حفظ الشريعة وحفظ العلماء: ردٌّ على تعليق حاتم العوني عن المباهلة

الشيخ أبو الفضل المصري 3 أغسطس 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يردّ الشيخ أبو الفضل المصري في هذا المقطع على منشورين للدكتور حاتم العوني انتقد فيهما المباهلة المتعلقة بأبي حنيفة والنووي والسيوطي، ووصفها بالإفلاس العلمي والأخلاقي وبأنها وضعت الأئمة في دائرة الاتهام. ويبني أبو الفضل جوابه على أصلين متلازمين: حفظ الشريعة ببيان الحق ورد الخطأ، وحفظ حملة الشريعة بعدم إسقاط العلماء بسبب زلاتهم.

اعتراض حاتم العوني والرد على جمع الطرفين

ينقل الشيخ أن حاتم العوني بلغه خبر مباهلة «بين مجموعة من المنتسبين للسلفية» حول كون أبي حنيفة والنووي من أهل السنة أو من المبتدعة، وكون السيوطي مسلمًا أو مرتدًّا، ثم سأل: ما هذا الإفلاس العلمي والأخلاقي، وإلى أي مستوى بلغ الجهل، وما الفائدة المرجوة؟

ويرد بأن وصف الطرفين معًا بهذه الألفاظ ظلم للمدافعين عن الأئمة؛ فهناك ـ بحسب المقطع ـ معتدٍ يبدّع ويضلل ويكفّر، ومدافعٌ اضطر إلى رد عدوانه. ويقول إن ابن شمس ظل سنوات يدعو مخالفيه إلى المباهلة، ويجعل امتناعهم دليلًا على عدم يقينهم، فكان قبولها وسيلة لرد هذا الادعاء، لا لأن مكانة الأئمة عند المدافعين محل شك.

ما الفائدة المرجوة من المباهلة؟

يذكر الشيخ عدة فوائد قصدها:

  • أن يظهر الله الحق ويرتدع من شاء من المتابعين.
  • أن يتنبه المسلمون الذين لم يكونوا يصدقون وجود من يبدّع النووي أو يسوّغ تكفيره.
  • أن ينكشف موقف ابن شمس علنًا حين امتنع ـ كما يذكر المقطع ـ عن الترحم على أبي حنيفة والنووي والسيوطي.
  • أن يتحرك العلماء والدعاة للتحذير من هذا المسلك بعد انتشار الواقعة.

ويستدل بأصل المباهلة في القرآن، وبما نقل عن ابن عباس والأوزاعي، وبمباهلة ابن حجر رجلًا كان يتعصب لابن عربي. ومقصوده أن استعمالها في شخص معين ليس بدعًا، وأن غايتها ردع الباطل لا إجراء امتحان جديد لمعرفة أئمة المسلمين.

هل الأئمة خفيّ أمرهم حتى يحتاج الناس إلى المباهلة؟

يجيب بأن أبا حنيفة والنووي والسيوطي أئمة معلومون عنده، وأن المباهلة لم تُبن على الشك فيهم. لكنه يقول إن كثرة الطعن والتجريح في الفضاء العام أحدثت غبشًا لدى بعض الشباب، فصار تكرار مناقب الأئمة لازمًا لرد الخطاب الطاعن.

ويضرب مثالًا بسعد بن أبي وقاص حين سمع رجلًا يسب عليًّا فعدد مناقبه على رؤوس الناس ثم دعا على الساب. لم تكن مناقب علي خافية على سعد، لكن ذكرها كان ردًّا على الطعن. وكذلك يرى أن تقرير إمامة النووي والسيوطي وأبي حنيفة لا يعني أنها مجهولة، بل إنكار لمحاولة تشويهها.

العلمانيون وسؤال: ما ذنب النساء؟

حين سأل العوني عن الرسالة التي ستصل إلى المثقفين والعلمانيين من الدعاء على النساء بالهلاك وهن لا ذنب لهن، يجيب الشيخ بأن مقصوده الأول حماية عموم المسلمين لا إرضاء من يطعنون في القرآن والسنة أصلًا.

ثم يربط ذكر النساء والأبناء بنص آية المباهلة، ويقول إن دخولهم عنصر ترهيب يدفع كل طرف إلى مراجعة يقينه. ويكرر أنه سعى إلى إبعاد النساء والصبيان، وأن الطرف الآخر أصر على إدخال الزوجة وذكر رضاها، بينما أُبعد الصغير لعدم تمييزه. ويرى أن من يعترض على أصل الصورة مطالب أولًا بفهم الآية والجواب عن اعتراض خصوم الإسلام عليها.

هل الدفاع وضعٌ للأئمة في دائرة الاتهام؟

ينقل الشيخ سؤالًا آخر عن عمل أبي عمر الباحث ومن معه في الدفاع عن الأئمة، وجواب العوني: «هذا ليس دفاعًا، بل وضع من قدر هؤلاء الأئمة وجعلهم في دائرة الاتهام». ويعترض بأن دفع الطعن عن العالم لا يخفض قدره، كما أن رد الشبهات عن النبي لا يضعه في دائرة الاتهام.

ويقول إنهم دافعوا عن النووي والسيوطي وأبي حنيفة في كتب ومئات المقاطع قبل المباهلة، وإن مناقشة الدليل اضطرار فرضه انتشار التهم، لا اختيار لوضع الأئمة على ميزان مجهول.

هل يكفي أن نقول: هم أولى بالسنة منا؟

يوافق الشيخ على أن الأئمة أولى بالسنة والخير منه، لكنه يرفض أن يستلزم ذلك قبول كل قول صدر منهم. فإذا خالف النووي عالمًا في مرتبته أو أعلى منه، فليس المرجع مجرد مكانة الرجال، بل الأدلة: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول».

ويمثل باختلاف ابن خزيمة مع عائشة في الرؤية، وباختلاف أحمد وابن خزيمة في حديث الصورة، وباختلاف النووي مع الشافعي وغيره. فكلهم أصحاب فضل، ومع ذلك يبحث العلماء في الراجح. وبذلك يكون الموقف الوسط: لا عصمة للأئمة تجعل كل كلامهم حقًّا، ولا إسقاط لهم لأنهم أخطؤوا؛ من أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر مع الترحم عليه وبيان خطئه.

تكفير السيوطي وقاعدة القول والقائل

يرفض الشيخ عبارة «قبح الله هذا الدفاع» عن المباهلة على إسلام السيوطي، ويقول إن القبيح هو تكفيره الذي اضطر الآخرين إلى الذب عنه. كما يستشهد بمباهلة ابن حجر على شخص، ويضيف أن الحكم المستقر عند العلماء هو إسلام السيوطي وإمامته.

ويبين أنهم لا يمتنعون عن تكفير السيوطي لمجرد اجتهاد شخصي في العذر، بل تبعًا للعلماء الذين لم يكفروه وأثنوا عليه. أما ذكر قواعد الجهل والتأويل، فلفهم كلام العلماء وضوابط الحكم، لا لتولي آحاد طلاب العلم الحكم على المعين.

وعند وصف التفريق بين المقالة وقائلها بأنه غير منضبط، يسأل الشيخ: هل كل من قال كفرًا يكون كافرًا بلا استثناء؟ ويستشهد بنهي النبي عن لعن شارب الخمر المعين مع لعن الخمر وأطرافها في النص العام، وبقوله: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» من غير البراءة من خالد. ويرى أن هذا التفريق أصل شرعي قرره ابن تيمية، ويمكن مناقشة ضوابطه، لكن لا يصح إسقاطه جملة.

جواب من كتاب «اختلاف المفتين» نفسه

يخصص الشيخ القسم الأكبر من المقطع لقراءة كتاب حاتم العوني «اختلاف المفتين والموقف المطلوب تجاهه من عموم المسلمين»، لأنه ـ في رأيه ـ يؤصل ما يعترض عليه المنشور.

وينقل من الكتاب أن صاحب الخلاف غير السائغ يُنصح، ثم يختلف الموقف منه بحسب مكانته وأثر مقالته؛ فالعالم ليس كالجاهل، والمسألة عظيمة الإفساد ليست كالصغيرة. ويوازن الشرع والعقل بين حسنات الشخص وسيئاته، ويستدل بآية اصطفاء وارثي الكتاب، وقصة حاطب، وحديث إقالة ذوي الهيئات عثراتهم.

والنتيجة التي يقرأها: إذا صدر القول غير السائغ من عالم فاضل، لم تُبح زلته عرضه بالسب، ولم يجز إسقاطه أو رد كل الحق والخير الذي عنده. كما أن الطعن في كل عالم بسبب رأي شاذ سيؤدي إلى إسقاط أئمة الإسلام من الصحابة إلى المتأخرين؛ إذ لا يخلو مجتهد مكثر من خطأ كبير أو قول غير سائغ.

بيان الخطأ مع حفظ قدر العالم

ينقل المقطع عن ابن رجب أن بيان خطأ العلماء لا حرج فيه إذا تأدب الناقد وأحسن الجواب وقصد إظهار الحق ومنع الاغترار بالخطأ. وقد اشتد أئمة ورعون في إنكار مقالات تفرد بها علماء آخرون، ولم يعدوا ذلك إسقاطًا لهم.

أما إذا كان المقصود إظهار العيب وتنقص العالم وبيان جهله، فهو محرم. ويفرق ابن رجب ـ بحسب القراءة ـ بين العلماء المقتدى بهم، وأهل البدع والضلال الذين يتشبهون بالعلماء؛ فتحذير الناس من الصنف الثاني باب آخر.

ويستشهد كذلك بوصية معاذ في الحذر من «زيغة الحكيم»: يُترك قوله الزائغ ولا يُهجر هو، فقد يراجع، ويظل موصوفًا بالحكمة بعد زلته. وهذا هو الجمع الذي يطالب به الشيخ: رد خطأ النووي وغيره بالدليل، مع بقاء الإمامة والتوقير.

أمثلة تطبيقية من ابن حزم وعائشة وابن خزيمة

يورد الكتاب مثال ابن حزم ومحمد بن طاهر في إباحة الغناء. فالذهبي وصف ابن طاهر بأنه مسلم سني متبع للآثار، مع تمنيه لو لم يصنف في السماع. وبذلك اجتمع رد القول مع حفظ صاحبه.

ثم يعرض تعقب ابن خزيمة قول عائشة: «من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية». رأى ابن خزيمة أن العبارة صدرت في غضب، وأن غيرها أجمل، مع بقاء عائشة في أعلى مراتب الإجلال. ويعلق العوني نفسه ـ كما يقرأ المقطع ـ بأن مكانة أم المؤمنين لم تمنع ابن خزيمة من استدراك ما رآه خطأً في مساحة خلاف سائغ.

ويقرأ أيضًا تعقب الذهبي لابن خزيمة حين أطلق تكفير من لم يقر بعلو الله على عرشه. فرّق الذهبي بين من لم يبلغه الدليل أو أخطأ في فهمه، وبين المعاند الذي بلغه النص ثم رده. وموضع التعقب ليس إثبات العلو، بل ما يوهمه الإطلاق من تكفير كل معين بلا تفصيل.

ويجعل الشيخ هذه الأمثلة ميزانًا للنووي: كما لم يكن تعقب عائشة أو ابن خزيمة تنقيصًا لهما، لا يكون تعقب النووي في مسألة طعنًا فيه ما دام حقه محفوظًا.

متى يكون الإنكار واجبًا؟

ينقل الكتاب كلام ابن تيمية في أن قول «مسائل الخلاف لا إنكار فيها» غير صحيح على إطلاقه. فما خالف نصًّا أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره، وما لم يكن كذلك يُبيّن ضعفه عند من يرى أن المصيب واحد. أما المسألة التي لا نص فيها ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ، فلا يُنكر فيها على مجتهد أو مقلد.

كما ينقل أن التشديد على العالم ليس مرفوضًا مطلقًا؛ فقد يسوغ بالقدر الذي تحتاجه مصلحة بيان الحق أو منع انتشار قول باطل، مع بقاء الإجلال وعدم إسقاط العالم.

من يملك الحكم على الخلاف والمخالف؟

يختم أبو الفضل القراءة بنص من الكتاب يقول إن العامي لا يحتاج إلى تمييز الخلاف السائغ من غيره، وأن الحكم على الخلاف وعلى العالم المخالف وتعيين الموقف منه لا يباشره إلا أهل العلم الراسخون. ويستعمل هذا النص ضد تصدر عوام وغلمان ـ بحسب وصفه ـ لتكفير العلماء وتبديعهم.

وخلاصة المقطع أن الإسلام يُحفظ بأصلين لا يتعارضان: يُصان ميراث النبي من غبش الزلات، وتُصان أعراض ورثته الذين طلبوا الهدى فأخطؤوا. فترك الرد على الخطأ يضر بالشريعة، وإسقاط العالم بسبب خطئه يطعن في شهود الشريعة. ويرى الشيخ أن كتاب العوني نفسه يقرر هذا الجمع، ولذلك يطالبه بألا يجعل الدفاع عن الأئمة والرد على أخطائهم إفلاسًا أو تنقصًا.