عادل آل حمدان الغامدي

العامل في الخفاء - يُمرِّر الفِكر عبر تحقيق الكُتب
الاسم الحقيقي: أبو عبد الله عادل بن عبد الله آل حمدان

سعوديّ يَعمل في الخفاء عبر تحقيق كُتب السنّة وحَشوها بحواشٍ تُمرِّر المنهج الحدّادي بطريقةٍ غير مُباشرة.

السعودية

عادل آل حمدان الغامدي: الرجل الذي جعل كتب السلف سيفًا على أئمة المسلمين

المتصدّرُ لبثّ الغلو، وحاملُ لواء «الحدادية الجديدة» في هذا العصر، والعاملُ في الخفاء الذي اتخذ كتب العقيدة حصانَ طروادة لتمزيق صف أهل السنة.

الباحثُ المحققُ السعودي أبو عبد الله عادلُ بنُ عبد الله بن منصور آل حمدان الغامدي، وُلد بمدينة جدة في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري، ولم أقف على تحديد سنة مولده في مصدر معتبر، وهو مقيم في بلاده إلى اليوم، ينشر ويحقق ولا ينقطع.

برز اسمه في العقدين الأخيرين تحقيقًا لكتب الاعتقاد المسندة وتأليفًا فيها، حتى صار من أكثر من طُبعت لهم كتب السنة في هذا الجيل. تلقّف الشبابُ إصداراته وهم يظنونها إحياءً لعقيدة السلف، فإذا هي معاولُ تُهدم بها منازلُ أئمة الخلف. وإليه انتهت في هذا الباب رئاسةُ الغلو في التجريح، وإسقاطِ كبار العلماء بالزلات وبتأويل المصطلحات، حتى صار ظاهرةً تستوجب كشف الستر عنها والتحذير من غوائلها.

ومشروعه يُلخَّص في جملة واحدة: تنقيةُ السنة بإسقاط كل من أخطأ فيها كائنًا من كان، بأثرٍ رجعيّ يمتد ألف سنة. لم يجعل مركز عمله كتابًا يؤلفه في الرد على المعاصرين، بل جعله حاشيةً يذيّل بها متنًا مقدَّسًا عند طلبة العلم. وهذا هو ابتكاره الذي لم يسبقه إليه أحدٌ من الحدادية بهذه الإحكام: أن يُخرج للناس «الشريعة» للآجُرِّي، و«السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد، و«الإبانة» لابن بطة العكبري، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة» للالكائي، و«السنة» لحرب بن إسماعيل الكرماني، ثم يجعل تحت كل صفحة من صفحاتها منصةً يُطلق منها على أئمة الأمة ما لا يجرؤ على إطلاقه في كتابٍ باسمه. فالمتنُ للسلف، والحاشيةُ له، والقارئ لا يفرق.

ومنبره في الانتشار «دار اللؤلؤة» للنشر والتوزيع، التي تولت إخراج غالب تحقيقاته في طبعات فاخرة تُغري بالاقتناء.

وأخطر ما صنع أنه رمى جمهور أهل السنة وأئمتهم بالإرجاء، وادّعى الإجماع على ما لم ينعقد عليه إجماع، وصحّح لإثبات الصفات أحاديث منكرة مدارُها على مجهول الحال، وبتر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما ينقض دعواه، ثم نزّل عبارات السلف في الجهمية والمعتزلة على معاصرين لم يقولوا بقولهم. وأشدّ من ذلك أنه لم يُجاهر.

خاصمه علماء أهل السنة حتى صار منبوذًا، بل وخاصمه من هو أقرب الناس إلى مشربه في التصنيف: ربيع بن هادي المدخلي، فأفرد له «وضوح البرهان يدمغ مخالفات عادل آل حمدان»، وصنّف «المقالات الأثرية في الرد على شبهات وتشغيبات الحدادية»، وكتب فيه مقالة عنوانها وحده حكم: «متعالم مغرور يرمي جمهور أهل السنة وأئمتهم بالإرجاء». وسُئل عنه عبد العزيز الريس (وهو قريب من مدرسته) فقال في تحقيقاته: إن فيها «غلوًّا مشابهًا لغلو بالحدادية»، ونصح بترك الاعتماد عليها. ونصره في المقابل غلمانُ الحدادية الجديدة وكتّابها من أمثال عبد الله بن فهد الخليفي ومحمد بن شمس الدين، فجعلوه المستند العلمي الذي يُحتج به، والمنقذَ الذي أنقذ التراث من أيدي المميّعين.

وحسبك في وزن الرجل أن يشهد له غلمانُ الحدادية ولا يزكّيه أحدٌ من علماء الأمة الراسخين. وهذه علامة لازمة لرموز هذا التيار كلهم، لا تكاد تُخطئ.

وقد جمع في نفسه ما يُحيّر: صبرٌ على المخطوط وجَلَدٌ في مقابلة النسخ لا يُنكره منصف، مع ميزانٍ مختلٍّ يجعل زلة العالم كفرًا، وتأويلَ المجتهد زندقة، وسكوتَ المتبيّن مداهنة. فهو في صنعة الطباعة والفهرسة عاملٌ مجدّ، وفي فقه ما يُخرجه فقيرُ الأدوات، وفي تنزيله على الناس مصيبةٌ على وعي الشباب.

نشأة بلا شيوخ

نشأ عادل آل حمدان في مدينة جدة على ساحل البحر الأحمر، في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري. وجدة يومئذ ليست بلد الحلقات العلمية الكبرى في المملكة؛ فالطلبُ الراسخ كان مستقره الرياضَ حول عبد العزيز بن باز ومن معه، والمدينةَ النبوية حول الجامعة الإسلامية ومشايخها، والقصيمَ حول محمد بن صالح العثيمين وأقرانه. أما جدة فكانت مدينة تجارة وموانئ وسفر، تدخلها الكتب من كل مطبعة، ويكثر فيها من يقرأ ويقلّ فيها من يُقرئ.

وفي هذه المدينة تلقى تعليمه، ولم يُعرف له في بداياته جلوسٌ طويل ولا ملازمةٌ لراسخ من راسخي العلم، ولا إجازةٌ مشهورة، ولا حلقةٌ يُنسب إليها. وهذا ليس تنقّصًا بالقبيلة ولا بالبلد ولا بالنسب، فتلك أمورٌ لا تدخل في الترجمة أصلًا؛ وإنما هو فحصُ الأهلية الذي لا بد منه في رجل تصدّر للحكم على الأئمة. ومن تصدّر ليقول في النووي وابن حجر والألباني ما قال، سُئل عمن أخذ عنه، فإن لم يكن له من يُسأل عنه فقد أُجيب عن نصف المسألة.

وأنا لم أقف على أسماء شيوخ لازمهم سنين، ولا على إجازة مسندة، ولا على شهادة جامعية في الشريعة يذكرها في تعريف نفسه. وهذا الفراغ في محور «الطلب الشرعي» فراغٌ معلن أثبته كما وجدته، ولا أبني عليه أكثر مما يحتمل: فقد يكون له طلبٌ لم يُدوَّن، وقد يكون له مشايخ لم يُشهروا. لكن الذي أستطيع تقريره أن التكوين الغالب عليه، الذي تشهد به كتبه نفسها من أول سطر إلى آخره، تكوينٌ قرائيّ لا تلقّيٌّ: انكبابٌ على المخطوطات، وطولُ نفَسٍ في تتبع النسخ، وذاكرةٌ لاقطة للنقول، وقدرةٌ على الفهرسة والتخريج.

وقد اختار من التراث حقبةً بعينها: مصنفاتِ القرون الثالث والرابع والخامس، وهي الحقبة الحرجة التي دُوِّنت فيها مقالاتُ أهل الحديث والأثر في مواجهة الجهمية والمعتزلة ومن جاء بعدهم من الماتريدية والأشعرية. فأقبل على «السنة» لعبد الله بن أحمد، و«الإبانة» بصغراها وكبراها لابن بطة، و«الشريعة» للآجري، و«شرح أصول الاعتقاد» للالكائي، و«السنة» لحرب الكرماني، و«الرد على المبتدعة» لابن البنّاء الحنبلي، و«إثبات الحد لله» لأبي محمد الدشتي. وقرأها كلها.

قلتُ: وليست المصيبة أنه قرأها، فتلك كتبٌ جليلة نافعة يُحمد قارئها. المصيبة العينُ التي قرأ بها. قرأها بعين القاضي المتربص لا بعين الفقيه العاذر؛ يجمع من صفحاتها ألفاظ الشدة، ويطوي ما فيها من نصوص الرحمة والاعتذار وبيانِ مقامات الناس. والكتاب الواحد يخرج منه رجلان: رجلٌ يخرج بعلمٍ ورحمة، ورجلٌ يخرج بمسطرةٍ يقيس بها رقاب الناس. ومن أخذ العلم من الصحف بلا شيخ يردّه، ولا أقران يوازنونه، أوشك أن يزلّ في الفهم ويقسو في الحكم؛ وهذه سنة جارية في كل عصر.

من الورق تعلّم، وفي المدينة تحوّل

ظهر آل حمدان في مرحلة كانت الساحة السلفية فيها تموج بصراعات داخلية حادة. فبعد حرب الخليج سنة 1411 هـ وما تلاها انقسم المنتسبون إلى السلفية في الجزيرة أقسامًا: تيارٌ اشتغل بالشأن العام، وتيارٌ توسّع في «الجرح والتعديل» المعاصر حتى صار التصنيفُ عنده صناعةً قائمة بذاتها، وتيارٌ ثالث نأى عن هذا كله. وخرج آل حمدان من رحم التيار الثاني، فهو ابنُ بيئةِ التصنيف لا ابنُ بيئة الحلقة.

غير أنه لم يقف عند حدود ذلك التيار، بل جاوزه بأشواط. ارتبط بالمنهج الحدادي، نسبةً إلى محمود أحمد الحداد المصري الطنطاوي المستقر بالمدينة النبوية، الذي كان في أول أمره في فلك ربيع المدخلي ومن معه ثم انقلب عليهم، فصار رأسًا في تيار يقوم على أخذ العبارات الشديدة التي أطلقها أئمة السلف في حق الجهمية والمعتزلة، وتنزيلِها بحذافيرها على كل من وقع في خطأ عقدي من المتأخرين، بلا مراعاةٍ لفرقٍ ولا شرطٍ ولا مانع، بل وعلى من زكّى المخطئين أو التمس لهم عذرًا.

وله مراسلاتٌ ولقاءات مع محمود الحداد في المدينة النبوية كما أظهرت بعض القنوات بنص كلام الحداد نفسه. وهذه واقعةٌ متداولة في مادة خصومه ولم أقف لها على تسجيلٍ ولا وثيقة ولا إقرارٍ من آل حمدان نفسه، فهي عندي في مرتبة النقل عن الخصم، أثبتها منسوبةً إلى ناقليها ولا أبني عليها وحدها حكمًا. وليست هي عمدةَ الحكم في الباب أصلًا؛ فإن المنهج يُعرف بآثاره لا بصلاته، ولو لم يلقَ الحدادَ قط لكان كلامُه في كتبه كافيًا في تصنيفه.

وهنا يقع أخطرُ ما في تكوينه: أنه جمع بين أداةٍ من أدوات أهل الحديث (وهي التحقيق والتخريج وفهرسة النقول) وبين أصلٍ من أصول الغلاة (وهو إلغاء الشروط والموانع). فصارت له آلةٌ لم تكن لأسلافه في هذا التيار: فالحداد وأمثاله كانوا يصيحون في المجالس والأشرطة، وهذا يطبع. وصوتُ الصائح ينقطع، والحاشيةُ المطبوعة تبقى في المكتبات خمسين سنة.

قلتُ: وما قامت بدعةٌ كبرى قط إلا على كتف رجلٍ ذكيّ صبور. ولو كان آل حمدان كسولًا لما ضرّ، ولو كان بليدًا لما اتُّبع؛ وإنما أُتي الناسُ من جهة جِدّه وصبره ودقته في غير موضعها. والحفظُ والنقلُ والفهرسة إذا لم يصحبها فقهُ سلف الأمة لم تجاوز حناجر أصحابها.

حاشيةٌ تبتلع متنها

في معرض من معارض الكتاب، يقف طالب علم شاب أمام رفٍّ من رفوف دار من دور النشر، فيقع بصره على مجلدات أنيقة، ورقُها ثخين، وبنطُها واضح، وعلى كعبها اسمُ كتابٍ من أمهات كتب الاعتقاد المسندة التي طالما سمع بذكرها ولم يرها. يفتحه فيجد النص محقَّقًا مضبوطًا مخرَّجًا، والفهارسُ في آخره تامة، واسمُ المحقق على الغلاف: «تحقيق أبي عبد الله عادل بن عبد الله آل حمدان». فيبتاعه فرحًا، ويجلس إليه ليقرأ كلام الأئمة المتقدمين.

ثم تستوقفه حاشيةٌ طويلة في أسفل الصفحة.

فإذا بها لا تشرح لفظًا غريبًا، ولا تخرّج أثرًا، ولا تعرّف براوٍ مجهول. بل تترك المخطوط الذي هي في خدمته، لتشنّ هجومًا على الإمام النووي، أو على الحافظ ابن حجر العسقلاني، أو لترمي المحدث محمد ناصر الدين الألباني بالإرجاء والتجهم، أو لتقرر أن جمهور أهل السنة في هذه المسألة قد خالفوا السلف. والشابُّ الذي دخل يطلب السنة يخرج وقد سقطت من عينه جبالٌ ما كان يظن أنها تُمسّ.

هذا المشهد يتكرر في مكتبات الشباب منذ عشرين سنة، وهو أصدق ما يُعرَّف به الرجل. فلم تكن تحقيقاته للتراث غايةً في ذاتها، ولا خدمةً للنص أُريد بها النص فقط. كانت البابَ الذي أدخل منه منهجه الإقصائي إلى عقول المبتدئين، من غير أن يستأذن ومن غير أن يُنتبه له. جعل من متون السلف الصافية هوامشَ لمشروعه، وجعل من هوامشه هو المتنَ الحقيقي الذي يريد تلقينه.

وهذه أخطر من المجاهرة بمراحل. فالذي يصعد المنبر ويقول «فلانٌ مبتدع» يُسمع ويُرد عليه ويُحاكم كلامه؛ أما الذي يضع الكلمة نفسها في حاشيةٍ تحت أثرٍ عن الإمام أحمد، فقد ألبسها ثوب الإمام أحمد، وسلّمها للقارئ في سياقٍ لا يخطر بباله فيه أن يعترض. القارئ يظن أنه يستزيد من السنة، وهو يتشرّب التحريف جرعةً جرعة، ولا يشعر.

ولك أن تتخيل شابًّا يخرج من قراءته لهذا الرجل وقد سقط من عينه أبو حنيفة النعمان والنوويُّ وابنُ حجر والألباني في مجلس واحد. فإلى من يرجع بعد ذلك؟ ومن يبقى له من هذه الأمة يأخذ عنه دينه؟

تحقيقات بالعشرات

توالت تحقيقاته حتى بلغت العشرات، منها في الرسائل العقدية الصغار: «اعتقاد الإمام مالك»، و«أصول السنة» للإمام أحمد برواية عبدوس العطار، و«اعتقاد الإمام سفيان الثوري» ورسالته في اتباع الأمر الأول والزهد، و«رسالة عباد بن عباد الخوّاص»، و«اعتقاد الإمام أبي بكر الآجري»، و«اعتقاد الإمام قتيبة بن سعيد»، و«اعتقاد الإمام أبي عبد الله الزبيري الشافعي»، و«اعتقاد الإمام ابن مشكويه»، و«نصيحة أبي الفضل إسحاق العلثي». ومنها في الكبار: «الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة» لابن بطة، و«الإبانة» الكبرى له، و«كتاب السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد، و«كتاب السنة» لحرب بن إسماعيل الكرماني، و«شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» للالكائي، و«الرد على المبتدعة» لابن البناء الحنبلي، و«إثبات الحد لله عز وجل» لأبي محمد الدشتي. ويُذكر له استدراكُ ما ضاع من أجزاء «السنة» للخلال، وجمعُ شتات مصنفات مفقودة.

ومن تأليفه سوى ما تقدم: «التنبيهات الجلية على الأخطاء العقدية» في نقد «تحفة الأحوذي» و«عون المعبود» (نحو 168 صفحة بطبعة دار اللؤلؤة)، و«الاجتهاد في أبواب السنة»، و«سلسلة تعليقاتي على تحقيقات كتب السنة»، و«تعليم الصبيان التوحيد والسنة»، و«إتحاف المصلين بتتبع الفضائل والأجور»، و«وصايا الأمراء والآباء لمربي الأبناء»، و«الإفادة بما يشرع فعله أيام الولادة»، و«من وصايا السلف والعلماء» في ثلاثة أجزاء.

وله على الشبكة مدونةٌ باسمه ما زالت آثارها محفوظة، فيها من عناوينه: «سلسلة المنتقى من الإبانة الكبرى» (يوليو 2017)، و«اعتقاد ابن جرير الطبري» (سبتمبر 2017)، و«التحديث بأحاديث الصفات أمام العامة» (نوفمبر 2017)، و«ضوابط في مجادلة أهل البدع» (مايو 2018).

الورقُ الشامواه وطريقُ الانتشار

كان لقاؤه بـ«دار اللؤلؤة» للنشر والتوزيع، ومقارّها في مصر وبيروت، وهي التي تولّت طباعة الغالبية العظمى من تحقيقاته ومؤلفاته في طبعات فاخرة هو أساس انتشاره بين أهل السنة.

وههنا موضعٌ ينبغي الإنصاف فيه: هذه الطبعات جيدة الصنعة حقًّا، لا يجحد ذلك مخالفوه قبل موافقيه. الورقُ ثخينٌ مريح للعين، والترتيبُ حسن، والبنطُ واضح، والفهارس العلمية مكتملة تيسّر على الباحث الوصول إلى المعلومة. وقد اقتنى كثيرٌ من طلبة العلم هذه الطبعات لجودتها الطباعية لا لموافقتهم لمحققها، وهذه حقيقةٌ تُقال.

لكن الإنصاف نفسه يوجب أن يُقال ما هو أهمّ: أن هذه الجودة هي آلةُ الانتشار. فالكتابُ الأنيق يُشترى ويُهدى ويُصوَّر ويُرفع على الشبكة ويصير هو الطبعةَ المعتمدة عند الجيل الجديد، فتصير حواشيه هي المقروءة. ولو كانت هذه الحواشي في كرّاسة رخيصة ما تجاوزت عشرات، فلما صارت في مجلد فاخر بلغت الآفاق. وقد صار ما تصنعه دار نشر واحدة في وعي الشباب أكثرَ مما يصنعه عشرة خطباء على المنابر؛ فإن الخطبة تُسمع مرة، والحاشية تُقرأ كلما فُتح الكتاب، وتُنقل في الرسائل الجامعية، ويُحال إليها في الحواشي.

قلتُ: وهذا وجهٌ من وجوه الخطر لا ينتبه له كثير من المحذِّرين. هم يردّون على المقالة في مقال، وهي مثبتة في مجلدٍ يُعاد طبعه كل سنة. والردّ يقرؤه خاصة الخاصة، والمجلدُ يشتريه كل مبتدئ.

تسليح التحقيق

إذا أردت أن تعرف حقيقة مشروع الرجل في كلمة واحدة فهي هذه: تسليحُ التحقيق.

فلم يعد تحقيق المخطوط عنده جهدًا لغويًّا أو أكاديميًّا لضبط نصوص الأولين، وهو أمرٌ لو وقف عنده لكان محمودًا مشكورًا. صار التحقيق ساحةَ حربٍ بالوكالة، وأداةً للهدم والبناء الأيديولوجي لصالح تيارٍ يعادي علماء الأمة ويفرّق شملها. وآليّته في ذلك بيّنة لمن تأمل كتبه، تجري على أربع خطوات مطّردة:

أولاها: اختيارُ الكتاب. لا يقع اختياره على أي مخطوط، بل على الكتاب الذي يحظى بالتقديس عند السلفيين، والذي يضمن أن يقرأه طالب العلم لا رغبةً في المحقق بل رغبةً في المؤلف. فالكتابُ هو جواز المرور.
وثانيتها: انتقاءُ النصوص وتذييلها. فيُبرز من المتن ما يوافق مقصوده، ويصنع له في الحاشية توجيهًا يفتح الباب إلى المعاصرين.
وثالثتها: تصحيحُ ما ضعُف من الأسانيد إذا كان في متنه ما يخدم الفكرة، وهو أخطرها كما سيأتي.
ورابعتها: عدمُ المجاهرة. فلا يصرّح بالتكفير ولا بالتفسيق تصريحًا يُؤخذ به في بلده، ويكتفي بالتأصيل الذي يستخرج منه غيرُه ما يشاء وهو نفس أسلوب محمد شمس الدين والخليفي. فيبقى هو في مأمن، ويتولى غلمانُه إعلان النتيجة.

وبهذا استطاع أن يمرر مقولاتٍ شديدة الغلو تحت غطاء «النص الأثري القديم»، وأن يجعل من دار النشر منصةَ تأثير تتفوق على المنبر الدعوي. وهذا هو التحول الجوهري الذي أدخله على بنية العقل الحدادي: نقله من الصياح إلى الطباعة، ومن المجلس إلى المكتبة، ومن الشريط إلى المجلد.

أن يُسنِد الإمام فقد صحّح

أخطر أصوله وأولُها في الترتيب: أن كل ما أورده أئمة السلف بالإسناد في كتب الاعتقاد فهو صحيحٌ أو مقبول يُبنى عليه معتقد. وعلّته عنده أن أئمة السلف لم يكونوا ليوردوا في مصنفات العقيدة الكبرى ما هو باطل، وإلا لبيّنوه للناس ولم يسكتوا.

وهذا الأصل، مع بريقه عند من لا صنعة له، ضربٌ من التهافت وجهلٌ بقواعد أهل الحديث. فالقاعدة المستقرة عند أئمة الجرح والتعديل: «من أسند فقد أحالك»، و«من أسند فقد برئ من العهدة»، كما قرره الحافظ ابن عبد البر في مقدمة «التمهيد» وغيره. فإذا ساق الإمام الحديث بإسناده فقد وضع بين يديك الطريق لتحكم أنت عليه، ولم يلتزم لك بصحته. وابنُ بطة واللالكائي والخلال والآجري قد يوردون الأثر المقطوع والحديث الضعيف لجمع الطرق والشواهد وبيان انتشار المقالة عند السلف، ومجردُ إيرادهم لا يضفي على المتن شرعية الصحة، ولا يعكس بالضرورة تبنّيهم لمضمونه، ولا سيما إذا كان في المتن نكارةٌ جليّة.

ثم انظر إلى لازم القاعدة إذا اطّردت: يلزم منها إهدارُ جهود أئمة العلل كلهم؛ فإن هؤلاء الأئمة إنما أفنوا أعمارهم في تمييز الضعيف من الصحيح فيما رواه الناس، ومنه ما هو في كتب الاعتقاد نفسها. ويلزم منها أن يصير كلُّ ما في «الإبانة» صحيحًا لأنه في «الإبانة»، وكلُّ ما في «السنة» صحيحًا لأنه في «السنة»، وهذا ما لم يقله إمام قط. وقد نبّه إلى هذا اللازم بعينه من ردّ عليه، وقالوا إن منهجه «يقتضي إهدار جهود السلف» في تمييز الضعيف والمعلّ، وإهمالَ ما قرره الأئمة في الرواة المجروحين.

حديث الاستلقاء

وأوضحُ ما انكشف فيه هذا الأصل: تعليقاتُه على كتاب «إثبات الحد لله» لأبي محمد الدشتي، وما صنع فيه بحديث عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والحديثُ الآخر المنسوب إلى الصحابي قتادة بن النعمان رضي الله عنه، الذي جاء في متنه المستنكر أن الله تبارك وتعالى لما قضى خلقه استلقى فوضع إحدى رجليه على الأخرى.

فقد قال آل حمدان في هذا الباب ما مؤداه: والصواب أنه حديثٌ محتجٌّ به على كل حال. فجعله محكمًا يجب التسليم به في إثبات الصفات.

ومدار الحديث المضطرب على الراوي عبد الله بن خليفة، وهو رجل مجهول الحال، لم ينفرد بتوثيقه إلا ابن حبان. وقد نصّ الإمام الذهبي على أن هذا الراوي «لا يكاد يُعرف». وذكر مع ذلك أن في السند مدلسًا شديد التدليس.

وثانيها الاضطراب: أن في إسناده «اختلافًا كثيرًا بين الرفع والوقف والإرسال»، وهذا وحده كافٍ في ردّه عند أهل الصنعة، ولا يُخرجه رواته عن دائرة الضعف والنكارة.

وثالثها البتر، وهو أشدها على الرجل: أنه نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث، وحذف منه قوله: «وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي وابن الجوزي». فحذف من كلام ابن تيمية الجملة التي تنقض دعواه بعينها.

قلتُ: وهذا هو موضع الضربة. فليست القضية خلافًا في تصحيح حديث، فهذا يقع بين المحدثين ولا يُبدَّع به أحد. القضية أن يُبتر من كلام شيخ الإسلام الموضعُ الذي يهدم الاستدلال، ثم يُقدَّم الباقي للقارئ على أنه كلامه.

وقد ذُكر هذا الصنيع بعينه في رسالة «متسلسلة التبديع (الحدادية): دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة» لأحمد بن الحسن الأمير، وفيها كلامٌ كثير عن آل حمدان، ومنه ما فعله في تحقيقه لكتاب الحد للدشتي.

والذي يُخشى من هذا الباب أعظمُ من مسألة حديث: أن تتبّع الآثار الواهية والموقوفات التي فيها إغراقٌ في ظواهر التشبيه، ثم جعلَها محكماتٍ يُضرب بها كلامُ العلماء المحققين، ينتهي بصاحبه إلى تشبيهٍ مذموم حاربت مدرسة أهل السنة عبر تاريخها لتبرئ نفسها منه. ومن قال في هذا الحديث إنه «محتج به على كل حال» فقد وضع نفسه في هذا الطريق شاء أم أبى.

مقصلة الأعذار

ومن أصوله المستقرة إلغاءُ الأعذار والموانع في باب الاعتقاد. فمن وقع في بدعة فهو مبتدع، ولا عذر بجهل ولا بتأويل في أبواب العقيدة عنده، ومن قال بالعذر فقد هوّن من شأن التوحيد. وهذا الأصل هو الذي يفتح باب التبديع والتكفير على مصراعيه لعموم الأمة وعلمائها، ويجعل صاحبه لا ينظر في العالم إلى مجموع أمره بل إلى الكلمة الواحدة يلتقطها له.

ويتفرع عنه ما هو أدهى: قاعدة «من لم يبدّع المبتدع فهو مبتدع»، يتبناها تبنيًا مطلقًا بلا ضابط. وهذه القاعدة تصنع تسلسلًا لا نهاية له؛ لأن الذي لم يبدّع مبتدعًا صار مبتدعًا، فمن لم يبدّعه هو صار مبتدعًا، وهكذا إلى غير غاية. فأدّى به هذا المنهج إلى تبديع من عرفهم بالأمس، ثم تبديع أقرانه، حتى انتهى به المطاف إلى شبه عزلة: لا يرضى عن أحد ولا يرضى عنه أحد. والمنهجُ الذي يقوم على تتبع العورات لا يُبقي لصاحبه صديقًا ولا شيخًا؛ لأنه إذا فرغ من الناس التفت إلى من بقي.

ويتفرع عنه أيضًا التبديع باللازم: أن يُستخرج من كلام العالم لازمٌ لم يلتزمه، ثم يُحاكم إليه. وحكم هذا الباب عند أهل العلم معروف: لك أن تقول إن هذه المقالة إذا اطّردت أفضت إلى كذا، فتُلزمه بأحد أمرين: إما أن يبيّن القيد الذي يمنع اللازم، وإما أن يعدّل القاعدة. وليس لك أن تقول: إذن هو يعتقد كذا. فإن فعلتَ فقد نسبتَ إليه ما لم يقله، وهذا هو البهتان.

نبشُ القبور

ولم يسلم منه أئمةُ الفقه والحديث من القرون الماضية.

فقد نبش الخلافات القديمة وأحيا الطعن في الإمام أبي حنيفة النعمان رحمه الله، متجاوزًا ما استقر عليه أمرُ الأمة المتأخر من تقرير إمامته وفضله، وما فرّق به المحققون بين إرجاء الفقهاء وإرجاء الجهمية، وهو فرقٌ من أهمله فقد ضلّ في الباب كله. وأبو حنيفة إمامٌ من الأئمة الأربعة، عليه مدارُ مذهبٍ تديّن به نصف الأمة قرونًا، ومن أراد إسقاطه فعليه من عبء الإثبات ما لا يقوم به عشرة أمثاله.

ثم صوّب سهامه نحو حفّاظ الأمة: الإمام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني. فلم يقف عند نقد ما وقع منهما من تأويل في باب الصفات، وهو نقدٌ له وجهٌ صحيح لا يُنكر أصله، بل جاوز ذلك إلى الامتناع من الترحم عليهما والاعتراف بفضلهما ومكانتهما، ومعاملتِهما معاملة أئمة الضلال. وهذا هو الفارق بين ناقدٍ ومسقطٍ: الناقدُ يقول أخطأ النووي في هذا الباب والصوابُ كذا، والمسقطُ يمتنع من الترحم عليه.

وفي هذا الموضع تحديدًا يُوزن الرجل وزنًا نهائيًّا. فإن «شرح صحيح مسلم» و«فتح الباري» و«المجموع» و«رياض الصالحين» كتبٌ انتفعت بها الأمة ستمائة سنة، وتتابعت شهاداتُ أهل العلم على إمامة أصحابها، وتخرّجت بها أجيالٌ من المحدثين والفقهاء. وهذا التتابعُ ليس عصمةً ولا دليلًا مستقلًّا على صحة كل جزئية، لكنه قرينةٌ ثقيلة على الإمامة والنفع، لا تهدمها قراءةُ مبتدئٍ لنصٍّ واحد في باب الصفات. وقاعدة أهل السنة في هذا: الحق يُقبل، والخطأ يُرد، والفضل يُحفظ، والعصمة للرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلّغ عن ربه.

الألباني والإرجاء

ومن أشنع ما عُرف به: طعنُه المتكرر في المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، ورميُه في غير موضع بالإرجاء والتجهم، والتشنيعُ عليه، وجعلُه سببًا لفساد عقائد الشباب.

وهذا الرمي جارٍ على أصله في مسألة الأعمال وتارك الصلاة؛ فالألباني رحمه الله من القائلين بعدم تكفير تارك الصلاة كسلًا، وهو قول لكثير من علماء أهل السنة، فمن جعل هذا القول إرجاءً لزمه أن يرمي الزهري ومالكًا والشافعي بمثله. ولن يجرؤ على ذلك في مالك والشافعي، فيقتصر على المعاصر؛ وهذه هي الانتقائية بعينها.

ولكم أُنسي هذا الرجلُ ما قدّمه الألباني! خمسون سنة في خدمة السنة تخريجًا وتصحيحًا وتضعيفًا وذبًّا عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، أخرج فيها «السلسلة الصحيحة» و«السلسلة الضعيفة» و«إرواء الغليل» وغيرها، حتى صار طلبةُ العلم في مشارق الأرض ومغاربها عيالًا على أحكامه، ومنهم من يرد عليه وهو مضطر إلى الرجوع إلى كتبه. ثم يأتي من يختصر هذا كله في كلمة «مرجئ»!

وامتد لمزُه وتلميحه ليطال أئمة الدعوة النجدية المتأخرين، وعلماء هيئة كبار العلماء، كلما خالفوا ما يراه هو الحق الصراح. ولم أقف على نصٍّ صريح مسجَّل بخط يده يسمّي فيه أحدًا من أعضاء الهيئة بعينه بلفظ التبديع، وهذا مما أثبته بدرجته: هو في مادة خصومه مشهورٌ عنه، وطريقتُه في التلميح تجعل النصَّ الصريح عزيزًا؛ وهذا في نفسه من صنعته التي تقدم بيانها.

المكانُ والعلو

ومن أظهر أمثلة انتزاعه النصوص من سياقها وتضخيمه للمجمل: صنيعه في مسألة نفي «المكان» عن الله سبحانه.

فإذا صرّح عالم معاصر بنفي المكان عن الله، قاصدًا المكان المخلوق الذي يحوي ويحيط، سارع آل حمدان إلى التشنيع عليه واتهامه بنفي العلو ومخالفة معتقد أهل السنة. وشيخُ الإسلام ابن تيمية قد فصّل في هذه المسألة تفصيلًا يكشف فساد هذه الطريقة: فبيّن أن لفظ «المكان» و«الجهة» و«الحيّز» ألفاظٌ مجملة محدثة، لم يرد في الكتاب والسنة نفيُها ولا إثباتها، فيُستفصل من قائلها: فإن أراد المعنى الباطل رُدَّ عليه، وإن أراد المعنى الصحيح (وهو تنزيه الله عن أن يحويه شيء من مخلوقاته) قُبل منه مع كراهة اللفظ المجمل. فليس كل من نفى المكان أراد نفي العلو.

فتركُ الاستفصال في الألفاظ المجملة، مع التنصيص على وجوبه من إمام الطائفة الذي يدّعي اتباعه، هو مقتلُ المنهج كله. لأن مبناه على أن يُحمل كلام المخالف على أشد الاحتمالات، ثم يُحاكم إليه.

حين انقلبت الحاشيةُ على أهلها

ومن عجائب الباب أن الرجل لم يقتصر على الأئمة الأموات والعلماء الأحياء، بل التفت إلى أقرانه من المحققين أنفسهم. فأصدر «سلسلة تعليقاتي على تحقيقات كتب السنة»، يتتبع فيها من حقق ما حققه، ويأخذ عليهم أمورًا منها: السرقةُ من تحقيقه وتعليقاته هو، والأخطاءُ في العقيدة وفي صنعة الحديث، والثناءُ على أهل البدع. ومن ذلك تعليقه على تعليقات الرِّياشي على «السنة» لعبد الله بن أحمد.

فانظر إلى هذا الباب كيف اجتمعت فيه خصالُ المنهج كلها: دعوى السبق، واتهامُ الأقران في أمانتهم العلمية، ثم ردّ الأمر في آخره إلى العقيدة و«الثناء على أهل البدع» الذي هو التهمة الجاهزة عند القوم. ولا يقف تسلسلُ التبديع عند حدّ ما دام معياره هو الرضا عن الشخص.

ما لم يُكتب فيه

وههنا محورٌ لا تتم ترجمة معاصر بدونه: أين هو من قضايا الأمة الكبرى؟ من فلسطين والاحتلال والتطبيع، ومن دماء المسلمين في الشام والعراق واليمن والسودان، ومن سجن العلماء والدعاة، ومن الظلم والاستبداد؟

بحثتُ في قناته ومدونته وفهارس كتبه، فلم أقف له على مصنَّف ولا مقال ولا منشور ولا بيان في شيء من ذلك.

قلتُ: والسكوتُ في موضع البيان موقف. ورجلٌ أفنى عشرين سنة يحرر مسائل التبديع، ويكتب الحواشي في الرد على النووي وابن حجر والألباني، ويتتبع تحقيقات أقرانه ليكشف «سرقاتهم»، ثم لا يُعرف له سطرٌ واحد في نازلةٍ من نوازل الأمة العظام؛ هذا الرجل قد أجاب عن نفسه بما هو أبلغُ من كل ما يقال فيه. وقائمةُ ما لم يتكلم فيه أكشفُ من قائمة ما تكلم فيه.

من ردّ عليه

لم يُترك آل حمدان يعبث بوعي الشباب من غير تصدٍّ، وقد جاءه الرد من جهاتٍ متباينة لا يجمعها إلا الإنكار عليه:

فأما ربيع بن هادي المدخلي فقد أفرد له وله تياره عدة مصنفات ومقالات: «متعالم مغرور يرمي جمهور أهل السنة وأئمتهم بالإرجاء» (1433 هـ)، و«المقالات الأثرية في الرد على شبهات وتشغيبات الحدادية» (نُشرت مضامينُها سنة 2014)، و«وضوح البرهان يدمغ مخالفات عادل آل حمدان» بحلقاته (2016 وما بعدها)، وفيها تفصيلُ ما تقدم من الجهالة والاضطراب والبتر. وقرر فيها أن آل حمدان يريد نشر مذهبه الحدادي والطعن في أهل السنة، وأن منهجه يفضي إلى إهمال قواعد السلف وأصولهم، وإهدارِ جهودهم في بيان الأحاديث الضعيفة والمعلة، وإغفالِ تصنيفات الأئمة للرواة المجروحين.

قلتُ: ولستُ أجعل ربيعًا ميزانًا في الرجال، فله في التصنيف والإقصاء وامتحان الناس بالأشخاص ما يُنتقد عليه، وله في باب السلطة وقضايا الأمة ما هو أشد؛ لكن الحجة في هذا الموضع بعينه حديثيةٌ قائمة بنفسها، لا يهدمها حالُ قائلها. والحقُّ يُقبل من قائله وإن لم يُقبل منه كل شيء، وهذا هو العدل الذي نطالب به خصومنا فلا يسعنا تركه.

وأما عبد العزيز الريس فقد سُئل صراحةً: ما رأيك في تحقيقات عادل آل حمدان لكتب الاعتقاد؟ فأجاب بتاريخ 17 مارس 2019 بثلاثة مآخذ: أنه يعتبر كل ما ساقه السلف بإسناد صحيحًا، وهو خطأ منهجي لأن «من أسند فقد أحالك»؛ وأن في تحقيقاته «غلوًّا مشابهًا لغلو من يسمون بالحدادية»، يطعن فيها في علماء الإسلام لأخطاء جزئية بلا تمييز بين الخطأ الجزئي والكلي؛ وأنه ينقل نقولات عن السلف ويسيء فهمها ولا يراعي مقرراتهم. ثم نصح بترك الاعتماد على هذه التحقيقات لما فيها من مغالطات ومبالغات وغلو.

وأما أحمد بن الحسن الأمير فأفرد لهذا التيار كتابه «متسلسلة التبديع (الحدادية): دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة»، وفيه كلام كثير على آل حمدان وعلى صنيعه في «إثبات الحد» للدشتي، وتحريرٌ لمعنى البدعة والتبديع وضوابطه عند أهل السنة.

وقد أفردت المنتديات والمواقع السلفية له مقالات وسلاسل، منها ما بيّن بتره للنصوص وانتقائيته في نقل كلام الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية، حيث ينقل ما يوافق هواه في الشدة، ويحذف ما يقررانه من أعذار للمتأولين وتفصيلٍ في المقالات والأعيان.

من زكّاه

وأما أنصاره فطبقةٌ معروفة: شبابُ الحدادية الجديدة وكتّابها، وعلى رأسهم عبد الله بن فهد الخليفي ومحمد بن شمس الدين، وهما من أشهر من يحمل هذا الخطاب في الفضاء الرقمي. ودعواهم فيه أنه لعب دورًا تاريخيًّا في إنقاذ تراث السلف من أيدي محققين كانوا يتسلطون على النصوص في الحواشي تضعيفًا وتأويلًا وتمييعًا. ويطلقون عليه ألقابًا ضخمة من جنس «العلامة» و«بقية السلف»، فيتلقاها هو بالقبول، ويتصدر للحكم على النوازل والطوائف.

ودونك الميزان: من هم الذين زكّوه؟ أهم أهل الرسوخ والفتوى والإمامة في هذا العصر؟ أم هم شبابُ التيار الذي يخدمه ويخدمهم؟ ومن الذي حذّر منه؟ وحسبك بهذا فارقًا. فليس في العالمين عالمٌ راسخٌ واحد قال: خذوا الاعتقاد من حواشي عادل آل حمدان. وإنما قالها من هو من جنسه ومن تلامذته في المشرب.

قلتُ: وقد ابتُلي كثيرٌ من أهل زماننا بأن يظنوا اللقب دليلًا؛ فإذا سمعوا «العلامة» صدّقوا. واللقبُ حكم، ومن أُعطي فوق قدره فقد ظُلم من هو أحقّ به. وليس في ميزان أهل العلم أن يصير الرجلُ علّامةً لأن أتباعه سمّوه كذلك.

ملامحه

وأما ملامح الرجل فتُستخرج من عمله لا من وصف واصف:

هو صبورٌ على المخطوط طويلُ النفس فيه، دقيقٌ في مقابلة النسخ وضبط الفروق، بارعٌ في الفهرسة واستخراج النقول من مظانّها البعيدة، غزيرُ الإنتاج مطّرده، منظّمٌ في إخراج ما يُخرج. وهذه خصالٌ تُحمد في بابها، وهي التي جعلت له هذا الحضور.

وهو في مقابل ذلك فقيرُ الأدوات في أصول الفقه، وفي قواعد المصالح والمفاسد، وفي فقه الواقع وتنزيل الأحكام على الأعيان، وفي فقه الخلاف ومراتب المسائل. وهذا الفقرُ هو أصل بلائه؛ فإن جمع النقول شيء، وفقهَ ما فيها وتنزيلَه على الناس شيء آخر. وكم من حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وكم من ناقلٍ لقولٍ هو أولُ من يضلّ في فهمه.

وهو حادُّ القلم، قليلُ الرجوع، لا يُعرف له تراجعٌ معلن عن مقالة من مقالاته بعد كل ما كُتب فيه؛ فقد رُدّ عليه منذ 1433 هـ إلى اليوم، وما زال يطبع ويعيد الطبع، وما وقفتُ له على إعلان رجوع عن حرف. وهذا في نفسه من أثقل ما يُحكم به على الرجل؛ إذ الفرق بين من زلّ ومن استقر على قوله بعد البيان فرقٌ حاكم.

وهو أخيرًا حذِرٌ في العبارة عند مواطن الخطر، لا يجاهر بالتكفير والتفسيق مجاهرةً تُحاسبه عليها بلده أو مجتمعه، ويكتفي بالتأصيل الذي يستخرج منه غيرُه النتيجة. فسلم في نفسه، ومضى غيرُه يدفع الثمن.

ما له من حق

وليس من العدل أن يُطوى ما للرجل من جهدٍ فني وتنظيمي ضخم.

فقد أخرج للمكتبة الإسلامية عددًا من النصوص المخطوطة النفيسة في عقائد المتقدمين، بعضُها كان مبعثرًا أو مفقودًا أو مطبوعًا طبعاتٍ رديئة لا تليق به. وله صبرٌ وجَلَدٌ وشغفٌ في تتبع النسخ ومقابلة المخطوطات وصفّها وإخراجها في حلة طباعية ممتازة تخدم الباحثين وتُثري الخزائن.

ويُذكر له استدراك ما ضاع من أجزاء «السنة» للخلال، وخدمةُ موسوعات اللالكائي وابن بطة، وجمعُ شتات المصنفات في «الاحتجاج بالآثار السلفية» على ما فيه. وله ردودٌ على بعض غلاة المتصوفة والرافضة أصاب فيها وجه الحق.

ولو أن الرجل وقف عند هذا القدر، فحقق النص وضبطه وخرّج آثاره وترك الحكم على العباد لأهله، لكان له في تاريخ نشر التراث العقدي شأنٌ عظيم، ولذُكر بالخير، ولاقتنى كتبَه من يخالفه ومن يوافقه.

ونحن نذكر هذا إنصافًا لا مجاملة؛ فإن الميزان الذي نزن به خصمنا هو الميزان الذي نُوزن به. ومن أراد أن يُصدَّق في تسع فضائح فليصدُق في العاشرة، وليذكر لخصمه ما له كما ذكر ما عليه.

أثره

وأثرُ الرجل يُقاس بشيئين: بما دخل به إلى المكتبة، وبما دخل به إلى القلوب.

فأما المكتبة فقد صارت طبعاتُه في كثير من كتب الاعتقاد هي الطبعةَ المتداولة عند شريحة واسعة من الشباب، تُشترى وتُصوَّر وتُرفع على المكتبات الرقمية ومواقع التحميل، ويُحال إليها في البحوث. وهذا يعني أن حواشيه صارت جزءًا من الذاكرة العلمية لجيل كامل، وأن نقضها لا يكفي فيه مقالٌ ولا مقالان.

وأما القلوب فقد خرّج بها نمطًا من الطلبة: شابٌّ يحفظ أسماء المخطوطات، ويحسن الاستدلال بالآثار، ولا يعرف من أئمة الأمة إلا مثالبهم؛ يدخل إلى العلم من باب الحكم على العلماء لا من باب طلب العلم. وهذه أخطرُ ثمراته؛ فإن الرجل يموت وتبقى المسطرة التي علّمها للناس.

وهذا التيار في مجموعه (وآل حمدان مؤصِّله الورقي وشمس الدين والخليفي واجهتُه الرقمية) قد شغل قطاعًا من شباب الأمة بأكل لحوم علمائها في زمنٍ تُقصف فيه المدن وتُحاصر فيه الشعوب. فأيّ ثمرة أمرّ من هذه؟

الخلاصة النهائية

قلتُ: فالحاصل من مجموع حال عادل بن عبد الله آل حمدان الغامدي ومسيرته أنه باحثٌ مُجدّ في صنعة التحقيق، ابتُلي بالغرور فصدّق في نفسه ألقاب أتباعه، وبضيق العطن فلم يرَ في الأمة إلا مبتدعًا أو مداهنًا لمبتدع، حتى صار رأسًا من رؤوس الحدادية في هذا العصر ومؤصِّلَها الورقيّ الذي لم يبلغه أحدٌ منهم.

ولم يكن خلافه مع الأمة في إثبات صفات الله ولا في تعظيم السنة؛ فذلك حقٌّ يُنصر ويُشكر من نصره. وإنما كان خلافه في الميزان: ميزانٌ مختلّ يجعل زلة العالم كفرًا، وتأويلَ المجتهد زندقة، وسكوتَ المتبيّن مداهنة، وحاشيةَ المحقق محكمةً يُجلد فيها الأئمة.

وليس هذا امتدادًا للسلفية، بل هو تشويهٌ لها من داخلها، وسيفٌ سُلّط على أهل السنة من جهة كتبهم هم؛ وهو الوجه الآخر للخوارج، يقرؤون نصوص السنة لا تجاوز حناجرهم.

فأما ما يؤخذ عنه فطبعاتُ المتون مجردةً من حواشيها لمن كان أهلًا للتمييز، وجهدُه في تحرير النص وضبطه ومقابلة النسخ، وردودُه على غلاة الصوفية والرافضة فيما أصاب فيه.

وأما ما لا يؤخذ عنه بحال فأربعة: قاعدتُه في التصحيح بمجرد الإسناد، فإنها هدمٌ لصنعة أهل الحديث؛ وأحكامُه على الرجال أحياءً وأمواتًا، فإنها خارجةٌ عن قواعد الجرح المنضبط؛ ودعاواه في الإجماعات، فإن أكثرها لا يثبت عند النظر؛ وتنزيلُه لأحكام أهل السنة في الجهمية والمعتزلة على أعيان المعاصرين.

وأما ما يُحذَّر منه تحذيرًا مغلَّظًا فحواشيه على «إثبات الحد» للدشتي، و«الاحتجاج بالآثار السلفية»، و«التنبيهات الجلية»، وحواشيه على كتب السنة الكبار؛ فإنها تُفسد القلب، وتورث القسوة، وتُجرّئ الصغير على التطاول على الجبال.

وأما موقفه من قضايا الأمة فموقوفٌ عندي على البحث، لم أقف له فيه على كلام، وسكوتُه عنه مع كثرة كلامه في غيره حجةٌ عليه لا له.

وعليه؛ فلا نرى لطالب علم مبتدئ أن ينظر في تحقيقاته ولا أن يقتني طبعاته؛ فمن أراد كتب السنة المتقدمة فليقرأها بتحقيقات من جمع بين العلم والرحمة، وليعلم أن السنة لا تُخدم بهدم حملتها.

فارجع بعد هذا كله إلى ذلك الشاب الواقف في المعرض بين الرفوف، يقلّب مجلدًا أنيقًا ثخين الورق، مكتوبًا على غلافه اسمُ إمامٍ من أئمة القرن الرابع، فرحًا أنه ظفر بكتاب لم يكن يجده. هو لا يدري أن الذي سيقرؤه ليس كلام ذلك الإمام وحده، وأن تحت كل صفحة يدًا تنتظره لتأخذ منه، وهو يظن أنها تعطيه. ذلك الشاب هو ضحية هذه السيرة كلها، لا مؤلفوها ولا ناقدوها؛ وله كُتبت هذه الترجمة قبل غيره.

نسأل الله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم أن يهدي عادل بن عبد الله آل حمدان إلى الحق ويردّه إليه ردًّا جميلًا، وأن يبصّره بمزالق الغلو قبل أن يُسأل عن حواشيه، وأن يجعل ما بذل من عمره في خدمة النصوص شفيعًا له لا حجةً عليه، وأن يقطع عن الأمة شرّ ما أصّل، وأن يردّ من افتُتن بكلامه إلى جادة أهل السنة في العلم والرحمة، وأن يحفظ على شباب المسلمين دينهم وعلماءهم، ويجمع قلوب أهل السنة على الحق والعدل والإنصاف.