رد أبي الفضل على عبد الرحمن دمشقية في تكفير السيوطي بسبب موقفه من ابن عربي

الشيخ أبو الفضل المصري 7 أغسطس 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري في هذه الحلقة على مقطع لعبد الرحمن دمشقية دعا فيه لجانًا علمية في الشام إلى تكفير الإمام السيوطي أو موافقة محمد بن شمس الدين في حكمه عليه، اعتمادًا على رسالة قديمة دافع فيها السيوطي عن ابن عربي. ويعيد أبو الفضل فحص الكتب التي استند إليها دمشقية، فيصحح نسبة أحدها، ويفصل بين إنكار مقالات ابن عربي والحكم على من أحسن الظن به، ثم يعرض نصوصًا يقول إنها تثبت أن السيوطي حرّم النظر في كتب ابن عربي، وكفّر القول بالحلول والاتحاد، ووصفه لاحقًا بالابتداع ووصف طريقته بالزندقة. وبذلك يجعل الحلقة نقدًا للتكفير باللازم، ولإخفاء النصوص التي تغيّر صورة المسألة، ولتنزيل الحكم العام على المعيّن من غير مراعاة العلم والقصد والتأويل والتراجع.

الكتاب المنسوب خطأ إلى السيوطي

بدأ أبو الفضل بتصحيح أساس مادي في عرض دمشقية. فقد ظهرت على الشاشة صورة كتاب «تسفيه الغبي في تنزيه ابن عربي»، وقال دمشقية إن السيوطي ألّفه دفاعًا عن ابن عربي، بينما يبين أبو الفضل أن مؤلفه هو إبراهيم بن محمد الحلبي، وأنه كتاب يرد على السيوطي لا كتاب للسيوطي.

ويرى أن اجتماع التصريح باسم مؤلف غير صحيح مع إظهار غلاف الكتاب لا يفسر بمجرد سبق اللسان، بل يدل على أن المادة لم تُراجع من أصلها. ثم يفرّق بين هذه الرسالة وبين رسالة السيوطي «تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي»، وبين كتاب البقاعي الذي رد عليه السيوطي.

إنكار مقالات ابن عربي ليس موضع النزاع

عرض أبو الفضل المقولات التي نسبها دمشقية إلى ابن عربي في الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، وكرر البراءة منها ووصفها بالكفر والضلال. لكنه شدد على أن رفض هذه الأقوال لا يساوي قبول تكفير السيوطي، وأن الاعتراض منصب على طريقة تنزيل الحكم على شخص لم يثبت أنه اعتقد تلك المقالات أو دافع عنها لكونها حقًّا.

واستشهد بكتاب عن عقيدة ابن عربي قال إن مؤلفه جمع أحكام عشرات العلماء عليه. وقرأ منه معنى أن الحكم لم يبن على محبة التكفير، بل على اجتماع أمرين: صدور نواقض صريحة، وسبق العلماء إلى الحكم على صاحبها. وجعل هذا هو الفارق بين اتباع أهل العلم وبين تصدر الأفراد للحكم على الأعيان.

هل دافع السيوطي عن الحلول والاتحاد؟

كرر دمشقية في المقطع أن السيوطي دافع عن ابن عربي صاحب تلك المقالات. أما أبو الفضل فينفي أن يكون السيوطي قد دافع عن مضمون الحلول والاتحاد، ويقول إن محل دفاعه كان تبرئة ابن عربي من قصد تلك المعاني أو ثبوتها عليه، اعتمادًا على وجوه من التأويل وحسن الظن يراها أبو الفضل ضعيفة أو خاطئة، لكنها لا تجعل السيوطي مقرًّا بالكفر.

ولهذا يفصل بين قولين مختلفين: أن تكون المقالة كفرًا، وأن يكون شخص بعينه قد قالها عالمًا بمعناها ملتزمًا لها. ويرى أن دمشقية نقل الحكم من المقالة إلى السيوطي بواسطة لوازم متتابعة: ابن عربي قال قولًا كفريًا، والسيوطي دافع عنه، ومن دافع عن قائل الكفر كافر؛ من غير إثبات أن السيوطي التزم المقالة أو سوغها.

مكانة السيوطي ليست مبنية على كتاب واحد

اعترض أبو الفضل على اختزال مكانة السيوطي في تأليفه «الإتقان في علوم القرآن». وذكر من وجوه خدمته للعلم جمعه الواسع للتفسير بالمأثور والحديث، وتصنيفه في علوم القرآن واللغة والفقه ومصطلح الحديث، وكثرة مؤلفاته واعتماد العلماء على عدد منها.

ثم نسب إلى عدد من علماء العصر إطلاق وصف الإمام والحافظ على السيوطي، منهم علماء اللجنة الدائمة وابن باز والألباني وأبو إسحاق الحويني. ومقصوده أن الحكم على رجل بهذه المنزلة لا ينشأ من اقتطاع واحد ولا من اجتهاد شخص متأخر، بل يحتاج إلى علم بأقواله ومراحل موقفه وأحكام العلماء السابقين عليه.

الرد على نسبة الاستهزاء بالقرآن

تناول أبو الفضل اتهام السيوطي باستعمال آيات القرآن في سياقات هزلية أو جنسية، وربطه بكتاب «رشف الزلال». فقال إن نسبة الكتاب ومواده إلى السيوطي سبق أن نوقشت، وإن السيوطي نفسه نص في «الإتقان» وفي رسالة أخرى على تحريم استعمال الآيات في مواضع الهزل.

وبناء على ذلك يرفض جعل هذه المادة المختلف في نسبتها طريقًا إلى التكفير، ولا سيما مع وجود نص صريح للسيوطي يخالف ما نسب إليه. ويعيد المسألة إلى قاعدة الإثبات: لا ينتقل الحكم من كتاب مختلف في نسبته إلى تكفير إمام من غير سند محكم ولا سبق معتبر من أهل العلم.

الخلاف مع الحدادية في تنزيل الأحكام

رفض أبو الفضل وصف محمد بن شمس الدين بأنه أخ لهم في المنهج مع بقاء هذا الخلاف. وقال إن موضع النزاع ليس الصفات أو توحيد الربوبية والألوهية، بل تنزيل أحكام الكفر والبدعة على المعيّنين من غير ضوابط، وهو المسلك الذي يقارنه بطريقة الخوارج في استعمال نصوص صحيحة ثم إسقاطها على غير محلها.

ويرى أن الحدادية خالفت طريقة أهل السنة في الحكم على الأعيان، ثم ألزم دمشقية بموقفه من الطعن في ابن حجر ووصف الألباني بالإرجاء. فإذا كان يصفهما بالإمامة وشيخ الإسلام، فواجب ذلك عند أبي الفضل أن يقف بصرامة أمام من يسوغ تكفيرهما أو يسلبهما اسم السنة، لا أن يجعلهم إخوة في المنهج.

من عظّم ابن عربي لجهله بحقيقة كلامه

عرض أبو الفضل نصوصًا تفرق بين من عرف حقيقة مقالات ابن عربي فدافع عنها، وبين من أحسن الظن به ولم يطلع على كتبه أو حمل ألفاظه على محامل أخرى. ونقل أن بعض أهل العلم وصف الصنف الثاني بالجهل والضلال، لا بالكفر، وأن علماء وصالحين مدحوا ابن عربي بناء على ما اشتهر من زهده قبل أن تظهر لهم حقيقة بعض مصنفاته.

وذكر أن ابن تيمية نفسه صرح بأنه كان في أول أمره يحسن الظن بابن عربي ويعظمه لما رآه في كتبه من فوائد، ثم صار بعد الاطلاع على حقيقة مقصوده من أشد الناقدين له. فلو كان مجرد التعظيم في مرحلة الجهل موجبًا للكفر، للزم إدخال هؤلاء العلماء في الحكم نفسه، وهو ما يراه أبو الفضل شاهدًا على فساد الإطلاق.

التكفير باللازم

وقف أبو الفضل عند قول دمشقية إن تكفير ابن عربي ومن عظمه أو دافع عنه يوجب موافقة ابن شمس الدين على تكفير السيوطي. وعد هذا انتقالًا من قول الشخص إلى لوازم لم يلتزمها، مع أن قاعدة أهل السنة عنده أن لازم المذهب لا يكون مذهبًا لصاحبه حتى يلتزمه، وأن الحكم على المعيّن لا يبنى على سلسلة احتمالات.

وأضاف أن من دافع عن شخص لجهله بحاله، أو ظن أن الكلام مدسوس عليه، أو حمله على معنى غير كفري، يختلف عمن عرف المقالة وأقرها. أما تعيين الأفراد بالكفر فمرده إلى العلماء بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، لا إلى خصومة إعلامية أو إلزام جدلي.

السيوطي يصرح بكفر الحلول والاتحاد

قرأ أبو الفضل من رسالة للسيوطي في التصوف نصًّا يقرر أن الحلول والاتحاد كفر صريح وضلال مبين، وينقل تضليل القائلين به وتكفيرهم عن عدد من أئمة التصوف والعلم. وجعل هذا النص من أقوى ما ينقض دعوى أن السيوطي كان يرى مقالات وحدة الوجود حقًّا أو يدافع عنها من حيث مضمونها.

فإذا كان السيوطي يكفر القول نفسه، لم يعد ممكنًا عند أبي الفضل تفسير دفاعه القديم عن ابن عربي بأنه إيمان بالحلول والاتحاد. وأقصى ما يثبته هو أنه أخطأ في تحقيق نسبة الأقوال إلى صاحبها أو في تأويلها، والخطأ في التعيين شيء، واعتقاد المقالة الكفرية شيء آخر.

موقف السيوطي القديم من كتب ابن عربي

عرض أبو الفضل مضمون رسالة «تنبيه الغبي»، وفيها ذكر السيوطي اختلاف الناس في ابن عربي بين معتقد لولايته، وحاكم بضلاله، ومتوقف في أمره. وقال إن السيوطي اختار يومئذ إحسان الظن به، لكنه حرّم النظر في كتبه وإقراءها، وعد المتصدي لها مضرا بنفسه وبالمسلمين.

ويرى أبو الفضل أن هذا الموقف ـ مع خطئه في تبرئة ابن عربي ـ لا يساوي الدفاع عن نصوص الحلول والاتحاد؛ لأن السيوطي منع من كتبه ولم يقرر مضامينها. وقارنه بموقف نقله عن علي القاري، إذ رأى الاحتياط في التوقف عن تعيين ابن عربي مع تحريم مطالعة كتبه لما فيها مما يخالف عقائد المسلمين.

النصوص التي تثبت تراجع السيوطي

جعل أبو الفضل أهم أدلته من الكتاب الذي أظهره دمشقية نفسه. فقد نقل محققه أن السيوطي شدد لاحقًا على ابن عربي وأهل الوحدة، وقرأ من «التحبير لعلم التفسير» وصف ابن عربي بالمبتدع، ووصف الكتاب المنسوب إليه في تفسير القرآن بأنه كفر كله.

ثم قرأ من «إتمام الدراية شرح النقاية» تمييز السيوطي بين طريق الجنيد الذي يراه خاليًا من البدع، وطريق ابن عربي وأمثاله الذي وصفه بالزندقة ومنافاة الكتاب والسنة. واستنتج أن السيوطي رجع عن حسن ظنه القديم، وأن الاستدلال بمرحلة سابقة مع إخفاء هذا النص اللاحق يغيّر حقيقة القضية.

المقارنة بموقف ابن تيمية

عرض أبو الفضل نصوصًا لابن تيمية يذكر فيها ما في كلام ابن عربي من الكفر، ومع ذلك يقول إن ابن عربي أقرب أصحاب هذا الاتجاه إلى الإسلام لكثرة ما في كلامه من فوائد واضطرابه في الاتحاد، ويكل علم ما مات عليه إلى الله. ثم عرض نصوصًا أخرى أشد في نقده.

وأراد من ذلك بيان أن انتقال العالم من حسن الظن إلى النقد الشديد لا يجعل مرحلته الأولى كفرًا، وأن جمع كلامه وترتيبه واجب قبل محاكمته. فإذا قبل هذا في ابن تيمية، فلا وجه عنده لرفضه في السيوطي بعد ظهور النصوص الدالة على تراجعه.

تصحيح عبارتين منسوبتين إلى السيوطي

نفى أبو الفضل أن يكون السيوطي قال لأهله بعد موته: اذهبوا إلى قبري واستغيثوا بي. وقال إن اللفظ الذي وقف عليه مختلف وقابل لتأويلات، فلا يصح تحويله إلى صيغة صريحة في دعاء الميت ثم بناء التكفير عليها.

وتناول عبارة «استغثت بالنبي» في «حسن المحاضرة»، فقال إن دمشقية نفسه كان يقرر قديمًا أن بعض العلماء يستعمل الاستغاثة بمعنى الاستغاثة بالله بواسطة النبي، وأن هذا المعنى وإن عُد خطأً أو بدعةً عند من يخالفه فهو شبهة تمنع التكفير المباشر. ثم سأله: لماذا ألغي اليوم التفصيل الذي قرره في كتبه وردوده سنوات طويلة؟

إبراهيم الحلبي يثني على الإمام النووي

ختم أبو الفضل بفائدة من إبراهيم الحلبي، مؤلف الكتاب الذي استند إليه دمشقية في الرد على السيوطي. فقد قرأ منه وصف الإمام النووي بشيخ الإسلام وولي الله. وسأل عن منهج ينتقي من الرجل نقده للسيوطي، ثم يهمل ثناءه الصريح على النووي الذي باهل محمد بن شمس الدين على تبديعه وسوغ آخرون تكفيره.

كما نبه إلى أن الحلبي رد على السيوطي ولم يكفره، فصار الاستناد إليه لإثبات كفر السيوطي تجاوزًا لحكم المؤلف نفسه. ودعا دمشقية إلى الرجوع إلى منهجه القديم في التحذير من التكفير المتهور، وفي تقرير الأعذار والضوابط قبل الحكم على أعيان المسلمين.

الخلاصة

يخلص الشيخ أبو الفضل المصري إلى أن الحجة المعروضة لتكفير السيوطي قامت على أربعة اختلالات: نسبة كتاب إبراهيم الحلبي إلى السيوطي، وتحويل تبرئة قديمة لشخص ابن عربي إلى إقرار بمقالاته، وتكفير السيوطي بلوازم لم يلتزمها، وإغفال نصوصه اللاحقة التي وصف فيها ابن عربي بالابتداع وطريقته بالزندقة. ويؤكد أن إنكار الحلول والاتحاد لا نزاع فيه، وإنما النزاع في حفظ الفرق بين المقالة وقائلها، وفي إثبات التهمة قبل الحكم، وفي قبول تراجع العالم إذا ثبت من كتبه. ومن ثم يدعو دمشقية إلى العودة إلى تحذيره القديم من التكفير المتعجل، وإلى تطبيق ميزان واحد على السيوطي والنووي وسائر أئمة المسلمين.