الصندوق الأسود للحدادية: شاهد عيان يروي نشأة الفرقة ومسار الغلو
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يفتح أبو عمر الباحث في هذه الحلقة الصندوق الأسود لنشأة الحدّادية مع الشيخ أبي محمد الكويتي، وهو شاهد عيان عاش بداياتها في المدينة النبوية أوائل التسعينيات، ثم ينضم الشيخ أبو الفضل المصري ليقارن بين طبعتها الأولى والحدّادية التكفيرية المعاصرة. وتكشف الشهادة كيف بدأ الغلو شدةً في مسائل الخلاف، ثم تحول إلى عزلة عن العلماء، وامتحان للمشايخ، وحرب على كتب الإسلام، وتبديع للأئمة، حتى انتهت النسخة المعاصرة إلى تكفير الأعيان والطعن في أعلام الأمة.
شهادة من داخل الحدث
يعرّف أبو محمد بنفسه طالبًا سابقًا في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية، درس على عدد من علماء المدينة ولازم الشيخ عبد المحسن العباد. ويقرر أنه لا يروي حكايات بعيدة، بل يتحدث عن وقائع رآها أو سمعها أو شارك فيها، ويلتزم ألا ينسب إلى محمود الحداد ما لم يقف عليه بنفسه. وغرضه من فتح هذا الملف تحذير الشباب من الطريق الذي جرّب مرارته وأضاع على أصحابه الانتفاع بعلماء كبار.
من شدة الخلاف إلى جماعة مغلقة
بدأت البذور زمن الخلاف في مسائل حرب الخليج والاستعانة، وكانت العلامة الأولى غلظةً شديدة على طلبة العلم المخالفين. ثم أخذ بعض الشباب يبتعدون عن حلقات العلماء ويجتمعون في مجالس خاصة، ويصفون المشايخ بالتخاذل والبعد عن كتب السلف. وهكذا انتقلوا من التعلم على العلماء إلى محاكمتهم، ومن مناقشة المسألة إلى الحنق على من لم يحمل حدتهم.
التدرج في إسقاط الكتب والأئمة
بدأ الخطاب بطلب التنبيه إلى أخطاء بعض الكتب، ثم صار تحذيرًا من قراءتها، ثم دعوةً إلى تركها، حتى بلغ المطالبة بإحراقها. ودخل في هذا المسار فتح الباري وشرح النووي على مسلم وكتب المصطلح ومؤلفات حفظت علوم الحديث والفقه. وهذه ليست غيرة علمية؛ لأن النقد المنضبط يرد الخطأ ويبقي الانتفاع، أما إحراق تراث الأمة فيسقط العلم وأهله معًا.
محمود الحداد كما عرفه معاصروه
عرفه أبو محمد من مجالس العلم ومن باب المخطوطات والتحقيق، ووصف اهتمامه بها مع غرابة منهجه في التحقيق والنقد. وكان حاد الطبع واللسان، شديد الغضب، يقلل من شأن من خالفه، ويعامل الناس بقاعدة: من لم يكن معنا فهو ضدنا. وصارت فاكهة مجالسه الطعن في فلان، وتبديع فلان، ومنع الترحم على فلان، حتى غلب التصنيف على طلب العلم.
موقف الشيخ حماد الأنصاري
ذهب محمود الحداد إلى الشيخ حماد الأنصاري ينكر وجود نسخ فتح الباري في مكتبته ويحذره من الكتاب. فألزمه الشيخ أولًا أن يؤلف كتابًا في منزلته قبل أن يحرم الناس من علم ابن حجر، ثم اشتد عليه عندما تبين له أن الكلام جاد. وكانت مواجهة العلماء لهذا المسلك واضحة؛ لأن صيانة السنة لا تكون بإحراق الكتب التي شرحتها وخدمت علومها.
ميزان دقيق في نسبة التكفير
يشهد أبو محمد بأنه لم يسمع محمود الحداد يكفر شخصًا بعينه، ولا حتى السيوطي، وإنما سمع منه التبديع ومنع الترحم. ثم يذكر أنه كان في مرحلته الأخيرة يسمي الأشاعرة جهمية ويكفرهم على العموم. وهذا التفصيل يحفظ حقيقة النسخة القديمة، ويبين في الوقت نفسه أن الحدّادية التكفيرية المعاصرة زادت على ذلك بتكفير أعيان من أئمة الإسلام أو تسويغ تكفيرهم.
أصول الغلو الحدادي
يجمع أبو محمد أبرز سمات القوم في الغلو في تبديع المعيّن، ومنع الترحم على المخالف، وإهمال المصالح والمفاسد، وعقد الولاء والبراء على مسائل اجتهادية لم تعقد الشريعة عليها ذلك، كمسائل العذر وبعض الفروع الفقهية. فالرأي عندهم يتحول إلى امتحان، ثم يصير المخالف فيه مطعونًا في دينه ولو كان الخلاف سائغًا بين أهل العلم.
الانتقاء والبتر بدل جمع كلام العلماء
يعتمد هذا المنهج أثرًا واحدًا يوافق النتيجة المسبقة، ثم يترك بقية الباب وأقوال الأئمة وطرق الجمع بينها. ويحذر أبو محمد من أنهم غير مأمونين في النقل؛ يبترون الكلام عند الموضع الذي يخدمهم ويسقطون ما بعده. ويضرب لذلك مثالًا بمن يحتج بكلام المتأخرين من أئمة الدعوة النجدية، ثم يهاجم غيره لمجرد رجوعه إلى كتب المتأخرين؛ فالمعيار يتغير مع النتيجة المطلوبة.
السؤال الذي يهدم دعوى التعالم
أثقل سؤال على هذه المدرسة: من شيوخكم؟ ظهر رجالها صغارًا متقاربين في السن، لا يعرف لهم تدرج على العلماء ولا عالم يربيهم، ثم بلغ ببعضهم أن أعلن الاستغناء عن المشايخ. لكن العلم في هذه الأمة إسناد وتلقٍّ وتربية، ومن لم يصبر على أبواب العلماء لا تؤهله مطالعة متفرقة لمحاكمة الأئمة وتبديع المسلمين.
الضعف في القرآن وعلوم الآلة
يصف أبو محمد ضعفهم الظاهر في قراءة القرآن والعربية والفقه والمصطلح، مع التعلق بالغرائب التي تلفت الأنظار. ولم يكن هذا الضعف مانعًا من التقدم للفتوى والتصنيف؛ بل صاحبته ألقاب ضخمة، وجرأة على العلماء، وتتبع لمسائل الشهرة والخلاف، مع قلة الصبر على الدراسة التي تكشف قدر الأئمة ودقة صناعتهم.
امتحان العلماء وطلب المناظرة والمباهلة
لا يذهب الحدادي إلى العالم ليتعلم، بل يحمل إليه سؤالًا يصطاد به جوابًا يصنفه على أساسه. ويكثر في هذا الخطاب طلب الشهادة والحلف، ثم الدعوة إلى المناظرة، ثم القفز إلى المباهلة. فإذا لم يوافقه العالم زعم أنه أقام عليه الحجة، وحوّل مجلس المشاورة إلى خصومة ينتهي بها إلى إسقاط المخالف.
كيف يجذب الغلو صغار الطلبة
أكثر الأتباع شباب لم يتدرجوا في الطلب؛ وجدوا الطعن وقوائم الرجال أسهل من حفظ العلم وفهمه. فالحديث عن الأشخاص يمنح صاحبه شعورًا سريعًا بالبطولة، أما التحصيل فيحتاج سنوات من الصبر. ولهذا يحذر أبو محمد من المجالس التي تستهوى فيها الخصومات، ويوصي برفع الإسناد إلى العلماء المعروفين بدل رؤوس الجهال.
الطبعة المعاصرة من المنهج نفسه
يطبق أبو الفضل الصفات التي رواها الشاهد على الخليفي ومحمد شمس الدين ودمشقية: الغلو في الأعيان، والطعن في المترحم على الأئمة، وامتحان الناس، وغياب الشيوخ، وضعف التحصيل، والانتقاء من كلام العلماء، والتعالم أمام كبار الأمة. فالوجوه تغيرت، لكن البنية واحدة؛ بل اتسعت الفتنة بوسائل النشر ووصلت أحكامها إلى العالم والجاهل والمسلم وغير المسلم.
هدم القمم طريق إلى هدم الإسلام
ينقل أبو الفضل معنى عنوان للدكتور محمد إسماعيل المقدم: هدم القمم طريق مختصر لهدم الإسلام. فإسقاط النووي وابن حجر وأبي حنيفة والسيوطي لا يقف عند أشخاصهم؛ بل يطعن في الكتب والعلوم والشهادة التاريخية التي حملوها. ومن يهدم شهود الإسلام يهدم في نفوس الناس ما شهدوا له وخدموه.
الاعتقاد أولًا ثم البحث عن الدليل
يعترف الشاهد بأنهم كانوا يعتقدون الحكم ثم يلوون أعناق النصوص ليثبتوه. ويعرض أبو الفضل تطبيق ذلك في تكفير السيوطي: بدأ الحكم من وصفه بالجهمية، فلما ظهرت لوازم هذا المسلك على النووي والخطابي والبيهقي، انتقل صاحبه إلى أدلة أخرى تبرر الحكم السابق. وهذه ليست صناعة العالم الذي يتبع الدليل، بل صناعة نتيجة تبحث لنفسها عن مسوغ.
منهج الأئمة في الخطأ غير منهج الحدّادية
يضرب أبو محمد مثالًا بإنكار ابن باز على الألباني في مسألة وضع اليدين بعد الركوع؛ فقد وصف القول بالخطأ، ثم أثبت علم الألباني وفضله وسعة اطلاعه ودعا له بمزيد التوفيق. هكذا يرد العالم الخطأ ويحفظ قدر صاحبه، بخلاف الحدادي الذي يجعل كل مخالفة بوابةً إلى إسقاط الشخص وإهدار علمه.
التكفير له شروط وموانع
يقرأ أبو الفضل نص ابن تيمية في التفريق بين القول الكفري وتكفير القائل المعيّن، وأن المجتهد المؤمن إذا طلب الحق فأخطأ غفر الله له خطأه، وأن الإمام أحمد لم يكفر جميع أعيان الجهمية؛ لوجود التأويل والتقليد وعدم ظهور التكذيب والجحود لهم. وبهذا يظهر أن تكفير الأئمة بلا استيفاء للشروط وانتفاء للموانع مخالف لطريقة الصحابة وجماهير أئمة الإسلام.
التناقض يمزق رؤوس الحدّادية
تكشف الحلقة اختلاف رموز الحدّادية المعاصرة في الأعيان أنفسهم: يترحم أحدهم على أبي حنيفة، ويلعن آخر من يترحم عليه، ويتردد ثالث؛ ويصف أحدهم ابن حجر بشيخ الإسلام، ويكفره آخر، ويبدعه ثالث. والمنهج الذي يجعل كل خلاف امتحانًا لا يستطيع حفظ جماعته؛ لأنه سيرتد على رؤوسها فيبدع بعضهم بعضًا بالآلة نفسها.
لم يسلم منهم أئمة الإسلام
تمتد الطعون في الحلقة إلى الذهبي وابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن عبد البر وابن العطار، ثم إلى علماء العصر كالألباني وابن عثيمين. وكلما أُدخل إمام في دائرة الطعن استدعى ذلك إدخال من أثنى عليه وانتفع بعلمه، فتتسع الحلقة حتى لا يبقى للقوم عالم إلا من وافقهم.
تقطيع الحديث ليس تزويرًا
ينتهي الحوار بالرد على اتهام النووي بتزوير الحديث لأنه يورد موضع الشاهد منه في رياض الصالحين. فهذا صنيع معروف عند أئمة الحديث، وعلى رأسهم البخاري الذي قطع الحديث ووزعه على الأبواب بحسب موضع الاستدلال. تحويل هذه الصناعة الحديثية إلى تهمة يطعن في البخاري والترمذي وسائر من سلك طريقهما، لا في النووي وحده.
الخلاصة
توثق الحلقة مسارًا واحدًا: شدة في خلاف سائغ، ثم عزلة عن العلماء، ثم تعظيم للنفس، ثم امتحان وتصنيف، ثم إسقاط للكتب والأئمة، ثم تبديع، ثم تكفير في الطبعة المعاصرة. والنجاة من هذا الطريق تكون بلزوم العلماء، والصبر على التحصيل، وجمع كلام الأئمة، وحفظ حقوق المسلمين. أما الحدّادية التكفيرية فبنت حضورها على هدم القمم، ولن يصنع هدم الأئمة علمًا ولا سنة؛ وإنما يصنع قطيعةً مع تراث الإسلام وأهله.
