفة، فلتُحرق كتب التوحيد كلها، وليذهب أتباعه إلى الخريدة. ولم يقل لهم ما يقوله كل صادق مع الله: إن هلكتُ فاعلموا أن الحق مع خصومي فارجعوا إليه؛ بل أمرهم بإحراق تراث الأمة العقدي كله، وكأن إسلام المسلمين لا يصح إلا إذا صح منهجه هو، فإن سقط هو سقط الدين معه. فهذا رجل لا يدافع عن دين الإسلام، بل يدافع عن نفسه ويتمحور حول شخصه.
والسؤال هنا: لماذا أمرهم بحرق كتب التوحيد والعقيدة، وهي في جملتها قرآن وسنة، ولم يأمرهم بحرق المصحف وكتب الحديث؟
وفي الوصية ثنائية زائفة قتلها أهل العلم بحثًا: إما أن نبدّع هؤلاء الأئمة بأعيانهم، وإما أن نصير أشاعرة! ومنهج أهل السنة أعدل وأدق من هذين الطرفين: قد يُحكم على القول بأنه بدعة، ولا يلزم من ذلك تبديع كل عالم وقع فيه؛ لاختلاف أحوال المعيّن من التأويل والاجتهاد وقيام الحجة؛ كما أن توقير العالم لا يعني تصحيح جميع أقواله. والحق لا يُعرف بحياة رجل ولا موته، ولا بنتيجة مباهلة يفسرها كل فريق كما يشاء؛ وإنما يُعرف بالكتاب والسنة وفهم السلف وما كانت عليه الأمة على مر القرون بعد وفاة الأئمة الذين يكفرهم ويبدعهم. قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء)، وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من التسرع في التكفير فقال: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» متفق عليه. فإن ثبت خطؤه فالذي يسقط هو حكمه المتعجل، لا عقيدة السلف، ولا كتب التوحيد، ولا مكانة أئمة الإسلام.
قلتُ: وهذه الوصية قولٌ لم يقله عالم قبله في تاريخ هذه الملة، وما نعلم لعبارتها نظيرًا إلا قول المشركين: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ﴾؛ قومٌ علقوا الحق على العذاب والهلاك بدل أن يقولوا: اهدنا إليه. وأخطر ما في الوصية لازمُها: أنه يريد إضلال أتباعه من بعده ويشترط عليهم الكفر حتى بعد هلاكه. فقد ربّى غلمانه على أن مجرد الترحم على متأول ضلال مبين، فإذا هلك وانكشف زيفه، فإن هؤلاء الغلاة الذين شحنهم بالكراهية سيلحدون ويكفرون بالكلية؛ لأن الكفر عندهم، بحسب ما لقنهم، أهون من التمشعر. فانظر إلى شيخ يوصي تلاميذه: إن بان بطلاني فلا ترجعوا إلى الحق، بل أحرقوا طريقكم إليه.
ولفهم كيف وصل شاب من غرف الشات إلى هذه الليلة، نعود إلى القصة من أولها.
الوجه الذي ظهر بعد الاستدعاء
بدأ محمد شمس الدين مشروعه على الجادة: يرد على الملاحدة والعلمانيين والروافض والأشاعرة، وجمع في ذلك مادة لا بأس بها، واستفاد من قوة الطرح وعاطفة الشباب المسلم المتعطش لمعرفة العقيدة. وتستر بثوب الانتساب إلى السلف، وتقرب من العلماء والدعاة المعروفين: المنجد، والسعيدان، وعثمان الخميس، ومصطفى العدوي، والعبيد، والفحل؛ يثني عليهم ويستفيد من سمعتهم لبناء جمهوره رغم عدم ملازمته لهم. وكان يسمي الشيخ السعيدان «من أحب الشيوخ إلى قلبي»، وسُئل عن مجدد العصر فقال: «الشيخ المنجد».
وكان يومئذ يحترم أهل العلم وينشر علمهم ويوقر العلماء الذين يكفرهم اليوم ويبدعهم؛ حتى استدعته المخابرات الألمانية، ودوهم المسجد الذي كان يصلي فيه في واقعة شهيرة، وصُنف حينها داعيةً متطرفًا، ولم يكن قد حصل على الجنسية الألمانية بعد. ثم ظهر بعد فترة بوجه آخر: بدأ يطعن في العلماء، وانقلب على مشايخه جميعًا ما إن خالفوه أو حذروا من غلوه؛ فالسعيدان الذي كان أحب الشيوخ إلى قلبه وصفه بأوصاف قذرة لما حذر من الحدادية، والمنجد الذي سماه مجدد العصر نفى عنه التجديد وهاجمه لما علم أن له قولًا يخالفه، وسلّط أتباعه على الخميس والعدوي ومن معهم وانقلب على جميع الدعاة الذين كان يخرج معهم في بثوث مباشرة بشكل دوري.
والعجيب أنه بعد سنوات حصل على الجنسية الألمانية، ومن المعلوم أن من توضع عليه علامات استفهام أو يُتهم بالتطرف يصعب عليه نيلها؛ فكانت قرينة قوية على تعاونه مع المخابرات الألمانية، وهي التي تفسر الحرية المطلقة التي يتمتع بها، في حين تُغلق مساجد، ويُرحَّل دعاة ويُقبض عليهم ويُحرمون من تجديد الإقامة ويضيَّق عليهم لأنهم يدعون إلى الله ولا يُذكر عنهم نشاط في التكفير أو التطرف. وقد كشفت ذلك واقعة الداعية الألمانية هانا هانسن التي أسلمت حديثًا: تطاردها وسائل الإعلام بتهم التطرف والإرهاب وهي تدعو إلى الله على أرض الواقع، ويُترك هذا التكفيري المتطرف يسرح ويمرح ويتوسع ويأخذ المساعدات من أموال الضرائب ومهور البغايا وضرائب الخمور!
الحدادية حين امتلكت كاميرا
مشروع الرجل لا يُفهم إلا في سياقه الحقيقي: «الحدادية الجديدة». والحدادية (نسبة إلى محمود الحداد المصري) تيار غلو لا علاقة له بالسلفية، يتخذ من الجرح والتجريح أصلًا للدين ومحورًا للولاء والبراء: إسقاط العلماء بالزلات، وتبديع المخالف باللوازم، ورفض الترحم على من وقع في أخطاء تأويلية كابن حجر والنووي، وامتحان الناس بالأشخاص، واعتبار الشدة والغلظة دليلًا على صحة المنهج وقوة السنة.
ومحمد شمس الدين هو النسخة المحدثة الرقمية الأكثر تطورًا وخطورة من هذا التيار. أدرك باكرًا كيف تعمل خوارزميات العصر الرقمي التي تكافئ الصراع والحدة والعناوين الصادمة والردود القاسية، فلم يبنِ شهرته عبر التدريس في المساجد الكبرى ولا تأليف الكتب المحققة أو الدعوة على أرض الواقع، بل صنع اسمه على يوتيوب. ومشروعه المركزي ليس الدعوة إلى التوحيد بمعناه الشامل ولا بناء الأمة، بل «التنقية والإقصاء»: إسقاط المرجعيات التاريخية (أبو حنيفة وابن حجر والنووي والسيوطي وابن حزم وغيرهم) بتصنيفهم في خانة الجهمية وأهل الضلال؛ وإسقاط المرجعيات المعاصرة بتتبع الأخطاء ونشرها بين العامة والتشنيع؛ وامتحان الناس بالأشخاص: فمن لم يبدّع من يبدّعه شمس الدين فهو مبتدع أو «مدجَّن»، وهو المصطلح الذي ابتدعه لوصف أهل السنة الذين يحترمون العلماء.
وشعاره ومن معه من غلاة أمثال دمشقية والخليفي: «تنقية الصف السلفي» وهي كلمة حق أريد بها باطل؛ إذ معيار التنقية عندهم ليس الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، بل فهمهم وتطبيقاتهم هم: فمن خالفهم في الحكم على معين، أو مسألة عذر بالجهل، أو تنزيل حكم سياسي، أخرجوه من السلفية ورمى به في أحضان الجهمية أو المرجئة أو «المميعة». غايتهم احتكار السلفية وتضييق دائرة أهل السنة حتى لا تكاد تتسع لغيرهم وبضعة أفراد يوافقونهم؛ لا يبنون جيلًا يعبد الله على بصيرة، بل يبنون محاكم تفتيش شبابية مهمتها التنقيب في بطون الكتب القديمة والتنقير في مقاطع الدعاة لاستخراج الأخطاء وإعلان المفاصلة عليها.
مشنقة الأئمة: السيوطي والنووي وأبو حنيفة
تكفير السيوطي والتألي على الله... والعقوبة المعجلة. أظهر مآخذه وأشدها غلوًا: صرح مرارًا بردة الإمام الموسوعي جلال الدين السيوطي وخروجه من الملة، بل تجاوز إلى التألي على الله فقال ما معناه: «لن يغفر الله له ولن يرحمه ولو غفر له فسوف يغفر للنصارى»، وجزم بخلوده في النار، وساوى بينه وبين عباد الأصنام والنصارى والوثنيين. بنى هذا الحكم الجائر على لفظة محتملة في «استغاثة» منسوبة إليه، متجاهلًا قاعدة علماء السنة في التفريق بين الاستغاثة الشركية (التي تتضمن اعتقاد النفع والضر استقلالًا في المخلوق) وبين ما يسميه بعض متأخري الشافعية استغاثة وهم يقصدون التوسل والتشفع (وهو من البدع العملية لا من الشرك الأكبر المخرج من الملة)، ومعرضًا عن نصوص السيوطي الصريحة في كتبه في الدعوة إلى الاستغاثة والاستعانة بالله وحده، وتحريم الدعاء عند القبور، والتحذير من الغلو. ثم زاد فلفّق له تهمة شنيعة: نسب إليه نصوصًا مكذوبة من كتاب «بهجة العابدين» لعبد القادر الشاذلي يزعم فيها أن السيوطي أمر الناس بعبادته في قبره، وقد أثبت الباحثون كذب هذه النسبة وافتراءها التام. ولم يكفه ذلك حتى نسب إليه كتبًا جنسية فاضحة لا تثبت له، وأطلق على حافظ الأمة لقب «عنتيل»؛ لفظةً سوقية يرمي بها إمامًا مات قبل خمسة قرون لا يملك أن يدفع عن عرضه.
ولم تمهله عادةُ الله التي قال فيها الحافظ ابن عساكر: «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة». فبعد سنوات من هذا الافتراء ظهرت له هو فضائح أخلاقية نشرتها قناة الشيخ حامد الطاهر والشيخ أيمن قرقر، وهي من البشاعة بحيث لا نستطيع ذكر تفاصيلها في هذه السيرة؛ فإنها لا تصدر إلا عن إنسان خبيث النفس أغواه شيطانه حتى بلغ أسوأ درجات الفجور. وبسببها أطلق عليه الناس لقب «المطاطي». وقد تحقق مجموعة من الدعاة والعلماء من هذه الفضائح بعد انتشارها تبينًا، وأعطاه الدعاة أكثر من فرصة للبراءة منها فتهرب.
فتأمل الميزان كيف انقلب: الذي وسم حافظ الأمة بـ«عنتيل» افتراءً، وسمه الناس بـ«المطاطي» توثيقًا. الإمام نائم في قبره من قرون، عرضه محفوظ، وكتبه تتداولها الأمة في كل بيت ومسجد وجامعة؛ والرامي حي يرى فضائحه تتناقلها القنوات، ويُمنح فرصة البراءة تلو الفرصة فيهرب. والجزاء من جنس العمل؛ ويُروى عن ابن سيرين قوله: «عيّرت رجلًا بالإفلاس فأفلست». ولا نجزم على الله بغيبه، لكن أهل العلم ما زالوا يعدّون مثل هذا من العقوبات المعجلة لمن أطلق لسانه في أعراض العلماء: فمن جعل التشهير صناعته سلط الله عليه من يشهّر به، ومن حفر لعرض إمام ميت وقع في الحفرة وهو حي يشاهد سقوطه.
تبديع النووي والحط منه. سخّر جزءًا كبيرًا من جهده الإعلامي لإسقاط الإمام يحيى بن شرف النووي، صاحب رياض الصالحين والمجموع وشرح صحيح مسلم، وأحد أهم أركان الفقه الشافعي والحديث النبوي. وبلغ به التطاول أن قال عنه نصًا: «هذا الرجل لا يعرف ربه معرفة حقيقية»، استنادًا إلى تأويله بعض نصوص الصفات على طريقة الأشاعرة. ولم يكتفِ، بل وصف المسلمين وطلبة العلم الذين يدافعون عن النووي بأنهم جعلوه «صنمًا» و«إلهًا» يُعبد من دون الله يفضلون الإيمان به على الإيمان بالله، ومنع من الترحم عليه وعلى ابن حجر ومن الانتفاع بكتبهما، ووصفهما بأوصاف حاطة من قدرهما، ورمى الشيخ الألباني رحمه الله ببدعة الإرجاء وتتبع زلاته.
نبش قبر فتنة أبي حنيفة. من أشنع ما عُرف به طعنه الصريح المتكرر في الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله، أحد الأئمة الأربعة المتبوعين. اعتمد على استخراج النقول القديمة التي قيلت في مرحلة الفتنة والتجاذب بين مدرسة الحديث ومدرسة الرأي، وهي نقول طواها أئمة السلف والخلف بعد استقرار المذاهب وانعقاد الإجماع العملي على إمامته. ولم يكتف بنقل الخلاف، بل رجّح تبديع الإمام، ووصفه بالمرجئ (بمعنى إرجاء الجهمية المذموم لا إرجاء الفقهاء الذي هو خلاف صوري في أغلبه)، وتحدث عنه وعن أتباعه بلغة الاستخفاف والسخرية.
قلتُ: منهج السلف في إثبات الصفات هو الحق الذي لا مراء فيه، والتأويل الأشعري خطأ يُرد بالدليل؛ لكن تحويل هذا الخطأ إلى معول لهدم أئمة حفظ الله بهم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم انحرافٌ عن طريق العدل. وقد وسع أئمةَ السنة كابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن رجب وابن عثيمين وابن باز وغيرهم كثير؛ أن يقرروا خطأ هؤلاء في التأويل مع حفظ إمامتهم وشكر سعيهم والترحم عليهم والانتفاع بكتبهم؛ فمن ضاق عليه ما اتسع لشيخ الإسلام ابن تيمية فهو بالبدعة أشبه منه بالسنة. وأما أبو حنيفة فمسلكه فيه مسلك الهلكى: أمةٌ أجمعت بعد تلك الحقبة المبكرة على إمامته وتلقّي فقهه بالقبول، وأئمة الإسلام كالذهبي وابن تيمية وابن كثير وابن حجر وابن القيم وغيرهم يجلّونه ويعتذرون عما نُسب إليه ويفرقون بين بدعة الاعتقاد الكبرى والخلاف في مسمى الإيمان؛ فمن جاء بعد ألف ومئتي سنة لينقض هذا الإجماع العملي ويحيي فتنة ماتت ويُسقط إمامًا يتبعه نصف المسلمين، فهو إما جاهل مركب، وإما صاحب هوى يريد هدم الدين من داخل أسواره؛ ولا يفعل هذا إلا من تشرّب منهج الحدادية الذي يقتات على نبش القبور.
ويكمل الصورةَ خللُه الجوهري في باب التكفير: يُجمع أهل السنة على أن تكفير المعيّن يتطلب شروطًا صارمة، من العلم وانتفاء الجهل، والقصد وانتفاء التأويل، وإقامة الحجة ودفع الشبهة؛ وهذا الرجل يستخف بقاعدة العذر بالجهل والتأويل استخفافًا تامًا، ويوظف آلة التكفير عشوائيًا متهورًا: يقف على نص يُشكل ظاهره فيطلق الكفر الأكبر على جهابذة العلماء وعوام المسلمين، بلا إقامة حجة ولا نظر في سياق تاريخي أو لغوي ولا اعتبار لتأويل عالم أو اصطلاح أهل زمانه، ويمارس الإلزام بما لا يلتزمه المخالف: يلزم من تأول صفةً بأنه ينفي وجود الله أو يجحد الرسالة، ثم ينزل عليه أحكام الجهمية الكفار. وهو مع ذلك يخلط بين الجهمية وبين الأشاعرة والمتكلمين، وينقل كلام الفلاسفة ليلصقه بفقهاء المذاهب الأربعة؛ جهلٌ مركب بمذاهب من يكفّرهم. وهذا الإسراف وإغلاق باب الأعذار التي قررها المحققون كابن تيمية وابن القيم جعله، بتوصيف الباحثين، أقرب إلى مناهج غلاة الخوارج والتيارات التكفيرية المعاصرة، حتى وصفه كثير من منتقديه بالتكفيري والخارجي، وإن نفى عن نفسه تكفير المجتمعات؛ فتطبيقاته وقواعده تقود أتباعه إليه حتمًا، وهو يضيق العذر بالجهل تضييقًا يخالف طريقة كبار أئمة الدعوة النجدية كابن باز وابن عثيمين.
آلة مهشمة: عقيدةٌ تتناقض ولسانٌ يلحن
وأعجب ما في قاضي العقائد هذا أن آلته نفسها مهشمة، وقد وثق خصومه ذلك بالصوت والصورة:
لغة الشوارع في مجلس القضاء
استبدل بأدب العلماء لغةَ الشوارع والمنتديات: «مخانيث المدجنة»، «كلب»، «زنديق»، «فاسق»، «أحمق»، «جاهل»، «فسقة»، «أبو كرش» ويستهزئ بخِلقة مخالفيه، ويجعل هذه الحدة والصفاقة دليلًا على «الصدع بالحق»، فيخدع بها حدثاء الأسنان. وهو الذي يستشهد بحديث «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» ثم ينهال على خصومه بأبشع الألفاظ! ولا ينسى خصومة أبدًا: من خالفه مرة يظل يتربص به السنين ليقتنص هفواته ويشهّر به بأسلوب ثأري ينافي تجرد طالب العلم؛ فغرضه الإسقاط والتشهير والانتصار للنفس وإشباع غريزة التعالي، لا النصح والبيان.
فإذا حاصره المحققون بالأدلة الدامغة على أخطائه وجهله وتناقضاته لجأ إلى حيلته النفسية المكشوفة: صوّر نفسه ضحية، وصوّر منتقديه أعداءً للإسلام والسنة لا باحثين يردون أخطاءه، وزعم حملات تستهدفه، وجمع أتباعه وحرضهم بخطاب عاطفي؛ حتى ربط ذاته بالدين ربطًا عضويًا خطيرًا صار معه من ينتقده، في نظر أتباعه، معاديًا للدين نفسه ولعقيدة السلف.
أسدٌ على الأئمة، نعامةٌ في برلين
وهنا الميزان الذي ينكشف به الرجل كله. هو الأسد الهصور حامي حمى العقيدة حين يتعلق الأمر بالطعن في النووي والسيوطي وأبي حنيفة؛ فإذا جاء الغرب وقوانينه صار نعامة صامتة:
فكيف يطوّع الدين ليحمي نفسه من قوانين الغرب، ويسل سيف التكفير على تراث أمته؟ هذا التناقض الجذري هو الذي جعل كثيرين يرونه ظاهرة صوتية مصطنعة، وظيفتها تمزيق النسيج السني، وتنفير الشباب من تراثهم، وضرب الثقة بالمرجعيات الدينية.
حبيب الملاحدة ومحامي النصارى
ومن فضائحه التي كشفت حقيقة بوصلته انتصارُه للملاحدة على أهل السنة: مدح أخلاق الملاحدة حتى قال: «اقتدوا بأخلاق الملاحدة»، وذم بها خصومه من أهل السنة. والعجيب أن هؤلاء الملاحدة أنفسهم لما ناظرهم سبّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهموه بالكذب والغدر، فلم يعترض إلا على استحياء خفيف وبصوت منخفض، وقال للملحد: «قل غير صادق ولا تقل كاذب». وا أسفاه! تُنتهك حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه فيكون هذا كل إنكاره، وهو الذي يصم الأرض والسماء صياحًا إن تأول عالمٌ صفة!
ودافع عن النصارى في شبهة ثابتة عليهم (شبهة «كجحش الفرا يولد الإنسان») لخصومته مع الداعية الموفق زين خير الله، حتى احتفلت به الصفحات النصرانية الحاقدة وسُمي «محامي النصارى». وفعل مثلها مع الشيخ أبي عمر الباحث: فضّل عليه الملاحدة واتهمه بالكذب على النصارى. بل بلغ به الأمر أن أنقذ الملحد قصي بيطار من فضيحة هروبه من مناظرة الدكتور هيثم طلعت. وهكذا صار طعنةً في ظهور الدعاة: حبيبَ الملاحدة فجأة، وعدوَّ معظم الدعاة المسلمين.
من تصدى له
لما تفاقم شره وتطاير شرره في أوساط الشباب، هبّ طلبة العلم من أهل السنة أنفسهم، لا خصومه من المذاهب الأخرى فقط، للرد عليه وكشف عواره. فظهرت مئات المقاطع والمقالات، وعشرات القنوات المتخصصة في تتبع بتره وتدليسه وإحصاء سقطاته، منها: قناة أبي الفضل المصري، وقناة مكافح الشبهات، وقناة الباحث حامد الطاهر، وقناة الشيخ أيمن قرقر، وقنوات أخرى كثيرة لا يتسع المقام لذكرها.
جيلٌ يحفظ قوائم المبتدعة ولا يحفظ سورة الإخلاص
الأثر الذي تركه في وعي أتباعه أثر تدميري في معظمه. علّم جيلًا كاملًا كيف يكره العلماء وكيف ينبش عن زلاتهم؛ فالشاب الذي يتخرج في مدرسته يخرج مسكونًا بالشك، لا يقرأ كتابًا إلا ليبحث عن طامة، ولا يسمع لشيخ إلا ليتصيد سقطة. أوهم متابعيه أن العلم يُنال بمشاهدة مقاطعه وأنهم «يأخذون من الدليل مباشرة»، فأخرج آلافًا لا يملكون من العلم إلا قائمة بأسماء «المبتدعة»: شاب لا يستطيع أن يقرأ صفحة من كتاب الله بلا لحن (كحال شيخه الذي لا يحفظ سورة الإخلاص)، ولا يفقه من أحكام طهارته وصلاته إلا القليل، لكنه يجلس كالقاضي يحكم على أبي حنيفة بالإرجاء، وعلى النووي بالتجهم، وعلى علماء العصر بالتمييع. وهذا تدمير محض للأخلاق الإسلامية وللتسلسل العلمي في الأمة، وهو الفساد العريض الذي حذر منه العلماء.
وأنتج غلوه تمزقًا اجتماعيًا داخل الأسر وفي المساجد، وعطّل طاقات الشباب عن العمل الإيجابي المثمر وحولهم إلى مراقبين ومحاكمين لغيرهم. والأسوأ: أن بعض من أفاق من غلوه ارتد ارتدادًا عكسيًا إلى التمييع المطلق أو الشك والإلحاد، لما رأى من قسوة وجفاف وتناقض في دعاة هذا التيار. وهو يدعي محاربة «الحزبية» وقد أسس هو ومقلدوه أشد الأحزاب تعصبًا وضيقًا: حزبًا لا يوالي ويعادي على الكتاب والسنة، بل على آراء محمد بن شمس الدين وأحكامه على الرجال؛ ويدعو إلى فهم السلف وهو يخالف إجماع السلف والخلف العملي في توقير الأئمة الأربعة وحفظ المقامات.
الخلاصة النهائية
قلتُ: فالحاصل بعد استقراء مسيرة الرجل ومواقفه ومقالاته أن محمد بن شمس الدين ليس عالمًا يُرجع إليه، ولا طالب علم مؤهلًا للفتوى أو القضاء أو الحكم على عباد الله، بل متصدرٌ بغير آلة، مبتلى بالغلو، صاحب منهج حدادي منحرف، استغل فراغ الساحة وفورة الإعلام الرقمي ليؤسس مشروعًا يقوم على غلو التجريح وإسقاط الأئمة.
وإن مقالته في الأئمة المتبوعين، وتكفيره السيوطي وتأليه على الله، وطعنه في حفاظ الأمة، وتبديعه المخالفين باللوازم، ومباهلته السفيهة، منهجٌ مستقر لا زلات عارضة، وأصول فاسدة لا يُعذر فيها باجتهاد. وهو في حقيقته هادم لوحدة أهل السنة، مفرق لصفهم، شاغل للشباب بما يضرهم؛ نصّب نفسه قاضيًا على الأمة يوزع صكوك السنة والبدعة بغير سلطان من علم أو تقوى. وخطره على الشباب السني أعظم من خطر الخصوم الخارجيين؛ لأن الخصم معروف، وهذا يطعن في السنة باسم السنة، ويسقط العلماء باسم الغيرة على العقيدة.
فلا يحل لمسلم يبتغي النجاة لدينه أن يتخذه شيخًا ومرجعًا، ولا أن يستقي منه أحكام الاعتقاد أو الجرح والتعديل؛ ويُحذَّر الشباب من الدخول في منصاته، فإن ما فيها سم مدسوس في عسل، يفسد القلوب ويورث الكبر والغرور وقسوة القلب والتعالم وبغض أئمة المسلمين؛ فبضاعته في العلم مزجاة، ومنهجه هدم وتفريق لا بناء.
وهكذا انتهى الطريق الذي بدأ بدعوى تنقية التوحيد إلى تلوين الدين بلون القسوة والإقصاء: لم يكن ظهوره من محاريب المساجد ولا من حلق كبار العلماء، بل كان وليد الكاميرا واليوتيوب، استغل تعطش الشباب لمعرفة العقيدة الصحيحة فدسّ لهم سم التجريح والتبديع، فصنع جيلًا يتقرب إلى الله بسبّ العلماء وتمزيق شمل أهل السنة. وها هو اليوم في غرفته، بشماغه المرتب أمام الكاميرا، ينظر بثقة تقترب من الغرور، ويُسأل عن أئمة حفظوا دين الأمة فلا يتورع الشاب الذي لم يحفظ عُشر ما حفظوه عن تبديعهم والتحذير من كتبهم التي تلقتها الأمة بالقبول؛ ولا تقف جرأته عند الأموات، بل يتناول عالمًا معاصرًا أفنى عمره في الدعوة فيسقط عدالته بجرة قلم وضحكة ساخرة. فهذا هو الرجل، لا ما يُقال عنه في مجالس مريديه، ولا ما يسبغه هو على نفسه من ألقاب السلفية والأثر.
نسأل الله عز وجل أن يعامله بعدله فيمن طعن في حملة دينه وفرّق صفوف أهل السنة؛ فقد باهل على اللعن ودعا على نفسه وأهله بيده ولسانه، فاللهم إن كان مبطلًا، وقد بان للناس بطلانه، فعجّل له ما دعا به على نفسه، وأهلكه وخلّص الأمة من فتنته، واقطع دابر غلوه، واجعل مباهلته شاهدةً عليه لا له. فإن كانت له عندك توبةٌ سبقت في علمك، فعجّل بها توبةً صادقة علنية، ينقض بها غزله كما نسجه، ويتبرأ بها من مقالاته على رؤوس الأشهاد كما جاهر بها، وتنطفئ بها فتنته من أصلها؛ فأنت وليّ ذلك والقادر عليه.
اللهم واحفظ شباب الأمة من غلوه ومن وصيته، وردّ من افتتن به إلى الجادة، واكشف حقيقته للمتوقفَ الحائر، وقيّض لهم علماء ربانيين يجمعون بين البصيرة في الدين والرحمة بالخلق والقيام بالقسط.
كُتبت هذه الترجمة يوم الإثنين 20 من صفر 1448 هـ، الموافق 3 من أغسطس 2026 م، بناءً على ما وقفنا عليه من كلامه المنشور ومقالاته ومصادره المتاحة إلى هذا التاريخ. فما جدّ بعده من قول أو رجوع فله حكمه، ومن وقف على ما يزيد في المادة أو يصحح فيها فليُتحفنا به.
رموز أُخرى من الفِرقة
مُؤسِّس الفرقة، مَصريّ من طنطا، انتقل إلى المدينة المنوّرة، عَمل مع ربيع المدخلي ثم انفصل عنه لِغُلوّه، ودَعا…
المُحرِّك الفِكري الخفيّ للحدّاديّة المُعاصرة، يُؤصِّل لتَكفير مِئات العلماء ثم يُمارس التَّقيَّة، تاركًا غِلمانه يَتحمَّلون نتائج تأصيلاته.
لُبنانيّ الأصل، له جُهود سابقة في الردّ على الشيعة والصوفيّة، انتَكس مُؤخّرًا والتَحق بالحدّاديّة، وَوَقع في أَخطاء عَقَديّة…
سعوديّ يَعمل في الخفاء عبر تحقيق كُتب السنّة وحَشوها بحواشٍ تُمرِّر المنهج الحدّادي بطريقةٍ غير مُباشرة.
