لمحة من حياة الإمام النووي وطلبه للعلم الشرعي

قناة مكافح الحدادية 26 أبريل 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

سلسلة دروس ألقيت بين يدي شرح رياض الصالحين تترجم لمصنفه ترجمة تربوية مؤثرة: كيف صنعت النشأة والجد والورع إمامًا مات دون الخامسة والأربعين وبقيت مصنفاته بين أيدي الأمة إلى اليوم، مع وقفات للآباء وطلاب العلم في كل محطة من سيرته.

نشأة لا تشبه نشأتنا

ولد النووي سنة 631 في نوى ونشأ في بيت صالح، وحفظ القرآن وقد ناهز الاحتلام. ويروي شيخه ياسين الزركشي أنه رآه ابن عشر والصبيان يكرهونه على اللعب وهو يهرب منهم ويبكي ويردد حفظه، وأن أباه جعله في دكان فما كان يشتغل بالبيع عن القرآن، فأوصى معلمه به وقال: يرجى أن يكون أعلم أهل زمانه وأزهدهم. ويقف الشيخ المحاضر هنا وقفة صريحة مع تربيتنا اليوم: جل عنايتنا بتسمين الأبدان وتأمين الوظائف، ونحسب ساعتي قراءة رقمًا قياسيًا، والتسمين لا نعرفه إلا للعجول، أما صناعة العلماء فتبدأ من نشأة كهذه.

مدرسة الجد

قدم دمشق ابن 19 فسكن المدرسة الرواحية يقتات خبزها، فحفظ التنبيه في أربعة أشهر ونصف، وبقي سنتين لا يضع جنبه على الأرض، يحضر كل يوم 12 درسًا في الفقه والحديث والأصول والنحو والتصريف وأسماء الرجال، ويقرأ في الطريق ذهابًا وإيابًا، حتى قال الذهبي: لزم الاشتغال ليلًا ونهارًا نحو 20 سنة حتى فاق الأقران. وسمع الكتب الستة والمسند والموطأ وشرح السنة وسنن الدارقطني، وهم أن يتعلم الطب فاشترى القانون فأظلم قلبه فباعه فأنار قلبه، درسًا في أن العلم الشرعي يطلب بتفرغ لا بمزاحمة، كما قال الشافعي: لو كلفت بشراء بصلة ما حفظت مسألة.

ورع يجسد العلم عملًا

لم يكن علمه للمعلومات، فالعلم عنده للعمل، ولهذا ظهر أثره في حاله: كان لا يجمع بين لونين من الطعام، ويقتات مما يرسله أبوه من كعك وتين، ولم يأخذ من راتب دار الحديث الأشرفية درهمًا بل جمعه واشترى به كتبًا وأملاكًا وقفها على المدرسة، وترك فاكهة دمشق كلها لشبهة في بساتينها الموقوفة، وترك الخيار كي لا يرطب جسمه فيجلب النوم، ولبس الثوب الخام والعمامة الصغيرة لا يتميز عن عامة الناس.

قوة في الحق أمام السلطان

وتفصل الدروس موقفيه مع الظاهر بيبرس: لما وضع الحوطة على بساتين الناس كتب إليه النووي أن هذه الحوطة لا تحل عند أحد من علماء المسلمين، فغضب السلطان وأمر بقطع رواتبه وعزله من مناصبه، فقيل له: ليس له راتب ولا منصب، ثم مشى إليه بنفسه فصرف الله قلبه عن البطش وأبطل المرسوم. ولما أراد أخذ أموال التجار لحرب التتار واستفتى العلماء امتنع النووي وقال له: عندك ألف مملوك بحوائص الذهب، فجرد مماليكك وابدأ بنفسك، فإن لم يكف بعد ذلك أفتيتك بالأخذ. فأمره بالخروج من دمشق فخرج إلى نوى، فلما طلب الفقهاء عودته قال: والله لا أدخلها والظاهر بها، فمات الظاهر بعد شهر.

الخلاصة

ودع النووي أصحابه بعد نحو 28 سنة في دمشق وعاد إلى نوى فتوفي بها سنة 676، فارتجت دمشق بالبكاء ورثاه الشعراء بمئات الأبيات، وقال ابن حجر: لا أعلم نظيره في قبول مقالته عند سائر أرباب الطوائف. سيرة تجيب وحدها عن سؤال هذا الزمان: لماذا اجتمعت الأمة على هذا الرجل؟ لأنه جمع ما تفرق في غيره: علم غزير، وعمل به، وزهد صادق، وقول للحق لا يخاف فيه سلطانًا.