براءة أبي حنيفة من الكفر والبهتان: الحلقة الثانية

الشيخ أبو الفضل المصري 21 أكتوبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يستكمل الشيخ أبو الفضل المصري الدفاع عن الإمام أبي حنيفة، ويعرض خلاصة تحقيق عبد الرحمن المعلمي اليماني لروايات الطعن فيه، مبينًا أن الذي استقر عليه أهل العلم توقير الإمام وحسن الذب عنه، وإسدال الستار على الآثار التي يضر نشرها العامة ولا يثبت مقتضاها إلا بشروط دقيقة.

قصة «التنكيل» وميدان البحث

جمع الخطيب البغدادي في ترجمة أبي حنيفة أقوال المادحين والمنتقدين بأسانيدها، فكتب محمد زاهد الكوثري «تأنيب الخطيب»، ثم أجابه المعلمي بـ«طليعة التنكيل»، ورد الكوثري بـ«الترحيب بنقد التأنيب»، فكتب المعلمي «شكر الترحيب» وأتم «التنكيل». وبعد وفاته طبع الكتاب بتحقيق الألباني ومشاركة علماء، ثم صدرت طبعة بإشراف بكر أبي زيد.

دفاع الكوثري تجاوز حد العدل

قرر المعلمي أن الكوثري تعدى ما يوافقه عليه أهل العلم من توقير أبي حنيفة وحسن الذب عنه، فلجأ إلى المغالطة والطعن في أئمة السنة ونقلة الحديث وبعض الصحابة والأئمة الثلاثة، ورد أحاديث صحيحة وعاب الاعتقاد السلفي. والدفاع عن الإمام لا يحتاج إلى ظلم إمام آخر أو إسقاط قواعد الرواية.

الأدب لا يعني تصحيح العقيدة

سمى المعلمي خصمه «الأستاذ العلامة» مع شدة مخالفته له ودفاعه عن غلاة الأشاعرة؛ فهذا أدب في الحوار لا إقرار بالأخطاء. والرفق وحفظ الألقاب العلمية لا يمنعان الرد المفصل، كما أن الشدة اللفظية لا تصنع حجة.

لماذا أخفى المعلمي متون الطعون؟

تعمد المعلمي مناقشة الأسانيد دون إشاعة ألفاظ الطعن؛ لأن نشرها يوقع مفاسد: قد يحمل الحنفي المتعصب على بغض أئمة الحديث، ويمنح خصم أبي حنيفة مادة يطير بها دون فحص، ويجعل العامي يسيء الظن بالسلف جميعًا حين يراهم يطعن بعضهم في بعض.

العلم قد يكتم عمن يفتتن به

ليس كل ما يعلم يقال لكل أحد. استدل المقطع بامتناع النبي ﷺ عن إخبار العامة ببشارة قد تحملهم على الاتكال، وبإسقاط علماء الدعوة فصل ذم أبي حنيفة من بعض طبعات «السنة» لعبد الله بن أحمد. المقصود حماية الناس من علم لا يحسنون فهمه، لا محو التحقيق العلمي عند أهله.

عشرة شروط قبل إثبات الذم

وضع المعلمي عشرة ضوابط للرواية الناقدة: ثقة الراوي المعين، وثقة بقية السند، واتصاله، والسلامة من العلة الخفية، ومن التصحيف والتحريف والرواية المغيرة للمعنى، وثبوت أن ظاهر الكلام هو مراده، وأن الناقد بنى قوله على حجة، وأن الفعل لم يقع على وجه سائغ، وألا يكون للمنقود عذر أو تأويل، وأن يثبت عدم رجوعه عن القول.

سقوط شرط واحد يمنع الحكم

لا يكفي تصحيح ظاهر السند؛ فقد يبني إمام حكمه على خبر بلغه خطأ، كما اتهم البخاري بقول لم يقله في مسألة اللفظ بالقرآن، وقد يحمل الناقد فعلًا على وجه مذموم وله عند صاحبه وجه سائغ، أو يجهل عذرًا أو توبة. فإذا اختل واحد من الشروط لم يثبت الذم.

عبارات التنفير لها سياق

قد يطلق عالم عبارة شديدة في فاضل ليمنع الناس من الغلو في اتباعه في مسألة مخصوصة، لا ليهدم إمامته. لذلك لا يصح اقتطاع العبارة من سببها وجعلها عقيدة نهائية في الرجل، ولا تسويغ أن يتجرأ بها غير المؤهل على الأئمة.

سبعمئة سنة من إسدال الستار

خلص المعلمي إلى أن مقتضى الحكمة اتباع ما مضى عليه أهل العلم قرونًا من إغلاق ملف الخصومات القديمة، وتقاربهم في الثناء على أبي حنيفة. يكتفي الحنفية بقولهم إن الخطيب أورد حكايات لا تصح، ولا يطعنون فيه وفي الرواة، ويكف غيرهم عن نشر المثالب؛ فتبقى حرمة الجميع.

الاختلاف ليس رخصة للفوضى

لا يصح أن يقول كل متصدر: سبقني إمام إلى الطعن فأختار قوله، وإلا جاز لغيره أن يختار قول من طعن في البخاري أو الشافعي أو أحمد، وتحولت أقوال الأقران إلى سلسلة تكفير وتبديع لا تنتهي. التحقيق يجمع النصوص والقواعد، ولا ينتقي الحكم الأشد.

كتاب مقبل الوادعي في أبي حنيفة

أوضح المقطع أن «تبييض الصحيفة» يدور أكثره حول ضبط أبي حنيفة للحديث، ولم يخرج فيه مقبل الوادعي الإمام من السنة أو الملة، بل ترحم عليه. وضعف الراوي من جهة الحفظ لا يعني كذبه ولا سقوط فقهه؛ فقد يكون إمامًا في فن وأقل ضبطًا في فن آخر.

الخلاصة التي استقر عليها أهل السنة

العمدة توقير أبي حنيفة والدفاع عنه، وعدم إشاعة المتون الجارحة. ومن أراد دراسة الأسانيد فلا يتكلم حتى يتأهل في الحديث والعلل ويقرأ تحقيق المعلمي قراءة علمية، أما جمهور المسلمين فتكفيهم الخلاصة التي مضى عليها العلماء: أبو حنيفة إمام من أئمة المسلمين، والخلاف في حفظه وروايته لا يبيح تكفيره ولا التشهير به.