رد متشابه كلام السلف إلى محكمه يهدم استدلال الحدّادية

الشيخ صالح آل الشيخ - تقديم الشيخ أبو الفضل المصري 30 أكتوبر 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

لا يكفي أن يجد الإنسان آية أو حديثًا أو قولًا للسلف حتى يكون فهمه سلفيًا؛ فالخوارج احتجوا بالقرآن والسنّة ثم ضلوا باتباع المتشابه وترك المحكم. وكلام السلف وأفعالهم لا يفهمها جامع النقول، بل العالم الراسخ الذي يجمع النصوص، ويعرف أحوالها، ويرد جزئياتها إلى القواعد الكلية.

المحكم والمتشابه في الوحي

جعل الله في القرآن محكمًا يدرك معناه، ومتشابهًا يشتبه على بعض الناس ويعلمه أهل الرسوخ. وقد تؤخذ آية وحدها فتقود إلى تكفير صاحب الكبيرة أو التكفير المطلق بالحكم بغير ما أنزل الله، فإذا رُدت إلى المحكمات ظهر معناها الصحيح.

الحديث وكلام السلف كذلك

من السنّة ما يشتبه على من لم يجمع طرقها وشروحها، وفي أقوال الصحابة والسلف وأفعالهم ما لا يفهم إلا بسياقه وحاله. والموقف الجزئي لا يتحول وحده إلى قاعدة عامة تُحاكم بها الأمة.

الخوارج احتجوا بالنصوص

احتج الخوارج بآيات وأحاديث على تكفير مرتكب الكبيرة، ومع ذلك وصفهم النبي ﷺ بالمروق؛ لأنهم تركوا فهم الصحابة ولم يردوا المتشابه إلى المحكم. فالاستشهاد بالنص لا يعصم صاحبه من الضلال إذا فسد فهمه.

البحث الإلكتروني ليس علمًا

جمع النتائج من الكتب أو الشبكة ووضعها في ملف لا يصنع عالمًا. العلم يبدأ بمعرفة المحكمات، ثم تُفهم الأدلة الجزئية في ضوئها. أما من يبحث بكلمة ويكدس الشواهد ثم يرد بها العلماء فهو من أتباع المتشابه.

الأمة لا تخلو من قائم بالحجة

يعرف أهل العلم بمجموعهم المحكم من المتشابه، والأمة في مجموعها معصومة من الاجتماع على ضلالة. وإذا اشتبهت مسألة في الاعتقاد أو الحكم أو التعامل، وجب ردها إلى الراسخين امتثالًا لقوله تعالى: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون».

بساط الحال مفتاح كلام السلف

صدر كلام السلف في أحوال محددة، فلا يفقهه من ينقله إلى حال أخرى من غير نظر. وقد تبدو عبارة لابن تيمية أو لبعض العلماء مخالفة لقول متقدم، ثم يكشف الفقيه أن القولين خرجا من مشكاة واحدة لاختلاف السياق والمناط.

متى تنسب قاعدة إلى السلف؟

إما أن ينص السلف على القاعدة، وإما أن يستقرئ عالم راسخ متأنٍّ مجموع أقوالهم وأحوالهم ثم يصوغها. أما استقراء قول أو قولين أو عشرات مبتورة ثم إعلان قاعدة سلفية فطريق إلى نسبة ما لم يقولوه إليهم.

لماذا يعتمد تأصيل ابن تيمية؟

استقرأ ابن تيمية كلام السلف في أبواب الاعتقاد والسلوك استقراء واسعًا، وجمع الأقوال والأحوال قبل التقعيد. ولذلك تضبط قواعده فهم نصوصهم، ويظهر عند تطبيقها أن كلامهم لا يخرج عنها، بخلاف تقعيد المتعجل من شواهد منتقاة.

العبرة بالجمهور المتصف بالعلم والورع

نص الذهبي على أن كل إمام في الخير يجد من الجهال والمبتدعة من يذمه، وكل رأس ضلالة يجد من ينتصر له، وأن العبرة بقول الجمهور الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالعلم والورع.

أربع خصال تضبط المدح والقدح

لا يقبل حكم من عنده ورع بلا علم، ولا علم بلا ورع، ولا من تحركه العصبية والهوى، ولا من يجهل أحوال القضية. الناقد المعتبر عالم متورع، خال من الهوى والجهل، وإلا أفسد قلوب المسلمين وأحكامهم على الرجال.

المتوسط يتهمه الطرفان

من لا يمدح بإطلاق ولا يقدح بإطلاق قد يغضب المادحين والقادحين معًا. لكن الحق لا يعرف برضا الفريق، بل بالدليل والعدل؛ فالمؤمن الذي كثرت حسناته وقلت سيئاته عدل، وكفى المرء نبلًا أن تُعد معايبه.

يجتمع في الرجل موجب الحب والبغض

قد يصيب المسلم فيحب من جهة صوابه، ويخطئ أو يعصي فيبغض خطؤه من جهة أخرى. ليس العدل أن يتحول الإنسان بسبب زلة إلى شر محض، ولا أن تمحى زلته لأجل فضله. الوسط هو شعار أهل السنة بين طوائف الغلو.

ليس كل مدح حقًا ولا كل قدح حقًا

إهمال قواعد النظر في الرجال يجعل جماعة تعد كل مدح صحيحًا، وأخرى تجعل كل قدح هو الحق. والصواب وزن الكلام بميزان الشرع، مع معرفة منزلة المتكلم وحاله وأدلته، لا بمقدار حدته أو موافقته للجماعة التي ينتسب إليها.

الجماعة ما وافق الحق

قول ابن مسعود «الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك» لا يجعل كل منفرد مصيبًا، ولا يجعل القلة دليل الحق. كان أهل الإسلام قلة في أوله ثم صاروا كثرة، وقد تكون القلة شذاذًا؛ فالعلامة هي موافقة الحق الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنّة وقواعد الأئمة.

الحدّادية تتبع المتشابه

تجمع الحدّادية ألفاظًا شديدة لبعض السلف، وتفصلها عن المحكمات وعن أحوال القائلين وتطبيقات الأئمة، ثم تجعلها قواعد عامة للتكفير والتبديع. ورد هذه النقول إلى تأصيل العلماء يكشف أن الدعوى ليست اتباعًا للسلف، بل اتباعًا للمتشابه باسمه.

الخلاصة

السلامة ليست في كثرة المحفوظات ولا في الانفراد عن العلماء، بل في جمع النصوص، ومعرفة السياق، ورد المتشابه إلى المحكم، وترك النوازل للراسخين. ومن قاده فهمه إلى مهاوي التكفير والطعن في أئمة الأمة فجهله خير من علم لم يفقهه.